• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     

 

 

     التاريـخ:   14  /  3 /2010

 

أيها الرفاق

 

جاء استكمال الوحدة القومية وبناء الدولة – الأمة في الشرق والغرب، ، أو الحفاظ عليها إن كانت موجودة أساساً، خطوةً أساسيةً في نهضتها الحديثة ، في حين حيل بين العرب وبناء دولتهم القومية لأسباب عديدة، ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، وتلك هي المهمة الكبرى المطروحة أمام العرب منذ قرن ونصف، ولم يتمكنوا من إنجازها، وتبقى هي المفتاح الأساسي لرسم مسار التطور اللاحق لأمتنا، وسنعرض فيما يلي لأهم التعريفات والمصطلحات المطروحة للدولة والأمة. 

 

 

 

حول المصطلح

 

         ثمة تعريفات عديدة للأمة فأرنست رينان يقول: "الأمة تفترض وجود ماض، ومع ذلك نراها في الحاضر تتلخص بأمر ملموس: انه التوافق والرغبة الصريحة في مواصلة الحياة المشتركة"، فالأمة في النظرية الفرنسية هي وحدة الماضي ووحدة الإرادة، بينما هي في النظرية الألمانية وحدة اللغة، وتركز النظرية الماركسية على أهمية الحياة الاقتصادية المشتركة. ولكن أكثر التعريفات شمولاً هو: "الأمة هي جماعة طبيعية من البشر قادتهم وحدة الجغرافيا والتاريخ والعادات واللغة والتراث الثقافي والروحي إلى وحدة في الإرادة وفي نمط الحياة والوعي الاجتماعي" أي أن تعريف الأمة لا يقتضي بالضرورة تشكيل الدولة التي تحتضنها.


       وثمة تعريفات عديدة للدولة فقد قال ماكس فيبر إنها تقوم على ثلاثة أسس تستمد منها مشروعيتها:",وشخصية الحاكم القياديةوالشرعية القانونية"، أماتوماس هوبس فيقول إنها نشأت: "نتيجة لميثاق وتعاقد إرادي حر بين الأفراد تم بمقتضاه تنازلهم عن بعض حقوقهم الطبيعية وحريتهم المطلقة مقابل تحقيق الأمن واستقرارهم وضمان حريتهم من طرف شخص أو مجلس يجسد إرادات الجميع ينظم شؤونهم ويضمن السلم والأمن ويحافظ على حقوق الجميع و يشترط فيه أن يكون قوياً مستبداً حتى لا يجرؤ أي أحد على خرق الميثاق المتعاقد عليه و عصيان أوامره خشية منه". في حين يؤكد سبينوزا أن: "غاية الدولة القصوى هي تحرير الأفراد والحفاظ على أمنهم وتمكنهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية وحمايتهم من كل أشكال العنف والتسلط وتنمية قدراتهم الجسدية والذهنية شريطة عدم إلحاق الضرر بالآخرين والامتثال لسلطة الدولة"، أما مونتسكيو فيقول: "إن الدولة الحديثة تتوزع فيها السلطات إلى ثلاثة أنواع: التشريعية والقضائية والتنفيذية"، ويشترط مونتسكيو لضمان أسس الدولة واستمراريتها الفصل بين هذه السلطات واستقلالية كل منها عن الأخرى.

 

 

 

 

أيها الرفاق

 

بصورة عامة يمكن القول إن هذه التعريفات جميعها، تلقي الضوء على جوانب الدولة الحديثة التي نشأت مع النهضة الأوربية، واستطاعت أن تجسد على أرض الواقع ظاهرتين في آنٍ واحد: الدولة الحديثة والدولة-الأمة، أما العرب فقد عجزوا عن تحقيق الظاهرتين معاً، فلا هم أنجزوا مشروع الدولة القومية، ولا هم استطاعوا تحقيق الدولة الحديثة على المستوى القطري،فقد بقيت الدولة القطرية بحاجة إلى مرجعيات تعرفها من خارج كيان الدولة القطرية نفسها، فتارة تكون العروبة هي المرجعية، وتارة أخرى الإسلام، وفي حالات محدودة وربما مؤقتة اتخذت بعض الدول القطرية مرجعيتها القارة الأفريقية. أما بالنسبة للدولة الحديثة فهي لم تتحقق إلا على ورق الدساتير، فعلى الرغم من كل الجهود التي بذلتها النخب العربية التقليدية أو الطليعة التقدمية للأحزاب القومية، فإن العلاقات قبل- الدولتية كانت تتقدم لتدمر هذه الجهود وتعيد شكل المجتمع إلى وضعه التقليدي العشائري السابق.

 إن مفهوم الدولة ومفهوم الأمة مفهومان مترابطان، فالأمة-الدولة: هي الأمة التي حققت نفسها سياسياً ضمن حدود وطنية خاصة بها، وبهذا تنطبق حدودها السياسية على حدودها القومية، ويمتزج فيها مفهوم "القومية" وهو عاطفة الولاء نحو الأمة، بمفهوم "الوطنية"، وهو عاطفة الولاء نحو الدولة نفسها، وتترادف كلمة "الأمة" فيها مع "الشعب" ومع الدولة ككل، فهما يشكلان بعضهما بعضاً بحيث لا يمكن فصلهما عن بعضهما لأنهما وجود مشترك بتعريف واحد فالأمة تشكل الدولة، والدولة لا تتشكل بدون وجود أمة تتشكل بها.

وإذا قمنا بالنظر الى الاختلاف الذي يميز بين الدولة والأمة، نجده اختلافا ظاهريا لا يفصل بينهما. فالأمة هي السقف والمظلة التي تحمي الدولة وتضمن نموها وتطورها واستمرارها، ذلك أن الدولةتحتاج إلى الروابط الروحية لتزيد روابطها القانونية متانة، مثلما تحتاج الأمة إلى الروابط القانونية ليستمر وجودها ويقوى. ومن الأفضل أن تكون الدولةأمة واحدة لتزيد متانتها والأمة دولة واحدة ليزيد تعاطف أفرادها، لان الأمة هي روح الشعب والدولةهي جسده، والعوامل الروحية للحياة الاجتماعية لا يمكن أن تنفصل عن عواملها المادية.

 

الأمة ومفهوم الهوية

 

أيها الرفاق

 

       الهوية الفعلية لمجتمع من المجتمعات، أو أمة من الأمم، هي ما ينتجه هذا المجتمع أو هذه الأمة، على الصعيدين المادي والروحي، وما يقيمه لنفسه من علاقات وتنظيمات اجتماعية وسياسية.

في ضوء هذا التحديد تغدو الهوية القومية أو الوطنية هوية حية وغنية وقابلة للنمو والتطور، بيد أن المشكلة الرئيسة التي قفز الفكر القومي، من فوقها، ما تزال قائمة، على الصعيدين النظري والعملي، وهي غياب التطابق بين فكرة الأمة العربية، ووجود العرب المباشر الملموس، في العالم وفي التاريخ، وهو وجود لا يماري فيه عاقلان، ولذلك ما تزال مشكلة الهوية تقلق الفكر القومي.

لقد تحدث كثيرون عن الاستمرارية والانقطاع في التاريخ العربي، غير أن الذي استمر فعلاً هو العرب واللغة العربية والثقافة العربية فحسب، لا القومية ولا الوحدة العربية، نقول هذا لأن القومية بالمعنى الحديث ليس لها سوى هذا المعنى، وهي لا تكون دون دولة حديثة، إنها وعي الانتماء إلى الدولة-الأمة، والمشكلة تكمن هنا في التفارق والتنابذ بين الواقعة الذهنية المجعولة موضوعية وبين تعيينها، أي في غياب تطابق الواقع الملموس مع الفكرة المسماة واقعة موضوعية، لأن الفكر وفق هذه الرؤية القومية العربية هو الذي يخلق الواقع، وعليه أن يفعل ذلك.

       ولا يمكن حل هذه المشكلة إلا بتبني فكرة الهوية المنفتحة على مشروع بناء الدولة- الأمة. وهو ما سنحاول توضيحه فيما يلي.  

يولد الفرد وتولد معه جوانب جاهزة من هويته كالانتماء العرقي والإثني والديني والوطني والبيئة الثقافية، ولكن هذه الجوانب لا تصبح جزءاً حقيقياً من هويته حتى يعيها الفرد أولاً ويتبناها ثانياً، وثمة أفراد يعيدون تعريف هويتهم بعد سن النضج، وثمة حالات نادرة من الأفراد يعيشون في هذه الدوامة طوال حياتهم: بين التعريف وإعادة التعريف.

ومع أن هوية الجماعات أكثر ثباتاً من مثيلتها لدى الأفراد، فإنها هي الأخرى عرضة للتغيير، وإن كانت عملية التغيير تحتاج إلى وقت أطول وظروف خارجية غير عادية.

       لذلك لا يمكن إنجاز الدولة-الأمة قبل أن يعي الأفراد العرب انتماؤهم للأمة، وقبل أن يؤمنوا بضرورة النضال لتحقيق هذا الإنجاز، وهذه العملية تشكل المضمون السياسي والاجتماعي والفكري والنضالي للحركة القومية.

 

المهام والوظائف والشروط

 

أيها الرفاق

 

لابد من الإشارة هنا إلى التجربة الرائدة التي خاضتها مصر وسورية (1958 ـ 1961)،فهي أول تجربة شكلت اختباراً ملموساً لمشروع الدولة-الأمة، فقد ألهبت هذه الوحدة حماسة الجماهير العربية، حتى أصبح التيار القومي العربي – في ذلك الحين- تياراً جارفاً قوياً، لقد كانت تجربة الوحدة منعطفاً حاسماً، قاطعاً، لن تعود أوضاع الأمة بعده إلى ما كانت عليه قبله أبداً،  لكنّ الكثيرين لم يلاحظوا أيضاً، كما يبدو، عمق التغييرات الاجتماعية والسياسية التي نجمت عن التجربة، والأهمّ أنّ تلك التجربة التاريخية، بنهوضها وسقوطها، وبنواقصها الفادحة وظروفها المعقّدة، أحدثت صدمة مزلزلة كشفت دفعة واحدة مقدار اتساع الهوّة بين الواقع والغايات، فإن تلك التجربة التاريخية، بغضّ النظر عن الحماسة الشعبية العارمة المنقطعة النظير التي احتضنت انطلاقتها، كشفت مقدار ضعف قواها السياسية والاجتماعية في مواجهة قوى الأعداء، وكشفت بدائية أدواتها وفقر وسائلها بالقياس إلى الأهداف الوطنية والقومية العظمى التي أخذت على عاتقها مهمة إنجازها، وكشفت أنها لم تأخذ بالحسبان على نحو كافٍ وعملي أنّ كلّ محاولة بسيطة باتجاه المقاومة والتوحيد تتجلَّى أصداؤها ًإجراءات عمليّة فورية مضادّة في العواصم الاستعمارية. إن الكثيرين ممّن خاضوا تجربة الوحدة المصرية السورية لم يذهبوا في تقديرهم لذلك الحدث التاريخي إلى هذا الحدّ، بينما العدو رآه كذلك، فقد كان هذا الحدث على هذا المستوى حقاً، سواء من حيث عوامل نهوضه ومعاني هذا النهوض، أم من حيث عوامل انهياره ومعانيه، لذلك لا بد لنا وقبل كل شيء من مناقشة جميع الشروط والمهام والوظائف الكفيلة بنجاح التجربة التاريخية.

 

·      الشرط الاجتماعي:

 

إن بناء الدولة – الأمة  لا يمكن أن يتحقق ببذل الجهود النظرية، والعمل على زيادة الوعي بأهمية الوحدة العربية فقط، فدولة الوحدة لها وظيفة محددة، ولا يمكن أن نتجاهل الشروط الضرورية للانتقال إلى دولة الوحدة. وبكلمة أوضح نقول إن دولة الوحدة لا يمكن أن تقوم إلا إذا أيدتها وسعت إليها الأكثرية العظمى من القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بلدين أو أكثر، وهذا يتطلب وجود مصالح مشتركة لهذه القوى في بناء دولة الوحدة، والواقع الحالي يقول إن القوى المسيطرة اجتماعياً في البلدان العربية هي القوى العشائرية والقبلية، واقتصادياً هي الفئات الطفيلية المستفيدة من الاقتصاد الريعي لارتباطها بسلطة الدولة القطرية، والمسيطرة سياسياً هي جماعات من التقنيين ومحترفي السياسة بمعناها الأسوأ، وهذه القوى ليس لها أدنى مصلحة في التخلي عن امتيازاتها التي توفرها لها سلطة الدولة القطرية، وللأسف الشديد استطاعت هذه المجموعات أن تهمش جميع فئات الشعب الأخرى وأن تحولها إلى كم مهمل.

لا بد لكل هدف تاريخي كبير من حامل اجتماعي أي مجموعة من القوى الاقتصادية الاجتماعية التي تأخذ على عاتقها إنجاز هذا الهدف التاريخي، لا بد إذاً من رافعة تاريخية تتألف من القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تستطيع أن ترفع بناء الدولة القومية .

       وهذه الفكرة حول الحامل الاجتماعي أو الرافعة التاريخية ليست حديثة أو مبتكرة، فقد خصصت لها الحركات القومية العربية جانباً من جهدها النظري، لقد أكد التيار القومي العربي أن هذه المجموعة من القوى، المعنية ببناء دولة الوحدة، تتألف من العمال والفلاحين والرأسمالية الوطنية وصغار الكسبة والحرفيين (أي البرجوازية الصغيرة) .

وإذا أعدنا النظر في التعريف السابق، فإننا سنرى أن الطبقة العاملة العربية لا تزال ضعيفة بالقياس إلى مثيلاتها في أوربا وأمريكا وحتى إلى مثيلاتها في بلدان الشرق الآسيوي، فالاقتصاد في البلدان العربية يعتمد أساساً على نمط الاقتصاد الريعي ويرتكز على الصناعات التحويلية البسيطة، وفي البلدان المنتجة للنفط نجد أن قسماً كبيراً من أفراد الطبقة العاملة هم من الوافدين من بلدان أخرى وليس لهم ارتباط قوي بالبلد الذي يعملون فيه، حتى لو كانوا من الوافدين العرب، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من البلدان العربية لا يسمح بالعمل النقابي العمالي، أما البلدان التي تسمح به فقد أخذت السلطة فيها جميع احتياطاتها وتوصلت إلى تدجين النقابات العمالية، ودمجها بالبنى القطرية وبالاقتصاد الريعي.

وكذلك فإن ظاهرة هجرة الريف إلى المدينة قللت من أهمية طبقة الفلاحين، فقد انخفضت نسبة العاملين في حقل الزراعة في معظم الدول العربية، وإذا أخذنا بالحسبان التباعد الطبيعي في مجال عمل المزارعين الذين يعملون في ملكيات زراعية صغيرة ومنفصلة، والنزوع الطبيعي الفردي لدى الفلاحين، نجد أن القوة الاقتصادية الاجتماعية السياسية لهذه الطبقة انخفضت كثيراً بالقياس إلى ما كانت عليه في أواسط القرن العشرين.

              أما الرأسمالية الوطنية، أي الرأسمالية التي تعمل في مجال الإنتاج الصناعي، فإنها لا تكوِّن قوة كبيرة، نظراً لحجم إنتاجها ونسبته من الاقتصاد الوطني الذي يغلب عليه الطابع الريعي.

وأخيراً فإننا نجد أن دور النخب الفكرية العربية اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، أخذ بالتراجع في معظم البلدان العربية منذ ثمانينات القرن الماضي، وهي فترة شهدت صعوداً لهيمنة النخب السياسية الاقتصادية القطرية الحاكمة في البلدان العربية .

ولا نستطيع اليوم حين نفكر بهذه القوى الاجتماعية التي يفترض بها أن تكون الرافعة التاريخية للنهوض القومي، إلا أن نعترف أنها بوضعها الراهن غير قادرة على إنجاز هذه المهمة التاريخية، ومع ذلك فإننا نعتقد أن الظروف الراهنة ستساعد في بدء البلدان العربية بالتحرك نحو أنماطٍ جديدة من الاقتصاد تختلف عن الاقتصاد الريعي، فالمخزون النفطي العالمي لن يستطيع أن يصمد طويلاً أمام تزايد الطلب ومحدودية الإنتاج، وسيشهد العقد القادم أو العقود القريبة القادمة، ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط بسبب العجز عن تلبية الطلب المتزايد .

وأمام الخطر الداهم المتمثل في اقتراب ظاهرة نضوب النفط، ستضطر البلدان المنتجة للنفط والبلدان المحيطة بها والمعتمدة عليها، إلى الانخراط في تجارب اقتصادية جديدة تنقل اقتصاد بلدانها إلى مرحلة الاقتصاد الصناعي وربما استطاعت بعض الدول العربية الوصول إلى اقتصاد المعرفة .

إن هذه التطورات، إن حصلت، واحتمال حصولها كبير، وعلينا أن نسهم في تحقيقها، ستؤثر في حجم نفوذ هذه القوى الاجتماعية التي ذكرناها سابقاً، بل وستدفع إلى الواجهة قوة اقتصادية جديدة هي البرجوازية الوطنية العاملة في حقل الإنتاج الصناعي، والتي سيكون في مصلحتها، ليس فقط توسيع الأسواق العربية وتوحيدها، بل إقامة سلاسل إنتاج في عدة دول عربية، تستفيد من التكامل العربي وتوظفه لمصلحتها .

لذلك نقول إن الحامل الاجتماعي أو الرافعة التاريخية للنهوض القومي العربي ستكون مؤلفة من كتلة تاريخية واسعة تضم إلى جانب العمال والفلاحين والمثقفين الطبقة البرجوازية العربية المنتجة الصاعدة والتي ستتنامى قوتها مع تراجع طابع الاقتصاد الريعي في البلدان العربية.

وإذا أريد للنهوض القومي العربي النجاح في إنجاز مهامه، فإن على الحركات القومية العربية أن تسعى منذ الآن إلى زيادة حجم نفوذ القوى التي يفترض بها أن تدخل ضمن الكتلة التاريخية التي تستطيع إنجاز هذه المهمة، وزيادة أثر هذه القوى في حركة هذه الكتلة.

 

·        دور الحركة القومية:

تقوم الأحزاب السياسية والمؤسسات والمراكز التابعة لها بدور محوري في حياة المجتمعات والدول الحديثة، فهي تؤدي الدور الأساسي في إعداد السياسات الخارجية لبلدانها، وتهتم بإعداد استراتيجيات بعيدة المدى للأمن القومي ولمختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، بما في ذلك مسألة الهوية القومية نفسها، وليس في ذلك إلغاء لدور الدولة، بل هو دور داعم لعمل الدولة بمشاركة أكبر عدد من الباحثين والمفكرين والأخصائيين في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، عبر الدراسات والأبحاث والمعلومات التي تقدمها الأحزاب ومراكز الأبحاث المختلفة والمتنوعة، وعلى هذا النحو تنتج صورة معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة، وتنتج منها رؤية مشتركة تتبناها الدولة بعد نقاشها وتعديلها بما يناسب توجهات الحزب الحاكم في الدولة. أما في بلادنا العربية فنحن لا نعطي هذه المسألة حقها من الأهمية، ونبتعد كثيراً عن دعم العمل الفكري للأحزاب والمؤسسات والمراكز، وفي ذلك تقصير لا يقع فقط على عاتق الدولة، بل كذلك على عاتق الأفراد والمؤسسات الخاصة والمؤسسات والجمعيات غير الحكومية. إننا في عصر سريع التغير، فإذا لم نتابع ما يجري في العالم ونحدد موقفنا منه، فستتقاذفنا مصالح الدول الأخرى وأهواءها، صغيرة كانت أم كبيرة، وسنصل في النهاية إلى أن نتحول مادةً للنزاع الدولي، لا قوة فاعلة فيه، ونحن، للأسف، نكاد نقترب من هذه النقطة.

نحن، إذن، بحاجة ماسة إلى دعم الفعاليات الفكرية وتمويلها لتكون الأداة المتقدمة لصناعة الفكر العربي وجعله فكراً خلاقاً متطوراً، يؤثر في صناعة القرارات الحكومية، إلى جانب القدرة على صناعة الرأي العام وتكوين الهوية.           

 إننا اليوم مدعوون لتحليل ظروفنا الموضوعية من جميع جوانبها الداخلية والعربية والإقليمية والدولية، للوصول إلى فهم مشترك لمكونات الهوية العربية، في عصر شديد الصعوبة وسريع التغير. ولا يمكن التوصل إلى مثل هذا الهدف دون تعاون الأحزاب والحركات القومية ومراكز الأبحاث والدراسات العربية في جميع أنحاء الوطن العربي، حيث يمكن رسم الخطوط الأساسية العامة لملامح الهوية العربية في عصرنا، ومن ثَمَّ يمكن لهذه المراكز نفسها أن تطرح تصوراتها أمام النخب العربية، وأمام الجمهور العريض، من أجل الوصول إلى وعي أهمية هذه المسألة، وإلى إدراك ماهية الهوية المشتركة التي تربط العرب مشرقاً ومغرباً برباط يتجاوز أهمية اللغة المشتركة والثقافة المشتركة ليصل إلى وعي الانتماء المشترك. 

 

 

              إذا أريد للنهوض القومي العربي النجاح في إنجاز الدولة-الأمة، فإن علينا جميعاً أن نسعى إلى الاستفادة من جميع الأطر الممكنة لرفع سوية الوعي القومي و لرفع سوية الثقافة الجماهيرية عموماً، بما في ذلك الاستفادة من جميع المنظمات غير الحكومية والجمعيات والاتحادات والنوادي لتكوين إطار عمل فعلي لرفع سوية الفرد والجمهور فكرياً وثقافياً، ودمج هذه الطاقات المهدورة في حركة تاريخية صاعدة، تؤدي إلى تنشيط المشاركة الشعبية ورفع سوية الوعي القومي.

 

·       الشرط الاقتصادي:

 

إن بنية الدولة المعتمدة على الاقتصاد الريعي لا تسمح لها بالتطور باتجاه الدولة الحديثة، ولذلك نلاحظ في معظم الدول العربية، تراجعات كثيرة وكبيرة عن تحقيق دولة حديثة لجميع المواطنين، فالعلاقات العشائرية والعصبية القبلية والدينية، تقضي ، على نحو دوري على جهود التحديث ومفهوم المواطنة، ويجد القوميون العرب أنفسهم مذهولين أمام ظاهرة التفتت التي غزت بعض الدول العربية وتهدد دولاً أخرى، فقد أصبحوا مرغمين اليوم على اعتبار مفهوم الوحدة الوطنية مطلباً مهماً في بعض البلدان، أي أن الحركة التاريخية في البلدان العربية، بدلاً من أن تسير إلى الأمام باتجاه الوحدة، تراجعت إلى الخلف باتجاه التفتت.

وقد عبر ابن خلدون عن طبيعة هذا النمط قائلاً: «الدولة تجمع أموال الرعايا وتنفقها في بطانتها ورجالها فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخرجها في أهل الدولة ثم في من تعلق بهم من أهل المصر وهم الأكثر، فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزايد عوائد الترف ومذاهبه».

إن هذا النمط يقوي نزعات العصبية والتعصب، فالمهم هو السيطرة على السلطة التي توزع الدخول على شرائح المجتمع، وتختص النخبة المقربة من الحاكم بالحصة الأعظم. وقد ظهرت تحليلات لتأثير هذا النوع من النمط الاقتصادي في المجتمع منذ زمن طويل.

وما لم تسعَ الدول العربية إلى تحقيق تنمية حقيقية وتوسيع قاعدتها الإنتاجية وتقويتها، والدخول في ميادين الصناعات التقنية المتقدمة، لن تكون هنالك حوافز لبناء الدولة الوطنية الحديثة، والانطلاق من ثَمّ إلى بناء الدولة القومية.

وحتى نجعل بناء دولة الوحدة أمراً ممكناً، لا بد لنا من تهيئة الشروط المطلوبة لبنائها، وذلك يقتضي بدايةً الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، فقد استطاع الاقتصاد الريعي عبر سيطرته على البلدان العربية عقوداً من الزمن، أن يجعل من البلدان العربية أمثولة عالمية للفشل في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية والسياسية والأمنية، وجعلها مثالاً يشار إليه في أفضل الطرق لهدر الموارد المادية والمعنوية، ولذلك نقول إن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي ليس مطلوباً فقط من أجل بناء دولة الوحدة بل من أجل التنمية والتقدم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في كل بلد عربي على حدة، وفي الوطن العربي بصفة عامة. فإذا أردنا الوحدة علينا أن نعمل على بناء الشروط الضرورية للتقدم في هذا المشروع. 

 

خاتمـــة

 

أيها الرفاق

نجحت القوى الحية في الأمة باستعادة زمام المبادرة الاستراتيجية، فقد استطاعت المقاومة الباسلة في العراق ولبنان وفلسطين، إيقاف تقدم المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، فبعد أن آمن الأمريكيون بقدرتهم على تحقيق الحلم الإمبراطوري، وبدؤوا  بتوزيع الشروط والإملاءات على دول الممانعة بل وعلى الدول الحليفة، فوجئوا  بحجم الطاقة الكامنة في أبناء هذه الأمة، وهي التي لم تسمح بتمرير مخططات الحلم الإمبراطوري، وقد تعرضت سورية في هذه الفترة لأقصى حجم من التهديدات والمخاطر، ولكن وحدة الجبهة الداخلية ومتانتها بقيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد قلبت المعادلات، وأتاحت لسورية وللأمة البدء في استعادة زمام المبادرة، وإننا اليوم مدعوون جميعاً لمضاعفة الجهود لاستثمار الفرصة التاريخية لإعادة بناء وتنفيذ مشروعنا القومي، ببناء تحالف شامل يضم جميع أبناء الأمة المخلصين، والقوى الحية الفاعلة كافةً، فنحن نقف اليوم أمام فرصة تاريخية تمثل في تراجع مركزية قرار النظام العالمي أمام معطيات تمهد لمسارٍ جديد من أجل إعادة بناء طريقة إدارة هذا النظام، وهي فرصة ملائمة جداً يمكن أن يستفيد منها العرب في تحقيق إنجازهم التاريخي الذي انتظروه طويلاً، وهو بناء دولة الوحدة القومية. 

 

والخلـود لرسـالتنا

 

 

 

دمشق في    14    /    3  /2010                                                                              الأمين العام المساعد

                                                                                                                 لحزب البعث العربي الاشتراكي

                                                                                                                           الرفيق عبد الله الأحمر

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg