• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     

ألقى السيد الرئيس بشار الأسد خطاباً قبل ظهر يوم الثلاثاء 10/1/2012 حول القضايا الداخلية في سورية وتطورات الأوضاع محلياً وإقليمياً في مدرج جامعة دمشق عبر فيها بأفكار صائبة ورؤية سديدة أوضحت بشكل لا لبس فيه مقومات الموقف القومي لسورية وفهمه للتطورات ومنعكساتها وتداعياتها، وتحدث السيد الرئيس كعادته بلغة معاصرة وكلمات واضحة معبرة، وبتحليل معمق وواسع، موضحاً لنا وللعالم فكره ورؤيته ونظرته للأمور التي تحتاج إلى وقفة وتبصّر.
جاء الخطاب بعد مضي عشرة أشهر على اندلاع الأحداث المؤسفة التي أصابت الوطن وفرضت ظروفاً مستجدة على الساحة السورية.. في هذه القراءة لخطاب السيد الرئيس الأسد إبحار لمعرفة رؤاه ومواقفه تجاه جملة من القضايا الجوهرية والهامة، الرؤى التي ترسم معالم الطريق للخروج من الأزمة واستعادة الدور الوطني والقومي لسورية..
فيما يلي عرض لرؤية السيد الرئيس بشار الأسد إلى هذه القضايا:
أولاً ـ العروبة والإسلام .. دعامتان بأبعاد حضارية:
عكس خطاب السيد الرئيس الفهم الحقيقي للعروبة الذي تتبناه سورية، وصولاً إلى تعزيز مقدرات العرب وإحباط جميع المشروعات التي تستهدف الأمة العربية وحقوقها التاريخية.. وكان واضحاً في تحديد من هو العربي، وماذا فعلت سورية من أجل الحفاظ على الهوية العربية من خلال التعليم والتعريب والمواقف القومية، حيث أدرك السيد الرئيس بشار الأسد أهمية الارتباط بين العروبة والإسلام إدراكاً عميقاً، فهو لم يقبل تسييس الإسلام لما يحمله من مخاطر على المجتمع العربي وبنيته، وتمحورت رؤيته لهذين المفهومين حول المعنى الحضاري للعروبة ولرسالة الإسلام..
فقد أكد في الخطاب على أن «العروبة ستبقى عنواناً لانتمائنا وملاذاً لنا في الملمات كما سنبقى قلبها النابض بالمحبة والعنفوان.. والعروبة بالنسبة لسورية ليست شعاراً بل هي ممارسة.. لطالما أن سورية قدمت الكثير للقضايا القومية عامة وللقضية الفلسطينية خاصة وما زالت.. كما  قدمت الكثير للتعريب في كل مكان.. فالقضية القومية بالنسبة لسورية ليست شعاراً وإذا كان البعض يسعى لتعليق عروبتنا في الجامعة العربية إنما يعلق عروبة الجامعة ولا يستطيع تعليق عروبة سورية.. فلا يستطيع أحد إخراج سورية من العروبة لأن العروبة ليست قراراً سياسياً بل هي تراث وتاريخ.. وسورية تكون أكثر حرية في ممارسة عروبتها الحقيقية والصافية التي كان المواطن السوري أفضل من يعبر عنها عبر تاريخه».
ورأى الرئيس الأسد أن وطننا العربي بتنوعه الواسع يرتكز ببنيته الاجتماعية على دعامتين قويتين متكاملتين بأبعادهما الحضارية هما العروبة والإسلام.. وكلتاهما عظيم وغني وضروري.. ولا يمكن بالتالي أن نحملهما وزر الممارسات البشرية الخاطئة، كما أن التنوع الإسلامي والمسيحي في بلادنا هو دعامة عروبتنا وأساس قوتنا...
كما أكد على أن العلاقة بين العروبة والوطنية هي علاقة وثيقة وضرورية للمستقبل وللمصالح، فالعروبة هي انتماء لا عضوية، هي هوية يمنحها التاريخ لا شهادة تمنحها منظمة.. العروبة هي شرف يتمثل بالشعوب العربية في مختلف الأقطار العربية وليست عاراً يحمله البعض من المستعربين على الساحات السياسية في العالم أو في الوطن العربي.
إن العروبة بالنسبة للرئيس الأسد كما هو الحال بالنسبة لفكر حزب البعث العربي الاشتراكي الموضح بدستوره ليست عرقاً عربياً، ولو كانت العروبة هي فقط عرق عربي لما كان لدينا الكثير لكي نفخر به.. فآخر شيء في العروبة هو العرق.. والعروبة هي حالة حضارية وهي المصالح المشتركة والتاريخ المشترك والإرادة المشتركة والأديان المشتركة وهي كل شيء مشترك بين القوميات المختلفة التي تتواجد على هذه الساحة السورية وفي عموم الوطن العربي، وآخر شيء العرق، وقوة هذه العروبة هي في تنوعها وليس في انعزالها ولونها الواحد.
ورأى أن العروبة حالة حضارية بعيدة عن الشوفينية فهي قوية بغناها وبالانفتاح والتنوع وإظهار مكوناتها وليس بدمجها لكي تظهر وكأنها مكون واحد، وكل ما عكسه الخطاب في هذا المجال هو تجسيد لفكر حزب البعث العربي الاشتراكي المتطور باستمرار وتعامله مع الواقع العربي.
ثانياً ـ ضرورات احترام السيادة والاستقلالية:
 من منطلق العروبة الصادقة واستعادة الفكرة الأساسية للجامعة العربية لم تغلق سورية الباب على الحلول والاقتراحات ولن تغلق أي باب على أي مسعى عربي، لكن السيد الرئيس أكد على احترام السيادة والاستقلالية لقرار سورية والحرص على وحدة الشعب، وأعلن التمسك بالعروبة تحت عنوان المقاومة وتحرير فلسطين.. لا الجامعة المستعربة التي استبدلت مقاطعة «إسرائيل» بمقاطعة سورية، حيث قال: «كيف نفسر هذا اللطف غير المعقول وغير المسبوق مع العدو الصهيوني في كل ما يمارس.. وهذا الحسم والتشدد مع سورية..؟ ونحن نسعى منذ سنوات لتفعيل مكتب مقاطعة إسرائيل ودائما تأتينا الأعذار بأن هذا الشيء لم يعد مقبولا في هذا الوقت.. ولكن خلال أسابيع يفعلون مقاطعة سورية أي أن هدفهم استبدال سورية بإسرائيل»، وهذا ما يشير إلى الأنظمة العربية بأغلبيتها التي تتحدث عن العروبة إعلامياً ولكنها تدير ظهرها فعلياً وواقعياً للعروبة وقضاياها الأساسية.
 ثالثاً- المؤامرة الخارجية.. والتضليل الإعلامي:
لقد تصدّى الرفيق الأمين القطري للحزب ـ رئيس الجمهورية لقيادة سورية في مرحلة قاسية لعلها هي الأصعب والأشد وطأة على مدى حياة سورية السياسية بعد الاستقلال، وخرج من هذه التجربة بنجاح غير مسبوق، بفضل تمسكه بالقيم والمبادئ التي تربى عليها، ودافع عن الحقوق القومية للأمة العربية، بهدف تعزيز موقع سورية المتقد. وها هي سورية اليوم تتعرض مجدداً للمؤامرات الخارجية، حيث أوضح الرئيس الأسد.. أن التآمر الخارجي لم يعد خافياً على أحد لأن ما كان يخطط في الغرف المظلمة بدأ يتكشف أمام أعين الناس واضحاً جلياً.. ولم يعد بالإمكان تزوير الوقائع والأحداث من قبل الأطراف الإقليمية والدولية التي أرادت زعزعة استقرار سورية، فالأقنعة سقطت الآن عن وجوه هذه الأطراف وبتنا أكثر قدرة على تفكيك البيئة الافتراضية التي أوجدوها لدفع السوريين نحو الوهم ومن ثم السقوط.. كان يراد لهذه البيئة الافتراضية أن تؤدي إلى هزيمة نفسية ومعنوية تؤدي لاحقاً إلى الهزيمة الحقيقية.. كان المطلوب أن نصل من هذه الهجمة الإعلامية غير المسبوقة إلى حالة من الخوف وهذا الخوف الذي يؤدي إلى شلل الإرادة وشلل الإرادة يؤدي إلى الهزيمة.. والدفع باتجاه حالة من الانهيار الذاتي كي يوفروا على أنفسهم الكثير من المعارك وفشلوا في هذا الموضوع ولكنهم لم ييئسوا.
واستشهد بما جرى بمقابلته مع القناة الأمريكية بهدف خلق حالة انهيار على مستوى سورية.. على المستوى الشعبي أو المؤسساتي.. وصولاً إلى رأس الهرم في الدولة لكي يقولوا للمواطنين وطبعاً ليقولوا للغرب.. إن هذا الشخص يعيش في قوقعة لا يعرف ما الذي يحصل وليقولوا للمواطنين وخاصة الموجودين في الدولة.. إذا كان رأس الهرم يتهرب من المسؤولية ويشعر بالانهيار فمن الطبيعي أن يفرط العقد، وفي هذا الكلام تفنيد واضح للدور الذي تضطلع به بعض الأنظمة العربية التي حولت نفسها إلى أداة لضرب العروبة في مهدها من خلال المشاركة في التآمر على سورية.
رابعاً- تحمـّل المسؤولية.. والدعم الشعبي:
انصبّ اهتمام السيد الرئيس على مفاهيم ومقولات هامة مثل: الموقع والمنصب والمسؤولية والشرعية وجوهر العلاقة بينها وآليات عملها في المجتمع.. فالموقع للمواطن لا يتبدّل ولا يتغير فهو خدمة للشعب والوطن، أما المنصب فهو مسؤولية، والمواطن في منصب ما يسأل عما قام به تجاه شعبه ووطنه.. فالسيد الرئيس يؤكّد منذ توليه الرئاسة عام 2000 على أنه لا يسعى إلى منصب ولا يهرب من مسؤولية.. فالمنصب بالنسبة له ليس له قيمة بل هو مجرد أداة ... كما يؤكّد على أهمية الاعتماد على الشعب، وتبنّي مصالحه وطموحاته، وهذا الأمر يمكّن من القراءة الصحيحة للشعب، وهو طريق النجاح في الرؤية والنجاح في المهام الوطنية، إذ قال في خطابه: «نحن نتحدث الآن عن المسؤولية وهذه المسؤولية أهميتها بالدعم الشعبي فأنا أكون في هذا الموقع بدعم من الشعب وعندما أترك هذا الموقع يكون أيضاً برغبة من هذا الشعب».
ووصف السيد الرئيس ما يحصل بأنه معركة غير مسبوقة في تاريخ سورية الحديث، وتمثل هذه الظروف امتحاناً جدياً في الوطنية الأمر الذي يتطلب من السوريين الصبر واعداً بالنصر القريب، لطالما أننا قادرون على الصمود واستثمار نقاط قوتنا وما أكثرها ومعرفة نقاط ضعف الخصوم وهي أكثر. وأكّد أن النجاح في هذا الامتحان مرهون بالعمل الدؤوب وبالنوايا الصادقة المبنية على الإيمان بالله وبأصالة شعبنا وبمعدنه النقي الذي صقلته العصور فجعلته أشد متانة وأكثر إشراقاً.
وكعادته.. يستند السيد الرئيس على الوعي الشعبي المبني على الحقائق لا على التهويل ولا التهوين ولا على المبالغات ولا التبسيط، فللشعب الدور الأهم في كشف المخطط والتضييق عليه تمهيداً لإفشاله تماماً، وأكد أنه في إطار السعي لتفكيك تلك البيئة الافتراضية بادرنا بالحديث بشفافية عن تقصير هنا وخلل أو تأخير هناك وفي بعض المجالات حرصاً منا على أهمية الوضع الداخلي في التصدي لأي تدخلات خارجية.. ولا أحد يستطيع إنكار تلك المخططات الخارجية التي نقلت أعمال التخريب والإرهاب إلى مستوى آخر من الإجرام استهدف العقول والكفاءات والمؤسسات بهدف تعميم حالة الذعر وتحطيم المعنويات وإيصال الشعب إلى حالة اليأس الذي من شأنه أن يفتح الطريق أمام ما خطط له خارجياً ليصبح واقعاً لكن هذه المرة بأياد محلية».
لكن عندما وحّد الشعب قواه وهبّ لقطع الطريق على من يقف خلف هذه المؤامرة استخدموا سلاح الطائفية المقيت بعد أن غطوه برداء الدين الحنيف.. وعندما فقدوا الأمل بتحقيق أهدافهم انتقلوا إلى أعمال التخريب والقتل تحت عناوين وأغطية مختلفة كاستغلال بعض المظاهرات السلمية واستغلال ممارسات خاطئة حصلت من قبل أشخاص في الدولة فشرعوا بعمليات الاغتيال وحاولوا عزل المدن وتقطيع أوصال الوطن وسرقوا ونهبوا ودمروا المنشآت العامة والخاصة وبعد تجريب كل الطرق والوسائل الممكنة في عالم اليوم.. مع كل الدعم الإعلامي والسياسي الإقليمي والدولي.. لم يجدوا موطئ قدم لثورتهم المأمولة.
هنا يقول السيد الرئيس أتى دور الخارج لكن مع كل أسف أصبح هذا الخارج مزيجاً من الأجنبي والعربي، ووصف ذلك العربي بالفاقد للسيادة، ولم يستبعد «أن يأتي يوم تربط الدول سياساتها بسياسات دول خارجية على طريقة ربط العملة بسلات عملات خارجية وعندها يصبح الاستغناء عن السيادة هو أمر سيادي».
ودعا الشعب العربي لأخذ زمام المبادرة في الوطن العربي لمواجهة حالة الانحطاط التي وصل إليها الوضع العربي للوصول إلى ما وصفه «الاستقلال الثاني وهو استقلال الإرادة»، كما دعا السوريين بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم إلى اتخاذ سبيل الحكمة والرشاد والاستنارة بإحساسهم الوطني العميق كي ينتصر الوطن بكليته بالتوحد والتآخي والسمو عن الآفاق الضيقة والمصالح الآنية وبالارتقاء إلى القضايا الوطنية النبيلة.
خامساً- الدور العربي تجاه سورية:
حدّد الخطاب سمات الدور العربي في الأزمة السورية بعد فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار مبني على أكاذيب وادعاءات وأكد السيد الرئيس أنه هو من طرح المبادرة وموضوع المراقبين العرب منذ أشهر،  وقال: «طالما أن المنظمات الدولية أتت إلى سورية واطلعت على الحقائق.. ونحن لا نريد أكثر من معرفة الحقيقة كما هي فالأحرى بالعرب أن يرسلوا وفداً لكي يطلع على ما يحصل في سورية». وأوضح أنه لم يكن هناك أي اهتمام بهذا الطرح، لكن وفجأة بعد عدة أشهر نرى أن هذا الموضوع أصبح محل اهتمام عالمي.. ليس اهتماماً مفاجئاً بما طرحناه على الإطلاق وإنما لأن المخطط بدأ من الخارج تحت هذا العنوان.
وأكّد الخطاب على موقف سورية السيادي، واستمرار الحوار والبدء بإصلاحات أربكتهم فانتقلوا إلى موضوع المبادرة العربية.. والحقيقة لو أردنا أن نتبع هذه الدول التي تعطينا نصائح فعلينا أن نعود باتجاه الخلف على الأقل قرنا ونصف القرن.. عندما كنا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية تشكل أول برلمان ونحن كنا جزءاً من هذه الإمبراطورية.. المفروض أننا معنيون فيه بشكل أو بآخر.. أول برلمان افتتح في عام 1877 وإذا وضعنا هذا الأمر جانبا فأول برلمان في سورية كان في عام 1919 يعني أقل من قرن بقليل.. فتخيلوا هذه الدول التي تريد أن تنصحنا بالديمقراطية.. أين كانت في ذلك الوقت...
بالمحصلة كان رد الفعل الشعبي في سورية تجاه موضوع الجامعة العربية الغضب والاستياء والاستغراب.. حيث تساءل السيد الرئيس لماذا لم يقف العرب مع سورية بدل أن يقفوا ضد سورية.. في حرب العراق بعد الغزو عندما بدأ التهديد تجاه سورية بالقصف والاجتياح وكل هذا الكلام.. من وقف مع سورية؟ في عام 2005 عندما استغلوا اغتيال الحريري من وقف مع سورية؟ في عام 2006 ومواقفنا من العدوان الإسرائيلي على لبنان.. في 2008 في موضوع الملف في هيئة الطاقة الذرية في الملف النووي المزعوم من وقف معنا؟ الدول العربية تصوت ضدنا.. بالمقابل دول غير عربية تقف مع سورية.
ورأى أن الجامعة العربية هي مجرد انعكاس للوضع العربي.. هي مرآة لحالتنا العربية المزرية، فإذا كانت قد فشلت خلال أكثر من ستة عقود في إنجاز موقف يصب في المصلحة العربية فلماذا نفاجأ بها اليوم والسياق العام هو ذاته لم يتغير ولم يتبدل سوى أنه يسير بالوضع العربي من سيء إلى أسوأ وما كان يحدث بالسر أصبح يحصل بالعلن تحت شعار مصلحة الأمة.
فهل احترمت الجامعة ميثاقها ودافعت عن دول أعضاء فيها انتهكت أراضيها أو حقوق شعبها؟ وهل أعادت شجرة زيتون واحدة اقتلعتها إسرائيل أو منعت هدم بيت عربي واحد في فلسطين العربية المحتلة؟.. وهل منعت تقسيم السودان أو حالت دون مقتل أكثر من مليون عراقي أو أطعمت جائعاً في الصومال؟.
لم يرد الخطاب الهجوم على الجامعة، وإنما جاء انعكاساً لمدى الإحباط الشعبي من دورها.. وأكد أن القضية ليست تعليق عضوية سورية، بل السؤال: من يخسر هل تخسر سورية أم تخسر الجامعة العربية؟ ويقول السيد الرئيس: «بالنسبة لنا خاسرون مع الدول العربية طالما أن الوضع العربي سيىء وهذه حالة مزمنة ولا شيء جديداً ولا يوجد ربح.. ونحن نعمل منذ سنوات لتخفيف الخسائر لأن الأرباح غير ممكنة ولكن خروج سورية من الجامعة العربية يطرح سؤالاً.. هل يمكن للجسد أن يعيش من دون قلب؟.. ومن قال إن سورية هي قلب العروبة النابض ليس سورياً بل جمال عبد الناصر هو من قال هذا الكلام وما زال مستمراً». وفيما ورد تأكيد على الواقع الذي تعيشه الجامعة منذ قيامها وفشلها في تحقيق أي عمل جوهري لخدمة القضايا العربية وكيف كان تعامل سورية عبر السنوات الماضية محاولة دفع الجامعة باتجاه خدمة القضايا دون جدوى لأن العدد الأكبر من الدول لا تملك سيادتها.
سادساً- الوضع الداخلي.. رؤية للحل:
قدّم خطاب السيد الرئيس بشار الأسد للسوريين لوحة مكتملة للمشهد السوري من مختلف جوانبه سواء لجهة التحديات على الصعيد الداخلي المتمثلة بإرادة الإصلاح والتطوير وتحصين المنعة الوطنية أو لجهة تحديات الخارج الغربي والعربي المتمثلة بالهجمة التي تستهدف النيل من صمود سورية وخياراتها القومية حيث قال السيد الرئيس: «لا شك أن الأحداث الراهنة وتداعياتها قد طرحت كماً هائلاً من التساؤلات والأفكار التي تهدف إلى إيجاد حلول مختلفة للوضع الحالي الذي تمر به سورية وإذا كان الأمر طبيعياً وبديهياً إلا أنه لا يمكن أن يكون إيجابياً وناجعاً إلا عندما ينطلق من ضرورة مواجهة المشكلة وليس الهروب منها .. أي عندما ينطلق من الشجاعة لا من الذعر ومن الإقدام لا من الهروب إلى الأمام».
وحول عملية الإصلاح الداخلي أكّد أنه لا يمكن أن نقوم بعملية إصلاح داخلي بدون التعامل مع الوقائع كما هي على الأرض سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا.. لا نستطيع أن نتعلق بقشة في الهواء فلا القشة تحمل ولا الهواء يحمل وهذا يعني السقوط.. البعض تحت ضغط الأزمة يتحدث عن أي حل ويطالب بأي حل.. ولن نقوم بأي حل قد يؤدي بالبلد إلى الهاوية أو قد يؤدي إلى تعميق الأزمة وإلى الدخول في نفق لا يمكن الخروج منه..
وحدّد الرئيس الأسد.. جانبين في الإصلاح الداخلي: الأول هو الإصلاح السياسي والجانب الثاني هو مكافحة الإرهاب الذي انتشر بشكل كبير مؤخراً في مناطق مختلفة من سورية.. ففي العملية الإصلاحية هناك من يعتقد بأن ما نقوم به الآن هو طريق لحل الأزمة أو هو كل الحل للأزمة.. وهذا كلام غير صحيح.. نحن لا نقوم به لهذا السبب فعلاقة الإصلاح مع الأزمة علاقة محدودة وفي البداية كان لها دور أكبر عندما قررنا أن نقوم بعملية فرز ما بين من يدّعي الإصلاح لأهداف تخريبية وبين من يريد الإصلاح فعلاً.. وهذا الفرز تمّ.. وتساءل الرئيس الأسد .. ما هي العلاقة بين العملية الإصلاحية والمخطط الخارجي؟.. وإذا قمنا اليوم بالإصلاح هل ستتوقف المخططات الخارجية تجاه سورية.. وقال: «نحن نعرف الكثير من الحوارات التي تدور في الخارج وخاصة في الغرب حول الوضع في سورية.. لا أحد من هؤلاء يهتم لا بعدد الضحايا ولا بالإصلاحات ولا ما سيأتي ولا ما تم إنجازه.. الكل يتحدث عن سياسة سورية وهل تغير سلوك سورية من بداية الأزمة حتى هذا اليوم».
وقال الرئيس الأسد: من جانب آخر هناك من أتى لكي يساوم.. أي لو قمتم بواحد واثنين وثلاثة وأربعة... فالأزمة على الأقل في جزئها الخارجي وأذياله الداخلية ستتوقف فوراً.. إذا.. لا علاقة بين الإصلاح والجزء الخارجي لأن هذا الجزء من المخطط هو ضد الإصلاح الذي سيجعل سورية أقوى.. وإذا كانت سورية أقوى فهذا يعني تكريس النهج السوري وكلنا نعلم أن النهج السوري غير مرغوب خارجيا بل مكروه من كثير من الدول التي تريد منا أن نكون عبارة عن إمعات.
أما النقطة الثانية وفق ما أكّده الخطاب فتتجسد في طبيعة العلاقة بين الإصلاح والإرهاب.. حيث قال: «إذا قمنا بالإصلاح هل سيتوقف الإرهابي وهل هذا الإرهابي الذي يقتل ويخرب يسعى لقانون أحزاب أو لانتخابات أو لإدارة محلية أو ما شابه.. الإصلاح لا يعني الإرهابي ولا يهمه.. والإصلاح لن يمنع الإرهابي من القيام بإرهابه.. فإذا.. ما هو المكون الذي يعنينا.
وتابع الرئيس الأسد.. إن الجزء الأكبر من الشعب السوري هو الذي يريد الإصلاح وهو الذي لم يخرج ولم يخالف القانون ولم يخرب ولم يقتل.. والإصلاح بالنسبة لنا هو السياق الطبيعي لذلك أعلنا عنه على مراحل».
وأكد السيد الرئيس على أن الانطلاق من الأزمة الحالية سيجعل الإصلاح مبتوراً ومرتبطاً بالظروف الحالية المؤقتة.. أما بالنسبة للعقود المقبلة فالأمور تختلف وعلينا أن نربط ما قبل الأزمة بما بعد الأزمة بغض النظر عنها وننطلق من العملية الإصلاحية..
لا شكّ أن الاستقرار هو الأساس الذي يمكّن سورية من تحقيق الإصلاحات.. ولذلك فإن مواجهة تحدي الاستقرار جاء في صلب الخطاب باعتباره الضمانة الحقيقية لتطبيق الإصلاحات التي بدأت ترجمتها على أرض الواقع بدءاً من رفع حالة الطوارئ مروراً بصياغة الدستور الجديد إلى قوانين الأحزاب والإعلام وغيرها، حيث قال السيد الرئيس: «إن أول قانون أصدرناه هو رفع حالة الطوارئ.. وفي مثل هذه الظروف التي تمر فيها سورية هل يمكن لأي دولة إلا أن تفرض حالة الطوارئ ومع ذلك لم نقم بهذا الشيء وأصررنا على رفع حالة الطوارئ»..
وأضاف: «إن القوانين والإجراءات الموجودة حالياً تعطينا كامل الصلاحية لكي نقوم بعملية ضبط الأمن بغض النظر عن قانون الطوارئ وإن رفع حالة الطوارئ بحاجة لتأهيل الأجهزة المعنية من الأمن والشرطة وغيرها التي تتعامل مع المواطن.. ودعا إلى العمل من أجل ضبط الفوضى.. إذ لا يمكن أن نشعر بالنتائج الفعلية لرفع حالة الطوارئ في ظل الفوضى».
وحول موضوع القتل أكّد أنه بحاجة إلى أدلة.. فالبعض يعتقد أنه لم يتم إلقاء القبض على أي شخص ممن ارتكبوا أعمال قتل.. من العاملين في الدولة.. وهذا الكلام غير صحيح حيث تم إلقاء القبض على عدد محدود في جرائم قتل وغيرها، وأكد على أن وجود الأدلة أو البحث عنها بحاجة لمؤسسات والمؤسسات بحاجة لبيئة وظروف والبيئة الحالية تعيق عمل هذه المؤسسات.. إلا أنه أكّد عدم وجود غطاء لأحد، ولا يوجد أي أمر في أي مستوى من مستويات الدولة بإطلاق النار على أي مواطن، ولا يحق إطلاق النار بحسب القانون إلا دفاعاً عن النفس ودفاعاً عن المواطن.
وفيما يخص الأحزاب أكّد السيد الرئيس على صدور قانون الأحزاب وتقدمت أحزاب وأعطي الترخيص لأول حزب منذ أسابيع قليلة وهناك حزب ثانٍ على الطريق بعد أن توفرت فيه كل الشروط وهناك عدة أحزاب أخرى.. ونحن لم نشعر بالأحزاب لأنها بحاجة إلى وقت.. ولكن بكل الأحوال بعد أن صدر قانون الأحزاب ونحن نقوم ليس بإعطاء الرخص فقط بل بتشجيع جهات كثيرة على أن تقدم من أجل أن يكون لديها أحزاب.. ولا أعتقد أن الدولة تتحمل المسؤولية في هذا المجال فنحن لن نقوم بتشكيل أحزاب
 أو بالظهور على الإعلام أو ممارسة نشاطات نيابة عن أي أحد فإذا.. لا توجد عقبات في هذا الموضوع والقضية قضية زمن.
أما بالنسبة للإدارة المحلية فقد صدر القانون وحصلت الانتخابات في ظروف صعبة جداً ولكن بكل الأحوال كل ما يتعلق بالانتخابات لا يمكن أن يعطي نتائج إن لم يكن هناك مشاركة واسعة في الترشيح والتصويت لكي يكون هناك منافسة.. وإن لم يكن هناك منافسة لن تشعروا بهذا الموضوع، وبالتالي ما يتعلق بالانتخابات بحاجة إلى جزء من المسؤولية يحمله المواطن وليس فقط الدولة.
وبالنسبة لقانون الإعلام فقد انتهت الحكومة الأسبوع الماضي من إعداد تعليماته التنفيذية وأصبح جاهزا للتنفيذ وهناك طلبات جاهزة لمحطات تلفزيونيةوصحافةوغيرها..
أما قانون الانتخابات فقد صدر والهدف منه تأطير كل هذه الأفكار التي نسمعها على الساحة السياسية ومن لديه فكرة فليذهب إلى صندوق الانتخاب وهو الفيصل في كل شيء في هذا البلد.
وهذه القوانين الإصلاحية التي صدرت وتم البدء بالعمل بها لا يمكن أن تعطي جدواها إلا في ظل الاستقرار وتجاوز حالة الفوضى لأن عدم الاستقرار سيشكل عائقاً للمشاركة الشعبية الفاعلة.
سابعاً ـ مكافحة الفساد وتفعيل العمل المؤسساتي:
يركز السيد الرئيس في خطبه باستمرار على ثقافة المؤسساتية في التطوير البنائي للدولة والمجتمع، نظراً للفوائد التي تعود على الدولة والمجتمع لأن المؤسساتية تضمن حرية الرأي والتعبير.. وتقلل من نزعة التصرف وفق الأهواء الشخصية، وتقلل من الارتجال المناقض للعمل الجمعي المنظم..هذا الفهم للمؤسساتية كان محور وجوهر فكر السيد الرئيس ولا يزال هاجسه في مسألة التطوير والتحديث يركز عليه في أحاديثه وخطاباته، وكذلك الأمر بالنسبة للمساءلة والمحاسبة المهمتين اللتين تقوم بهما المؤسسات المختصة التي يكون فيها شذوذ عن القوانين والأنظمة والسلامة في أداء مؤسسات الدولة والمجتمع بشكل أفضل، والفساد بالنسبة له قضية أخلاقية ونحن بحاجة إلى آليات ناجعة لمكافحة الفساد، حيث قال: «إن القانون المهم هو قانون مكافحة الفساد وهو القانون الوحيد الذي تأخر لعدة أشهر لأنه قانون مهم جدا وفيه جوانب كثيرة جداً.. وأنا طلبت من الحكومة أن تدرسه بشكل واسع وبالتعاون مع مختلف الفعاليات والجهات وقد تم وضعه على الانترنت.. وكان هناك الكثير من المشاركات والأفكار المفيدة وقد انتهت الحكومة من دراسته وأرسل إلى رئاسة الجمهورية وأعيد مؤخراً إلى الحكومة».
وأضاف الرئيس الأسد.. «إن قانون مكافحة الفساد قانون جيد وفيه نقاط مهمة جداً.. ولا يمكن أن نكافح الفساد لوحده لأن هذا خلل كبير عدا عن وجود نقاط أخرى وهناك مقترحات حول دمج هيئة التفتيش مع هيئة الرقابة المالية وهذا الموضوع ليس مهما فالأهم هو ما هي علاقة التفتيش مع هيئة مكافحة الفساد..» مؤكداً أنه سيتم إصدار قانون مكافحة الفساد وبصدوره سيكون من السهل على الدولة مكافحة الفساد على المستوى المتوسط فما فوق.. ولكن من الصعب عليها أن تكافحه من مستوى ما دون متوسط من دون مساهمة المواطن والإعلام، ودعا إلى ضرورة تفعيل المؤسسات في معالجة قضايا الفساد.
وأوضح لجميع المواطنين الذين التقاهم: «إنني سأهتم بهذا القانون وبتفعيل هذه المؤسسات وأريد أن أرى مكافحة الفساد بالأقنية القانونية الطبيعية وعندها نحل مشاكل آلاف وعشرات آلاف ومئات آلاف وملايين من السوريين.. فأنا أركز دائماً على العمل المؤسسي ولو قمت بحل مشكلة فهي مشكلة فردية ونحل مشكلة شخص لا نحل مشكلة آلاف الأشخاص».
وفيما ورد بالخطاب حول هذه المسألة يعطي أهمية وأولوية لمكافحة الفساد وما يتطلبه، إضافة إلى صدور القانون الذي يتطلب تعاوناً بين المواطنين وأجهزة الدولة من خلال الآليات المناسبة لجمع المعلومة وتفعيل الرقابة الشعبية والإعلامية.
ثامناً ـ إنجاز الدستور والحكومة الوطنية:
أكد السيد الرئيس أهمية القانون في حياة المجتمع ودور المؤسسات في تطويره فانطلق من الدستور وهو المبدأ الأساسي للتشريع، وأشار إلى البداية في تشكيل لجنة إعداد الدستور والمهلة الزمنية الني أعطيت لإنجازه بشكل أولي وفعال وقال: «الدستور سيركز على نقطة أساسية جوهرية هي التعددية الحزبية والسياسية» ولم ينحصر التعديل في المادة الثامنة التي كان بعضهم يطالب بها بل إعادة صياغة لكل مواد الدستور ليتحقق الترابط بين مواده وقال: «الدستور سيركز على أن الشعب هو مصدر السلطات..» وأعطى للانتخابات أهميتها الاجتماعية والتشريعية لأنها «تكرس دور المؤسسات وحرية المواطن».
ونوه السيد الرئيس في كلمته إلى استجابته للمطالب الاجتماعية الملحة التي كانت تنقل إليه وكان هذا سبباً في البدء بالإصلاح القانوني قبل تعديل الدستور وعبر عن ذلك بقوله: «منطقياً يجب أن نبدأ بالدستور وبعدها نأتي بالقوانين.. ولكن ضغط الناس.. دفعنا إلى العمل بالتوازي» وأكد السيد الرئيس أن مرحلة جدية من حياة سورية ستشرق عندما يصدر الدستور وتصدر القوانين فقال: «المهم عندما تصدر القوانين ويصدر الدستور سنكون في مرحلة جدية وهي ليست انتقالية»، وأكد أنه عندما تنهي اللجنة من صياغة الدستور سيكون الخيار بالاحتكام إلى الشعب للاستفتاء عليه فقال: «من الممكن أن يكون الاستفتاء على الدستور غب بداية شهر آذار».
ربط السيد الرئيس انتخابات مجلس الشعب بإنجاز الدستور وهذا لإعطاء الفرصة لكافة القوى السياسية لتحضر قواعدها وبرامجها لخوض الانتخابات.. ووضع جدولاً زمنياً لذلك فقال متابعاً: «إن الجدول الزمني مرتبط بالدستور الجديد وإذا كانت المهلة الدستورية شهرين فإن الاستفتاء سيكون في شهر آذار.. ومن الممكن أن تكون الانتخابات في أوائل أيار أما إذا كانت المهلة الدستورية ثلاثة أشهر فيمكن أن تكون في أوائل حزيران».
ومن منطلق أن البلاد ليست في حالة حرب خارجية ولا في حالة حرب داخلية وإنما هناك أزمة داخلية فإن الأمر لا يتطلب حكومة وحدة وطنية، لذلك فإن طرح مبدأ حكومة وحدة وطنية غير وارد من منطلق قول سيادته: « لدينا مشاكل ولدينا انقسام في حالات معينة لكن لا يوجد لدينا انقسام وطني بالمعنى الذي يمكن أن يطرح..» وأضاف أن الحكومات في سورية دائماً هي حكومات متنوعة فيها المستقلون والأحزاب المختلفة.
وأكد على توسيع المشاركة في الحكومة فقال: «كلما وسعنا المشاركة كان هذا أفضل من كل النواحي..» مشيراً إلى إن الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يتم في سورية والاستجابة النوعية للمطالب والإرادة الرسمية الواعية كل ذلك سيؤدي حتماً حسب قول السيد الرئيس إلى: «خريطة سياسية جديدة مع الأزمة ومع الدستور الجديد ومع قانون الأحزاب ظهرت قوى سياسية جديدة فلا بد أن نضعها بالاعتبار».
وأكد السيد الرئيس مرة ثانية على ضرورة المشاركة الواسعة في الحكومة فقال: «إن كل الأطراف السياسية من الوسط إلى المعارضة إلى الموالاة والكل يساهم.. فالحكومة هي حكومة الوطن وليست حكومة حزب أو دولة».
كثرت أطياف المعارضة وكثر المعارضون ومنعاً لأي التباس في ذلك ولضرورة تحديد المفهوم قال السيد الرئيس: «التقيت أنا بعدد من هؤلاء وكنت أسألهم سؤالاً من تمثل؟..» المعارضة تعني قاعدة شعبية.. ولا تعني بأنني معارض كشخص مشيراً إلى أن: «القواعد الشعبية للمعارضة تتحدد بالانتخابات وليس بالخطابات والتصاريح» وقال: «لا يوجد لدينا الآن معايير قبل الانتخابات المقبلة» وكان هذا هو المبدأ الأول لتحديد المعارضة أما المبدأ الثاني لتحديد المعارضة فهو كونها معارضة وطنية تعمل مع الشعب فقال: «لا نريد معارضة تجلس في السفارات أو معارضة تأخذ المؤشرات من الخارج».
وأعطى السيد الرئيس المعارضة الوطنية أهمية ودوراً في بناء المجتمع فقال: «إذا أخذنا المعايير الوطنية والأشخاص أو الشخصيات الوطنية فإنها موجودة ونستطيع أن نبدأ مباشرة الآن بالعمل من أجل هذه الحكومة..» وهذه المسألة غاية في الأهمية أثبتها السيد الرئيس في خطابه عندما قال متسائلاً: «هل سيستطيع الشخص السياسي أن يقود قطاعاً تقنياً..؟ طبعاً هذا الكلام غير ممكن».
وفي هذا التوضيح يؤكد السيد الرئيس أن التسمية ليست هي الأساس للحكومة المطلوبة، فالأساس المشاركة الواسعة التي تشمل كل الفعاليات والأطياف السياسية والاجتماعية سواء كانت في الموالاة أو المعارضة أو الوسط.
لم تغب حاجات الناس ومطالبهم المعيشية عن اهتمام السيد الرئيس فتساءل: «هل ستأتي حكومة سياسية لتؤمن المازوت والغاز والدواء... إلخ؟ هذا الكلام غير واقعي في ظروفنا.. فلتكن حكومة موسعة وفيها مزيج من سياسيين ومن تقنيين تمثل القوى السياسية».
كما أكد السيد الرئيس على أهمية ما تم إنجازه في مؤتمرات الحوار سواءً منها الحوار الموسع والحوار المركزي ولاحظ مشاركة بعض المعارضة فقال: «كان حواراً مفيداً جدا، وكانت هناك مشاركة واسعة جداً من مختلف الفعاليات في المحافظات حيث طُرحت من نحو الشهرين العودة للمرحلة الثالثة من الحوار بشكل مركزي»، إذاً سيتم تفعيل الحوار.
تاسعاً ـ الحزب والمستقبل.. عملية الإصلاح مستمرة:
إن المستقبل يعني الشباب وأن أي تبديل لابد أن يركز عليهم فقال حول هذه المسألة: «مقبلون على تبديلات وأهم شيء في هذه التبديلات أن نركز في المستقبل على جيل الشباب»، وهذا واضح من خلال إعلان القيادة القطرية عن عقد المؤتمر القطري فقال: «عندما تعلن القيادة القطرية منذ أسبوع عن مؤتمر قطري قريباً فنحن مقبلون على تبديلات جزء منها بدأ منذ أيام..». وحول عملية البناء والمساهمة فيها تحدث السيد الرئيس: «إن سورية بحاجة إلى كل أبنائها الصادقين بغض النظر عن الانتماءات السياسية». وعن التجديد، اعتبره السيد الرئيس إنه عملية مستمرة وذلك عندما قال: «لا يوجد لدينا سورية الجديدة وإنما لدينا سورية المتجددة.. فالتجديد عملية مستمرة».
وأكد السيد الرئيس أن الأزمة خلقت وعياً اجتماعياً مفيداً تمخّض عن القوانين والإصلاحات الإدارية فقال: «إن هذه الأشهر العشرة بكل مآسيها كانت مفيدة جداً بالنسبة لهذه الناحية حيث أثبت الشعب السوري أنه شعب واع وقادر على أن يقدم نموذجاً لدولة عصرية.. تسبق بمراحل وقرون.. تلك الدول التي تعطينا درساً في الديمقراطية».
وأشاد بحالة الوعي فقال: «بمقدار ما رأيناه من وعي شامل في سورية هناك بؤر صغيرة من الجهل ولكنها تؤثر على الوضع العام ولا نريد لهذه البؤر ولبعض حالات الجهل أن تؤثر على عملية التطوير».
في هذا الكلام إشارة واضحة إلى أن تجديد المؤسسات وما يتطلبه ذلك من تبديل يسير في اتجاه دور أكبر للشباب إلى جانب برامج واضحة تلبي متطلبات المرحلة، وهو المطلوب من المؤتمر القطري القادم.
ونوه السيد الرئيس إلى استمرار عملية الإصلاح الإداري وذلك على ضوء الدستور الجديد لتحقق هذه العملية تكاملاً تشريعياً فقال: «إذا كان هناك خلل في القوانين فيمكن بعد إصدار الدستور أن نعيد دراسة القوانين». وسيكون هناك ملاحظات حول القوانين والممارسة ومن خلال الممارسة سنكتشف الأخطاء وهذا يدل على فهم عميق لطبيعة السلوك الاجتماعي ولمطلب مهم من مطالب البناء ألا وهو مراقبة الممارسة وتصحيحها.
كما ركز السيد الرئيس على موقف سورية الرافض لكل أشكال التقسيم، هذا الموقف المرتبط تاريخياً بمواقف سورية فقال: «حلم التقسيم لا يزال يراود أحفاد (سايكس /بيكو)، لكن حلمهم ينقلب كابوساً اليوم...» مؤكداً قدرة سورية على قيادة الصراع ضدّ الأخطار الخارجية من منطلق الوعي الكامل لقدراتها فقال: «الصراع اليوم مع سورية وليس عليها، وهزيمة سورية التي لن نسمح لهم بتحقيقها تعني هزيمة الصمود والمقاومة..»، وأشار سيادته إلى أن الهدف الذي وضعته سورية كهدف استراتيجي هو دعم المقاومة والعمل لتحرير الأرض، وهذا الهدف سيبقى أساسياً مهما كانت أزمات الداخل: «هدفهم الذي يريدون تحقيقه في المحصلة هو سورية المنشغلة بقضايا ذاتية هامشية والمنعزلة ضمن حدودها القطرية، لا حدودها الطبيعية القومية التاريخية..».
فبمقدار ما تنجح سورية بهزيمة المؤامرة والاستهداف الخارجي بمقدار ما تقضي على مخططات التقسيم والتفتيت لسورية والمنطقة العربية، التي كانت ولا تزال هدفاً للمخططات الإمبريالية الصهيونية المعدّة للمنطقة العربية.
عاشراً ـ الالتزام بالهوية القومية والوطنية:
ركز الخطاب على انفتاح سورية على قضايا العرب من خلال التأكيد على الهوية العربية والشخصية الثقافية لشعبنا، موضحاً أهمية الهوية للوطن والمواطن فقال السيد الرئيس: «تفكيك هذه الهوية هو الذي يؤدي إلى الهزيمة الفعلية التي لم تحققها الحروب المتكررة، بل يحققها تدمير بنية المجتمع الذي أنتج منظومات المقاومة الاجتماعية والثقافية..».
وحول موضوع الإرهاب الذي ابتليت به الشعوب والشعب السوري بشكل خاص فإن محاربته مبدأٌ أساسي للدولة والمجتمع أكد الخطاب أنه: «لا مهادنة مع الإرهاب ولا تهاون مع من يستخدم السلاح الآثم لإثارة البلبلة والانقسام ولا تساهل مع من يروع الآمنين، ولا تسوية مع من يتواطأ مع الأجنبي ضد وطنه وشعبه..»، وأضاف أن الانتصار في القضاء على الإرهاب يعني إعادة سورية لترتيب أولوياتها في الحرب أو المواجهة والبناء ولذلك أعتبر أن: «الأولوية القصوى الآن والتي لا تدانيها أي أولوية هي استعادة الأمن الذي نعمنا به لعقود..» مؤكداً أن المعركة مع الإرهاب هي معركة وطنية فقال: «إن المعركة مع الإرهاب لن تكون معركة الدولة أو مؤسساتها فقط، بل هي معركتنا جميعاً وهي معركة وطنية ومن واجب الجميع الانخراط بها..».
وكانت الإشارة إلى ما يطرح وما يقال عن ظروف العفو والمسامحة، فلم ينف السيد الرئيس هذا المبدأ، بل أكده بقوله: «إن الدولة القوية هي التي تعرف متى وكيف تسامح وكيف تعيد أبنائها إلى الطريق الصواب... هناك أشخاص وقعوا في الخطأ وغرر بهم... والهدف أن يدفعوهم باتجاه الجريمة لكي يصلوا إلى نقطة اللاعودة»...
إن قرار السيد الرئيس بهذه المسألة يدل على وعي اجتماعي ومعرفة بدوافع المتآمرين وأهدافهم المدمرة للبيئة الاجتماعية.. ولذلك أكد مسؤولية الدولة تجاه أبنائها ـ فشبّه الدولة بالأم بقوله: «الدولة كالأم تفتح المجال دائماً لأبنائها لكي يكونوا في كل يوم أفضل حفاظاً على الاستقرار وحقناً للدماء، ولذلك كنا نصدر من وقت لآخر العفو تلو الآخر».
إذا كان العفو يعبر عن وجه من أوجه قدرة الدولة فإن الوجه الآخر لهذه القوة هو القدرة على الحسم والحزم في اتخاذ القرار وذلك بسبب وجود حالات لا ينفع معها العفو، فقال سيادته موضحاً أنه التقى بعض المغرر بهم والذين تراجعوا عن خطأهم ولكن بعضهم حسب قول سيادته: «أصرَّ على غيّه» وهؤلاء وردت فيهم الآية الكريمة: «وفي غيّهم يعمهون» وقد وصفهم بأنهم أصيبوا بالعمى العقلي فقال: «العمى هو العمى العقلي وليس عمى العيون» وهم من ارتكبوا المجازر واصفين أنفسهم الثوار.
تساءل السيد الرئيس: «هل من الممكن أن يكون هناك ثائر ضد العلم؟ في بعض المناطق انخفض التدريس إلى النصف». وهناك مناضلون حقيقيون مستمرون في تأدية واجباتهم رغم التهديد ورغم الإرهاب، هؤلاء هم ثائرون وهم الشهداء من معلمين وأساتذة ومن هذا المنطلق وجه لهم سيادته تحية فقال: «أوجه باسمكم تحية لكل العاملين في المجال التربوي للمدرسين والموجهين والأذنة في المدارس والإداريين..».
وأكد أن من يمنع ويعطّل العملية التربوية هو مخرب وليس ثائراً ومن يقطع وسائل العيش عن المواطن ليس بثائر فقال: «هل من الممكن أن يكون الثائر ضد المواطن يقطع عنه الغاز الذي يحتاجه يومياً والطعام لكي يموت من الجوع؟ ويقطع عنه المازوت والوقود لكي يموت من البرد؟ ويقطع عنه الدواء لكي يموت من المرض؟». وارتقى بالتساؤل الذي يطرحه كل مواطن: «هل من الممكن أن يعمل الثائر لمصلحة العدو أو بما يعني ثائراً خائناً؟» وأجاب: «هذا غير ممكن».
وكلام السيد الرئيس في هذا المجال يؤكد على ربط واضح بين عملية الإصلاح وبلوغ أهدافها بمحاربة الإرهاب ودحره، كما يؤكد على الربط بين تحقيق الاستقرار والتسامح مع من انجرف عن جادة الصواب في مرحلة معينة، وتأكيده أن المصالحة الوطنية التي يجب أن تتم في نهاية المطاف لا بد أن تتم في الوقت المناسب بعد القضاء على الإرهاب وتحقيق الاستقرار.
حادي عشر ـ متى تنتهي الأزمة وكيف؟.
من طبيعة الأمور أن يكون لكل أزمة بداية ونهاية فالأزمة بدأت لكن متى تنتهي؟ وهذا السؤال يتكرر ويُطرح على كل المستويات ولقد قارب السيد الرئيس المؤامرة من خلال أهدافها وغايتها ووسائل إدارتها فقال معبراً عن صمود سورية: «المؤامرة تنتهي عندما يقرر الشعب السوري أن يتحول إلى شعب خانع وعندما نخضع ونتنازل عن كل تراثنا»، وعدّد سيادته التراث الذي بنته سورية المعاصرة بدءاً من حرب تشرين التحريرية 1973 والدفاع عن لبنان عام 1982 وانطلاق المقاومة التي حررت لبنان عام 2000 ودعم المقاومة في حرب تموز 2006 وأثناء صد العدوان عام 2008 وفي كل ذلك موقف نضال قومي يسجل شموخاً وصموداً للشعب السوري ولنهج التحرر المقاوم فيها. 
وأكد أن ما يحصل في القدس وفي المسجد الأقصى تحديداً يجب على العرب أن يتصدّوا له ولن تكون سورية شاهداً على ما يحدث فأكد أن المؤامرة ستنتهي عندما نقبل أن نكون شهود زور على ما يحصل تجاه المسجد الأقصى الآن من عملية تدمير منهجية لا نسمع عنها إلا فيما ندر.. وتساءل: «لا أعرف إذا كانت الجامعة العربية ستشكل لجنة لمعالجة هذا الموضوع.. ولا أعتقد ذلك..».
وحول ثقته بصمود الشعب السوري أكد قناعته بهذا الصمود وعدّد الأسباب لذلك وقال في مقومات الصمود: «أولاً: المبادئ التي تربى عليها المواطن السوري.. وثانياً: لأن النماذج المقدمة لنا من مسؤولين خاضعين أو سياسات خاضعة أو من دول خاضعة لا تبشر بالخير..». وأكد موقف سورية الثابت مختصراً كل المفاهيم بمفهوم الكرامة السورية فقال: «لا يمكن أن نتنازل عن كرامتنا لأن هذه الكرامة هي أغلى ما يملكه الشعب السوري..».
وبعد أن أوضح سيادته أبعاد المؤامرة وأهدافها أجاب عن النقطة الثانية المرتبطة بالأولى، وهي متى تتوقف الأزمة ومتى تنتهي، فقال: «عندما يتوقف تهريب السلاح الذي يأتي من الخارج والأموال... وعندما نخضع ونتنازل»، لكن هذا الجانب المتعلق بالخارج، أما الجانب المتعلق بالداخل: «ما أعرفه تماماً أن ما أعرفه تماما أن المؤامرة تنتهي وتتوقف عندما ننتصر عليها ولا يجوز أن نكون منفعلين..»، وتابع: «ننتصر على المؤامرة عندما ننتصر على أهوائنا وانفعالاتنا وعندما نعود إلى العقل والمحبة الصادقة التي كانت عليها سورية..».
إن ضرب الإرهاب والانتصار على المؤامرة يعبران عن قوة سورية، وشبّه السيد الرئيس المجتمع بالجسم، فقوة الجسم وصحته تكسبانه مناعة ضدّ الأمراض وأما بالنسبة للمجتمعات بشكل عام وسورية بشكل خاص فأكد أن الفوضى تضعف البنية الاجتماعية ولذلك قال: «لا نستطيع أن نكافح الإرهاب من دون أن نكافح الفوضى فكلاهما مرتبط وهذه النقطة يجب أن تكون واضحة.. بمعنى أن المناعة تضعف عندما يضعف الوعي الوطني»، وحول مراحل إدخال السلاح إلى سورية وتطور الإرهاب قال سيادته: «لا يمكن لهذا الإرهاب أن يظهر فجأة فهناك مراحل بدأت منذ البداية فكان هناك إرهاب صغير بالحجم وبنوعية السلاح وبالمساحة الجغرافية وكبر حتى وصل إلى هذا المستوى وهذه المرحلة». وأجاب سيادته عن بعض الأسباب الموضوعية التي أدت إلى التأخير في معالجة الأزمة فقال: «تأخرنا لا يعني بأننا وصلنا إلى نقطة اللاعودة... المهم الآن أن نقف في صف واحد وعندما تصبح القضايا وطنية لا يعود هناك خلافات».
وركّز سيادته على أهمية دور المؤسسات وبأنها لا تخطئ وأن من يخطئ هم الأفراد فقال: «المؤسسات لا تخطئ وإنما هي تتبنى سياسات خاطئة وهذا موضوع آخر ولكن الأخطاء هي أخطاء أفراد وعلينا أن نفرق بين أخطاء الأفراد وسياسات المؤسسات.. ونحن نتبع سياستين الأولى: هي الاستمرار في الإصلاح والثانية: هي مكافحة الإرهاب» وتساءل سيادته:«هل يستطيع أي شخص أن يقول أن هذه السياسة خاطئة؟»، ولقد أثبتت التجربة في سورية صحة هذا المنهج الذي اتبع في بناء المؤسسات فقال سيادته عن توازي مسارات هذه السياسة: «نقف صفاً واحداً مع مؤسسات الدولة نساعدها ونساعد الجيش والأمن ونحتضنهما معنوياً».
لم تقف المؤامرة على سورية، فمنذ ما قبل الثمانينات «عندما قام إخوان الشياطين الذين تغطوا بالإسلام بأعمالهم الإرهابية في سورية في البداية كان هناك الكثير من السوريين غرر بهم وكانوا يعتقدون بأنهم فعلاً يدافعون عن الإسلام فلم يأخذوا أي موقف حتى ظهرت الأمور.. بدأ الحسم وكان الحسم سريعاً»، لذلك أكّد السيد الرئيس على ضرورة احتضان مؤسسات الدولة والجيش ومساندتها في معركتها ضد الإرهاب، وبالتالي يتحقق النجاح في معركة الإصلاح فقال: «إذا وقفنا الآن واحتضنا الأمن والأجهزة المختلفة والمختصة فأنا أعتقد أن النتائج ستكون حاسمة وسريعة».
وحول الحشود التي انطلقت في الساحات والتي نقلتها وسائل الإعلام المختلفة هذه الحشود المطالبة بالحسم، أكد سيادته موضوع الإصلاح والاستجابة لمطالب الجماهير بقوله: «طبعاً هذا الموضوع محسوم بالنسبة لنا، فالتعامل مع الإرهاب لا بد أن يكون بأشد الطرق القانونية».
وتبقى وحدة المجتمع وسيلة الحسم الرئيسة، ولكن كيف يمكن ذلك، وما هي المنهجية التي يجب أن تطبق، أجاب السيد الرئيس بقوله: «المحور الأساسي هو كيف يقف المواطن مع الدولة»، وأضاف: «دخل الجيش إلى مدينة كان هناك من يسيطر عليها من الإرهابيين ولا أريد أن أقول يحتل.. فقام أشخاص من سكان المنطقة بتشكيل فرق لحماية مجنبات الجيش»، وظهر تعاون المواطنين في صور مختلفة أهمها الإبلاغ عن الإرهابيين والإدلاء بمعلومات عنهم.
وعن نهاية الأزمة، لا بدّ أن تنتهي، عند ذلك ستتم المصالحة الوطنية، ولكن في ظل الإرهاب لن يتم ذلك، وأوضح السيد الرئيس أن: «المصالحة الوطنية هي في نهاية الأزمة أن الكل يسامح الكل..» وعلى الجميع أن يعترفوا بأخطائهم، فيقول: «الكل أخطأ مع الكل وهناك أخطاء كثيرة..»، والمصالحة في هذا الإطار تعبير عن وعي وطني عبر عنها سيادته بقوله: «إنها حالة وطنية تلحق بقوانين وتشريعات وغيرها فإذاً.. نحن لا بدّ من أن نصل لتلك المرحلة ولكن في التوقيت المناسب».
هذا هو منطلق رجل الدولة والمسؤول عن كل بنيتها، عن إنجازاتها بكل إيجابياتها وكل أخطائها، والذي يعرف كيف يصوّب الأمور ويعيدها إلى المسار الصحيح، لكن في مكانها وزمانها.
ففي كل المجتمعات هناك تنوع في قدرة الأفراد على تحمّل الصعاب والأزمات، وهناك رجال قادرون على مجابهة الأزمات، ولقد تجلّت مناعة الشعب السوري في تحمّل السنوات الصعبة التي مرت، فقال: «نحن من أطعم دولاً عربية عدة في سنوات عجاف.. وأنا أتحدث عن السنوات العجاف التي مرت من ثلاث أو أربع سنوات».
وخاطب جيل الشباب بقوله: «لا تسمح للخوف أن يدخل إلى قلبك نتيجة الحرب الإعلامية التي تحصل تجاهك، فسورية مرت بظروف أصعب بكثير حتى أمنياً كانت الظروف أصعب بكثير وتفوقنا عليها وانتصرنا».
وأكد سيادته على أن للأزمات الاجتماعية التي تتعرض لها الشعوب جوانب إيجابية رغم ما تحمله من مآسي وسلبيات فقال: «هي فرص للشعوب الأصيلة القادرة لكي تنجز، واليوم نحن أقدر على تحويل كل ذلك إلى مكاسب من خلال الاعتماد على الذات».
وحول قيام تجار الحروب باستغلال الأزمات للمصالح الشخصية ولزيادة الكسب غير المشروع وتشكيل طبقة مستغلة نوّه السيد الرئيس إلى ضرورة التنبّه لها فقال: «إن أهم شيء ألا يظهر لدينا طبقة محتكرة تستغل الأزمات لكي تبني الثروات على حساب قوت ودماء الشعب»، وأكد سيادته على مسؤولية الدولة في التصدي لهذه الظاهرة ومحاربة القائمين عليها، والأمر يتطلب تعاوناً وثيقاً بين كل مكونات المجتمع ومؤسساته وأفراده.
وفي هذا تأكيد على دور الشعب ووعيه في الانتصار على الأزمات وارتباط وثيق بين نجاح الإصلاح والاستقرار، وإن الاستقرار مستحيل بدون الانتصار على الإرهاب وأن نهاية الأزمة إما بالخضوع لما هو مطلوب لمن خلق هذه الأزمة، وهذا مستحيل وبعيد عن شعب سورية، وإما بالصمود والتماسك والتصدي للمؤامرة والانتصار عليها، وهذا ما يجسده الحراك الشعبي السوري.
ثاني عشر ـ عملية البناء الاقتصادي:
يقوم الاقتصاد على مقومات أساسية هي الصناعة والزراعة، وباعتبار أن سورية لا تملك القاعدة الأولية لبناء الصناعات الثقيلة، فقد ركّز السيد الرئيس على أهمية الصناعات المتوسطة والصغيرة كمنطلق للنمو الاقتصادي فقال: «إن هذا النوع من الصناعات بالإضافة إلى الحرف يخلق عدالة اجتماعية كبيرة وبنفس الوقت لا يتأثر كثيراً بالحصار الخارجي ولا يتأثر كثيراً بالظروف الأمنية»، وبذلك وضع السيد الرئيس منهجاً متكاملاً على كافة المؤسسات تفعيله، والبحث عن طرق وأدوات إنجاحه، لأنه يشكل ضمانة الاستمرار لتجاوز الأزمة الراهنة.
ولم يغفل السيد الرئيس دور الزراعة في عملية التنمية وأبدى اهتمامه بالفلاحين المتزامن مع اهتمام الدولة بالعمال والحرفيين، وقال: «إن الزراعة في سورية قطعت مراحل جيدة بالرغم من كل الصعوبات».
تعد الحرب النفسية وسيلة هدامة لقدرات المجتمعات وإراداتها، وما التركيز على هذا الجانب وتوجيهه إلى الاقتصاد سوى سلاح مدمر عبّر عنه السيد الرئيس بقوله: «إن جزءاً كبيراً من الحرب النفسية الآن الموجهة لسورية انتقل إلى الموضوع الاقتصادي عندما فشلوا في الموضوع الطائفي والموضوع الوطني وفي كل القضايا ذات الجانب السياسي. طبعاً أسعار الأسهم والليرة لها تأثير ونعرف عندما تنخفض الليرة ترتفع الأسعار ولكن هذا ليس المعيار الوحيد بل هناك معيار أهم.. ما هو مقدار الإنتاج في سورية. الإنتاج في سورية بشكل عام كان إنتاجاً ضعيفاً وفي السنوات الأخيرة مع الانفتاح تحوّلنا للاستهلاك وحتى المادة الموجودة في سورية نشتريها صناعة غير سورية وهذا أضر كثيراً في الاقتصاد».
وأكد السيد الرئيس على قدرة سورية على رفع مستوى الإنتاج، وعدّد بعض أوجه التفوق في ذلك، ونوه بأن سورية تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في إنتاج الزيتون، وقد يكون قد قفزت إلى الثالثة أو الرابعة، ووفرت إنتاج القمح رغم الجفاف، وأكد أن المديونية في سورية قليلة فقال: «يجب أن نعرف أنه لدينا نقاط قوة كبيرة فالمديونية في سورية قليلة جداً وعلاقاتنا مع الدول المختلفة لم تنقطع».
تعد سورية مركزاً استراتيجياً عالمياً، ويشكّل موقعها الاستراتيجي حسب قول السيد الرئيس نقطة قوة كبيرة: «بالنسبة للعلاقة مع الغرب.. فالغرب يقول مجتمعاً دولياً وبالنسبة له المجتمع الدولي هو عدد من الدول الكبرى الاستعمارية وكل العالم بالنسبة لهم عبارة عن ساحات وفيها عبيد يقومون بخدمة مصالحهم». وعن العلاقة مع دول الشرق أكد سيادته أن سورية توجهت إلى دول المشرق نتيجة السياسات الخاطئة التي تقوم بها الدول الغربية فقال: «قررنا في عام 2005 أن نتوجه شرقاً ففي ذلك الوقت كنا نعرف بأن الغرب لن يتغير... ما زال استعمارياً بشكل أو بآخر».
لذلك لم يكن التوجه للشرق عفوياً، بل لتقدير دقيق لمواقف الدول وأهدافها، ولمصلحة سورية ومستقبلها ولذلك وجّه القطاع الخاص أن يتوجه نحو الدول الشرقية بقوله: «لا بد من توجه القطاع الخاص في سورية من أجل فتح أقنية مع هذه الدول».
وطمأن السيد الرئيس الشعب السوري والجماهير العربية إلى حسن العلاقة مع بقية دول العالم على الرغم من الخسائر التي دفعت وعبر عن ذلك بقوله: «إن علاقات معظم دول العالم جيدة مع سورية وحتى في ظروف هذه الأزمة والضغوط الغربية عليها بقيت مصرة على إقامة علاقات مع سورية..».
وطمأن السيد الرئيس المجتمع العربي بشكل عام، والسوري بشكل خاص إلى إمكانية الوصول إلى المستقبل المشرق فقال: «بالرغم من كل هذه الظروف المعقدة فإن ثقتي بالمستقبل كبيرة وهي في ذلك تنطلق منكم..»، وتابع: «إن شعبنا أثبت أصالته ونقاء معدنه فلم يتمكن الإعلام الدموي من ضرب وحدته ولا محاولات التجويع من تركيعه والمساس بشرفه وكرامته».
ونوّه سيادته بتماسك القوات المسلحة وقدرتها على تأدية دورها فقال مخاطباً رجالها: «إن ثقتي في ذلك تنطلق منكم ومن رجال قواتنا المسلحة.. رجال الضمائر الحية والعزائم الصلبة.. الذين يعبرون عن وجدان الشعب ويحمون قيمه وتطلعاته».
لقد قدم المجتمع السوري شهداءه في كل المواقع والساحات، وما زال قادراً على تقديم المزيد ليحيا الوطن لكل أبنائه وأجياله، ونوه السيد الرئيس لمآثر الشهداء بقوله: «أما دماء شهدائنا وهي أساس صمود الوطن فستكون المنارة التي تضيء طريق الأجيال المقبلة لبناء سورية المستقبل».
ووجه التحية لعائلات الشهداء بقوله: «أما قوة عائلاتهم في فقدان أعز الناس إليهم فقد جعلتنا أكثر صلابة وتحدياً وتصميماً على المضي بالطريق نفسها التي سلكها أخوتهم وآباؤهم وأبناؤهم دفاعاً عن الوطن وقيمه».
واختتم  السيد الرئيس خطابه بتوجيه التحية للشعب في مختلف مواقعه فقال: «أوجه التحية لكم يا أبناء هذا الشعب العظيم بمختلف مواقعكم الفكرية وانتماءاتكم السياسية.. يا من تدافعون بقوة واستبسال عن قيم التضامن والمحبة التي توحّد أبناء شعبنا ضد مشاعر الحقد والكراهية».
لذلك يعد هذا الخطاب قراءة دقيقة للواقع الاجتماعي، ومنهج عمل للمستقبل يمكن أن تعمل وفقه المؤسسات بما يحقق صمود الوطن وعزته ومنعته وأمنه ليتفرغ لعملية البناء والتنمية في كافة أوجهها ومستوياتها.
لقد أوضح الخطاب بإشارته إلى الأمور الزراعية والاقتصادية والصناعات المتوسطة والخفيفة والحرف ما هو المطلوب من خلال الاعتماد على الإمكانيات المتوافرة في هذه المرحلة التي ركّز فيها الأعداء على العقوبات الاقتصادية، آملين أن يحققوا من خلالها ما فشلوا بتحقيقه سياسياً وإعلامياً ومن خلال الإرهاب. ولكنهم سيفشلون في هذا الأمر أيضاً لأن سورية قادرة أن تتأقلم مع الوضع الجديد.
بقي أن نشير إلى أن الخطاب يترجم فكر البعث المتجدد كمنطلق لمسيرتنا النضالية في هذه المرحلة وللمستقبل، والإرادة والحزم في مواجهة كل تآمر على سورية وقضايا الأمة، والتمسك بالثوابت الوطنية والقومية، والاعتماد على الشعب وتلبيه احتياجاته والانطلاق من الإمكانيات الوطنية وعدم رهن إرادتنا للخارج، ويعطي تفاؤلاً بالمستقبل ويقطع الطريق على كل دعاة الهزيمة والخنوع.

والخلود لرسالتنا

دمشق 15/1/2012

                                                                                                                                                                 الأمين العام المساعد
                                                                                                                                                                لحزب البعث العربي الاشتراكي
                                                                                                                                                                 الرفيق عبد الله الأحمر

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg