• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     

 

العرب في مواجهة مخاطر التقسيم*-د.منير الحمش**

تطلّع العرب منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى التحرر من الحكم العثماني وبناء دولتهم المستقلة، وإذا كانوا قد استطاعوا التحرر من السيطرة العثمانية، فإنهم لم يتمكنوا، حتى الآن، من بناء دولتهم المستقلة لا بل، تتعرض البلدان العربية اليوم إلى المزيد من مشروعات التقسيم والتجزئة. فقد خضعت هذه البلدان، على نحو أو آخر، للمصالح الاستعمارية وللصراعات بين الدول الاستعمارية في حقبات متتالية من التاريخ المعاصر، وظهرت منذ بداية القرن العشرين الحركة الصهيونية، كلاعب رئيسي في تقرير مصير المنطقة العربية، في غياب أو تغييب للإرادة العربية.

تشكّلت الدول العربية، بعد زوال الحكم العثماني في المشرق العربي في ضوء اتفاقية "سايكس ـ بيكو" ومن خلال مستلزمات تنفيذ وعد بلفور وإقامة "إسرائيل"، بدلاً عن تنفيذ بريطانيا (ومعها الغرب والولايات المتحدة) وعدها للعرب بدعم قيام دولتهم المستقلة التي تشمل الحجاز وبلاد الشام. كما استمر وضع شمال إفريقيا العربي والسودان دولاً متناثرة تحت وصاية أو احتلال أو هيمنة الدول الأوروبية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، تمّ حصول البلدان العربية على استقلالها السياسي تباعاً، وتم تكريس تقسيمها، وحالت الظروف الدولية والشروط الموضوعية الذاتية دون تحقيق وحدة العرب، لا بل أسهمت هذه الظروف والشروط في إعاقة قيام نظام عربي إقليمي في إطار جامعة الدول العربية، ومنع قيام تكتل اقتصادي عربي، بينما جرى تكريس حالة التجزئة والتخلف، ومع التطورات الاستراتيجية والسياسية الدولية، تعرضت البلدان العربية القائمة إلى المزيد من مشروعات التقسيم والتجزئة والتفتيت.

تهدف هذه الحلقة النقاشية إلى قراءة جديدة لمخاطر التقسيم من خلال المحاور التالية:

  • علاقة الغرب بالمنطقة العربية في مطلع القرن العشرين: ظهور الدولة القطرية وتكريس التجزئة.
  • الصراع على المنطقة العربية وفشل النظام العربي الإقليمي.
  • المنطق التقسيمي في نظرة الغرب (وعلى رأسه الولايات المتحدة) نحو العرب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة (التداعيات الإقليمية والدولية).


 

 

أولاً- الغرب والمنطقة العربية في مطلع القرن العشرين: ظهور الدولة القطرية وتكريس التجزئة:

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبعد أن تمّ تقسيم المنطقة العربية بين فرنسا وإنكلترا، وما واجه ذلك من رفض شعبي شامل، قال الجنرال الفرنسي "دوفيغو": "إن المسألة الشرقية هي مسألة أبدية"، هي مسألة أبدية بنظر الغرب، وهي مسألة وجود بالنسبة للعرب، وهذه المسألة لا تخص الشرق العربي فحسب، بل إنها تمتد لشمال إفريقيا العربي.

خضع المشرق العربي لحكم الأتراك العثمانيين لفترة امتدت أكثر من أربعة قرون (1516-1918) في حين كان لمصر والدول العربية في شمال إفريقيا أوضاعها الخاصة المرتبطة بالإمبراطورية العثمانية، على نحو أو آخر.

لكن للقوى الأوروبية الكبرى حساباتها الخاصة ضمن التوازنات الدقيقة التي تربط فيما بينها، ففي منتصف القرن التاسع عشر كانت نظرة الغرب إلى المنطقة على أنها الامتداد الحيوي لأوروبا، فهي تمتلك المنافذ المائية الكبرى، والطرق التجارية التي تربط أوروبا بآسيا وإفريقيا، والروس يتطلعون لبلوغ المياه الدافئة، والنمسا لا يغيب عن بالها ذكرى وصول تركيا إلى أبواب فيينا، وبروسيا تريد توحيد ألمانيا دون الإخلال بالتوازنات القائمة، أما إنكلترا فكان همّها تأمين طريق الهند والممرات البحرية، بينما تسعى فرنسا إلى مركز لها في السياسة الدولية ومنافسة إنكلترا والحصول على نصيبها من المنطقة العربية باعتبارها القوة الأساسية في البحر المتوسط الذي تعتبره مع البلدان المحيطة به على أنه يشكّل مداها الحيوي.

وتدعمت نظرة الدول الأوروبية تجاه المنطقة العربية، بالشخصية الأوروبية التي نشأت وتميزت بفعل عوامل عدة ابتداءً من القرن الثامن عشر (بخلفياتها اليونانية وتالياً الرومانية) مع التطور التقني والصناعي الكبير، حيث بدأت حقبة من الشعور الوطني المتنامي في إطار الدول الأوروبية التي تبلورت بعد ذلك بكل ما فيها من مصالح وتطلعات وأغراض استعمارية من خلال الفلسفات الكبرى التي تميزت بمنظوماتها الكلية ذات الصبغة الإطلاقية الشاملة التي تدّعي امتلاكها الحقيقة والمعيار المطلق للقيم، كما في فكر "هيغل" الذي أكّد على كون أوروبا، أو الحضارة الجرمانية هي التي تقود الدورة الحضارية التاريخية، أو كما في فكر "ماركس" الذي رأى أن للشعوب الأخرى غير الأوروبية منهجاً مختلفاً عن رؤياه العامة في "النمط الآسيوي للإنتاج"، هذا فضلاً عن الفلسفة التنويرية في فرنسا التي أسهمت في بلورة عوامل "الشخصية الأوروبية".

وقد تكونت النظرة الأوروبية إلى العرب وغيرهم من الشعوب المغلوبة على أمرها والتي خضعت للاستعمار، من خلال نظرتها الفوقية إلى تلك الشعوب بشعور غامر من الفوقية والحق في السيادة والهيمنة على شعوب العالم التي تتكون في معظمها، وفق النظرة الأوروبية، من برابرة وبدائيين وقبائل، فهم "الآخر" الذي لا يمتّ إلى حضارتها بصلة، فتعاملت معه بكيفيات عدّة، حيث ألغته (كما جاء في حالة الهنود الحمر) في أمريكا وسكان أستراليا، أو في استرقاق واضطهاد شعوب أخرى في إفريقيا وآسيا، وكان منطلق التعامل مع هذه الشعوب المصالح الأوروبية وتكريس التفوق الأوروبي. وعمل الغرب من خلال حركة الاستشراق على الاهتمام باللغات الشرقية الحية العربية والتركية والفارسية، وتأسست مراكز ثابتة لدراستها، كما اهتم بدراسة الآثار من خلال بعثات التنقيب التي عمل فيها العديد من العسكريين التابعين لأجهزة الاستخبارات، ويلاحظ وجود العديد من اليهود في بعثات التنقيب، في تداخل وثيق ما بين العمل العسكري والدبلوماسي والثقافي والتبشيري والتعليمي والاجتماعي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فقد عززت الامتيازات التي منحت من قبل السلطات العثمانية للأجانب وقناصلهم الوجود الأوروبي في المنطقة العربية، وكان نمو حركة التجارة نتاجاً طبيعياً للامتيازات من جهة ولتحقيق المصالح الأوروبية من جهة ثانية، مما أعطى زخماً حيوياً لتدخل أوروبا في شؤون المنطقة، ولكن كان من أهم نتائج تلك الامتيازات تولي رأس المال الأجنبي التجارة الخارجية والقضاء على الصناعة الوطنية ومنع تطورها، ولعبت المصارف الأجنبية دوراً هاماً في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في اقتصاد الإمبراطورية العثمانية، كما كانت إحدى أهم وسائل تغلغل النفوذ الأوروبي واليهودي بوجه خاص، ما أسهم في نهب ثروات البلاد وإغراقها بالديون.

ووسط جميع أوجه العلاقة مع الغرب تزداد حدة الصراع بين الدول الأوروبية على اقتسام الإمبراطورية العثمانية بعد أن وصلت إلى حالة من الترهل والتأخر والفساد، وبعد ازدياد حركات التحرر في سائر أرجائها، ومن خلال ظهور علائم وجود الثروة النفطية، وتصاعد نفوذ الحركة الصهيونية، أصبح يحكم نظرة الغرب إلى المنطقة العربية، فضلاً عن موقفها الجغرافي الاستراتيجي، النفط والعمل على إقامة "دولة إسرائيل" الذي بدأ على شكل "الوعد بوطن قومي" في فلسطين.

ومن أجل ذلك عملت أوروبا على تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية على نحو تكون الأجزاء المقتطعة من تركيا "كبيرة بما يكفي كي تعيش، وأصغر من أن تستطيع الخروج من دائرة نفوذنا"، كما قال "دزرائيلي" رئيس وزراء بريطانيا الشهير، وجرى ذلك في إطار الاتفاق المعروف باتفاقية "سايكس بيكو"([1])، بين بريطانيا وفرنسا، ولم تكن روسيا القيصرية بعيدة عن هذا الاتفاق فقد كانت شريكة في تقسيم المناطق العربية، «ولأن مساهمة روسيا في هذا التقسيم كانت تنحصر في المناطق التركية الشرقية والشمالية من الأناضول فإن اسمها لم يقرن بهذه الاتفاقية»، كما يقول زين زين([2]).

وقبل أن تتبلور لدى كلّ من بريطانيا وفرنسا اتفاقية التقسيم، كانت الدولتان الاستعماريتان، تعملان من خلال استراتيجيتهما الخاصة على تعزيز تواجدهما السياسي والاقتصادي والثقافي في أرجاء الإمبراطورية العثمانية.

وعلى الجانب العربي، بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حركة النهضة العربية التي ارتفعت من خلالها أصوات المفكرين العرب داعية الشعب العربي إلى التضامن والوحدة في مواجهة الاضطهاد وسوء المعاملة التي يمارسها الحكم التركي، وخاصة في محاولته المستمرة فيما يدعى بحملة "التتريك"، وكانت مطالبة العرب في البداية الدعوة إلى المشاركة في الحكم على نحو فعال وليس الاستقلال، فقد كان هناك نوع من التخوف من الانتقال من حكم الأتراك إلى حكم أجنبي آخر، كما حصل في الجزائر وتونس والمغرب حين خضعت للنفوذ الفرنسي، في حين خضعت ليبيا للنفوذ الإيطالي، والريف المغربي للنفوذ الإسباني، ومصر والسودان للنفوذ الإنكليزي.

لكن مع اشتداد حملة "التتريك" ومع وحشية الممارسات السلطوية، وبعد أن يئس العرب في المشرق، من طروحات المشاركة في الحكم، بدأوا يتجهون إلى المطالبة بالاستقلال التام وبناء الدولة العربية المستقلة.

وبدأوا الإعداد للثورة فحصل اتصال بينهم وبين أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى في لقاء بين الأمير عبد الله بن الحسين والمعتمد البريطاني في مصر "كنشر" للوقوف على رأي بريطانيا (شباط 1914) فكان جواب بريطانيا سلبياً بحجة أنها تريد المحافظة على الصداقة مع تركيا. إلا أن قيام الحرب العالمية الأولى كان بنظر العرب، فرصة عليهم اقتناصها للحصول على دعم أوروبا لقضيتهم، فاجتمع قادة (جمعية العربية الفتاة)([3])و(جمعية العهد)([4])مع الأمير فيصل بن الحسين وفوضوا في هذا الاجتماع الشريف حسين بإجراء اتصالات مع بريطانيا للحصول على تأييدها للثورة العربية. وبالفعل فقد نجم عن هذه الاتصالات المراسلات المعروفة بمراسلات (حسين ـ مكماهون)([5])التي وعدت بموجبها بريطانيا بالاعتراف باستقلال العرب وبدعم هذا الاستقلال مقابل إعلان الثورة على الأتراك. وبالفعل دخل العرب الحرب حلفاء لبريطانيا في 5/6/1916، وكان لهم دور أساسي في إضعاف تركيا التي كانت منخرطة في الحرب إلى جانب الألمان.

ودخلت الثورة العربية دمشق مع الخيالة البريطانيين مساء 30/9/1918، ورفعت الراية العربية في دمشق بعد حكم العثمانيين الذي امتد من عام 1516 وحتى عام 1918، فاستعادت وجهها العربي الذي افتقدته أربعة قرون، لتقع في دائرة الصراع الدولي والمصالح الدولية. لقد نكثت بريطانيا بوعدها، فكان بدلاً عن الوفاء به، اتفاقية (سايكس ـ بيكو 1916) التي سبق الإشارة إليها، ووعد بلفور الذي أُعطي لليهود بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وكان ذلك بمثابة الخلفية التي تمّ بموجبها تقسيم الشرق العربي إلى دول جرى فيما بعد تكريسها، وخلق "دولة إسرائيل" كحاجز عملي باعتراف دولي بين شرق العرب ومغربهم، وبالتحديد بين سورية الطبيعية ومصر وشمال إفريقيا العربي.

الخطوط العامة لاتفاقية "سايكس ـ بيكو":

نصت الاتفاقية على تقسيم المنطقة العربية شرق المتوسط المعروفة باسم بلاد الشام، "الهلال الخصيب" إلى ثلاثة مناطق:

  • المنطقة (أ) الزرقاء وهي العراق وتخضع للإدارة البريطانية.
  • المنطقة (ب) الحمراء وهي سورية وتخضع للسيادة الفرنسية.
  • المنطقة (ج) السمراء وهي فلسطين وتخضع لإدارة دولية.

وتنص المادة الأولى من الاتفاقية على أن فرنسا وبريطانيا مستعدتان للاعتراف وحماية أية دولة عربية أو حلف دول عربية تحت رئاسة رئيس عربي في المنطقتين (أ) (داخلية سورية) و(ب) (داخلية العراق) ويكون لفرنسا في المنطقة (أ) وبريطانيا في المنطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والفروض المحلية، وتنفرد كلّ منهما في المنطقة المخصصة لها بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية.

ويكون لفرنسا في الساحل السوري، ولإنكلترا في المنطقة الساحلية في العراق (من بغداد حتى خليج "فارس") إنشاء ما ترغبان فيه من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية.

أما فلسطين فيعين شكلها بعد استشارة روسيا بالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة.

وتعهدت بريطانيا بعدم دخول أية مفاوضات مع دولة أخرى للتنازل عن قبرص إلا بعد موافقة الحكومة الفرنسية.

وخصصت إسكندرون كميناء حر لتجارة بريطانية، في حين تكون حيفا ميناءً حراً لفرنسا ومستعمراتها وللبلاد الواقعة تحت حمايتها.

ويحق لبريطانيا أن ننشئ وتدير وتكون المالكة الوحيدة لخط حديدي يصل حيفا بالمنطقة (ب).

وتنص الاتفاقية على تبادل كلّ من فرنسا وبريطانيا حقوق كلّ منها في المنطقة المخصصة لها.

والجدير بالذكر أن اتفاقية "سايكس ـ بيكو" هي الجزء الخاص التنفيذي لمعاهدة "بطرسبرغ" التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية في آذار 1916، وقسمت فيها (أملاك) الإمبراطورية العثمانية، وكانت أهم مبادئ هذه المعاهدة:

  • تمنح روسيا الولايات التركية الشمالية الشرقية.
  • تمنح بريطانيا وفرنسا الولايات العربية في الإمبراطورية (موضوع مراسلات حسين ـ مكماهون).
  • تدويل الأماكن المقدسة في فلسطين، وتأمين حرية الحج إليها وتسهيل سائر السبل اللازمة للوصول إليها وحماية الحجاج من كلّ اعتداء.

وقد بقيت هذه الاتفاقية سرية، ولم يسمع العرب بوجودها إلا في كانون الأول 1917، عندما استولى الحزب البلشفي في روسيا على السلطة، ونشر نصوص الاتفاقية، وأبلغ الأتراك الشريف حسين بها، وعندما استفسر من حلفائه (بريطانيا) عنها، قبل بتوضيحات المعتمد البريطاني في جدة، حيث أكد له برسالة يتهم فيها تركيا بأنها تريد غرس الارتياب والشكوك بين العرب والحلفاء.

ومن الواضح أن اتفاقية "سايكس ـ بيكو" عدا عن كونها تتجاهل وعود بريطانيا بتأييدها لإقامة دولة عربية مستقلة، فإنها تعتبر من أخطر الوثائق التي تمّ تطبيقها، وفرض حالة من التقسيم والتجزئة في المشرق العربي عدا عن كونها تتخطى مشاعر العرب وتطلعاتهم في إقامة دولتهم، وتضعهم منذ ذلك الوقت تحت هيمنة وسيطرة الدول الاستعمارية الكبرى، كما أنها تفتح باب الصراع بين هذه الدول على المنطقة العربية وتجعلها موضوعاً دائماً لمصالحها المتناقضة.

وعد بلفور:

سعت بريطانيا للسيطرة على فلسطين، ومن خلال تأييدها ودعمها للمشروع الصهيوني، كانت تعمل على فصل سورية الجنوبية عن بقية سورية، تمهيداً لتسليمها للحركة الصهيونية لإقامة "دولة إسرائيل"، وهكذا فقد وعدها الذي دُعي "وعد بلفور" لضمان إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ليخلقوا بذلك المشكلة التي لا تزال قائمة، وستبقى، فقد كان هذا الوعد بداية لعمل طويل قامت به الصهيونية بدعم مباشر من الغرب الأوروبي وتكلل أخيراً عام 1948 بقيام "دولة إسرائيل".

وكان الهدف المباشر لوعد بلفور([6])كسب التأييد اليهودي للحلفاء في الحرب، والتخلص من مشكلة اليهود في أوروبا. ولعل أهم الأسباب هي الأسباب غير المعلنة من قبل الغرب الأوروبي، وهي منع أية إمكانية لقيام وحدة عربية، وضمان الدفاع عن مصر والشرق بما في ذلك قناة السويس وقيام بريطانيا بتنفيذ مجموعة من المشروعات الاقتصادية بما في ذلك سكك الحديد وأنابيب النفط، ومما لا شك فيه أن "وعد بلفور" يجيء كبند أساسي في الاستراتيجية البريطانية تجاه البلدان العربية.

الموقف الأمريكي تجاه المنطقة العربية:

كان أول تماس للولايات المتحدة مع القضايا العربية، عندما عقد مؤتمر الصلح 1919 فقد كانت مؤيدة لحق تقرير المصير وفق المبادئ التي كان أعلنها الرئيس الأمريكي عام 1918، لذا فقد وقفت الولايات المتحدة إلى جانب المطلب السوري الذي عبر عنه الأمير فيصل برفض الانتداب وإرسال لجنة للتحقيق، وعندما رفض الأوروبيون المشاركة باللجنة انفردت الولايات المتحدة بها([7])، وأعرب السوريون الذين التقت اللجنة بهم عن رغبتهم بأنه إذا كان لا بد من وجود مساعدة من دولة ما لسورية فلتكن الولايات المتحدة، وأن تقتصر المساعدة على الأمور الفنية والاقتصادية .

لكن الولايات المتحدة، ومن خلال منظورها الاستراتيجي ومصالحها، خذلت العرب في موقفين:

الأول: عندما أيدت وعد بلفور، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بقرار صادر عن الكونغرس الأمريكي عام 1922.

والثاني: عندما أيدت انتداب فرنسا على سورية، وقد جاء ذلك بالاتفاق الفرنسي ـ الأمريكي المعقود في 4/4/1924.

وعملت حكومة الولايات المتحدة على عدم نشر تقرير لجنة التحقيق المقدم إليها، مع أنه يتعاطف مع أهداف الحركة الصهيونية لتسمح لبريطانيا تنفيذ تعهداتها للحركة الصهيونية بعد أن تتولى الانتداب على فلسطين لتسهيل عملية الهجرة اليهودية وتسمح للصهاينة بإقامة مستعمراتهم وتهيئة الأجواء المناسبة لقيام "دولة إسرائيل".

والجدير ذكره أن لجنة "كنغ ـ كرين" استبعدت من مجال عملها كيليكيا والعراق، مما يوحي بوجود صفقة أنكلو-أمريكية في موضوع النفط مع مسايرة فرنسا.

ومع ذلك فقد اعترف كرين بجدارة السوريين في حكم أنفسهم وأبدى إعجابه بتجربة المؤتمر السوري، إلا أن ذلك غاب عن توصيات اللجنة، التي أعطت وزارة الخارجية الأمريكية دراسات ومعطيات هامة ساعدتها على رسم سياستها تجاه المنطقة في المستقبل.

ومن خلال مواقف الولايات المتحدة في ذلك الوقت بإخفاء تقرير لجنة "كنغ ـ كرين" وتأييدها لوعد بلفور ولاتفاقية "سايكس ـ بيكو" تكون شريكة أساسية فيما آلت إليه الأمة العربية بوجه عام، وسورية بوجه خاص، وهي بذلك تقف إلى جانب الاستعمار التقليدي في مواجهة الشعوب، فتضع نفسها في صف الدول الاستعمارية المعتدية على حرية الشعوب وحقوقها. بينما كان الشعب في سورية ينظر إليها كنصيرة للشعوب ومنزهة عن المطامع الاستعمارية، فإذا بها تقف من خلال مصالحها ضدّ الحقوق المشروعة لشعوب المنطقة، فخسرت نتيجة دعمها للصهيونية وللانتداب الفرنسي ـ الإنكليزي، احترام الشعوب رغم تبجحها بمبادئ (ولسون) الديمقراطية.

نخلص مما سبق إلى أن الغرب الأوروبي (وغالباً الولايات المتحدة) كان لها الدور الأساسي في ظهور الدولة القطرية بتقسيم البلدان العربية إلى دويلات ثمّ تكريسها بعد سنوات طويلة من الاستعمار المباشر أو بالانتداب في النصف الأول من القرن العشرين، وقد ساعد على ذلك، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية في النصف الثاني من القرن العشرين الأنظمة العربية نفسها، بعد أن تعززت مصالحها بالحدود المصطنعة كما ساعد وأسهم في تكريس التجزئة عملية ممنهجة تهدف إلى تغييب وتهميش الشعب العربي صاحب المصلحة الحقيقية في الوحدة، وحالة التخلف الاجتماعي والسياسي التي كان يعيشها الشعب في جميع أقطاره، كما ترسخت التجزئة وحالة التخلف بفعل نظرة الغرب (والولايات المتحدة) إلى المنطقة العربية والمصالح التي تراكمت عبر السنين، من خلال الاستراتيجية التي حكمت سياساتها، والصراع الدولي الذي كان دائراً بعد الحرب العالمية الثانية، في إطار الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وبعد انتهاء الحرب الباردة في إطار بلورة المصالح الدولية، التي حكمتها، ونخلص بالتالي أنه لا يمكن فهم واستيعاب نظرة الغرب (والولايات المتحدة) إلى العرب والمنطقة العربية إلا من خلال ثلاثة عناصر رئيسة:

الأول: الموقع الاستراتيجي الذي تحتله المنطقة العربية (غرب آسيا وشمال إفريقيا) بوصفها الجسر الذي يربط أوروبا بالشرق الآسيوي والجنوب الإفريقي، وما تمتلكه من طرق بحرية وبرية وجوية كصلة وصل استراتيجية ـ اقتصادية ـ ثقافية بين القارات.

والثاني: وجود الاحتياطات الهائلة من النفط، فضلاً عن عوائد تصدير النفط، وانطلاقاً من موقف حاسم يقوم على عدم التفريط بقرار النفط من جهة، وعدم التفريط بعائدات النفط من جهة ثانية، وبالتالي إحكام السيطرة على هذه المادة السحرية استكشافاً وإنتاجاً وتسويقاً مع إبقاء العائدات في دورة رأس المال العالمي.

أما العنصر الثالث فهو رعاية وضمان الوجود الصهيوني ممثلاً بـ "دولة إسرائيل" ما يستوجب أن تكون قوية وآمنة، لتقوم بدورها في استمرار تخلف العرب، وتفرقهم وتكريس قطريتهم وتجزئهم.

انطلاقاً من هذه النظرة، عمل الغرب (والولايات المتحدة) على تقسيم العرب، وإعاقة تقدمهم، ومنع أية صورة من صور التعاون والتنسيق فيما بينهم والقضاء على أي أمل في الوحدة.

ثانياً: الصراع على المنطقة العربية وفشل النظام العربي الإقليمي:

تمثّلت التسوية التاريخية التي فرضها الغرب على المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى في عنصرين رئيسين:

الأول: القطرية، أي تجزئة الأمة العربية لضمان استمرار تخلفها وتبعيتها.

والثاني: الصهيونية: أي زرع "إسرائيل" في قلب الوطن العربي لضمان تحقيق أهداف التخلف والتبعية والتجزئة نفسها بإرادة "غربية" أصيلة. وهذا يعني عدم ثقة الغرب بالأنظمة العربية التي اصطنعها، بأنها قادرة على احتواء أي تحرك شعبي مضاد، مع حرصه على بقاء هذه الأنظمة وعلى استمرار التزامها بالانحياز إلى جانب مشروعه.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى تمثّل الاتجاه الأساسي لحركة هذين العنصرين في تعظيم مشكلات "الدولة القطرية" وتكريسها داخل حدودها الاصطناعية مع تعميق تخلفها وتبعيتها من جهة، وتقليص المخاطر والتحديات التي تواجه "إسرائيل" وصولاً إلى جعلها "دولة إقليمية عظمى" من جهة ثانية. وقد دار الصراع الدولي على المنطقة العربية تحت تأثير وضغط الظروف التي حكمت التوجهات الاستراتيجية للعملاقين الدوليين، باستخدام المنطقة كساحة صراع، لعب فيها العنصران المذكوران دوراً حاسماً، من خلال السعي إلى تصفية الصراع "العربي ـ الغربي" ومن ضمنه "الصراع العربي ـ الصهيوني".

وقد دار الصراع في المنطقة العربية بين الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، والشرق وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي (السابق)، الأول كان يريد استمرار الهيمنة على البلدان العربية وحماية أمن "إسرائيل" وما يتبع ذلك من سياسات وممارسات وإجراءات تنمي التخلف وتكريس التجزئة والحد دون انتشار الشيوعية، وتمنع السوفييت من دعم الحركات التحررية.

والثاني يريد كسب مواقع له في المنطقة، ومواجهة النفوذ الغربي، وتأييد الحركات الشعبية التحررية، ونشر الفكر الماركسي في مقابل الثقافة الرأسمالية وثقافة السوق والاستهلاك.

وتم ذلك كله في إطار ما يدعى نظام "القطبية الثنائية" الذي حكمته نظرتان:

الأولى- نظرة الغرب والدول الصناعية المتقدمة عموماً: التي كانت تنظر إلى العالم من خلال انقسامه شرقاً وغرباً.

والثانية: هي نظرة العالم الثاني (الثالث) التي كانت تنظر إلى العالم من خلال انقسامه إلى شمال وجنوب، أي أنها كانت تنظر إلى النظام الدولي كنظام غير عادل، وكانت تطالب باستمرار بإصلاحه لإزالة الخلل الحاصل في العلاقات الدولية.

وهذا يعني أنه كان يوجد في الواقع نظامان دوليان، وليس نظاماً واحداً، نظام قائم على الثنائية القطبية والصراع الأيديولوجي (شرق ـ غرب). وفي هذا النظام لم تكن الدول النامية تشكّل طرفاً رئيساً فيه، بل كانت تشكّل أحد موضوعاته، أو أحد موضوعات الصراع بين الطرفين.

والنظام الآخر، هو نظام قائم على أساس اقتصادي ـ حضاري، ففي هذا النظام ينقسم العالم على أساس (شمال ـ جنوب) وفيه تعتبر الدول النامية أحد الطرفين الأساسيين فيه.

إلا أن ذلك لا ينفي وجود تقاطع بين هذين النظامين في أكثر من نقطة، كما حصل عندما وظفت الشعوب المغلوب على أمرها صراع الشرق ـ الغرب، لتحصل على استقلالها السياسي مستفيدة من دعم الشرق ضدّ استعمار الغرب وهيمنته.

وفي غمرة الصراع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ النظام العربي الإقليمي بالتشكّل، وكانت أبرز وجوه هذا النظام "جامعة الدول العربية"، لقد كانت المنطقة العربية تحت هيمنة بريطانيا وفرنسا قبل الحرب وخلالها، ولكن بعد الحرب وظهور الولايات المتحدة منتصرة، وهي المالكة الوحيدة للقوة النووية، وبعد أن فجر الاتحاد السوفييتي قنبلته الذرية الأولى، بدا واضحاً مما لا يدعو للشك، أن النظام الدولي الجديد المكون من القطبين الأعظمين، أصبح يتحكم بمصير العالم، وقد بدأت الولايات المتحدة تمارس دوراً نشطاً في المنطقة العربية، مستندة إلى النفوذ المتراكم للدول الاستعمارية الأوروبية، مستغلة "أخطاء" تلك الدول وسمعتها السيئة، مغلفة طروحاتها بالحديث عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.

نشأة جامعة الدول العربية:

رغم تعهدات الغرب (ممثلاً في بريطانيا) بأن يساعد العرب على إقامة دولتهم في الشرق العربي والجزيرة العربية، مقابل قيامهم بالثورة ضدّ الأتراك وتحالفهم في الحرب مع إنكلترا وفرنسا ضدّ ألمانيا وحلفائها الأتراك، رغم ذلك فقد نكث الغرب الأوروبي بوعوده واتفقت بريطانيا وفرنسا على تقاسم النفوذ في المنطقة العربية بموجب ما سبق أن أشرنا إليه (اتفاقية سايكس ـ بيكو) ثمّ إصدار بريطانيا وعدهم لليهود.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، انتقل عرب الشرق من استعمار إلى استعمار آخر، ففي 25/4/1920 قرر المجلس الأعلى للحلفاء، المجتمع في "سان ريمو" وضع البلدان العربية الشرقية تحت الانتداب الفرنسي ـ البريطاني، وقبل ذلك كان المغرب العربي قد وضع تحت الاحتلال في حقبات تاريخية مختلفة:

الجزائر (1830)، تونس (1886)، المغرب (1912)، كما احتلت ليبيا من قبل إيطاليا عام 1911.

وخاض الشعب العربي في جميع بلدانه، فيما بين الحربين، نضالات مستمرة من أجل الاستقلال، توصلت من خلالها بعض البلدان إلى الاستقلال مع الارتباط بمعاهدات تسمح باستمرار تواجد قوات أجنبية على أراضيها (كما هو الحال في اتفاقية 1936 بين مصر وبريطانيا) وكذلك معاهدة 1936 في سورية ولبنان مع فرنسا.

لكن الحال كانت تسير على نحو أسوأ في فلسطين، حيث واجهت مشكلة تنفيذ "وعد بلفور" فقد هيأت بريطانيا الظروف المناسبة لهجرة اليهود واستيطانهم ومد نفوذهم على أرض فلسطين، إلى أن تحقق لليهود إقامة "دولة إسرائيل" برعاية بريطانية ومباركة أمريكية ودعم أوروبي وموافقة سوفييتية.

واقتطعت بريطانيا شرق الأردن من جنوب سورية لتشكّل إمارة أودعتها للضابط البريطاني الإنكليزي غلوب باشا ونصّبت عليها الأمير عبد الله الذي لعب دوراً معروفاً في تأكيد الوجود الإسرائيلي في قسم من فلسطين عندما ضم إليه جزءاً منها وشكل المملكة الأردنية الهاشمية التي اعترفت بها بريطانيا في 27/4/1950.

وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت الدول الاستعمارية وخاصة بريطانيا إلى محاولة التخفيف من العداء العربي لها، والعمل على استمالة البلدان العربية لجانبها لأغراض حربية وسياسية، ففي 29/5/1941 صرح وزير الخارجية البريطاني "أنطوني إيدن" أمام مجلس العموم بأهمية قيام تكتل عربي تدعمه بريطانيا، وأعلن تأييده لوحدة وثيقة اقتصادية ـ سياسية ـ ثقافية بين البلدان العربية.

وفي 24/2/1943 عاد "إيدن" ليؤكد هذا الموقف معتبراً أن الخطوة الأولى ينبغي أن تأتي من البلدان العربية ذاتها، ومؤكّداً أن هذا الموقف يوضح النيات البريطانية لإقامة منطقة نفوذ اقتصادية في الشرق الأوسط كله.

وإذا ما دققنا في ظروف نشأة جامعة الدول العربية، سنجد أنه من الصعب الفصل بين هذه النشأة والمخطط الاستعماري الذي كان يمتد إلى تفاصيل حاضر ومستقبل المنطقة العربية، فأمام الطموح الوحدوي للجماهير العربية والنضال الشاق والطويل الذي خاضته من أجل تحقيق الوحدة العربية، وجدت بريطانيا نفسها أمام وضع خطير خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وأمام مصالحها المتعددة والمهددة من تيار القومية العربية، فقد وجدت أنه لا بد من إعطاء العرب بعض الأمل لاستعادة مكانتهم التي أصبحت مفقودة، فأعطت موافقتها المشروطة للمشروع العربي في مفاوضات بين الدول العربية التائهة حول صيغة نستطيع فيها امتصاص الآمال العربية والطموح إلى إقامة دولة عربية قوية، وتحقّق بالتالي مآربها في استمرار حالة التفكك التي تعيشها البلدان العربية، وكانت الصيغة هي إقامة جهاز رسمي قومي على أسس ضعيفة وفاعلية مشلولة، ولم يكن هذا الجهاز سوى "جامعة الدول العربية" التي وصفها "Oliver Carre– أوليفر كاري" بأنها "عبارة عن رأس إنكليزي راكب على جسم عربي"([8]).

هكذا فقد استطاعت بريطانيا الالتفاف حول التحرك الشعبي العربي، المنادي بالوحدة العربية كحتمية من حتميات التطور السياسي في ذلك الوقت، وعملت على احتواء هذا التحرك واستغلاله لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وبينما كانت تعتمد على نظرية "فرق تسد" اعتمدت على أسلوب جمع العرب في إطار مؤسسي هو الجامعة العربية، مع زرع الفتن والخلافات الحدودية فيما بين دولهم.

لقد كان إنشاء الجامعة، بداية خاطئة، كوسيلة لخدمة أغراض بريطانيا وحلفائها، ولم يكن قيامها تجسيداً عملياً للكيان العربي الذي يهدف إلى تحقيقه دعاة القومية العربية، وكان قيام جامعة الدول العربية على هذا النحو، يخدم أغراض الأنظمة العربية التي كانت سائدة، بهدف احتواء تطلعات الأمة العربية إلى الوحدة، وبذلك فقد أحدثت الجامعة كتجسيد للنظام العربي الإقليمي وهي تحمل تناقضات ثلاثة متغيرات هي:

رغبة قومية بالوحدة، ومصالح استعمارية تشوبها رغبة قوية بالسيطرة، وأنظمة حكم عربية ترى في التجزئة والقطرية والسيادة الوطنية استمراراً لوجودها.

وقع ميثاق جامعة الدول العربية في 22/3/1945، من قبل مصر والعراق والأردن ولبنان وسورية والعربية السعودية واليمن، تمّ انضمت ليبيا (1953)، والسودان (1956)، والمغرب وتونس (1958)، والكويت (1961)، والجزائر (1962)، واليمن الجنوبي (1967)، واتحاد إمارات الخليج العربي (1968)، وموريتانيا (1970)، والصومال (1973)، كما انضمت فيما بعد كلّ من فلسطين (منظمة التحرير الفلسطينية) والبحرين وجيبوتي وقطر وعُمان وجزر القمر.

والجامعة العربية أقرب ما تكون إلى شخصية معنوية، تشكّلت بين الدول المؤسسة لها، والمنضمة إليها لاحقاً، قامت بالتراضي لتحدث هذا الجهاز الذي يحاول التوفيق بين تناقضات متعددة في أجواء يسودها الاضطراب وعدم الاستقرار، وإذ يفسح الميثاق المجال أمام الدول العربية لتعاون أوثق مما نص عليه، فإنه يُطمئن الحكام العرب من احتمالات الوحدة، فيعزز الاستقلال وصيانة الدولة الوطنية.

فقد نصت المادة الثامنة من الميثاق على أن "تحترم كلّ دولة من الدول المشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقاً من حقوق تلك الدول، وتتعهد بأن لا تقوم بعمل يرمي إلى تغيير ذلك النظام فيها".

أما المادة التاسعة فقد نصت على التأكيد على أن "على دول الجامعة العربية الراغبة فيما بينها في تعاون أوثق وروابط أقوى مما نص عليه الميثاق، اتخاذ ما تشاء لتحقيق هذه الأغراض".

ومن خلال الميثاق نجد أن الجامعة، لا تعدو أن تكون مجرد مركز تباشر فيه العلاقات بين الحكومات العربية بصورة اختيارية، وأنها عبارة عن إطار تباشر ضمنه المشاورات والمناقشات والمزاولات وصياغة القرارات، وتستطيع أية دولة من دولها الانسحاب منها متى شاءت ذلك، بالأسلوب نفسه الذي انضمت فيه إليها، كما أن قرارات مجلس الجامعة ليست ملزمة إلا لمن يوافق عليها.

لقد شهدت مرحلة إحداث الجامعة العربية وبلورة النظام الإقليمي العربي، تحولات هامة على الصعيد الدولي والإقليمي، فقد بدأ النظام الدولي ينتقل من نظام توازن القوى الذي دمرته الحرب العالمية الثانية إلى نظام القطبين الذي أفرزته تلك الحرب والاتفاقات بين الحلفاء.

وفي حين كانت البلدان العربية واقعة تحت هيمنة الدول الاستعمارية والقديمة قبل الحرب العالمية الثانية، بدأت الولايات المتحدة بعد الحرب تمارس دوراً نشطاً مستندة إلى النفوذ المتراكم للدول الاستعمارية الأوروبية، مستغلة أخطاء تلك الدول وسمعتها السيئة، مغلفة طروحاتها بالحديث عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، فدعت إلى مشروعات الدفاع عن الشرق الأوسط والحلف المركزي، وشكلت هذه المشروعات منذ البداية رسم حدود المنطقة لصالح نظام شرق أوسطي، وليس نظاماً عربياً، وخاصة وهي تدعم وتعمق وجود "إسرائيل" قوية في المنطقة التي أصبح واضحاً أن لها مصالح قوية فيها بعد تزايد القيمة الاقتصادية والاستراتيجية للنفط.

وبهذا يتعرض النظام الإقليمي العربي الوليد لمخاطر الاختراق من "إسرائيل" منذ نشأته الأولى، فأمريكا تريد المنطقة لتأييد مصالحها من جهة، وللوقوف في وجه "الخطر الشيوعي" وهي لا تعتقد أن أوروبا قادرة على تحقيق ذلك، لذا فقد شهدت المنطقة العربية ذلك الصراع الخفي بين المصالح الأوروبية (البريطانية ـ الفرنسية) والمصالح الأمريكية، واستغلت الولايات المتحدة العدوان الثلاثي على مصر (1956) لتعمق نفوذها وتبسطه على ساحة أوسع في المنطقة، فانتهى العدوان بتدعيم التواجد الأمريكي وأصبح هذا التواجد المركز الذي تدور حوله مختلف الأطراف الأخرى، ولكن مع تصاعد الدور الأمريكي شهدت المنطقة العربية مداً هائلاً للقومية العربية، يقف في وجه هذا الدور في مواجهة الخطر الصهيوني، وقد أمكن للقاء التاريخي بين حزب البعث العربي الاشتراكي وثورة 23 يوليو في مصر بزعامة جمال عبد الناصر، أن يحقق أول وحدة عربية بين قطرين عربيين في العصر الحديث.

إلا أن ذلك قد تمّ خلافاً للتوجهات الاستراتيجية الأوروبية ـ الأمريكية ـ الصهيونية، وخلافاً لتوجهات الرجعية العربية الحاكمة في معظم البلدان العربية، مما أدى إلى إسقاط هذه الوحدة الوليدة بتواطؤ هذه الجهات مع الرجعية السورية، تمّ الانفصال، ولم يكتف هؤلاء بإنهاء الوحدة السورية ـ المصرية، بل استكمل العقاب بعدوان 1967، واستطاعت "إسرائيل" أن تحتل كلّ الأراضي الفلسطينية وسيناء والجولان.

لقد فشلت جامعة الدول العربية في إيجاد استراتيجية عربية موحدة لمواجهة الأطماع الصهيونية والمشروع الصهيوني للهيمنة على المنطقة العربية، فقد أحدثت الجامعة في وقت وصل فيه الصراع العربي ـ الصهيوني إلى مرحلة حاسمة، تمخضت عن إقامة الكيان الصهيوني في حين لم تستطع الجامعة تقديم الدعم الحقيقي لحركة التحرر الفلسطينية في الوصول إلى مرحلة الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية، لكن المسؤولية في ذلك لا تقع على الجامعة، فهي لا تعدو كونها جهازاً فنياً إدارياً، إنما تقع مسؤولية ذلك على الأنظمة العربية التي رضخت، على نحو أو آخر، تحت هيمنة وسيطرة المصالح الغربية والأمريكية، فوقفت مشلولة أمام ضخامة الأحداث وأهوال المشروع الغربي ـ الأمريكي ـ الصهيوني.

لقد كانت جامعة الدول العربية، ولا تزال، أسيرة عاملين:

الأول: ميثاقها والاتفاقات الأخرى المعقودة بين الدول المنضمة إليها.

والثاني: الخلافات السياسية العربية والتناقضات بين الأنظمة العربية وسياسة المحاور.

وقد تفرع عن هذين العاملين عدد آخر من الحقائق والعوامل التي كانت سبباً ونتيجة في آن واحد، ومن هذه الحقائق والعوامل:

  • التباين بين الفكر القومي الوحدوي، وحركات التحرر ونجم عن ذلك عدم وجود استراتيجية تجمع ما بين الفكر السياسي والممارسة السياسة يتفق عليها بين جميع القوى الفاعلة.
  • جاءت الصيغة التي تمّ بموجبها إحداث الجامعة، أي الميثاق، بمثابة تكريس للتجزئة، وللغزو القطري (الوطني) معبرة عن السياسات العربية الرسمية، التي كانت عرضة للتبدل الدائم وإلى هزات تعبر عن عدم الاستقرار الذي يعكس هشاشة الأوضاع الداخلية، بسبب غياب المؤسسات الديمقراطية داخل كلّ بلد عربي، وكذلك في العلاقات العربية ـ العربية، وارتبط النظام الإقليمي العربي بشكله معقداً من أنماط التفاعلات الرسمية وغير الرسمية، ولم تكن الجامعة سوى أحد الخيوط في هذه الشبكة، ولم يتح لها مطلقاً أن تكون المركز المنظم لها.

وإذا كان ميثاق الجامعة، نص على أن أحد أهدافها هو صيانة استقلال الدول الأعضاء والمحافظة على سيادتها، إلا أنه لم يوضح المقصود بالاستقلال. فالدول الموقعة على الميثاق كانت من الناحية الشكلية مستقلة، إلا أن معظمها كان يعاني من وجود قوات احتلال على أرضه، كما لم يشر الميثاق إلى موضوع القواعد العسكرية الأجنبية، وما إذا كان وجودها في بعض البلدان العربية يعتبر مساساً بالاستقلال، كما لم يتعرض الميثاق لمسألة البعد الاقتصادي للاستقلال السياسي، وما إذا كانت الجامعة تهدف إلى تحقيق سيطرة الدول الأعضاء على ثرواتها ومواردها الطبيعية.

من زاوية أخرى، لم يشر الميثاق إلى مسألة الاستقلال الجماعي للدول الأعضاء، ونعني بالاستقلال الجماعي تضامن الدول الأعضاء لدعم استقلال كلّ دولة عربية فردياً، ودعم استقلال الدول الأعضاء جماعياً، وقد كان لذلك انعكاسه على أرض الواقع من خلال دخول بعض الدول الأعضاء في أحلاف عسكرية مع دول أخرى خارج الجامعة.

وفي أيار 1950، تم توقيع معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، لكن هذه المعاهدة لم تكن – أداة فعالة من أدوات حفظ وصيانة الاستقلال الجماعي للدول الأعضاء، فهي لم تأخذ موقفاً جماعياً تجاه الأحلاف العسكرية، ولم تمنع الأعضاء صراحة من الانضمام إلى مثل هذه الأحلاف، رغم أن المادة العاشرة من المعاهدة تنص على أن "تتعهد كلّ من الدول المتعاقدة بأن لا تعقد أي اتفاق دولي يناقض هذه المعاهدة، وبأن لا تسلك في علاقاتها الدولية مع الدول الأخرى مسلكاً يتنافى مع أغراض المعاهدة" ورغم وجود هذا النص، فإنه قابل للتأويل لذا فقد نجحت محاولات الدول الاستعمارية لجر عدد من الدول العربية إلى مخططات الدفاع الغربية وإلى إيجاد الفرقة بين الدول العربية وإلى تأكيد الوجود الصهيوني، مما أدى إلى تجميد العمل في معاهدة الدفاع المشترك.

لقد حرص ميثاق الجامعة على تأكيد استقلال الدول الأعضاء في مواجهة الجامعة نفسها، وأكد على وجوب احترام الجامعة لسيادة الدول الأعضاء، ونظم الحكم فيها، ولم يقيد الميثاق هذه السيادة بأي قيد حقيقي، مما أدى إلى أن تكون الجامعة أشبه برابطة للتعاون الاختياري، من منطلق التأكيد على استقلال الدول الأعضاء واحترام سيادتها الوطنية، مما يعني تكريس التجزئة وتعزيز فكرة القطرية، وتنمية الإحساس بالسيادة الوطنية في مواجهة قضية الوحدة، ولا يشهر شعار السيادة الوطنية إلا في معرض تنفيذ توجهات الوحدة أو التعاون أو التنسيق العربي، أما تجاه الأجنبي تجاه الخارج، فلا وجود لمسألة السيادة الوطنية، وإذا ما أردنا استخلاص أهم مجريات الأحداث في مرحلة الحرب الباردة في إطار العلاقات العربية ـ العربية، فسنجد أنه في مقابل الشارع العربي الذي طالب بالوحدة وفي مقابل إقامة نظام إقليمي عربي، وفي مقابل السعي من أجل التكامل الاقتصادي العربي، أو تحقيق مبادئ معاهدة الدفاع المشترك، جرت الأحداث على أرض الواقع في غير هذا الاتجاه:

  • جرى ضرب أول وحدة عربية في العصر الحديث، بين مصر وسورية.
  • تم انضمام بعض الدول العربية إلى أحلاف وسقوط هذه الأحلاف أمام المد الجماهيري.
  • تم احتلال المزيد من الأراضي العربية من قبل "إسرائيل".
  • قامت حروب بين بعض الدول العربية وبينها وبين الدول المجاورة وجرت اصطفافات متناقضة بين الدول العربية (الحرب بين العراق وإيران ـ عدوان 1967).
  • تم إخراج مصر من معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني "كامب ديفيد".
  • جرى تجاوز النظام الإقليمي العربي، بإحداث منظمات إقليمية داخل المجموعة العربية (مجلس التعاون الخليجي، اتحاد المغرب العربي..).

أمام هذه الأحداث وغيرها، لم يستطع النظام العربي الإقليمي الهش الصمود ومع نهاية الحرب الباردة، وزوال نظام القطبية الثنائية، يمكن القول إن النظام العربي الإقليمي قد فشل، وأن مزيداً من التجزئة والتفتيت قد أنجز لصالح تكريس القطرية.

ثالثاً- المنطق التقسيمي في نظرة الغرب نحو العرب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة:

نظرة الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية نحو العرب والمنطقة العربية بعد انتهاء الحرب البادرة، نظرة مركبة، فيها الجديد وفيها القديم، ولعل أهم ما فيها، بقاء المنطق التقسيمي متحكماً في الاستراتيجية الغربية (الأمريكية ـ الصهيونية) تجاه العرب إنما في إطار جديد أهم ما فيه أنه يأتي ضمن التحولات الجارية في النظام العالمي وفي إطار تداعيات العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن تصاعد الصراعات في المنطقة العربية، وزيادة وعي الجماهير على مختلف المستويات.

سبق أن ذكرنا، أن النظام الدولي في ظل الثنائية القطبية، كانت تحكمه نظرتان الأولى من خلال انقسامه شرقاً وغرباً، والثانية من خلال انقسامه إلى شمال وجنوب، واختلاف النظرة، كان يعني في الواقع وجود نظامين دوليين وليس نظاماً واحداً، نظام قائم على الثنائية القطبية والصراع الأيديولوجي (شرق ـ غرب) وفي هذا النظام لم تكن البلدان النامية (ومنها البلدان العربية) تشكّل طرفاً رئيساً فيه.

فقد كانت تشكّل أحد موضوعاته، أو أحد موضوعات الصراع بين طرفيه الرئيسين، والنظام الآخر هو نظام قائم على أساس اقتصادي ـ حضاري (شمال ـ جنوب) وفيه تعتبر البلدان النامية أو العالم الثالث أو الدول الفقيرة، أحد الطرفين الأساسيين فيه.

انطلاقاً من هذه النظرة إلى النظام الدولي، فإن ما حصل بعد انتهاء الحرب الباردة من تغيير في النظام الدولي القائم على أساس القطبية الثنائية، والمتمثّل في غياب أحد القطبين الرئيسين (انهيار الاتحاد السوفييتي) وما ترتب عليه من إعادة نظر في الاستراتيجيات الدولية، وما تلاه من تحولات يقع من دائرة اهتمام الشمال، وإن كان ينعكس على نحو ما على دول الجنوب، وبالتالي فإن النظام القائم على أساس الصراع الاقتصادي ـ الحضاري بين الشمال والجنوب، لا يزال مستمراً، وانطلاقاً من استمرار السيطرة على دول العالم الثالث (الثاني) واستنزافها والسعي الحثيث لإبقائها خارج التاريخ في دائرة التخلف والتبعية.

إن النظام الذي انتهى (نظام القطبية الثنائية) بزوال الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة في بداية التسعينيات في القرن الماضي، هو نظام الآخرين في حين استمر النظام الدولي القائم بين دول الشمال والجنوب، بين الشعوب الفقيرة المغلوب على أمرها والدول الغنية، بل وازداد شراسة وقد وضعت له أسس جديدة أكثر شدة في إطار العولمة وتحت شعار حرية التجارة واتفاقية منظمة التجارة العالمية، ووصايا وسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومشروعات أخرى تتجدد تحت عناوين الشرق الأوسط الجديد والواسع والشراكة. نلتقي جميعاً عند هدف واحد، وهو إحكام سيطرة الغرب (برئاسة الولايات المتحدة) على مقدرات الشعوب، وضمان وجود "إسرائيل" وحمايتها.

لقد شهد العالم في نهاية الثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، أحداثاً خطيراً، هزت المجتمع الدولي وأثارت دهشة المحللين والمراقبين والسياسيين، وتمثّلت هذه الأحداث في انهيار النظام الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي وتوحيد ألمانيا (بعد انهيار جدار برلين 9/11/1989) والحرب اليوغسلافية وما نجم عنها من تفكيك ليوغسلافيا، وتقسيم تشيكوسلوفاكيا، وتالياً انضمام دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي، أما في المنطقة العربية، فقد تمثّل زلزال التغيير في حرب الخليج الثانية، وما رافقها وتلاها من تداعيات.

ولعل من أهم ما يمكن ملاحظته، هو تلك (السيولة) في التفاعلات الدولية التي تركت آثارها في مختلف السلوكيات الدولية على هيئة اختلال في توازن القوى، وإن هذا الاختلال وتلك السيولة، إنما يعبران في الواقع، عن عدم الانتظام أو الفوضى في العلاقات الدولية، بمعنى تفجر مشكلات لا طاقة للهيكل المؤسسي والتنظيمي للعلاقات الدولية بالتغلب عليها أو معالجتها على نحو منهجي، مما يؤدي إلى انقلابها وتضخيمها، فأدى ذلك على نحو أو آخر، إلى سقوط العديد من القواعد التقليدية التي كانت تسمح باستنزاف السلوكيات الدولية أو التنبؤ بمعنى التفاعلات الدولية المؤسسة على موازين قوة قائمة أو راسخة.

ورافق ذلك ظهور أشكال جديدة من المشكلات التي أخذت طابعاً إقليمياً ودولياً، بعضها اقتصادي، والبعض الآخر اجتماعي، إلى جانب المشكلات السياسية الناجمة عن تفكك الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا فضلاً عن ظهور مشكلات البيئة والتغير المناخي على نحو أكثر حدة من الماضي، إضافة إلى المشكلات الإثنية والعرقية وبروز الأصوليات الدينية، بحيث صارت معه العلاقات الدولية مفتوحة أمام جميع الاحتمالات، بل تزايد الاختراق الخارجي "لكل ما هو داخلي".

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحكم الشيوعي الذي تمّ الترويج له على أنه انتصار للرأسمالية ونظامها وزعيمتها أي الولايات المتحدة التي حققت انتصاراً آخر في حرب الخليج الثانية، وإخراج العراق من الكويت، أعلن الرئيس الأمريكي "بوش الأب" عن قيام نظام عالمي جديد، لقد كانت هذه الحرب ضرورية من وجهة النظر الأمريكية، إذ تكتسب منطقة الخليج أهمية استراتيجية وجيوسياسية واقتصادية خاصة، وتنبع هذه الأهمية من هدف استمرار تدفق النفط بأسعار بخسة، وتأمين وصوله إلى الاقتصادات الصناعية المتقدمة. هذا فضلاً عن العوامل الأخرى التي كانت وراء سعي الولايات المتحدة إلى الحرب، والمتعلقة بالاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى استمرار زعامتها وهيمنتها على العالم. في إطار النظام العالمي الجديد الذي تريد فرضه بعد أن حولت العولمة إلى أمركة واضحة باستخدام القوة العسكرية لفرض جدول أعمالها، والقضاء على قوى الممانعة والمقاومة لمشروعها.

كما تتعلق هذه الحرب بالرغبة الإمبريالية في السيطرة على المراكز الرأسمالية الأخرى (دول الاتحاد الأوروبي واليابان) عن طريق السيطرة المباشرة على منابع النفط، إضافة إلى أن النموذج الذي بناه العراق باتجاه تحقيق تنمية شاملة في جميع الميادين وامتلاك القرار الاقتصادي والسياسي، هذا النموذج أصبح يهدد المشروع الغربي (والأمريكي الصهيوني خاصة) في المنطقة العربي، وأصبح من الضروري إعادة العراق إلى العصور الحجرية، كما قال وزير خارجية الولايات المتحدة (بيكر) آنذاك.

ولعل أبرز معالم النظام العالمي الجديد هي الهيمنة الأمريكية، التي لم تكن غائبة في ظل نظام القطبية الثنائية، ولكنها بعد زوال الاتحاد السوفييتي، أصبحت أكثر وضوحاً واتساعاً ووحدانية، وأصبحت تأخذ منحىً آخر، إذ توجهت إلى استخدام أدوات وآليات أكثر عنفاً وشراسة، كما توضحت أكثر سياساتها تجاه دول المركز الرأسمالي الأخرى، فانتقل جزء من الصراع بين الشرق والغرب، إلى صراع (شمال ـ شمال) في تنازع وراضخ باتجاه السيطرة وتحقيق المكتسبات.

أدى انتهاء فعالية النظام العالمي في ظل القطبية الثنائية إلى وضع العالم أمام خيارين: إما نظام عالمي يخدم البشرية، وإما فوضى عالمية عامة لا يعرف لها نهاية.

وقد أدت سياسات الولايات المتحدة إلى دفع العالم إلى الخيار الثاني، فقد تحول العالم إلى حالة من الغليان الشديد، ففي خطاب الرئيس الأمريكي "بوش" بعد انتصاره في العراق أمام الكونغرس الأمريكي تحدث عن أربعة تحديات رئيسة تواجه الولايات المتحدة في المنطقة العربية هي([9]):

  • وضع ترتيبات أمن مشتركة في المنطقة انطلاقاً من أن المصالح القومية للولايات المتحدة "تعتمد على وجود خليج مستقر وآمن".
  • الحاجة إلى "مراقبة انتشار أسلحة الدمار والصواريخ التي تستخدم لإطلاقها" وهنا يلاحظ أن العراق يتطلب "يقظة خاصة" ولا بد من حرمانه من "الوصول إلى أدوات الحرب".
  • "إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي" وكذلك البحث عن حلول للمشكلة في لبنان.
  • الحاجة إلى تعزيز التنمية الاقتصادية في المنطقة.

لقد لجأ "بوش الأب" إلى أسلوب الخداع المتعمد، فهو لم يقدم أي تحليل استراتيجي يهدف فعلاً إلى إنهاء الصراع العربي ـ الصهيوني، أو إلى بناء التنمية الاقتصادية، كما لم يتوضح تماماً أنه قد استوعب التغيرات الحاصلة في الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا، كما توضح تماماً فيما بعد فشله في فهم العلاقة بين السياستين الداخلية والخارجية، فقد اعتاد العيش في أجواء الحرب الباردة، بحيث افتقد أية بوصلة أخلاقية أو سياسية لتوجهه عندما كان يرغب في إدارة ظهره لأماني وطموحات الشعوب. فإذا كان الخطر الشيوعي قد زال، فإن مخاطر جديدة عميقة ظهرت غذتها التوقعات الجديدة والاستياء الاقتصادي والتطورات في عالم الاتصالات والتكنولوجيا المتطورة، حيث تمّ تسخير ذلك كله لخلق مزيج سياسي اجتماعي ينطوي على إمكانية التفجر، تحت غطاء دعاوى العولمة ومن خلال تعميم ثقافة السوق والاستهلاك وتسليع كلّ شيء، وفي المقابل إضعاف الدولة وإعلاء شأن الشركات متعددة الجنسية.

إن العالم الجديد، حافل بالمتغيرات، وسيكون عالماً للانبعاث القومي وكنتيجة للممارسات الأمريكية، فإن مختلف التيارات الإثنية، والعرقية والأصولية سوف تبرز على الساحات القطرية والداخلية والدولية، وسوف يتولد عن ذلك عالم متغير جديد محفوف بجميع مظاهر الفتنة والانقسام والفوضى.

في هذه الأجواء، تبرز "إسرائيل" كعامل رئيس في تقرير توجهات المنطقة، عندما طرح "شمعون بيريز" عام 1993 (وزير خارجية إسرائيل آنذاك) مشروعه الذي دعاه "الشرق الأوسط الجديد" برعاية ودعم الولايات المتحدة ومباركة أوروبا، وإذا كانت فكرة مشروع "الشرق الأوسط" ليست جديدة في الاستراتيجية الصهيونية، فإن ما هو جديد في طرح بيريز هو التغير الحاصل في النظام العالمي وانتقاله من القطبية الثنائية إلى نظام أحادي بهيمنة أمريكية، والنتائج التي تمخضت عنها حرب الخليج الثانية وما تلاها بدءاً من انعقاد مؤتمر مدريد، ثمّ الإعلان عن اتفاق "أوسلو" بين "إسرائيل" والفلسطينيين، واتفاقية "وادي عربة" بين "إسرائيل" والأردن، كإضافة ضرورية لاتفاقية "كامب ديفيد".

وعندما يقال "نظام شرق أوسطي" فإن المقصود الجانب السياسي في المشروع الأمريكي ـ الصهيوني، أما عندما يقال "سوق شرق أوسطية" فإن المقصود هو التركيز على الجانب الاقتصادي في المشروع.

ومشروع "الشرق الأوسط الجديد" يتضمن كلا الجانبين السياسي والاقتصادي، وهو يرتبط بإقامة "السلام" بأبعاد اقتصادية خطيرة، تمتد تاريخياً إلى أفكار هرتزل في بدء الحركة الصهيونية.

ويتبلور الموقف الإسرائيلي في النظرة التجزيئية لمنطقة الشرق الأوسط وفيها الوطن العربي بتقسيم المنطقة إلى المجموعات الآتية:

  • الجزيرة العربية والخليج.
  • شرق البحر المتوسط.
  • شمال إفريقيا.

ولعل أخطر ما في مشروع "بيريز" أنه يُطرح والعرب في أشد حالات التفكك والانهزام الذاتي والتشتت وغياب الإرادة العربية، واستنفاد طاقة العرب في عدد من الخلافات أو الصراعات التي لا طائل لها. فضلاً عن طرحه في مجرى التحولات الدولية، وفي وقت وصل فيه النظام الإقليمي العربي إلى أسوأ حالاته، ويمكننا بعد ذلك أن نعدّد أهم مخاطر هذا المشروع على النحو التالي:

  • المخاطر الناجمة عن أهداف المشروع الأمريكية ـ الصهيونية، ومن خلال مفهوم أصحابه، فهو يفصح عن العلاقة الوطيدة بين تحقيق المشروع والمناداة به وبين إلغاء الهوية العربية للمنطقة، كما يوضح العلاقة بين الوجود الصهيوني، وتكريس التجزئة والتبعية في المنطقة العربية، الأمر الذي يفسر تعزز القيمة الاستراتيجية لـ "إسرائيل" في إطار السياسة الأمريكية.
  • سيؤدي تحقيق المشروع إلى تمييع القضية الفلسطينية وطمس الحقوق الفلسطينية. فقد أصبح من الممكن أن تحقق "إسرائيل" هدفها الأساسي "إسرائيل الكبرى" جغرافياً، كما أصبح من الممكن الحديث عن "إسرائيل العظمى" اقتصادياً، بما يؤدي إلى تحقيق هيمنتها على المنطقة بكاملها.
  • إن ما يمكن تحقيقه في المشروع، هو المزيد من التبعية والإلحاق والهيمنة، وليس كما يعلن عن تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة والتكافؤ.
  • سوف تحقق "إسرائيل"، اختراقها العملي للأسواق العربية.
  • يقوم الطرح الأمريكي لتسوية الصراع العربي ـ الصهيوني على أساس "مقايضة الأرض بالسلام"، مما يعني خضوع العرب لمعادلة جديدة في تقسيم العمل، تلك المعادلة التي لحظها "بيريز" في مشروعه:

النفط السعودي + الأيدي العاملة المصرية + المياه التركية + الفعل الإسرائيلي.

هذه المعادلة تكسب "مشروع الشرق الأوسط الجديد" بعداً أمنياً من وجهة النظر الإسرائيلية، حيث يوضحها بيريز في مشروعه أن المطلوب "ليس حدوداً قابلة للدفاع، بل أبعاداً قابلة للدفاع، ببناء شبكة من العلاقات السياسية سيكون بمقدورها تغطية جميع مواقع الخطر في شبكة العلاقات العسكرية المجردة".

  • سيكون لنظام الشرق الأوسط الجديد، تأثير هام على الأمن الدفاعي العربي، بفرض الشروط الإسرائيلية انطلاقاً من الخلل في توازن القوى بين أطراف النظام.
  • النتيجة المنطقية للاختلال في ميزان القوى، فإن الأهداف العربية ستكون مكشوفة بلا غطاء أمام القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، ولا شك أن هذا الانكشاف سيفقد العرب المزيد من القدرة الاستقلالية للقرار السياسي والاقتصادي مما يهدد المصالح العربية الحيوية.

وأوروبا التي تراجع نفوذها في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، لحساب تصاعد النفوذ الأمريكي، ورغم اندراجها في إطار المشروع الأمريكي ـ الصهيوني، لا تتوانى عن اقتناص الفرصة، لتظهر وجودها وتذكّر بمصالحها، فبعد فشل مفاوضات السلام في إطار مدريد، وما نجم عن اتفاق "أوسلو" بين بعض الفلسطينيين و"إسرائيل" وبعد ما لاقاه مشروع (الشرق الأوسط الجديد) من معارضة في الأوساط العربية وما يبدو من فشل اجتماعات القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أوروبا هذه التي لا تريد أن تختفي عن الصورة في المنطقة دعت إلى إعادة ترتيب المنطقة العربية في إطار ما دعته الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، فدعت إلى مؤتمر في برشلونة في نهاية شهر تشرين الثاني 1995([10])، وقد وافقت الأطراف المشاركة في المؤتمر، من حيث المبدأ على إقامة شراكة بين الاتحاد الأوروبي من جهة، والبلدان المتوسطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من جهة ثانية وذلك في ثلاثة مجالات:

الأوليتعلق بالسياسية والأمن. الثاني: بالاقتصاد والمال، والثالث بالنواحي الاجتماعية والثقافية، كما تبنّت برنامج عمل يشكّل آلية تتبع لتحقيق هذه الشراكة.

ومن الواضح أن الهدف من الشراكة الأوروبية المتوسطية، ليس فقط تعزيز التواجد الأوروبي في المنطقة العربية، وأنما إصرار الغرب الأوروبي (ويتفق في هذا مع المشروع الأمريكي الصهيوني) على:

  • نزع الصفة العربية للمنطقة العربية.
  • إدماج إسرائيل في نسيج المنطقة العربية.
  • تعزيز الانقسام والتجزئة بين البلدان العربية، ويبدو ذلك واضحاً في استبعاد دول الخليج العربي.
  • غلق الباب نهائياً أمام التكامل الاقتصادي العربي، وربط البلدان العربية، فرادى، بالاقتصاد العالمي عن طريق الاتحاد الأوروبي.

في حين فاوضت أوروبا، كتلة واحدة، من خلال الاتحاد الأوروبي، فإن الدول العربية فاوضت منفردة على ذلك، تأكيداً للتجزئة والتقسيم.

  •  سيكون للشراكة منعكسات سلبية على عملية التنمية الاقتصادية في كلّ بلد عربي، وذلك من خلال فرض طريق الاقتصاد الحر واقتصاد السوق عليه([11])، وبالتالي وبسبب العلاقة غير المتكافئة بين اقتصادات عملاقة (الاقتصادات الأوروبية) واقتصادات ضعيفة لا تزال تعيش حالة من التخلف والتبعية، مما يعني أن الشراكة في هذه الحالة تعمق تبعيتها وتخلفها، وتمنع تقدمها، وتعيق تنميتها. ولكن هذا لا يجعلنا نتجاوز مسؤولية الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية، فقد كان لها الدور الأساسي في وصول البلدان العربية إلى ما آلت إليه من تخلف وتبعية، عندما رهنت وجودها واستمرارها في الحكم في علاقات فردية مباشرة مع الغرب الأوروبي والولايات المتحدة. وبالتالي عندما غلبت مصالح الخارج على مصالح الداخل، وانصاعت إلى ما يمكن أن يقود إليه "اقتصاد السوق" ودور الاندماج بـ "الاقتصاد العالمي" من تداعيات أهمها إضعاف الدولة وصولاً إلى دولة رخوة([12])تقبل بما تفرضه عليها شروط الاندماج والالتحاق بالعولمة، وعندما تمّ تدمير برجي التجارة في نيويورك، ومبنى البنتاغون في واشنطن في أيلول عام 2001، اُتخذ ذلك ذريعة من قبل الولايات المتحدة لشنّ حرب لا هوادة فيها، بمشاركة "الناتو" في أفغانستان، كما تمّ التخطيط لحرب شرسة هدفها تدمير العراق، وتم لـ "بوش الابن" ذلك بعد أن شن هجومه بمساعدة بريطانية وعدد من الدول الأخرى (2003) وأمكن بذلك ليس فقط إنهاء الحكم، بل وتدمير العراق وإعادة ترتيبه وفقاً للمعطيات الجديدة في الاستراتيجية الأمريكية على أساس عرقي ـ طائفي، ليعتبر النموذج الذي يمكن أن يُعمم على دول المنطقة كافة، تحت شعار نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال تقسيم دول العالم بين دول ضدّ الإرهاب وأخرى مع الإرهاب، أو ترعى الإرهاب. وقد تمّ ذلك كله في إطار فرض جدول أعمال العولمة والانصياع للهيمنة الأمريكية، مما استوجب إعادة النظر في تقسيمات الدول واستقطاباتها من خلال آليات العولمة، وفي هذا الصدد يحضرني ما كتبه أحد منظري "عسكرة العولمة" قبل الحرب على العراق وهو "توماس ب.م. بارنيت" في دراسة قدمت إلى وزارة الدفاع الأمريكية([13])يقول فيها: إن الحرب على العراق "هي اللحظة التي تحكم فيها واشنطن قبضتها على الأمن الاستراتيجي في عصر العولمة"، ويرى "بارنيت" أنه يجب تقسيم العالم إلى مناطق: "تجذرت فيها العولمة، وأخرى لم تتجذر فيها".. "فالمناطق التي تتكثف فيها العولمة (بفعل انتشار شبكات الإنترنيت والصفقات المالية والتدفق الإعلامي الحر والأمن الاجتماعي) تشهد حكومات مستقرة، ومستويات عيشٍ مرتفعة ووفيات، بسبب الانتحار أكثر منها بسبب القتل".

ويسمي "بارنيت" هذه الأجزاء من العالم "النواة الفعالة" أو "النواة" أما المناطق التي تضعف فيها العولمة، أو تغيب عنها، فتتفشى فيها الأنظمة القمعية والفقر والأوبئة الجماعية، والأهم من ذلك تتفشى فيها "النزاعات المستمرة التي هي أرض خصبة لولادة جيل جديد من الإرهابيين الذين يعملون على نطاق عالمي" ويسمي هذه الأجزاء من العالم "الثغرة غير المندمجة" أو "الثغرة".

ويقول "بارنيت" أنه يدعم الحرب على العراق «ليس فقط لأن صدام حسين ستالين سفاح مستعد لقتل أي كان للبقاء في السلطة، ولا لأن النظام قدم دعماً واضحاً للشبكات الإرهابية على مر السنين، فالسبب الحقيقي وراء دعمي لحرب كهذه هو أنه سينتج عنها التزام عسكري طويل الأمد، سيرغم الولايات المتحدة، أخيراً، على التعامل مع "الثغرة" بكاملها كمصدر خطر استراتيجي"، وهو يرى أن نقطة الانطلاق الأنسب هي "الشرق الأوسط، وهنا يدعو إلى "اجتثاث الثغرة" وإزالتها بالقوة العسكرية، لأن وجودها يعرض الولايات المتحدة للخطر الذي لن يزول إلا "إذا عملنا على جعل العولمة شاملة حقاً".

إن "بارنيت" يمثّل فكر المحافظين الجدد، ونظرتهم إلى العالم في سعي حثيث لاستخدام القوة العسكرية من أجل إزالة الثغرات التي تقف في وجه بسط ثقافة العولمة وسياساتها على جميع شعوب العالم، ومن خلال ذلك تجري عملية (تفكيك) ما هو قائم، وإعادة تركيبه، بما يخدم أغراض الاستراتيجية الأمريكية، ويساعد على تغلغلها في جميع أرجاء العالم، وفيما يتعلق بالمنطقة العربية، فإنه رغم أن تقسيم الوطن العربي إلى دويلات تم لصالح الدول الاستعمارية في القرن الماضي، ورغم أن الولايات المتحدة التي ورثت نفوذ تلك الدول باركت ورعت هذا التقسيم بما فيه زرع "إسرائيل" في قلب الوطن العربي، رغم ذلك" فإن مقتضيات المرحلة الجديدة والنظام العالمي الجديد الذي تريد الولايات المتحدة بناءه، أصبحت تستدعي المزيد من التقسيم بتفكيك ما هو قائم وإعادة تركيبه على أسس جديدة يسهل استيعابها في ظل التحولات التي فرضتها العولمة، مع إحياء المشروعات الصهيونية القديمة، الأمر الذي استدعى تلك الحرب (الاستباقية) العدوانية على العراق، وإعادة تركيبه على أسس (مذهبية ـ عرقية ـ عشائرية) تحت ظل "الفوضى الخلاقة". وبذلك لا يقضى على وحدة العراق فقط، وإنما يصار إلى تدمير قوته ومنع إسهامه بأية عملية جوية لاستعادة فلسطين أو لنصرة الفلسطينيين، مما يرفع من شأن القوة الإسرائيلية ويعزز نفوذها ويُعلي من شأن وظيفتها ويخدم أغراض المشروع الأمريكي الصهيوني.

وقد استطاعت الولايات المتحدة، فعلاً، أن تحقق بعضاً من أهداف هذا المشروع في العراق، إلا أنها فشلت في تعميمه، عندما حال الموقف السوري من جهة، والمقاومة العراقية من جهة ثانية، دون استكمال أهداف المشروع الذي طرحه "بوش الابن" تحت عنوان "الشرق الأوسط الواسع أو الكبير" ليشمل جغرافياً منطقة تمتد من شواطئ المغرب العربي على المحيط الأطلسي إلى جاكرتا، وقدم المشروع البديل الذي يريده عما هو قائم وبديلاً عن الانهيار التام الذي توقعه، ويتمثّل هذا البديل بالإصلاح الذي يمر عبر:

  • تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح.
  • بناء مجتمع معرفي.
  • توسيع الفرص الاقتصادية.

إلا أن ذلك لم يكن سوى شعارات يُراد بها تسويق الهدف الأساسي للمشروع، أي فرض وقائع جديدة على المنطقة تحت الهيمنة الأمريكية، وبما يحقق أمن "إسرائيل" وتوسعها وانخراطها النهائي في المنطقة العربية دون أي إشارة إلى الأسباب الحقيقية لما تعانيه هذه المنطقة من تخلف وتبعية واحتلال.

وقد أصبح من الواضح أن أمن "إسرائيل" وتوسعها وانخراطها النهائي في المنطقة من دون الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، ومن دون الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة (بما فيها الجولان) هذا كله يحتل موقع الأولوية في لائحة الخلفيات الحقيقية للحرب على العراق، ولطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، فقد قال وزير الحرب الإسرائيلي "موفاز" حينذاك "لدينا مصلحة كبرى في إعادة هيكلة الشرق الأوسط غداة الحرب على العراق.. بعد هزيمة هذا الأخير على واشنطن أن تنتج ضغوطاً سياسية واقتصادية ودبلوماسية على إيران وسورية"، وهدف "الشرق الأوسط الكبير" المتمثّل بإعادة الهيكلة يعني تفتيت جديد للمنطقة وتقسيم جديد للوطن العربي على أساس عرقي وطائفي الأمر الذي شهدنا بوادره في ما يدعى "كردستان العراق" وفي محاولة عزل المناطق التي يغلب عليها الطابع الشيعي، عن المناطق التي يغلب عليها الطابع السني.

وكان يؤمل لهذا التقسيم أن يمتد إلى سورية ولبنان لولا الصمود الذي أبدته جماهير الشعب في كلا البلدين، ولولا تصاعد المقاومة العراقية، لكن هذا لم يمنع الغرب (وعلى رأسه الولايات المتحدة) عن التخلي عن مشروعها في تطبيق مشروع "سايكس ـ بيكو" جديد في المنطقة يقوم على الأسس التي ذكرناها، ذلك أنه يرى أن مشروع شرق أوسط جديد، كان يمكن أن ينتج عن حرب تموز 2006 على لبنان، في محاولة لإرغام حزب الله والمقاومة اللبنانية على الاستسلام. لكن صمود المقاتلين أحبط المشروع الأمريكي ـ الصهيوني مجدداً دون أن تتخلى الولايات المتحدة (وأوروبا) عن مشروعها، الذي ينظرون إليه على أنه البديل عن جامعة الدول العربية في صورتها الحالية بعد أن تؤسس (شراكة) بين بعض الدول العربية وحلف الناتو. وإن كانت شراكة غير معلنة، وقد وجدنا ملامحها الدولية، في قرار جامعة الدول العربية بإعطاء غطاء سياسي مدعم مادياً وعسكرياً من بعض الدول العربية لتدخل (الناتو) في ليبيا. فقد أصبح تدميرها بمثابة المخرج لإعادة بناء تقوم بها اقتصادات الدول الغربية، فضلاً عن الاستيلاء على الثروة النفطية الليبية لصالح الاقتصادات الغربية المأزومة، وبذلك يصبح الناتو شريكاً مطلوباً في النظام الإقليمي العربي الجديد، تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، بما يتيح لها إعادة هيكلة المنطقة وفق المنطق التقسيمي، الذي ترغب به "إسرائيل" وترعاه الولايات المتحدة وتوافق عليه أوروبا، بما يخدم استمرار "إسرائيل" كدولة يهودية من بين دول المنطقة التي يجري الإعداد لها من منطلق إثني ومذهبي.

ومن المشروعات العديدة التي تمّ الكشف عنها، يقع مخطط "برنارد لويس"([14])في المقدمة، حيث دعا إلى إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، وعندما دعت الولايات المتحدة عام 2007 إلى مؤتمر "أنابوليس" للسلام كتب لويس في صحيفة وول ستريت يقول: "يجب ألا ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلا باعتباره مجرد تكتيك موقوت غايته تعزيز التحالف ضدّ الخطر الإيراني، وتسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية، ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً، كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل". وقد اعتمدت الولايات المتحدة مشروع لويس أساساً لسياستها المستقبلية.

يهدف هذا المشروع إلى تفتيت الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية، كلاً على حدة، وتفتيت كلّ منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العربية والدينية والمذهبية والطائفية، وكما وجدنا طلائع تنفيذ هذا المشروع في احتلال العراق وتدمير بنيته الاقتصادية والاجتماعية، نجدها في انفصال جنوب السودان، وفي الفتنة بين الأقباط والمسلمين في مصر، وبين مسلسل الفتنة في لبنان، وها هي في سورية تظهر على شكل "مؤامرة" استغلت حركة الاحتجاج التي قامت في "مجتمع المخاطر"، الذي نتج عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تمّ إنتاجها في السنوات الأخيرة وأدت فيما أدت إليه إلى البطالة والفقر والفساد، وكان من الطبيعي أن يستغل الغرب هذه الحركة فيقوم بتجييشها وحرفها عن مطالبها الأساسية، منتهزاً تردّي أوضاع النظام العربي الإقليمي واستعداد بعض الأنظمة العربية للانخراط في هذا المخطط الجهنمي الذي من شأنه إشعال نار الفتنة والطائفية في أرجاء الوطن العربي، وحالة الإقصاء السياسي التي يعيشها الشعب العربي في جميع أقطاره.

إن المخططات والدراسات التي تضعها المراكز الاستراتيجية في الغرب والولايات المتحدة، والتي تبدو الأيدي الصهيونية فيها واضحة ومؤثرة، هذه المخططات والدراسات، مهما مرّ عليها الزمن، لا تطوى ولا تنسى في الدوائر السياسية والرسمية، إنما يزاح الستار عنها في الوقت المناسب عندما تهيأ الظروف المناسبة، وها هي الظروف مناسبة الآن، لإحياء المشروعات القديمة والمخططات التي وضعت من أجل استكمال تفكيك وتفتيت الوطن العربي، كي لا تقوم له قائمة بعد الآن، فهل من صحوة؟ هل بالإمكان وقف تنفيذ المخطط الغربي ـ الصهيوني؟ هل بالإمكان إعادة الألق للقضية العربية، وبالتالي تحقيق هزيمة هذا المخطط؟ الإجابة هي في الشارع العربي، في ضمير ووجدان الشباب الذين نزلوا إلى الشارع بمطالب محقة تتعلق بالخبز مع الكرامة، فإذا بهم فريسة المؤامرات ومحاولات الاستغلال وخطف جهودهم ومستقبلهم في تونس ومصر وليبيا واليمن والآن في سورية.

(انظر الملحق تفاصيل المخطط الصهيو-أمريكي لتفتيت الوطن العربي والعالم الإسلامي وفق مشروع برنارد لويس).

 



*ورقة مقدمة إلى ورشة عمل بعنوان: "العرب في مواجهة مخاطر التقسيم"، تقيمها هيئة الأبحاث القومية، 27/9/2011.

**رئيس الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية ـ نائب رئيس مجموعة الأبحاث السياسية في هيئة الأبحاث القومية.

([1]) بدأت المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا في 9 تشرين الثاني 1915 بشأن مستقبل ولايات الإمبراطورية العثمانية، وقد انتهت هذه المفاوضات بمعاهدة "سايكس بيكو" التي وقعها "جورج بيكو" القنصل الفرنسي العام في بيروت الذي أصبح المندوب السامي المكلف بالمفاوضات و"مارك سايكس" عضو مجلس العموم البريطاني والمندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى.

([2]) زين نوران بن زين، الصراع الدولي في الشرق الأوسط.. وولادة دولتي سورية ولبنان، دار النهار، بيروت، 1977، ص211.

([3]) تأسست في باريس عام 1911، وحددت هدفها بالتحرر من السيطرة التركية وإقامة دولة عربية مستقلة، ولم يُعلن ذلك، إنما بقي هدفها سرياً، وفي عام 1913 نقل مركزها إلى بيروت ومن ثمّ إلى دمشق، أبرز أعضائها عبد الغني العريسي.

([4]) جمعية العهد هي جمعية عسكرية صرفة أسسها في الأستانة عام 1913 عزيز المصري وساطع الحصري ونوري السعيد.

([5]) بدأت هذه المراسلات بالرسالة المؤرخة في 14/7/1915 والتي حملها الأمير عبد الله إلى القاهرة، واستمر تبادل الرسائل حتى نهاية كانون الثاني 1916، عرض الشريف حسين المطالب العربية بإقامة دولة وخلافة عربية تكفلها بريطانيا مقابل الثورة المسلحة ضدّ تركيا، واختلف على حدود الدولة، ثمّ أجل البحث في هذه المسألة لما بعد الحرب.

([6]) جاء "وعد بلفور" على شكل رسالة موجهة من وزير الخارجية البريطاني إلى الزعيم الصهيوني البارون "روتشيلد" جاء فيها:

عزيزي: يسرني جداً أن أنقل إليكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة تصريح العطف الآتي على الأماني اليهودية الصهيونية الذي عرض على الوزارة فأقرته، إن حكومة جلالته تنظر بعين الارتياح إلى إنشاء وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي. وستبذل أحسن مساعيها لإدراك هذا الغرض. وليكن معلوماً بجلاء أنه لا يسمح بإجراء أي شيء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين الآن، أو بالحقوق التي يتمتع فيها اليهود في البلدان الأخرى وبمركزهم السياسي الذي هم فيه.

وسأكون ممتناً إذا عرضتم هذا التصريح على الاتحاد الصهيوني ليطلع عليه.

المخلص: آرثر جيمس بلفور

([7]) جاءت توصيات لجنة "كنغ ـ كرين" الأمريكية الخاصة بسورية وفلسطين والعراق (28/8/1919) بمثابة تأكيد جديد لما أعلنه المؤتمر السوري العام بصدد الصهيونية وفلسطين، فأشارت اللجنة إلى وجوب القيام بتنقيح كبير في البرنامج الصهيوني لجهة الهجرة اليهودية غير المحدودة والرامية إلى تهويد فلسطين، وأعربت عن اعتقادها بأن الصهيونيين حصلوا على تشجيع الحلفاء من خلال تصريح بلفور، واقترحت اللجنة إدخال تعديلات كبيرة على البرنامج اليهودي، وقد اطلعت اللجنة على رأي السكان في سورية وفلسطين واتضح لها أن الشعور المعادي للصهيونية لا يقتصر على فلسطين بل يشمل سكان سورية، وقد سلم تقرير اللجنة إلى البيت الأبيض في 27/9/1919 إلا أنه لم ينشر إلا بعد ثلاثة أعوام، وذلك لتمرير البرنامج الصهيوني، برعاية من الحلفاء وبدعم (صامت) من الولايات المتحدة ثمّ بمباركتها بعد ذلك.

([8]) للمزيد حول نشأة جامعة الدول العربية، أنظر للكاتب النظام الإقليمي العربي في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية، وقد صدر بمناسبة مرور 50 عاماً على قيام الجامعة، دار المستقبل، دمشق 1995.

([9]) اختصاراً عن ستيفن غروبارد، حرب السيد بوش، مغامرات في سياسة الوهم، تعريب محمد برهوم ونقولا ناصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص146.

([10]) إضافة إلى مجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية، شاركت الأطراف التالية في المؤتمر ممثلة بوزير خارجيتها: ألمانيا، الجزائر، النمسا، بلجيكا، قبرص، الدانمرك، مصر، إسبانيا، فنلندا، فرنسا، اليونان، أيرلندا، إسرائيل، إيطاليا، لبنان، للوكسمبورغ، مالطا، المغرب، هولندا، البرتغال، المملكة المتحدة، سورية، السويد، تونس، تركيا، السلطة الفلسطينية ممثلة برئيسها، وفي حين استبعدت ليبيا لأسباب سياسية، أضيف الأردن لمثل هذه الأسباب فيما بعد.

([11]) سيؤدي نظام اقتصاد السوق إلى تفاقم سوء التوزيع في الثروات والدخول والإخفاق في إشباع الحاجات الأساسية للناس، وبالتالي إلى انتشار البطالة والفقر على نحو أوسع مما هو قائم، وهي نتائج طبيعية لنظام رأسمالية الحرية الاقتصادية، وعلى الرغم من أن سورية لم توقع اتفاقية الشراكة، إلا أن الإدارة الاقتصادية سعت إلى ذلك، وانتهجت سياسة الليبرالية الاقتصادية الجديدة وفقاً لمشورة المؤسسات الدولية مما أدى إلى توسيع دائرة الفقر والبطالة، وهما منبع حركة الاحتجاج التي كانت ثمرة "مجتمع المخاطر" الذي أفرزته تلك السياسات.

([12]) بانسحاب الدولة من الشأن الاقتصادي وتخفيض حجمها الاقتصادي، تصل إلى مستوى "الدولة الرخوة"، وهو تعبير للعالم الاقتصادي ـ الاجتماعي السويدي "ميردال" استخدمه جلال أمين في توصيف حالة مصر. وهذا النموذج من الدول الضعيفة غالباً ما يسودها نظام قمعي من الداخل، في مقابل رضوخها لشروط الخارج.  

([13]) نشرتها وكالات الأنباء في حينه.

([14]) برنارد لويس، هو مستشرق بريطاني الأصل (ولد في لندن عام 1916) يهودي الديانة ـ صهيوني الانتماء، أمريكي الجنسية، كان مدرساً للتاريخ، وله عدد من المؤلفات في التاريخ الإسلامي القديم والحديث، يعتبر من منظري الفكر المحافظ في الولايات المتحدة، وكان من أشد الداعين للحرب على العراق، وهو يرى أن العرب والمسلمين قوم فاسدون وفوضويون والحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم وتطبيقاتها الاجتماعية، ونادى بإعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية. 

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg