• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     

 

أيها الرفاق:

يعدّ نهر النيل شريان الحياة بالنسبة لمصر والسودان, وقد قال هرودوت قديماً: "إنّ مصر هبة النيل". وقد قامت في وادي النيل حضارات إنسانية خالدة, ما زالت آثارها من خلال ما تركته الحضارات القديمة ثم الحضارة العربية الإسلامية في مصر والنوبة وشمال السودان شاهداً ودليلاً على ذلك, ومن دون النيل تتصل الصحراء على يمين النهر وشماله لتتواصل مع الصحارى في شمال إفريقيا...

وقد فتح القرار المصري برفض الاتفاق الإطاري الجديد لتقاسم مياه نهر النيل الذي وقّعته خمس دول إفريقية من دول المنبع لنهر النيل هي تنزانيا ورواندا وأوغندا وإثيوبيا وكينيا, الباب أمام مواجهة قانونية وسياسية بين دول المنبع الإفريقية من جهة ودولتي المصب  (مصر والسودان) العربيتين الشقيقتين من جهة أخرى .

ووقّع ممثلو الدول الأربع يوم 14 أيار الماضي  في عنتيبي بأوغندا وثيقة جديدة لتقاسم مياه نهر النيل على الرغم من عدم مشاركة دولتي المصب, وينتظر أن توقّع دول المنبع الأخرى بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية الاتفاقية الجديدة خلال مهلة تمتد إلى سنة.

ولم تشارك مصر والسودان، وهما المستفيدان الرئيسان من مياه النيل في توقيع الاتفاق الإطار.

ويمنح الاتفاق  المعمول به الذي أعدته بريطانيا المستعمرة في اتفاقية عام 1929، وتمت مراجعته عام 1959، يمنح مصر حصة مقدارها 55.5 مليار متر مكعب من مياه النهر، بينما يبلغ نصيب السودان 18.5 مليار متر مكعب، أي أنهما يحصلان معاً على 87% من منسوبه لدى وصوله إلى أسوان في صعيد مصر. ووفقاً للاتفاقات السابقة تمتعت القاهرة بحق النقض «الفيتو» على كل ما يتعلق بالأعمال أو الإنشاءات التي يمكن أن تؤثر على حصتهما من مياه النهر الذي يوفر لها أكثر من 90% من حاجاتها المائية.

وعلى الرغم من أنّ الاتفاق الإطاري الجديد لا يورد أية أرقام عن الحصص المقبلة لتقاسم المياه، إلا أنه يلغي اتفاقيتي 1929 و1959، ويجيز لدول المنبع إقامة قنوات ري وسدود دون الرجوع إلى دول المصب.

وكانت دول المنبع السبع (بوروندي، رواندا، الكونغو، كينيا، تنزانيا، أوغندا، إثيوبيا) اتخذت خلال اجتماع عقد مع دولتي المصب في شرم الشيخ شهر نيسان الماضي موقفاً بالتوقيع على الإطار القانوني لمبادرة حوض النيل بدءاً من (14/ 5 /2010) على أن يكتمل التوقيع في مدة لا تزيد على سنة، لتنشأ بعد ذلك مفوضية حوض النيل أيّاً كان موقف مصر والسودان.

وجاء القرار على خلفية تمسك دولتي المصب بضرورة النص على احترام الاتفاقات التاريخية والتصويت على القرارات بالإجماع وليس بالغالبية, والإخطار المسبق عن المشروعات المائية المقامة على مجرى النهر، وهو ما رفضته دول المنبع على اعتبار أنّ تلك الاتفاقات وقّعت في عهود الاستعمار ، وكذلك انطلاقاً من مبدأ السيادة الوطنية .

كما أرادت بعض دول المنبع أن يكون اتخاذ القرارات بالغالبية، ورفضت دول أخرى البند الخاص بالإخطار المسبق عن المشروعات المائية.

جذور الأزمة ومحاور الخلاف:

أيها الرفاق:

 

بدأت دول المنبع في حوض النيل (خاصة تنزانيا وكينيا وأثيوبيا) منذ حصولها على الاستقلال تطالب بإعادة النظر في الاتفاقيات القديمة، بدعوى أنها لم تبرم مع الحكومات الوطنية ولكن أبرمها الاحتلال نيابة عنها، وأنّ هناك حاجة لدى بعض هذه الدول خصوصاً كينيا وتنزانيا لموارد مائية متزايدة، حيث أعلنت تنزانيا منذ استقلالها أنها ترفض هذه الاتفاقية من الأصل، ولا تعترف بها، بيد أنّ الرد المصري كان دوماً يطالب باحترام الاتفاقيات التاريخية المبرمة كي لا تتحول القارة الإفريقية إلى فوضى.

وقد ظلت دول المنبع تطالب بتعديل الاتفاقيات، وتهدد بتنفيذ مشروعات سدود وقناطر على نهر النيل تقلل من كميات المياه التي ترد إلى مصر، بيد أنّ هذه التهديدات لم تُنفذ في أغلبها، وقابلتها القاهرة بمحاولات تهدئة وتعاون فني واقتصادي, وأحياناً بتقديم مساعدات لهذه الدول خاصة أوغندا.

ويبدو أنّ ثبات كميات المياه وتزايد سكان دول حوض النيل، وزيادة المشروعات الزراعية، إضافة إلى تدخل جهات أجنبية بالتحريض (إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية)، يدفع تدريجياً باتجاه تفاقم الأزمة في المنطقة، لأن دول مصب النيل وخصوصاً مصر تعتبر مياه النيل مصدر حياتها وترفض تغيير الاتفاقيات القديمة, بل وتطالب بزيادة حصتها من المياه، وبالمقابل تعتبر دول المنبع أنّ هذه المياه ملكاً لها، ولها الحق بالتالي ليس فقط في حجزها في سدود، ولكن في بيعها أيضاً لمصر والسودان .

صحيح أنّ مصر اتبعت استراتيجية التعاون والتهدئة مع دول الحوض والسعي لمساندة هذه الدول في زيادة مواردها المائية وتنمية مشروعاتها الزراعية (دون تأثير على حصة مصر)، كما حدث مع أوغندا بمساعدتها عام 1949 في إنشاء قناطر شلالات (أوين) لتوليد الكهرباء من بحيرة فيكتوريا, ثمّ تعليتها عام 1991، بيد أنّ تصاعد التهديدات من جانب كينيا وتنزانيا وأثيوبيا بتنفيذ مشروعات مستقلة على مجرى النيل، وبدء بعضها بالفعل أعاد فتح الملف مرة أخرى وسط مخاوف من أن تبدأ حروب المياه من حوض النيل.

يكمن محور الخلاف على المستوى الفني الآن بين مصر والسودان من ناحية، وبين دول المنبع من ناحية أخرى، في المحاور التالية: الأمن المائي، وفي الإطار القانوني ، وفي الرقابة المسبقة على المشروعات.

 

الأمن المائي

يعدّ بند الأمن المائي والحقوق التاريخية من أبرز نقاط الخلاف في الاتفاقيات التي تمت لا سيما بين عامي 1929 و 1959، حيث تتمسك به مصر، وترفضه دول المنبع رفضاً كلياً، ويتمثل في اشتراط مصر أن يتمّ الاعتراف بحقها التاريخي، وأنّ حصتها الحالية من الماء لن يتمّ المساس بها، ولن يقترب منها أحد.

كما يفرض أن يكون هناك آلية للتشاور المسبق على المشروعات المنفردة على مجرى النهر، حيث إنّ مصر- كدولة مصب- إذا أقامت مشروعات فلن تؤثر على أحد، لكن َمن قبلها من البلدان من دول المصب لو أقامت أية مشروعات ستؤثر على حصة مصر من المياه، وبالتالي فإن هناك ضرورة للتشاور المسبق وموافقة مصر أولاً، وهو ما ترفضه دول المنبع.

 


الإطار القانوني

يعدّ التعديل في اتفاقية الإطار- كأول اتفاقية جماعية تلزم دول حوض النيل- أحد أبرز نقاط الخلاف بين دول المصب ودول المنبع، حيث تنصّ على ضرورة إنشاء إطار قانوني يحكم أية مشروعات تتمّ إقامتها، وينظم تلك العلاقات بين دول الحوض.

وتريد دول المنبع أن يتمّ هذا التعديل بالأغلبية بين دولتي المصب ، ودول المنبع ، وهو ما ترفضه مصر والسودان، اللتان تطالبان بأن يكون هذا التعديل بالإجماع أو بالأغلبية المشروطة بوجودهما ضمن تلك الأغلبية، على أن يكون لهما حق "فيتو"، حيث لا يتمّ تعديل الإطار القانوني إلا بموافقتهمانظراً لأن نهر النيل يسير أطول مسافة في هذين البلدين .

 

الرقابة المسبقة

تكمن أحد أبرز نقاط الخلاف حول الاتفاقية في اشتراط مصر أن يكون هناك رقابة مسبقة على المشروعات المنفردة، وألا تقوم دول المنبع بإقامة المشروعات دون التشاور مع دولتي المصب، حتى تكون على معرفة دقيقة بأن تلك المشروعات لن تؤثر على تدفق كمية المياه إليها، ولن تضر بالصالح العام، وهو ما تراه دول المنبع بأنه تدخل في شؤونها الداخلية، وفرض سيطرة مصر والسودان عليها.

 

أيها الرفاق:

لقد طرحت اتفاقية الإطار الجديدة العديد من المواقف والتداعيات على العلاقات بين دول المصب ودول المنبع خصوصاً على الجانب القانوني ومدى إلزام هذه الدول بها

 فكيف تنظر دول المنبع والمصب إلى هذا الخلاف؟ وهل تفتح الخلافات فيما بينها الطريق نحو مفاوضات جديدة بعد فشل مباحثات شرم الشيخ, أم أنها بداية لنزاعات جديدة في القارة السمراء؟ وكيف يمكن أن تدافع مصر (وهي المستفيدة الكبرى) والسودان عن حصتهما في حال وقّعت دول المنبع كلها على اتفاق جديد لتقاسم مياه النهر؟

 

الموقف المصري

تعتبر مصر أنّ مثل هذا الاتفاق لا يعدّ ملزماً لها بأي شكل من الأشكال من الناحية القانونية، لأنها لم توقّعه, إذ إنّ  قواعد دولية تحكم تقديم التمويل لأية مشروعات على الأنهار المشتركة، وهي تنصّ على مبدأ عدم إحداث ضرر لدول المصب. كما أنها  تشدد على أهمية التشاور مع دول المصب قبل الشروع في تنفيذ مشروعات مائية في الدول المشاطئة للأنهار المشتركة.

واعتبر الوزير المصري للشؤون البرلمانية والقانونية مفيد شهاب وهو أستاذ للقانون الدولي أنّ الاتفاق لن يكون قابلاً للتنفيذ نظراً إلى عدم توقيع القاهرة والخرطوم عليه.

وبالمقابل يرى البعض أنّ توقيع دول المنبع على الاتفاق سيرتب حقوقاً والتزامات جديدة لهذه الدول ستؤثر على مصر والسودان باعتبار أنّ دول المنبع هي المتحكمة في موارد النهر. لكن الوزير شهاب أكد أنّ الاتفاق إن رتّب أثراً جديداً يمسّ مصر والسودان، « سيتعارض هذا مع اتفاقية دولية مبرمة مع دول المنبع وملزمة قانوناً لها، أي أنّ هذه الدول ستكون خالفت التزاماتها السابقة وهذا باطل قانوناً » وأضاف: إنه في هذه الحالة سنكون في وضع صراع مع الدول الموقعة، ومصر لا تريد الوصول إلى هذه النتيجة.

وعما إذا كان يمكن أن تلجأ القاهرة إلى التحكيم الدولي، استبعد شهاب ذلك، لأن التحكيم لا يتمّ إلا بموافقة كل الأطراف، فضلاً عن أنّ القاهرة لا تسعى إلى صراعات مع دول تربطها بها علاقات تاريخية و"من الممكن رعاية مصالح الجميع من خلال حسن استخدام الموارد". وأوضح شهاب أن الاستراتيجية المصرية للتعامل مع الموقف ستقوم على «استمرار التواصل مع دول المنبع على مستويات سياسية أعلى» لأن «الحوار يحقّق مصالح الجميع وموارد النهر تكفي احتياجات الجميع». وتعتقد مصر أنّ ضبط الفاقد من مياه النيل في دول المنبع عن طريق ضبط جريان النهر وتخفيف البخر وغير ذلك من الوسائل الفنية يمكن أن يزيد معدل استفادة كل الدول دون التأثير على حصة دول المصب.

 

موقف السودان

يجاور السودان عدد كبير من الدول الإفريقية وله حدود طويلة ومباشرة مع بعض دول المنبع, فالمخاطر التي تواجهه كبيرة نظراً لانعكاسات الاتفاق الجديد على حصته من مياه النيل, فضلاً عما يتهدد واقع البلاد من مخاطر الاستهداف الخارجي والتقسيم, خصوصاً أنه مقبل على استفتاء مصيري بين البقاء موحداً, أو الانقسام بين شمال وجنوب, وفيما لو حصل الخيار الثاني, فأزمة السودان ستتفاقم كثيراً خاصة أنّ الجنوب سيبقى متحكماً بجلِّ مصادر مياه السودان من النيلين (الأزرق والأبيض).

وقد توحد الموقفان السوداني والمصري بعد قمة عنتيبي, وتجمد أيّ خلاف حول مياه النيل الذي كان يثار سابقاً .

 

موقف دول المنبع

تتحدث دول المنبع عن حصصها في مياه نهر النيل، وبدأت منذ العام 1995 تعقد المؤتمرات بهذا الشأن, وتضع الأفكار والمطالب التي تلقي بثقلها على السودان ومصر، ولا نعتقد أنّ المحاولات قد انتهت عند قمة شرم الشيخ الأخيرة التي انتهت بالفشل. فدول المنبع ستستمر في محاولاتها التفاوضية من أجل الحصول على حصص من مياه النهر، وفشل المفاوضات لا يعني أنها ستمتنع عن استخدام مياه النهر بصورة متصاعدة مع الأيام. ومن المتوقع أن تأتلف هذه الدول فيما بينها, وتقرر اتخاذ قرارات مائية بمعزل عن مصر والسودان، ومن المحتمل أن تجد من يؤازرها ويدعمها في الساحة الدولية سراً أو علانية.

 

الموقف الأوروبي والأمريكي

أعربت  أمريكا والدول الأوروبية عن القلق إزاء الاتفاقية الجديدة ، ولم تتدخل بريطانيا الدولة المستعمرة السابقة والتي صاغت اتفاقية 1929 ، ولانعتقد أنها ستحرض دول المنبع لتنفيذ مشروعات مائية تؤثر على حصص مصر والسودان، لكن هذا مرتبط بالظروف، وإذا تغيرت مواقف مصر السياسية تجاه إسرائيل أو إيران, أو امتلاك التقنية المتطورة فإنه ستكون لأهل الغرب مواقف أخرى. هذا ليس من قبيل الخيال، إنما حصل في عهد عبد الناصر أن حرضت أمريكا دولاً إفريقية للتأثير على مجرى النهر.

 

الدور الصهيوني في الأزمة

أيها الرفاق:

لقد استطاعت (إسرائيل) عن طريق المشروعات والمساعدات الاقتصادية أن تضع أقدامها داخل القارة الإفريقية, واستثمرت علاقاتها مع دولها وخاصة حديثة الاستقلال بمجرد إعلانها عن ذلك, في تدعيم تحركاتها داخل القارة وحققت نجاحاً لا يجوز الاستهانة به, بدليل أن معظم الدول الإفريقية التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل في أعقاب حرب تشرين التحريرية 1973, أعادت هذه العلاقات وتصاعد التعاون معها في جميع المجالات لا سيما الاقتصادية والعسكرية والأمنية منها. وتقدم إسرائيل خبراء في الزراعة والري للعديد من الدول الإفريقية.

ويستخدم الكيان الصهيوني نهر النيل للضغط على مصر، فقد تقدمت بعرض "شبه رسمي" إلى الحكومة المصرية بوقف تدخلها لدى دول منبع حوض النيل، وعدم عرقلة أية تسويات قد يتمّ التوصل إليها في الأزمة الحالية، في ظل ما يتردد عن وقوفها وراء تحريض دول المنبع على توقيع الاتفاق الإطاري الذي تعترض عليه القاهرة. وتشترط تل أبيب على مصر التوقف عن إثارة القدرات النووية الصهيونية في المحافل الدولية, وكذلك مد ترعة السلام عبر سيناء وتحت قناة السويس إلى النقب في الأرض المحتلة.

وعليه, فإن الضغط الأكبر المتوقع على مصر والسودان يأتي من (إسرائيل) لأنها معنية بتدعيم مواقفها وأوراقها في مواجهة العرب حتى لا يحاولوا مضايقتها مستقبلاً ، وتريد أن تصبح مياه النيل ورقة بيدها تلوح بها إذا اتخذت مصر أو السودان مواقف سياسية وعسكرية قد تؤثر سلباً عليها.

وتلعب إسرائيل كما في السابق دوراً سلبياً في جنوب السودان، حيث حرضت الجنوبيين ضدّ السودان وسلحتهم ودربتهم، وليس من المستبعد أنها ستستعملهم في المستقبل خاصة إذا انفصلوا وأقاموا دولة مستقلة.

 

الضغط المتوقّع ومتاعب كبيرة

لم تعد الحصص المخصصة لمصر والسودان كافية، فمصر الآن بحاجة إلى أكثر من 22مليار متر مكعب إضافية. وعدد السكان يزداد في مختلف الدول، وكذلك الاحتياجات المائية بسبب التوسع في الزراعة والصناعة والخدمات، وبالتالي فإن الضائقة المائية لا مفر ستزداد.

ومن المتوقع أنّ مصر والسودان ستواجهان ضغوطاً من أجل إعادة صياغة الاتفاقيات الموقّعة، ومن أجل اعترافهما بحقوق دول المنبع, والتنازل عن بعض حصصهما من مياه النهر. هذه الضغوط، ضمن الظروف الدولية القائمة حالياً، ستكون مرتبطة بمصالح الدول الغربية بخاصة الولايات المتحدة.

من الوارد جداً أنّ متاعب مصر والسودان مائياً ستظهر تصاعدياً في المستقبل إن لم يتم إيجاد الحلول العملية للمشكلات المائية التي تواجهها كلٌّ من دول المنبع والمصب، ومعها ليبيا أيضاً التي تنعم بكمية كبيرة من المياه الجوفية جنوب شرق البلاد بفضل نهر النيل. وإذا تمّ دعم دول المنبع في جهودها لاستخدام نسب متزايدة من مياه النهر، فإن العرب سيواجهون كارثة كبيرة, حيث إنّ هناك حوالي 120 مليون عربي يعتمدون في حياتهم على مياه النيل، وهم، أو جزء كبير منهم، سيهيمون عطشاً إن انخفض تدفق مياه النيل. ربما يستطيع السودان أن يتدبر الأمر جزئياً بسبب هطول الأمطار على مناطقه الجنوبية، وبسبب بعض الينابيع المنبثقة من أرضه، لكن الكارثة في مصر ستكون مهلكة.

 

المياه قضية استراتيجية:

أيها الرفاق:

لقد دعت سورية من خلال جامعة الدول العربية إلى إنشاء المركز المائي العربي ليكون بمثابة مكتب استشاري للدول العربية, كما دعت إلى عقد المؤتمرات العربية حول المياه, واعتبرت أنّ الحاجة إلى المياه مستقبلاً قد ترتّب صراعات وحروباً إقليمية.. وفي هذه الظروف المناخية العالمية وندرة المياه وانتشار الجفاف والتصحر تعدّ قضية المياه قضية استراتيجية, وعلى علاقة مباشرة بالأمن القومي العربي.

كما تعدّ قضية المياه في المنطقة العربية عموماً واحدة من أكبر المشكلات وأكثرها حساسية ، وتتعقد أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية ، فنسبة 85 بالمئة من الموارد المائية العربية من أراض غير عربية ، وعليه لاتسيطر الدول العربية سيطرة مطلقة على مواردها المائية ، إضافة  إلى خطر الجفاف الذي يتهدد معظمها ، فضلاً عن الازدياد السكاني, الأمر الذي يحتّم زيادة مساحات الأراضي الزراعية المروية, وهو مايتطلب الاعتماد على الأنهار النابعة من دول الجوار .

نحن أمام محاولة لتغيير قواعد اللعبة، ولمحاصرة العرب في إفريقيا، وما أزمة  مياه النيل إلا أولى ثمار هذا الحصار في ظل ظروف تاريخية صعبة يعيشها الوطن العربي، تراجع  فيها دور الكتلة العربية في السودان، والصومال، وجيبوتي، وأريتريا.

لقد جاءت أزمة مياه النيل في ظل هذا الواقع المتردي.. لو كان السودان موحداً.. ولو كان الصومال في حالة استقرار.. ولو كانت جيبوتي وأريتريا والوجود العربي في هذه المنطقة في أحسن حالاته لما اتخذت دول المنبع هذا الموقف المتشدد مع مصر والسودان في هذه القضية الخطيرة..

من الخطأ أن ننظر إلى ما حدث مع دول المنبع كقضية مستقلة عن قضايا أخرى تخصّ العرب في هذه المنطقة. وهنا لا بدّ من إعادة الدور العربي للقارة السمراء،بالتنسيق بين أقطار الوطن العربي, لأن الاستثمارات العربية تتجه الآن إلى دول شرق إفريقيا خاصة إثيوبيا, ولا شك أنّ هذه الأقطار تستطيع أن تكون صاحبة دور مؤثر في مستقبل هذه المنطقة..

لقد بات الأمن المائي عنصراً أساسياً من عناصر الأمن القومي العربي, لذلك لا بدّ من:

-        متابعة التطورات المهمة في أطر ومفاهيم القانون الدولي المتعلق بالمجاري المائية الدولية المشتركة, ومواجهة أية تطورات تؤثر سلباً على الحقوق المائية العربية، ودعم وتمتين العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين الدول المتشاطئة، وتعزيز الحوار العربي - الإفريقي لبحث التغلب على مشكلة مياه النيل في إطار تفعيل الجهد الدبلوماسي والسياسي العربي على المستويين الإقليمي والدولي لضمان وحماية المصالح المائية, العربية وتعزيز القدرات التفاوضية العربية الخاصة بالمياه المشتركة مع الدول غير العربية, على أساس قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية.

-       تقديم العرب الإمكانات المالية لدعم الدول الإفريقية بصورة عامة ودول منبع النيل بصورة خاصة. من المعروف أنّ الدول الإفريقية عموماً فقيرة, ولا تستطيع الاستثمار الواسع في قطاع المياه، ومن الأيسر على دول المنبع استغلال مياه نهر النيل، لكنها لن تُمانع إذا تقدم العرب بحلول عملية توفر لها المياه، وتحفظ لمصر والسودان حصصهما في مياه نهر النيل. أي أنّ الحل يتطلب توظيف أموال النفط لدعم قطاع المياه في إفريقيا، فهل توافق الدول العربية النفطية على التمويل؟.

-       تشجيع دور الجامع الاجتماعي والثقافي التاريخي بين الدول العربية والدول الإفريقية.

-        العمل على تحسين ظروف جنوب السودان، بما يمنع الوصول إلى الانفصال. لأن انفصال الجنوب السوداني خطير, خاصة أنّ (إسرائيل) ستجعل من الجنوب قاعدة عملياتية لها لاختراق إفريقيا وللإضرار بمصر والسودان.

-       التضامن العربي ، العلاج الاستراتيجي الأهم في صون الحقوق  والمصالح ومصادر العيش.. العرب متنازعون ومنقسمون ، والأمم تتطاول عليهم، ومشكلاتهم وهمومهم تتفاقم.

أيها الرفاق:

إنّ سورية تدعم الأشقاء في مصر والسودان في موقفهما القانوني والذي تؤكده الاتفاقيات المعقودة بين دول حوض النيل, وتدعو إلى احترامها, كما تدعو من منطلق الأخوّة العربية الإفريقية إلى التعاون والحوار والوصول إلى الحلول التي تعود بالنفع والخير على الجميع.

والخلـود لرسالتنا

دمشق 14/6/2010

                                                                الرفيق عبد الله الأحمر

                                                                 الأمين العام المساعد

   لحزب البعث العربي الاشتراكي

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg