• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     

 

التاريـخ: 9 /8 /2011

 

 

1 ـ مقدمة:

تواجه الأحزاب العربية عموماً وأحزاب التيار القومي خصوصاً، أزمة ظاهرة، تكاد تصبح مأزقاً لامخرج منه، إذا استكانت هذه الأحزاب لمعطيات الأزمة، ولابد هنا أن نشير إلى أن أزمة الأحزاب العربية ليست سوى انعكاس لحالة الأزمة العامة التي يمر بها المجتمع العربي، وعلينا الاعتراف أنها أزمة خانقة نتجت عن إخفاقات متتالية في مجالات التنمية الاجتماعية والعلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية، مما أدى إلى اختناقات وانسدادات عديدة في آفاق التطور المستقبلي.

وقد تفاقمت أزمة الأحزاب التي صنعتها السلطات الممالئة للهيمنة الغربية، فهي في تونس ومصر على سبيل المثال من صنع السلطة سواء كانت في الموالاة أم في المعارضة، ولابد أن نشير هنا إلى أن هذين البلدين اللذين شهدا انطلاق الحراك الشعبي، كانا يشكلان برجي أهم قاعدة لحراسة مصالح الناتو والكيان الصهيوني، ولقمع إرادة الجماهير العربية واضطهادها. ولذلك انتشرت الحركة الشعبية وتصاعدت في تونس ومصر، ليس فقط بسبب المطالب المعيشية الاقتصادية، وليس فقط رداً على القمع الوحشي الذي كانت تمارسه السلطة في هذين البلدين، بل ولأنها كانت خادمة مطيعة لأوامر الناتو والكيان الصهيوني.

وقد ازداد وضوح أزمة هذه الأحزاب العربية في الآونة الأخيرة، بعد ما تبين إخفاقها في التصدي لظاهرة الحراك الشعبي في البلدان العربية في مطلع عام 2011، فلا الأحزاب التي أيدت مسار الحراك الشعبي استطاعت أن تمسك بدفة توجيه هذا الحراك، ولا الأحزاب التي وقفت ضد مسار هذا الحراك استطاعت أن تؤثر فيه، وبهذا المعنى نستطيع أن نقول إن هذه الأحزاب جميعها بمختلف اتجاهاتها، كانت تلهث خلف الأحداث ولم تستطع أن توجهها أو تقودها، أو حتى أن تؤثر فيها تأثيراً ظاهراً.

 ولعله من المفيد، عندما نناقش الوضع الحالي للأحزاب العربية، أن نستعيد تعريف الحزب السياسي وأهم عناصره المكونة، فمن المعروف أن الحزب السياسي عموماً يستند إلى العناصر التالية:

·       النظرية السياسية التي ينبثق عنها النموذج المستقبلي للمجتمع الذي يسعى الحزب إلى تحقيقه.

·  التحالف أو الطبقة أو الشريحة الاجتماعية التي يمثلها الحزب ويدافع عن مصالحها وتطلعاتها وقيمها، ويستند إليها في تحقيق برامجه وتطبيق سياساته.

·  القاعدة التنظيمية أو الطليعة الواعية  التي تشكل الجسد التنظيمي للحزب، و هو الذي يقوم بصياغة سياساته ويقود نضاله السياسي.

وإذا استعرضنا هذه العناصر على المستوى العربي وخاصة أحزاب التيار القومي وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لم تصنعه أية سلطة بل إنه انبثق من قلب الجماهير، وقادها ووجهها وأصغى إليها، ورفع مطالبها وأمانيها عالياً، فلابد من الإشارة إلى أنه في بداية مرحلة الاستقلال في البلدان العربية تأسست إلى جانب الأحزاب القومية أحزاب أممية شيوعية، وأحزاب دينية كالأخوان المسلمين، وأحزاب وطنية (قطرية)، ولكن معظم جهود قوى الهيمنة الغربية تركزت في ذلك الوقت المبكر على محاربة الأحزاب القومية خصوصاً، لأنها كانت القوى الأخطر على استمرار المصالح الأجنبية في الوطن العربي.

أما اليوم فإذا نظرنا إلى الواقع الراهن للأحزاب العربية وخاصة أحزاب التيار القومي ذات الطابع التقدمي النهضوي فنجد أنها تعاني من إشكاليات ظاهرة، وهي دون شك بحاجة إلى نقاش وحوار جاد ومعالجة فعلية، ففي مجال النظرية السياسية التي تستند إلى الوحدة العربية والمجتمع الاشتراكي نموذجاً، نجد أن التوجه الاشتراكي لهذه الأحزاب تعرض لضغوط كبيرة، بعد انهيار تجربة الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وانتشار بل تعميم اقتصاد السوق في جميع أنحاء العالم، باستثناء بعض البلدان الصغيرة التي لا تشكل سوى جزر معزولة وسط محيط ضخم من اقتصاد السوق العالمي. كما تتعرض التوجهات الوحدوية العربية لحملة منهجية منظمة، تشارك فيها أطراف عديدة عربية ودولية، حتى إنها نجحت في  إدخال الشك إلى ذهن المواطن العربي العادي غير المسيّس بإمكانية تحقيق الوحدة العربية وبصلاحية نموذج الوحدة. أما بالنسبة للتحالف الاجتماعي الذي يعوّل عليه الحزب السياسي من أجل تحقيق أهدافه وبناء نموذجه المستقبلي، فقد تحدد في فترات سابقة بأنه  تحالف العمال والفلاحين، غير أن هيمنة الاقتصاد الريعي في البلدان العربية أعاقت نمو الصناعات والمشروعات الإنتاجية، وبذلك ظلت الطبقة العاملة في بلادنا ضعيفة نسبياً، أما طبقة الفلاحين فقد استطاعت أن تنجز انعتاقها من نظام الإقطاع التقليدي، وكانت هذه الخطوة هامة جداً لتحرير الفلاحين وإدخال التعليم إلى الريف، ولكن الفلاحين الذين تحوّلوا إلى مالكين جدد، اندمجوا سريعاً بآليات الاقتصاد الريعي السائد، وأصبح الأغنياء منهم جزءاً من الطبقة المهيمنة على الاقتصاد الريعي، بينما تبعثرت قوى الفلاحين الفقراء من خلال تطلع معظمهم إلى الصعود الطبقي عبر آليات الاقتصاد الريعي. يضاف إلى كل ذلك الأمراض المعروفة التي تخلفها هيمنة الاقتصاد الريعي مثل نمو الروح العائلية والعشائرية بين المواطنين، وارتفاع نسبة الأمية، حيث تحظى البلدان العربية بإحدى أعلى نسب الأمية في العالم، فقد كان عدد الأميين عام 1990 سبعين مليوناً أي بنسبة 23% من عدد السكان وقد ارتفع هذا العدد عام 2008 إلى مئة مليون أي بنسبة 31,25%، فنرى أن الأمية ازدادت كعدد مطلق وكنسبة من عدد السكان وهذه هي إحدى أبرز معالم الفشل العربي.  

وهكذا نجد أن الأحزاب السياسية العربية بحاجة إلى معالجة جديدة للعناصر المكونة، وخاصة مسائل النظرية والنموذج والتحالف الاجتماعي: رافعة إنجاز برنامج الحزب.   

2 ـ نظرة إلى التجارب العربية والعالمية:

سنستعرض فيمايلي أهم التجارب التي خاضتها الأحزاب العربية والعالمية:

 

التاريـخ: 9 /8 /2011

 

 

1 ـ مقدمة:

تواجه الأحزاب العربية عموماً وأحزاب التيار القومي خصوصاً، أزمة ظاهرة، تكاد تصبح مأزقاً لامخرج منه، إذا استكانت هذه الأحزاب لمعطيات الأزمة، ولابد هنا أن نشير إلى أن أزمة الأحزاب العربية ليست سوى انعكاس لحالة الأزمة العامة التي يمر بها المجتمع العربي، وعلينا الاعتراف أنها أزمة خانقة نتجت عن إخفاقات متتالية في مجالات التنمية الاجتماعية والعلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية، مما أدى إلى اختناقات وانسدادات عديدة في آفاق التطور المستقبلي.

وقد تفاقمت أزمة الأحزاب التي صنعتها السلطات الممالئة للهيمنة الغربية، فهي في تونس ومصر على سبيل المثال من صنع السلطة سواء كانت في الموالاة أم في المعارضة، ولابد أن نشير هنا إلى أن هذين البلدين اللذين شهدا انطلاق الحراك الشعبي، كانا يشكلان برجي أهم قاعدة لحراسة مصالح الناتو والكيان الصهيوني، ولقمع إرادة الجماهير العربية واضطهادها. ولذلك انتشرت الحركة الشعبية وتصاعدت في تونس ومصر، ليس فقط بسبب المطالب المعيشية الاقتصادية، وليس فقط رداً على القمع الوحشي الذي كانت تمارسه السلطة في هذين البلدين، بل ولأنها كانت خادمة مطيعة لأوامر الناتو والكيان الصهيوني.

وقد ازداد وضوح أزمة هذه الأحزاب العربية في الآونة الأخيرة، بعد ما تبين إخفاقها في التصدي لظاهرة الحراك الشعبي في البلدان العربية في مطلع عام 2011، فلا الأحزاب التي أيدت مسار الحراك الشعبي استطاعت أن تمسك بدفة توجيه هذا الحراك، ولا الأحزاب التي وقفت ضد مسار هذا الحراك استطاعت أن تؤثر فيه، وبهذا المعنى نستطيع أن نقول إن هذه الأحزاب جميعها بمختلف اتجاهاتها، كانت تلهث خلف الأحداث ولم تستطع أن توجهها أو تقودها، أو حتى أن تؤثر فيها تأثيراً ظاهراً.

 ولعله من المفيد، عندما نناقش الوضع الحالي للأحزاب العربية، أن نستعيد تعريف الحزب السياسي وأهم عناصره المكونة، فمن المعروف أن الحزب السياسي عموماً يستند إلى العناصر التالية:

·       النظرية السياسية التي ينبثق عنها النموذج المستقبلي للمجتمع الذي يسعى الحزب إلى تحقيقه.

·  التحالف أو الطبقة أو الشريحة الاجتماعية التي يمثلها الحزب ويدافع عن مصالحها وتطلعاتها وقيمها، ويستند إليها في تحقيق برامجه وتطبيق سياساته.

·  القاعدة التنظيمية أو الطليعة الواعية  التي تشكل الجسد التنظيمي للحزب، و هو الذي يقوم بصياغة سياساته ويقود نضاله السياسي.

وإذا استعرضنا هذه العناصر على المستوى العربي وخاصة أحزاب التيار القومي وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لم تصنعه أية سلطة بل إنه انبثق من قلب الجماهير، وقادها ووجهها وأصغى إليها، ورفع مطالبها وأمانيها عالياً، فلابد من الإشارة إلى أنه في بداية مرحلة الاستقلال في البلدان العربية تأسست إلى جانب الأحزاب القومية أحزاب أممية شيوعية، وأحزاب دينية كالأخوان المسلمين، وأحزاب وطنية (قطرية)، ولكن معظم جهود قوى الهيمنة الغربية تركزت في ذلك الوقت المبكر على محاربة الأحزاب القومية خصوصاً، لأنها كانت القوى الأخطر على استمرار المصالح الأجنبية في الوطن العربي.

أما اليوم فإذا نظرنا إلى الواقع الراهن للأحزاب العربية وخاصة أحزاب التيار القومي ذات الطابع التقدمي النهضوي فنجد أنها تعاني من إشكاليات ظاهرة، وهي دون شك بحاجة إلى نقاش وحوار جاد ومعالجة فعلية، ففي مجال النظرية السياسية التي تستند إلى الوحدة العربية والمجتمع الاشتراكي نموذجاً، نجد أن التوجه الاشتراكي لهذه الأحزاب تعرض لضغوط كبيرة، بعد انهيار تجربة الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وانتشار بل تعميم اقتصاد السوق في جميع أنحاء العالم، باستثناء بعض البلدان الصغيرة التي لا تشكل سوى جزر معزولة وسط محيط ضخم من اقتصاد السوق العالمي. كما تتعرض التوجهات الوحدوية العربية لحملة منهجية منظمة، تشارك فيها أطراف عديدة عربية ودولية، حتى إنها نجحت في  إدخال الشك إلى ذهن المواطن العربي العادي غير المسيّس بإمكانية تحقيق الوحدة العربية وبصلاحية نموذج الوحدة. أما بالنسبة للتحالف الاجتماعي الذي يعوّل عليه الحزب السياسي من أجل تحقيق أهدافه وبناء نموذجه المستقبلي، فقد تحدد في فترات سابقة بأنه  تحالف العمال والفلاحين، غير أن هيمنة الاقتصاد الريعي في البلدان العربية أعاقت نمو الصناعات والمشروعات الإنتاجية، وبذلك ظلت الطبقة العاملة في بلادنا ضعيفة نسبياً، أما طبقة الفلاحين فقد استطاعت أن تنجز انعتاقها من نظام الإقطاع التقليدي، وكانت هذه الخطوة هامة جداً لتحرير الفلاحين وإدخال التعليم إلى الريف، ولكن الفلاحين الذين تحوّلوا إلى مالكين جدد، اندمجوا سريعاً بآليات الاقتصاد الريعي السائد، وأصبح الأغنياء منهم جزءاً من الطبقة المهيمنة على الاقتصاد الريعي، بينما تبعثرت قوى الفلاحين الفقراء من خلال تطلع معظمهم إلى الصعود الطبقي عبر آليات الاقتصاد الريعي. يضاف إلى كل ذلك الأمراض المعروفة التي تخلفها هيمنة الاقتصاد الريعي مثل نمو الروح العائلية والعشائرية بين المواطنين، وارتفاع نسبة الأمية، حيث تحظى البلدان العربية بإحدى أعلى نسب الأمية في العالم، فقد كان عدد الأميين عام 1990 سبعين مليوناً أي بنسبة 23% من عدد السكان وقد ارتفع هذا العدد عام 2008 إلى مئة مليون أي بنسبة 31,25%، فنرى أن الأمية ازدادت كعدد مطلق وكنسبة من عدد السكان وهذه هي إحدى أبرز معالم الفشل العربي.  

وهكذا نجد أن الأحزاب السياسية العربية بحاجة إلى معالجة جديدة للعناصر المكونة، وخاصة مسائل النظرية والنموذج والتحالف الاجتماعي: رافعة إنجاز برنامج الحزب.   

2 ـ نظرة إلى التجارب العربية والعالمية:

سنستعرض فيمايلي أهم التجارب التي خاضتها الأحزاب العربية والعالمية:

أحزاب التيار القومي

أحزاب التيار القومي

تعاني الأحزاب العربية عموماً وأحزاب التيار القومي خاصة، كما أشرنا سابقاً، من مشكلات عديدة، أهمها أن ممارسات هذه الأحزاب تبتعد في كثير من الأحوال عن المبادئ والخطط والبرامج التي التزمت بها ودعت إليها وحددتها كإطار لعملها، كما أن العديد من الأحزاب خضعت لظروف الواقع المحيط بها وأمراضه، بعيداً عن الأهداف والآمال والمبادئ التي نادت بها، وخاصة مسألة تجاوز أمراض الواقع وتغييره نحو الأفضل، كما أن العلاقات بين هذه الأحزاب لم تكن على أفضل ما يكون، فقليلاً ما سادت لغة الحوار بين الأحزاب، وفي أوقات كثيرة ساد التناحر والصراع بينها، بدلاً من التنافس الإيجابي في إطار المصلحة الوطنية القومية، مما كان له أثر سلبي على موقف واستراتيجية نهوض قومي يلتزم بها الجميع، ويسيرون إليها بشكل تدريجي لتجاوز واقع التجزئة الراهن وبناء المستقبل العربي المنشود.

كما لابد أن نشير إلى حالة من انفصال الممارسة عن الشعارات النظرية، وغياب استراتيجية حقيقية، مما أدى إلى جمود الإطار النظري، وتحول الدعاية الحزبية إلى مجرد تبريرات لما تمارسه هذه الأحزاب على أرض الواقع، مع بقاء الغطاء النظري ثابتاً، وبالتالي لم تستطع الممارسة أن تتفاعل مع النظرية فتصححها، ولا النظرية أن تتفاعل مع الممارسة فتوجهها، ونسوق نموذجاً عن ذلك واقع الأحزاب في مصر العربية.

الحزب الوطني الديمقراطي في مصر

يشكل هذا الحزب بصورة أو بأخرى نوعاً من الاستمرار لحركة الاتحاد الاشتراكي العربي، الذي أسسه وترأسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ثم محمد أنور السادات، ولكن السادات عدّل من توجهات هذا الاتحاد وغيّر اسمه مع استمرار عدد من أهم كوادر الاتحاد الاشتراكي، وقسم كبير من جماهيره في تأييد الحزب الوطني الديمقراطي الجديد، وقد تغيرت توجهات الحزب من الاشتراكية إلى الليبرالية الاقتصادية ومن الاتجاه القومي إلى الانعزالية القطرية ومن رؤية ديمقراطية شعبية اجتماعية لمسألة الحرية، أي الاعتماد على توفير متطلبات حياة الشرائح الفقيرة، مع القدرة على التحكم بحياة المجتمع، إلى نظام حكم يستمر في أساليب التحكم بالمجتمع ولكن ليحرمه من هذه المتطلبات.

وقد جاء أخيراً نظام مبارك ليضع اللمسة الأخيرة على تحول الحزب، فجعله حزباً للنخبة التكنوقراطية، وكانت هذه النخبة تنكر دور الجماهير بل وتنفر حتى من ذكر هذا الدور، ناهيك عن الاعتماد عليه.

وأما الأحزاب الأخرى الموجودة في المعارضة، فهي ليست سوى غطاء لما يسمى تعددية حزبية مقيدة الحركة وغير قادرة على التأثير الشعبي أو خلق إزعاجات للسلطة الحاكمة.

وقد جاءت متغيرات الحراك الشعبي في مصر لتثبت مدى هشاشة هذه التركيبة السياسية، التي حكمت مصر لمدة تزيد على ثلاثة عقود، وبالطبع لا نستطيع أن ننظر بشكل سطحي إلى الأمور، فنقول إن وسائط التواصل الاجتماعي (Facebook) هي المسؤولة عن نتائج المواجهة، لأنها ليست سوى وسيلة، تمر عبر المجتمع للاتفاق على نقاط محددة لأشخاص يعرفون بعضهم على أرض الواقع، وهم يلتقون فعلاً، وينظمون نشاطاتهم على الأرض لا على الفيسبوك(Facebook) وهنا نرى أن هنالك مغالاة غير مقبولة في دور وسائط التواصل الاجتماعي، ذلك أن هذه الوسائط ليست السبب المباشر فيما وقع في مصر، فهي لم تكن أكثر من وسيلة للإعلان والتحريض والدعاية، تماماً كما كانت تفعل المنشورات والبيانات السرية في الماضي، ومن هنا نرى أن المشكلة لم تكن في طريقة الاتصال التي تخلفت عنها الأحزاب التقليدية سواء في المعارضة أم في المولاة، بل السبب هو قصور هذه الأحزاب في كلا الجانبين عن فهم وتحليل الواقع وطرح البديل المنطقي له، لأن هذه الأحزاب سواء كانت في الموالاة أم المعارضة عندما سلمت بأن هذا الواقع سرمدي لافكاك منه، ولم تطرح البدائل المقبولة، أصبحت جزءاً من الواقع المتفسخ، ولا قدرة لها على تغييره.

وإن هذه الحقيقة هي التي شلت حركة هذه الأحزاب إزاء الحراك الجماهيري، وبالتالي انطلقت الأحداث تتحرك خارج إطار أي تأثير منها، لأن كل مأزق تاريخي لابد أن يجد حلاً له، خارج إطار الظروف التي شكلت المأزق نفسه، خلافاً لجميع توقعات المحللين السياسيين والعّرافين والمتنبئين.

 

تجارب الأحزاب اليسارية الأوروبية

من أهم التجارب التي خاضتها الأحزاب التقدمية العالمية، والتي تستحق الدراسة والبحث نجد تجربة الأحزاب الشيوعية الأوروبية، وخاصة تجارب الأحزاب الشيوعية في إيطاليا وفرنسا واليونان وقبرص. ففي إيطاليا كان الحزب الشيوعي الإيطالي يفوز بثلث أصوات الناخبين، وكانت لديه طروحات نظرية متميزة، وباختصار كان حزباً من أكبر الأحزاب التقدمية ليس في إيطاليا فحسب بل في أوروبا الغربية بأكملها، ولكن الحزب بدأ منذ عام 1990 بتعديل نموذج المجتمع المستقبلي الذي يتبناه باتجاه ليبرالي، وفي الوقت نفسه تخلى الحزب عن منظماته القاعدية واتخذ له –أسوة بباقي الأحزاب- موقعاً على الإنترنت ومكاتب في المحافظات، واعتمد على شبكة الإنترنت وعلى اللقاءات الموسمية وعلى نشاطات الكادر المتفرغ، فما الذي حدث؟ انهار نفوذ الحزب في أوساط الجماهير، فهو حزب تخلى طواعية عن قاعدته التنظيمية في الحي والقرية والمصنع، وليس لديه رؤية ايديولوجية واضحة ولا نموذج مستقبلي يطمح إليه، فكيف يجذب الجماهير إليه، إن لم تشعر هذه الجماهير أنه معها في مكان سكنها وعملها، وهو من يدافع عن طموحاتها ومصالحها؟ وإذا نظرنا إلى حالة الحزب الشيوعي الفرنسي فإننا نجد حالة معاكسة، ولكنها أدت إلى النتيجة نفسها، فقد استمر الحزب في فرنسا بدعايته النظرية وكأن شيئاً لم يحدث في العالم، دون أية محاولة للتطوير أو لإقناع الجماهير بوجود بدائل بعد سقوط النموذج الواقعي السوفييتي بما له وما عليه، فكانت النتيجة انهيار نفوذ الحزب في أوساط الجماهير، وهذا طبيعي فالجمود تجاه ظواهر جديدة ينفي صفة الحيوية عن الحزب ويصبح مقتصراً على أعضائه وأصدقائه التاريخيين دون ورود دماء جديدة إلى الحزب، وهكذا بعدما كان حزباً مرموقاً بالقياس إلى جميع الأحزاب التقدمية الأوروبية، انهار نفوذه وأصبحت التنظيمات اليسارية الصغيرة تنافسه وتتفوق عليه في اكتساب جماهير الطبقة العاملة الفرنسية.

بالمقابل نجد تجربتين معاكستين في اليونان وقبرص حيث ضاعف الحزب الشيوعي اليوناني واتحاد اليسار مجموع أصوات الناخبين من 10% إلى 18%، كما فاز حزب الشعب العامل (أكيل) اليساري القبرصي  مؤخراً  برئاسة الجمهورية، كل ذلك لأن هذه الأحزاب تفادت أخطاء الحزبين الفرنسي والإيطالي، فحافظت على قاعدتها التنظيمية وقادت النضال النقابي في المصانع والبلدات، وقدمت رؤية سياسية جديدة تجاه المتغيرات الدولية، وصاغت لأعضائها وأصدقائها نموذجاً مستقبلياً قابلاً للتطبيق و مقنعاً، حيث يستطيع المواطن أن يشعر أنه يناضل ويضحي في سبيل مستقبل أفضل لوطنه وشعبه. ومن هنا نستنتج أن وسائل التكنولوجيا والإعلام المكتوب أو الإلكتروني أو المرئي على الرغم من أهميتها الظاهرة وضرورة الاستفادة منها إلى أقصى حد ممكن، فهي لا تعوض عن اللمسة الإنسانية في العلاقة اليومية بين المناضل والجماهير، وهي لا تعوض عن وضوح الرؤية النظرية وجاذبية النموذج المستقبلي، وقدرة الحزب على إقناع الجماهير بصواب خطه النظري.

 

   3 –  تحديات الواقع:

تواجه أحزاب النهوض العربي تحديات وعقبات كثيرة، فنحن نعيش ثورة إعلامية ذات أبعاد متعددة، حيث تتدفق ملايين بل ومليارات الدولارات للاستثمار في مجال الإعلام العربي، والحقيقة أن الحجم الحالي للقنوات الفضائية وحجم الاستثمار فيها لا يتناسب فعلاً مع حجم الأرباح المحقّقة، ومن ذلك نستنتج أن هذا الواقع ناتج عن تحول الفضائيات إلى ميدان تجارب حقيقية لإعادة صياغة طريقة التفكير في البلدان العربية، وتقف وراء هذه المعركة قوى عربية وأجنبية تحمل أحياناً مشروعات متناقضة، ولكنها تلتقي في هدف واحد: السيطرة على العقل العربي وربما إلغاؤه. وقد وجد أطراف هذه المباراة ظروفاً مناسبة تتجلى في ارتفاع نسبة الأمية بين العرب (31,25%)، وانعدام رغبتهم في القراءة (سجل العرب رقماً قياسياً عالمياً، فقد بلغ معدل قراءة العربي طوال عام كامل نصف صفحة فقط)، وأمام هذا الواقع يسلم المواطن العربي عقله للصندوق الأسود التلفزيوني ليفعل به ما يشاء. ولا يستطيع الحزب السياسي مهما بلغ من قوة أن يواجه ويفنّد كل الترهات التي تصبها هذه القنوات في عقول المشاهدين، كما أن إمكاناته لا تسمح ربما بأكثر من إصدار صحيفة ناطقة باسمه، إذا سمحت سلطات بلده بها، وفي ظل مثل هذه الظروف تنحصر مهمة صحيفة الحزب باستمرار التأثير على أعضاء الحزب وتوحيد رؤيتهم، دون أن تستطيع تجاوز هذه الحدود نحو الجمهور الواسع.

وإذا انتقلنا من الإعلام إلى تأثيرات العولمة نجد أن هذه الظاهرة بدأت تؤثر على مفهوم السيادة الوطنية في الجانبين السياسي والاقتصادي، وهي تعمل على إضعاف تأثير السلطات الوطنية وتهميشها، وإبقاء الاقتصاد الوطني في البلدان العربية في حدود الاقتصاد الريعي التابع، الذي لا يُسمَحُ له بالاستثمار خارج حدود الاستثمار العقاري والسياحي والزراعي والصناعات الاستخراجية والتحويلية البسيطة، كي تبقى المنطقة العربية الغنية بالنفط في قبضة القوى المهيمنة على العولمة والاقتصاد الصناعي، مما يشكل عقبة كبيرة في وجه أي حزب سياسي، يطمح إلى بلورة نموذجه المستقبلي وخطه السياسي، لذلك نرى أن الجماهير الواقعة تحت تأثير الإحباط، لا تنظر بارتياح إلى أية شعارات تعدها بإخراجها من هذه الدائرة الجهنمية، فهي ترى أن ذلك فوق طاقة أي بلد عربي، وأي حزب سياسي. 

أما التحدي الثالث الذي تواجهه هذه الأحزاب العربية، فهو تحديد الرافعة الاجتماعية أو تحالف الشرائح الطبقية، التي ستكفل للحزب تحقيق نموذجه وتطبيق نظريته السياسية، فمن المعروف أن الأرضية الطبقية الاجتماعية العربية غير متبلورة بسبب هيمنة الاقتصاد الريعي، فثمة طبقة عاملة ضعيفة وطبقة فلاحية مشتتة ومثقفون يعانون من التأرجح الدائم بين تيارات مختلفة، وكل ذلك يبعد البلدان العربية عن لحظة النضوج للتغيير الإيجابي في مجتمعاتنا، وعلى الأحزاب أن تدرس هذا الواقع بعمق، بهدف استنباط الصيغ والبدائل الملائمة لهذا الوضع الهجين، الناتج عن هيمنة خارجية قوية متحالفة مع أدوات محلية لها مصلحة في الإبقاء على الأوضاع الراهنة، والحقيقة أن البديل الحقيقي للتحالف هو طرح تحالف واسع يضم جميع أبناء الأمة، فهم جميعاً لهم مصلحة في دعم المشروع النهضوي العربي، باستثناء شريحة ضئيلة من القوى المهيمنة على الاقتصاد الريعي والتي انخرطت في دوائر الفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

ولا ننسى المشروع الصهيوني باعتباره مكملاً لمشروع الهيمنة الخارجية، وأداة من أدواته،فقد وجد هذا المشروع ليكون سداً أمام العرب في تحقيق وحدتهم وعامل استنزاف لهم ولضمان سيطرة الغرب الصناعي على منابع النفط، وهو يسعى بكل قوة، ليس فقط للإبقاء على الأوضاع الراهنة كما هي بل وللتسبب للعرب بالمزيد من التخلف والإحباط والتهميش، وبالمزيد من التفتت والتجزئة والانقسام.

 

4 – طموحات المستقبل:

ثمة بوادر جديدة تلوح في الأفق تسمح لنا بالأمل بأن أحزاب التيار القومي وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي، وهي الأحزاب التي تسعى لاستعادة النهضة العربية، بمجموعها، ستتمكن أخيراً من الانطلاق نحو مشروع تغيير حقيقي قابل للتطبيق، إذا أحسنت استثمار الفرص المتاحة أمامها، وهكذا نستطيع أن نعرض بإيجاز أهم هذه البوادر والفرص:

§  أزمة النظام الرأسمالي العالمي:كانت لحظة غزو العراق لحظة مفصلية في النظام العالمي، فقد كان في بداية القرن الواحد والعشرين ثمة مشروعان يتصارعان في قمة الهرم السياسي الأمريكي، الأول هو مشروع آل غور - ليبرمان الذي كان يطمح إلى تعميم عولمة الاقتصاد الرقمي في العالم، وتحقيق تفوق واضح للولايات المتحدة في ميدان الإبداع التكنولوجي، وصناعة الأفكار والمشروعات الخلاقة تاركين التطبيق التكنولوجي لأوروبا واليابان وباقي الدول الصناعية، ولكن المستوى الأعلى للقيمة المضافة كان سيضمن لأمريكا استمرار هيمنتها الاقتصادية، مع استخدام مدروس للقوة كما حدث في الصدام مع صربيا وقصف العراق والسودان في عهد كلينتون. أما المشروع الثاني، فكان مشروع بوش – تشيني وهو مشروع المجمع الصناعي الحربي النفطي الذي كان مؤمناً بإدامة سيطرة أمريكا على العالم بالقوة، حتى لو أدى ذلك إلى الصدام مع "الحلفاء"، وكان احتلال العراق هو أول اختبار حقيقي لهذا المشروع، حيث كان الهدف هو وضع اليد على ثاني احتياط للنفط في العالم، وبالتالي استكمال السيطرة على نفط الخليج، بعد نفط بحر قزوين، ثم فرض السيطرة على "الحلفاء"، متذرعين بأن أمريكا هي التي تضمن تدفق النفط إلى بؤر الإنتاج الصناعية، ولها الحق في أن تطلب من "الحلفاء" أن يدفعوا مقابل هذه الخدمة التي تقدمها لهم، فهم ينعمون بنعيم الاستقرار والبحبوحة بفضل "تضحيات" أمريكا، ولقد أدركت أوروبا أنها المستهدفة، فعارضت احتلال العراق بدايةً، ثم عادت ورضخت للأمر الواقع بعد الاحتلال. ومن نافل القول أن نؤكد هنا أن مشروع بوش تشيني فشل فشلاً ذريعاً، وبدلاً من تأبيد السيطرة الأمريكية، على طريقة فوكوياما في أطروحته حول نهاية التاريخ، تسارع العد العكسي للسيطرة الأحادية الأمريكية على العالم، وبدأ الباحثون الأمريكيون يتحدثون من جديد عن التعاون الدولي، وانزلقت أمريكا بسرعة إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة فقد زادت ديون الدولة وازداد العجز، وانفجرت أزمة الرهون العقارية، مما أدى مؤخراً إلى تراكم الديون على الحكومة الأمريكية حتى تجاوز حجم الديون للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة حجم الناتج القومي، فقد وصل حجم الديون الأمريكية إلى حده الأقصى وقدره 14294 مليار دولار في 16/5/2011، ولجأت الخزانة إلى ترتيبات محاسبية لمواصلة دفع المستحقات غير أنها لم تكن تستطيع الاستمرار في ذلك قبل رفع سقف الدين، وهو ما أقره الاتفاق الأخير في 1/8/2011، بين أوباما والجمهوريين الذي ينص على رفع سقف الدين العام الفيدرالي بمقدار 2100 مليار دولار على الأقل وتخفيض النفقات بمقدار 2400 مليار على مدى عشرة أعوام. وأصبح من الواضح أن العالم كله سيدفع ثمن الأزمات الأمريكية التي تسببت بها سياسة خرقاء صنعتها عصابة المحافظين الجدد ونفذتها إدارة بوش بتهور غير مسبوق. كل ذلك يحدث بعد أن مر مفعول الصدمة بفعل انهيار النموذج الاشتراكي فهاهي الصين الشعبية تقفز إلى ترتيب الاقتصاد الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة وتدشن عهداً جديداً من التوازن الدولي في الاقتصاد والسياسة، وهو ماسمح لها بأن تنتقد السياسة الاقتصادية الأمريكية، وخاصة ظاهرة "الإدمان على الديون"،وهاهي أمريكا اللاتينية تذهب يساراً وتبدأ بصنع "نموذجها" الاشتراكي الخاص، وهاهي بلدان أخرى كثيرة ترفع رأسها، وتتحدى السيطرة الأمريكية الأحادية كما فعلت روسيا في حربها مع جيورجيا، وفي موقفها الحازم من مسألة الدرع الصاروخي، ومن مسألة توسع الناتو إلى الشرق. وتستطيع أحزاب النهضة العربية اليوم أن تتحدث بشكل مقنع عن نموذج عربي يسعى إلى تحقيق تنمية حقيقية دون أن تتمكن أمريكا من منعها من تطبيقه.

§  ثورة الاتصالات:تمدنا ثورة الاتصالات بأدوات هامة لا بد من استخدامها بأقصى طاقة ممكنة للاستعاضة عن الهيمنة الإعلامية الغربية على معظم الفضائيات العربية. وإذا تمعنّا قليلاً فيما يمكن أن تقدمه لنا ثورة الاتصالات، سنذكر ولا شك فضيحة سجن أبو غريب، حيث تمكن أفراد عاديون من التقاط الصور بهواتفهم النقالة، ثم استخدموا شبكة الإنترنت لنشر الصور. كما سنذكر كيف كانت الأحزاب التقدمية تلجأ إلى توزيع منشوراتها سراً، بينما هي اليوم تستطيع أن تستخدم مئات المواقع الإلكترونية لنشر ما تريد، وتستطيع إيصال مضمون دعايتها السياسية إلى أقصى نقاط الأرض بثوانٍ معدودة، وباستخدام أدوات بسيطة جداً. وأخيراً  نشير إلى نجاح بعض الأفراد في إحدى الدول العربية في إثارة حركة احتجاج اجتماعية واسعة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت والهاتف النقال. وهنا نؤكد مرة أخرى أن هذه المنجزات والفرص لا يمكن أن تكون بديلاً للقاعدة التنظيمية وللاتصال الإنساني المباشر.

وينبغي علينا أن نكون حذرين من الدور المناط بوسائل الاتصالات الحديثة بالتركيز على الشعوب التي تتحرك لتغيير واقعها نحو الأفضل ومن ضمنها الشعب العربي بالتركيز على استهداف هويتها العربية.

§  النموذج العربي الوحدوي:لقد مرت البلدان العربية بعد احتلال العراق وبعد طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير بصدمة وعي قوية، حيث أدرك المواطن العادي أن استهداف العروبة لا يقتصر على الحفاظ على التقسيم الراهن للدول العربية، ومنع المبادرات الوحدوية، بل هو يغوص في العمق ويعمل على تفتيت الدول القائمة، فنحن العرب مستهدفون كأمة، ويعاملنا أعداؤنا كأمة، وتحرص إسرائيل على أن يكون مجموع سلاحها وعتادها الحربي متفوقاً على كل ما لدى العرب مجتمعين، فهي تتعامل معنا كأمة، هم يعون واقعنا، ونحن لم نصل إلى درجة كافية من الوعي تجعلنا ندرك أن المستهدف ليس الفلسطيني ولا اللبناني ولا السوري ولا العراقي بل العرب كمجموع، العرب كأمة. إن الوقائع اليوم تساعدنا في أن نشرح للمواطن البسيط أن العروبة هي التي تحفظ الهوية الوطنية، وأننا إذا لم نستطع بناء نموذجنا العربي الوحدوي، فإن القوى المعادية لن تحولنا إلى شعوب في دول مستقلة، بل إلى قبائل وعشائر متناحرة. لقد أصبح النموذج الوحدوي العربي اليوم أكثر إقناعاً، ويتوجب على الأحزاب القومية أن تبلوره كمثال أعلى يستحق أن يكرس العربي نفسه  للنضال في سبيله، وكنموذج سياسي قابل للتطبيق والتجسيد على أرض الواقع.

§  ومضات من عالم المستقبل:عندما قدم الأمريكيون إلى العراق متصورين أنها ستكون نزهة بسيطة، لم يتخيلوا ولم يتخيل أحد في العالم أن تستطيع مجموعات صغيرة من المقاومين أن تقف في وجه أقوى جيش في العالم، ولكن هذه المقاومة البطولية أجبرت الإدارة الأمريكية على إعادة حساباتها عدة مرات وبدأت تدريجياً بالتخلي عن غرورها، وصولاً إلى اليوم الذي بدأت به بالاستنجاد بالدول المجاورة والقوى الإقليمية والدولية للبحث معها عن مخرج مشرِّف أو خروج يحفظ ماء الوجه، وسيسجل التاريخ أن السنوات الماضية، منذ احتلال العراق عام 2003 كانت حاسمة في مسار صعود وهبوط الإمبراطورية الأمريكية، وإن اضطرار أوباما أخيراً بالاتفاق مع الجمهوريين إلى رفع سقف الدين الأمريكي لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، لاَأكبر دليل على هذا التراجع، ليس بمعنى انهيار أمريكا، ولكنها من الآن فصاعداً لن تكون الدولة المنفردة بالهيمنة  على النظام العالمي، ولقد أثبتت هذه التجربة أن التصدي لأمريكا ليس مهمة مستحيلة، كما أثبتت وجود مقدار هائل من القوى الكامنة في الأمة العربية، لا تحتاج إلا إلى الظروف المناسبة لانبثاقها وإظهارها. أما الحدث الأهم والذي يوازي أهمية الفشل الأمريكي في العراق فيتجلى في حرب تموز عام 2006، وهي التي أرادتها إدارة بوش حرباً حاسمة (كسر عظم) تنهي وتصفي جميع القوى المعارضة للمشروع الأمريكي في لبنان وسورية وفلسطين، ومن ثم تتفرغ هذه الإدارة لبناء "شرق أوسطها الجديد"، حيث قالت وزيرة الخارجية رايس رداً على سؤال حول الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في جنوب لبنان: " ليست هذه سوى آلام مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد"، وفوجئت رايس وحلفاؤها وفي مقدمتهم الحكومة الإسرائيلية، بالمستوى القتالي الرفيع والمنظم الذي وصلت إليه المقاومة اللبنانية، فكانت الحرب التي أعادت رسم الخارطة الاستراتيجية للمنطقة، ولكن على عكس ما كانت ترغب به الوزيرة رايس. وعلينا أن نؤكد هنا أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لم يتخليا نهائياً عن حلمهما ببناء"الشرق الأوسط الجديد"، وهما اليوم يسعيان بشتى الوسائل إلى استغلال الحراك الشعبي العربي، الذي ينطلق من مطالب معيشية وسياسية محقة، ويسعيان إلى حرف هذا الحراك عن هدفه الأساسي لتحقيق المخطط الذي لا يزال يداعب أحلامهما حتى اليوم.

وعلينا هنا أن نشير إلى أن بنية المجتمع العربي تتميز بظهور التعددية الثقافية والسياسية والدينية، فلايمكن الارتقاء بواقع الوطن العربي وبناء وحدته، ودعم قدراته على مواجهة التدخل الخارجي الذي يستهدف الأرض العربية وثرواتها، دون الوصول إلى شكل من التوافق بين الأحزاب والقوى السياسية العربية النهضوية، واتفاق على قواسم مشتركة تتضمن مصلحة الجميع بالانتقال من الواقع العربي الراهن إلى مستقبل أفضل يحقق للعرب حريتهم وكرامتهم وسيطرتهم على مقدرات بلادهم إلى جانب الحفاظ على السيادة العربية على الأرض العربية وتحرير الإرادة العربية من أي تبعية للأجنبي دون أن يهمل احترام الثقافات الخاصة للأقليات التي تعيش على الأرض العربية ولا تتعارض مع الوحدة الوطنية لأي قطر والوحدة القومية للأمة.

إنها نقاط انعطاف مهمة في مسيرة العرب لاستعادة زمام المبادرة الاستراتيجية، وتستطيع الأحزاب العربية اليوم أن تستثمر حالة النهوض والشعور بالعزة القومية، من أجل طرح مشروعاتها المستقبلية بطريقة قابلة للإقناع وقادرة على جذب الأجيال الشابة إلى ساحة النضال القومي.   

§  أشكال التنظيم السياسي:تتوفر أمامنا اليوم تجارب غنية في التنظيم السياسي، تم اختبار بعضها ففشل، بينما نجحت أشكال التنظيم التي تحافظ على القاعدة الحزبية لتكون طليعة النضال النقابي والمعيشي والسياسي للجماهير، ما يثبت أن أفضل أشكال التنظيم هي التي تحافظ على العلاقة اليومية بين المناضل والجماهير، والصلة المستمرة مع تنظيمه الحزبي، وخاصة في ظروفنا العربية حيث تنتشر الأمية وتنخفض معدلات القراءة والمطالعة. إن حزباً لا يستطيع أن يقنع جماهيره بأنه المدافع الأول عن مصالحها، وأنه إلى جانبها في المعارك اليومية من أجل حياة أفضل، إنما هو حزب يستنزف رصيده المتبقي، ولا يحسب حساباً لليوم الذي سينفضّ فيه الجمهور من حوله. لذلك نرى أهمية وجود القاعدة التنظيمية المنضبطة والمؤمنة بعدالة قضاياها والواعية لأبعاد المعركة داخلياً وخارجياً، والتي تستطيع أن تقوم بنجاح وكفاءة بدورها كطليعة للنضال النقابي والمعيشي والسياسي للجماهير.

والخلـود لرسـالتنا

 

 

 

دمشق في    9    /    8  /2011                                                                     الأمين العام المساعد

                                                                                                                 لحزب البعث العربي الاشتراكي

                                                                                                                           الرفيق عبد الله الأحمر

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg