• National Party Organlzations

    National Party Organlzations 

29 - 7 - 2011

قد يلومني البعض بالاستشهاد برموز فكرية صارت في متاحف التاريخ وقد يكون الأمر للوهلة الأولى صحيحاً ولكن من الناحية العملية ليس كذلك لأن الفكر بناء معرفي وليس بناء موسمياً نبنيه في الصيف فإذا جاء الشتاء قمنا بتحطيمه والرحيل عنه. وهذا ينطبق على الفكر العالمي كما ينطبق على فكر البعث منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا.
يقول لينين «النظرية هي الممارسة، إن الممارسة هي حجز الزاوية في نظرية المعرفة» ويقول ماوتسي تونغ «كل شيء يبدأ بالممارسة ونثبت صحته من خلال الممارسة».
والعودة إلى فكر البعث منذ تأسيسه وحتى الآن تجعلنا نميز بين أمرين هامين:
أولهما: إن البعث العربي من منطلقاته الأولى، كان دعوة لحركة نهضة عربية شاملة تستدعي مراجعةً لتراث الأمة في اللغة والمجتمع والدين، والدولة - وكان التاريخ واستعادته أمراً مهماً لخلق الوعي بهذه الحركة النهضوية الحديثة ومن هذا نرى أن الآباء المؤسسين للحزب قد أطلقوا على حركتهم أسماء نهضوية «حركة الإحياء العربي، حركة البعث العربي» والتي أصبحت فيما بعد حزباً سياسياً هو حزب البعث العربي الاشتراكي، أخذ على عاتقه تحرير الأمة والنهوض بها سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتحريرها من الاستعمار وحشد طاقات الأمة حول فلسطين وتحريرها وذلك من خلال التنظيم والتثقيف والانقلاب والثورة.
ويمكن أن نجد ذلك في كتابات زكي الأرسوزي عن «عبقرية الأمة العربية في لسانها» وكذلك في كتابات ميشيل عفلق «في ذكرى الرسول العربي» كما جاء بعد ذلك في كتابات منيف الرزاز ووهيب الغانم وكتّاب جريدة البعث الأوائل: عبد الكريم زهور، جمال الأتاسي، عبد اللَّه عبد الدايم، مدحة البيطار، سامي الدروبي، حافظ الجمالي، شاكر مصطفى وآخرون...
والتأمل في شعار البعث «أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة» يعطينا الدليل على ما ذكرناه وهو أن البعث حركة نهضة تستدعي من العرب قراءة تاريخهم والاعتزاز بالرسالة الخالدة، رسالة الإسلام والحضارة العربية الإسلامية التي تعتبر المسيحية العربية أحد أجنحتها التي طارت بها في أنحاء الدنيا تنشر الفكر والتسامح والسلام.
وثانيهما: أن هذه الحركة النهضوية التي يدعو إليها البعث من حق أي عربي أن يبدي رأيه فيها وفي وسائل تطبيقها سواء كان ملتزماً سياسياً أو غير ملتزم لأن نهضة الأمة ملك جميع أبنائها.
وحتى لو كانت حزباً سياسياً يشترط على أعضائه سلوكاً وأسلوباً معينين في نظامه الداخلي.
ويشترط أيضاً انتماء شعبياً - للغالبية في الشعب من الكادحين وصغارالكسبة طالما أن العدالة الاجتماعية المعبر عنها بالاشتراكية أصبحت هدفاً مركزياً. وكذلك فرضت مبادؤه أسلوباً في التغيير يعتمد على الثورة وليس على التطور التدريجي للمجتمعات وخاصة أن المجتمع في الوطن العربي ليس مجتمعاً صناعياً كما هو الحال في أوروبا في بداية النهضة الصناعية ونشوء الفكر القومي والثورات الاجتماعية فيها، بل هو مجتمع عربي زراعي إقطاعي قبلي يعتمد على الزراعة والرعي والصناعات التحويلية وحتى في مراحل لاحقة أصبح اقتصاداً ريعياً يعتمد على الثروات المعدنية والنفطية ومن هنا كانت العلاقة إشكالية في شكل السلطة التي يقيمها الحزب، وعلى من تعتمد هذه السلطة، وبروز دور الجيش والقوات المسلحة في حماية الثورة كعامل ضروري للتغيير واختصار الزمن وخاصة أن الجيوش في العالم الثالث تأتي من أوساط الطبقات الفقيرة (عمال - فلاحون - مهن حرة وغير ذلك) وبرزت في ظل الحرب الباردة وانقسام العالم إلى معسكرين قضية الاستقطاب الدولي التي أثرت في سلوك الحركات الثورية العربية وانحيازها للفكر الاشتراكي، ولعب الكيان الصهيوني وتبني الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة لهذا الكيان العدواني دوراً في انقسام الوطن العربي وانقسام المجتمع العربي على المستوى القطري بين يمين ويسار وسلطة حاكمة ومعارضة فمحاولة زج الدين في العمل السياسي لخلق الدولة الدينية أو بعث دولة الخلافة الإسلامية ولهذا حديث آخر.... ونشأ فكر تكفيري دخيل على سماحة الإسلام وتعامله مع الأديان الأخرى واحترامها من خلال النص القرآني ودولة الرسول (ص) في المدينة.
وأصبح الخلط بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة أمراً يثير الكثير من الخلاف داخل الحزب السياسي، فمن ناحية السلطة هي سلطة الحزب ومن حقه دفع كوادر على أساس الولاء للحزب ولقيادة هذه السلطة، وكان مفهوم الدولة مفهوماً آخر، فالدولة هي لكل مواطنيها وليس للحزب الحاكم، ومن حق المواطنين جميعاً أن يكون لهم رأي فيما يتعلق بتطور بلدهم وشكل دولتهم وحقوقهم فيها، وهنا برزت الإشكالية الكبرى ولم تكن سورية الوحيدة بذلك بل برز ذلك في مصر والجزائر والعراق وخلق إشكالات داخل الأحزاب الحاكمة ما أدى إلى تطورات لاحقة وعاصفة في هذه البلدان.
لقد أهمل الحزب خلال عقود طويلة مسألة تطوير السلطة والانتقال من الدولة القطرية إلى الدولة الوطنية الحديثة أي دولة مواطنيها جميعاً وذلك من خلال دستور يضمن التعددية السياسية وحق تأسيس الأحزاب وحق التعبير عن الرأي وحرية إصدار الصحف وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال التنمية المستدامة والتوزيع العادل للدخل الوطني وإشراك المرأة في كل الحقوق والواجبات وغير ذلك مما تتطلبه الدولة الوطنية الحديثة المعاصرة وفي الدولة الوطنية الحديثة لا يُظلم أحد فالانتماء للوطن وتكافؤ الفرص هو الفيصل في الأمر ويتطلب مكافحة الفساد وتحقيق الشفافية والرقابة الصحفية بما يحقق الشفافية والنزاهة وتأمين قضاء عادل ونظام تعليمي حديث يتيح للشباب التوالي في الأجيال وللسلطة التداول دون احتكار أو تسلط من أحد.
ولقد أعلن الرئيس بشار الأسد برنامجه الإصلاحي منذ عام 2000 وتجمد هذا البرنامج أو تعثر لأسباب قد لا تكون مبررة بعد 2006، واستعادة سورية دورها في المنطقة. وهنا لا بد أن نكون موضوعيين في نقد تجربة الحزب وقصورها عن إدراك المتغيرات والتقصير في الاستجابة لحاجة المجتمع وهذا ما قصدناه في عيوب الممارسة التي تتحمل قيادة الحزب مسؤوليتها، وعليها مراجعة ذلك وتصويب التجربة ونقدها وليس فكر الحزب هو المسؤول عن ذلك كما أن الموضوعية والإنصاف تقتضي منّا عدم الإساءة إلى نظرية الحزب ولا التقليل من شأنه ولا الإساءة للمناضلين الشرفاء فيه، وهذا المقال لا يتسع للاستفاضة بذلك.
الخلاصة: إن الحراك السياسي أمر مشروع وهو دليل صحة في المجتمع، والحوار الديمقراطي والشعبي مطلوب ومشروع على كافة الأصعدة - والأمر المهم أن يعقد الحزب مؤتمراً قطرياً في أسرع وقت وقومياً لاحقاً للخروج بمنطلقات توضح نظرته للمستقبل واستجابته للطموحات الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية. والمرفوض هو الذهاب بالوطن إلى المجهول عن طريق التخريب والعنف والسير وراء أجندات أجنبية لا تريد للوطن الخير ولا للأمة العربية التقدم المنشود وعلى البعثيين أن يبادروا إلى تصحيح المسيرة والمسار، والبعث ليس ملك السوريين وحدهم بل أصبح بأفكاره ومنطلقاته وتجاربه وجماهيره في الدول العربية ملك الأمة جميعاً، وأكرر القول: إن البعث حركة نهضوية للأمة قبل أن يكون حزباً سياسياً - ولكي يبقى الحزب السياسي موضع ثقة الجماهير عليه أن يعود إليها ويخلص لها ويتعلم منها وهذا هو منطلق النهوض الفكري وسبيل الحركات السياسية لبلوغ أهدافها.


د. عيسى درويش

Error: No articles to display

  • Documentary Films

    أفلام وثائقية

     

     

  • National Anthems and Songs

    National Anthems and Songs

  • Englishfooter