• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     

 

د.محمد صالح الهرماسي

 

حديثي عن العرب والعبور إلى المستقبل ينطلق من اعتقاد رسخ بوجود الأمة العربية وبقدرة العرب على العبور إلى المستقبل. وبهذا أردّ بداية على ما شهدته الساحة الفكرية والسياسية العربية في السنوات الأخيرة من اتجاه ينكر وجود الأمة العربية ويرفض بالتالي النظرة القومية العربية إلى المستقبل. فبالنسبة لي كما للغالبية العظمى من أبناء أمتنا العربية في مختلف أقطارهم يعتبر الوجود العربي مسألة بديهية وتتجذر القناعة بأن المستقبل في عالمنا هو للدول القوية وأن قوة العرب في اتحادهم.

هذا المنطلق بقدر ما يتصدى لمختلف الأطروحات التي تحاول إشاعة مناخ الإحباط واليأس.

فإنه لا يقفز بأي حال من الأحول على الواقع العربي الراهن بل هو يشكل في ذات الوقت المنطلق المناسب لقراءة هذا الواقع قراءة موضوعية ترى مواطن ضعفه دون أن تعمى عن رؤية مواطن قوته وتكشف سلبياته دون أن تهمل إيجابياته.

فما هي أبرز ملامح الحاضر العربي؟

- عوامل الضعف العربي الخارجية والداخلية:

- استمرار التجزئة: وهي العامل الأخطر في إضعاف العرب والإبقاء على عجزهم في مواجهة التحديات. وكأن هذه التجزئة لا تكفي أعداءهم حتى أخذوا يخططون لتعميقها وصولاً إلى تجزئة المجزأ. ولعل أخطر ما في التجزئة أنها خلّفت وعياً فكرياً مناهضاً لفكرة الوحدة العربية لدى أصحاب المصلحة في استمرارها ولا سيما النخب الحاكمة.

 

- استمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين وهو الاحتلال المتكامل مع التجزئة الاستعمارية في العمل على منع وحدة العرب وتقدّمهم.

 

 احتلال العراق الذي تمّ بهدف:

 

- تفتيت المنطقة العربية وإشعال نار الحروب الأهلية والطائفية فيها وإعادتها إلى المرحلة ما قبل الوطنية.

 

- تدمير إمكانية النهضة العلمية والتقنية العربية.

 

- نهب الثروة العربية والتحكم بالنفط.

 

- تدمير المخزون الثقافي والحضاري وطمس الهوية العربية.

 

- فرض السلام الإسرائيلي (الهيمنة الصهيونية) على المنطقة العربية.

- استمرار التخلف وفشل مشاريع التنمية الفكرية في القضاء عليه.

- استمرار الاستبداد السياسي وقمع الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان.

-وإذا كانت هذه العوامل مجتمعة تشكل صورة قاتمة عموماً للحاضر العربي فإنها ينبغي ألا تحجب ما فيه من نقاط مضيئة يمكن إجمالها في ظاهرة المقاومة (لبنان- فلسطين- العراق) وفي تنامي الوعي العربي بضرورة الإصلاح السياسي والديمقراطي في الوطن العربي.

 3-في اعتقادي آن إنجاز عملية العبور إلى المستقبل التي يمكن آن أسميها بعبارة أخرى عملية إنجاز المشروع النهضوي الوحدوي والتحرري والديمقراطي العربي هو أمر ممكن. على آن هذا الإمكان مشروط بجملة من الشروط التي يأتي في مقدمتها:

- إرادة المستقبل التي تشكل الدافع لنهوض الأمة إلى الاضطلاع بمهمة العمل من أجل الغد وبذل ما يتطلبه ذلك من جهود وتضحيات.

- التخطيط للمستقبل حتى يتوجّه العمل من أجله الوجهة الصحيحة الموصلة إلى الهدف وهذا يتطلب أن يلبّي التخطيطُ حاجاتنا الحقيقية العميقة وليس الحاجات المفتعلة والشعارات الزائفة.

معرفة الماضي: إذ لا بد من قراءة الماضي الذي ما زال مهيمناً على الوعي العربي قراءة نقدية تسمح بالسيطرة عليه وتوظيفه في دعم عملية العبور إلى المستقبل.

 4- على أن الشرط الرئيس الذي أودّ التركيز عليه بشيء من التفصيل في هذه المداخلة هو المرجعية الثقافية لعملية العبور إلى المستقبل. وهي المرجعية المتمثلة في الإجابة على سؤال الحداثة وعلاقتها بالهوية القومية والخصوصية الثقافية ذلك أن العبور إلى المستقبل هو عبور إلى الحداثة والأنخراط الفاعل في عصر العولمة والعلم والتكنولوجيا. فهل يمكن لهذا أن يتم خارج المرجعية الثقافية العربية الإسلامية وبالضدّ منها؟. وهل الحداثة ابتكار خاص على علاقة وطيدة بعمومية الإنجاز الإنساني (الفكري- والعلمي- والتكنولوجي) أم أنها مجرد تقليد شائه عن مثال جاهز؟

لقد عانت الحداثة، كغيرها من المفاهيم المركبة والمُربكة، من الصنمية التي فرضها الرجوع المتكرر بنفس الأدوات والأساليب فأضحت كمعبد يضمّ العديد من الأصنام لعل أكبرها العقل. وهناك أصنام صغيرة أخرى. منها ما هو مشتق من مصطلح الحداثة كالحديث والتحديث، ومنها ما هو مسلّط على تحييد اللاهوت كالعلمانية، وهناك التغريب..

لو تناولنا مقولة "الحديث" لوجدنا أنها أصبحت مرادفة لما هو جديد ووارد علينا من الخارج، أي مستورد ولذلك فإن "الحديث" الذي يجب آن نقبل عليه، إنما هو أجنبي الأصول لوهم، لدى القائلين بهذا الرأي، إننا استنفدنا معينناً، وأن الجديد بالضرورة، هو ما يأتي من الغرب. لقد لاقت هذه الفكرة انتشاراً كبيراً لدى الدهماء وبعض المثقفين، لأنها وعدتهم بأن تحولهم، بأقصى سرعة، إلى أبناء العصر. فكان أن اتهمت اللغة العربية بقصورها عن استيعاب تطور العلم الحديث، ونودي إلى "الأوربة" والتغريب ونمت عقدة الأجنبي لدى الناس، وأصبح العربي رمزاً ليس فقط للتخلف عن المواعيد وإنما لكل من تخلّف عن ركب الحضارة...! رمزاً للتخلف ليس عند الأجنبي بل عند العربي نفسه.

 

إلا أن هذه الموجة التي عمّت في العقود الماضية بدأت بالانحسار أخيراً لأنه تبين بشكل عياني أن هذا "الحديث" بكل ما أتى به لم يحدث المعجزة، ولم يغيّر أفكار الناس، بل انه أصبح قديماً في فترة وجيزة وسرعان ما فسد وأصبح عقبة في وجه كل تجديد. وهذا أمر معروف ومألوف داخل الثقافات والحضارات. ولا ينتسب إلى (الحداثة) إلا من جهة الاشتراك في الاسم. هذا الاشتراك في الاسم أغرق الناس في الوهم، وتسبب في ردة فعل معاكسة لدى الآخرين نفّرهم من كل ما أجنبي، لأنهم أحسوا فيه بالعداء لقيمهم ومقدساتهم وأخلاقيات الأجيال القادمة. هذا النفور لا يندثر بل يجد لنفسه إشكالاً في تفتيت لحمة المجتمع البسيط وتحويله إلى أقطاب قد تتقاتل فيما بينها.

عندما تقادمت (موضة) الحديث الذي يأتي وحده ولم يحدث ما كان مرجواً منه، لم تفقد الدولة القطرية الأمل فحاولت تقنينه فيما يسمى بعملية "التحديث" وعمدت إلى الاستيراد المنظم للنظم والبرامج عبر تغيير البرامج التربوية وتجييرها، وعبر إلحاق آلة الدولة بالغرب دون المساس بآليتها التي حافظت على تعسفها واستبدادها، بل لعلّها كانت تبحث في "التحديث" عن مبّرر أو عن ستارة تحجب بها جوهر تخلّفها.

 

وما زال التحديث على طريقة الأنظمة العربية مستمراً على نفس النهج وإن تغيرت الأساليب. وهي عموماً تقوم بدور مضلل، وتبتعد بالتحديث عن معناه الحقيقي كتحديث للذهنية وتحديث للمعايير العقلية والوجدانية" إلى معنى آخر يصبّ في بحر التغريب والأوربة.

والتغريب هو حلقة أخرى في سلسلة الفهم القاصر للحداثة، وهو جزء من عملية التحديث الخاطئة، ولعله يمتاز بتأطير نظري ينحاز بلا مواربة للقطيعة مع الهوية، والتخلي عنها بدعوى أنها ركام يجب طرحه. لا غرابة أن يكون التغريب هو النتيجة المنطقية للتحديث كما يراه المتأوربون. ودعوة التغريب ليست حديثة عهد بل لها في الرواد خير ممثل، ونقصد طه حسين الذي تحدث بوضوح وجرأة عندما طالب المصريين بأن يصبحوا "أوروبيين" في كل شيء، وأن يأخذوا حياة الغربيين قدوة لهم بما فيها من حسنات وسيئات. هي دعوة ليست للتأثير او التقليد وإنما "للمحاكاة الكلية إلى حدّ الحضّ على تبنّي ما هو شرّ ومرّ ومكروه ومعيب في حضارة الأوروبيين، وليس فقط ما هو خير وحلو ومحبوب ومحمود".

ولو قيّض لطه حسين أن يعيش حتى أيامنا لغيّر رايه، وأبصر أنه وقع في أخطاء منطقية إذ وحّد بين الغائية والكيفية.. وخلط بين الهوية (Identité) والتماهي (Identification).

لقد لاقت دعوة التغريب الكثير من الأنصار والمؤيدين، لكنها لم تنتج سوى نقيضها. ولذلك نرى أن التلويح المباشر براية التغريب أصبح يتراجع في الفترة الأخيرة. وحتى الأنظمة نفسها أصبحت تبحث في خطابها عن مفردات تشير بها إلى الأصالة والابتعاد عن تهمة التغريب.

وهو ما يشير إلى أزمة في الفكر الحداثوي العربي الذي لا ينفك يبحث عن أنصاف الحلول. إنّ عملية التحديث لا تكمن في تقليد الغرب وإضافة إفرازات الحداثة الغربية إلى هويتنا.. بل تفترض الانطلاق من الذات للسمّو بها من حالة لا ترضاها إلى حالة جديدة تحدثها". لكن الأصالة، كما برزت رداً على دعوة التغريب، قد فهمت بدورها فهماً خاطئاً، إذ غالباً ما عنت العودة إلى القديم والتمسك بالأصول، والحال أن الأصالة هي شيء أعقد من ذلك بكثير. إنها إبداع وتجديد يعني إعادة صياغة الاصول صياغة جديدة ويدخل بذلك في صلب عملية التحديث.

 

آخر مقولات الحداثة العولمة ونحن لا ننكر مضمونها الإنساني بما توفره من إمكانيات التواصل والمعرفة، إلا أن التطرق إليها عندنا يكشف عن حالة مرضية إزاء استخدام هذه الإمكانيات الهائلة، والتي ستعمم الغثّ والسمين والداء والدواء على حد سواء. في مثل هذه الحالة سنكتشف من جديد أننا نعاني من خلط بين الغائية والكيفية وبين الماهية والتماهي.

العولمة هي آخر مسافة في الطريق الأحادية الاتجاه التي لم يعد بالإمكان السير قدماً عليها، لان الحاجة أصبحت ملحة إلى طريق سيّار جيئة وذهاباً. فالعلم عبر ثورة الاتصالات أتمّ كونيّته، ولم يعد قابلاً للتقنين من قبل السلطة، ولا للتقسيط من قبل "العالم الأول". هذه الكونية تعي الآن أنها بالإضافة إلى المعارف العلمية وزّعت إمكانيات الدمار على الجميع، وأصبحت في أمس الحاجة إلى مقولة تتمّ ثنائيتها، أي إلى الخصوصية الثقافية لكل أمة. هذه الخصوصية التي ستلجم، بكل ما تعنيه من تراث وتاريخ وأخلاق، ستلجم شطط الذرّة والاختناق البيئي والطاقة الهائلة الكامنة وراء التستر بالعقلانية.

لقد تم تحويل العولمة إلى تعويذة ترفع للخلاص من ربقة الجهل والتخلف في فترة وجيزة تعادل تشغيل جهاز الكومبيوتر والاندماج في شبكة الانترنت. ولكن ماذا ستقدم هذه البرامج لأمم تفوق نسبة الأمية فيها 50%؟ وهل يمكن آن نخوض معركة التحديث بمثل هذه السهولة؟ السهولة غير واردة ولكن معالم الطريق بدأت تلوح. تكديس أدوات الحداثة لم يجد نفعاً. فالركام قد تكاثر وأعاد إنتاج الركام، وأصبح يعيق عملية البناء التي باتت ضرورية بالاستفادة من نتائج التطور العلمي ومكونات الهوية الشخصية لكل أمة. فكونية العلم وخصوصية الثقافة هما البوابتان اللتان تسمحان لنا بالإطلال على العالم من موقع المشارك والمعني بما يحدث. ليس فقط المشارك وإنما المعني، أي المسؤول عن المقدمات والنتائج أيضاً. وهكذا تكفّ عملية الحداثة عن أن تختزل إلى مجرد سوق لكي يروّج هنا ما يُصنع هناك، ويصبح التحديث همّاً إنسانياً يرتكز إلى مواثيق أخلاقية، ويبحث عن التطور من دون المساس بمصالح الآخر. هذه هي الفرصة الوحيدة للتعايش لأن التنافر في المضيق الذي أوصلتنا إليه الحداثة بلغ أشده والكارثة أكيدة إذا لم يتم الاستدراك والمعالجة.

لقد أنجز الغرب حداثته، التي أصبحت اليوم حداثة كونية، وتجاوزها إلى مرحلة ما بعد الحداثة التي أخضعت الحداثة الغربية لزلزال نقدي عنيف ولكنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن أنجز حداثته. فهل نكتفي باقتفاء أثر الفكر الغربي في نقد الحداثة أم أن علينا احترام نقدنا الخاص لها والانتباه إلى أن "فلسفات وإيديولوجيات ما بعد الحداثة في الغرب تروج لمفاهيم وآراء ونظريات ليست كلها ضرورية، ولا حتى مفيدة لنا في عملية إعادة بناء أهداف مشروع نهضتنا.

 

الحلول الجاهزة كثيرة ومتناقضة. فمن قائل إن الخطأ فينا لعدم قدرتنا على جعل الحداثة الغربية ملائمة لتراثنا وقيمنا، إلى جازم بأن الفشل راجع إلى تخلينا عن هويتنا وتراثنا، في حين يرى آخرون أن السبب بالعكس كامن في التمسك المفرط بهذا التراث.

نحن نرى آن هذا التعارض بين التراث والحداثة مصطنع ويشير ، فيما يشير إليه، إلى صنمية عربية في التعامل مع موضوع الحداثة. فكما أن الحداثة الأوربية خلقت أصنامها، فإن حداثتنا تسلك نفس المسلك مع اختلاف وحيد هو أننا كتابعين، نملك من كل صنم نسختين. فهناك ثنائية الحديث/ الأصيل، والتحديث/ السلفية، والعقل/النقل وغير ذلك. الصنمية تفرغ هذه المقولات من مضمونها، وتحولها إلى صراع إيديولوجي وسياسي، في حين أننا مطالبون بإيجاد صيغة يتعانق فيها الحديث بالأصيل والتحديث بالتاريخ، والعقل بالنقل.

وليس هناك من شكل آخر لنهضتنا وحداثتنا، ولا من سبيل آخر إليهما إلا بتحقيق وحدة لكونية العلم وخصوصية الثقافة.

الحداثة ليست وباء وليست بلسماً. إنما هي صيرورة. ولا يجب أن نتكل على تجربة تجرّع مرارتها غيرنا. بل أن نأخذ من درس الحداثة عبرة ربّما وقتْنا شرّ الوقوع في نفس الخطأ.

 

نحن أمة ساهمت في تاريخ الفكر العالمي منذ أن استلهمت تراث اليونان وطورته مروراً بتعاملها مع تراث كل الحضارات والأمم التي انتشر فيها الإسلام، ووصولاً إلى الأندلس التي كانت فضاء حداثة عمّت أوروبا، وانتشلتها من ظلام التخلف. فكيف يمكن أن نخاف من مواجهة أيّة حداثة تأتينا، ولنا من المناعة ما يكفي لكي لا نبقى إلا على الملائم. ثم إنّ العودة إلى تاريخ نشأة الحداثة الأوروبية يفيد أن جوهرها العلماني كان رداً على سيطرة الكنيسة ودورها الظلامي الذي مارسته ضد العقل والعلم والتقدم وليس على الإسلام الذي استفادت كثيراً من منجزه الحضاري ما يجعل الحديث عن تناقض تاريخي مبدئي بين هذه الحداثة والإسلام أمراً مجافياً للموضوعية.

النزعة الأوروبية مرض أوروبي يجب أن لا نعالجه بالدعوة إلى الانغلاق على الذات والانعزال عن العالم، وعدم الاعتراف بالعطاء الفكري والحضاري الذي قدمته أوروبا، كما أن النزعة المناهضة لأوروبا التي تطلّ من صفحات الفكر العربي المعاصر، هي في أحسن الأحوال ردّة فعل مرضية. والخطاب الذي يوحد بين الحداثة، كمفهوم والنزِّعة الأوروبية بعيد عن الحقيقة، لان الحداثة مفهوم إنساني وإن شابته شائبة أو انحراف فالأجدر أن تعود إلى سبيلها لا أن نغلق الأبواب دونها.

ليس المهمّ الآن أن نسال هل الحداثة ضرورية أم لا؟. لقد بات واضحاً أن المسالة أصبحت أن نكون أو لا نكون. وصياغة المشروع النهضوي العربي مهمّه ملحّة اليوم. علينا آن نلقي جانباً بكل الدعوات المتطرفة إلى التغريب وإلى الانغلاق، وأن ننطلق في عملية تحديثية فعلية، وأن نبتعد عن الأساليب التجميلية كالمحاكاة والتقليد وغير ذلك.

إن الحداثة ليست قطيعة تامة مع التاريخ، وليست تكراراً له ولا نسخة منه، وإنما هي انطلاق منه لا يقف عند حدوده، وتجاوز له لا ينسلخ عنه. ويعني هذا بحثاً متواصلاً في ثنائية العقل والهويّة.

إن حداثتنا لن تتحقق بدون مراجعة نقدية لتراثنا تلتزم بالعقل الذي يعي حدوده، بعيداً عن ظاهرة التعقيل التي عانت منها التجربة الغربية وبعيداً عن تأليه العقل هذا العقل مطالب بأن يستلهم التجربة العقلانية العربية الإسلامية قبل أن يستورد آليات عقلية محضة بشكل صوري. وله في الفلسفة العربية الإسلامية مدرسة حملت همّ رعاية العقل في حديقة الثقافة العربية وتناغمه مع المقدس والأخلاق. وهي بالذات المهمة التي اكتشفت الحداثة الأوروبية في القرن العشرين أنها تعوقها. مدرسة العقلانية العربية الإسلامية هذه قابلة للتطوّر بما يتناسب مع معطيات الألفية الثالثة.

إن المطلوب سلوك طريق تعيد اللحمة بين العقل والإنسان في مستوى واحد من التقدم الفكري وتمنع خطر الفصل الكامل بين النظام وبين البشر الفاعلين، وبين العلم التقني أو الاقتصادي وبين عالم الذاتية.

هذا التناقض بين النظام والبشر الفاعلين سيؤدي كما يلاحظ آلان تورين إلى انتشار وسواس الهوية.. كلّما بدا أن المجتمع يتقلص إلى مشروع يجاهد للبقاء في السوق الدولية".

سؤال الهوية هو إذاً من صلب مسالة الحداثة. الإنسان، المواطن، الفرد هو الذي يعي ضرورة الحداثة، وهو الذي يعمل على إنجازها وهو ليس مطالباً بان يجعل من هويته وقوداً لهذه المحرقة، لأن السؤال الغاية آنئذٍ سيطرح بشكل تراجيدي: فلماذا هذه الحداثة ولأجل من؟.

والمفارقة هنا أن المحافظة على الهوّية وإثباتها لا يكون بالتقوقع والانغلاق ومغادرة العصر إلى مجاهل التاريخ بل بتحديث الكيان وعصرنته. ومواجهة العولمة الراهنة لا يكون بالرفض المطلق بل يكون بإقرار هويتنا العربية الإسلامية إقراراً استراتيجياً ... يعني تموضعاً لذاتنا في هذا العالم من خلال تأصيلها لا محالة ولكن أيضاً من خلال تأقلمها مع راهنية المعارف والإبداعات، ومن خلال انغماسها الحقيقي في معمعة التجديد والتحولات التكنولوجية بالابتكار والخلق والاستيعاب من خلال بناء مصيرها ومشروع مستقبلها في العالم.

في محاولة التأسيس لحداثة عربية تحقق أهداف التحرير والوحدة والتقدم لا بد من الاعتراف بأن هذه المحاولة أكبر وأعقد بكثير من أن تتصدى لها الجهود الفردية لكن يظل بالإمكان تقديم بعض الأفكار والمقترحات التي تندرج في إطار هذه المحاولة.

أولى هذه الأفكار آن المشروع الحداثي العربي قد اصطدم تاريخياً بالغرب الذي حال، ومازال، بكل الوسائل، بما فيها القوّة، دون حدوث أية نهضة عربية حقيقية. ولا بدّ من التأكيد أن النهضة العربية، بمضامينها الوحدوية والتحررية والديمقراطية، هي جوهر المشروع الحداثي العربي. ومنذ إفشال محاولة محمد علي مروراً بالاستعمار الأوروبي إلى زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي وانتهاءً باحتلال العراق يتأكد أن الحداثة العربية لا يمكن أن تتحقق إلا في سياق الصراع مع الموقف الغربي الذي يعتبرها من الممنوعات، ويرى فيها تهديداً جدياً لمصالحه وهيمنته على المنطقة. ويمكن القول إن هذا الأمر الصراعي والصدامي هو الذي يقف وراء تناقضات الفكر الحداثي العربي.

الفكرة الثانية هي أن قضية الحداثة العربية قضية مركّبة تبرز فيها ثلاثة محاور رئيسية هي: العلاقة مع التراث العربي الإسلامي والعلاقة مع الحداثة الغربية بجانبيها الإنساني الكوني والسياسي العدواني، والعلاقة مع الواقع العربي الراهن بمختلف تردياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي علاقته بالتراث يصطدم المشروع الحداثي العربي بتأثير العامل الخارجي (العدوانية الغربية) من خلال موقفين متناقضين: أولهما موقف الاستلاب الثقافي ممثلاً بتحقير التراث العربي الإسلامي والدعوة إلى الاستعاضة عنه بالثقافة الغربية، وثانيهما موقف تقديس التراث والانغلاق على الذات الثقافية. وفي الحالتين تغيب العودة النقدية الموضوعية للتراث وتفقد النهضة العربية بذلك أحد شروطها الأساسية. وفي علاقته بالحداثة الغربية يصطدم المشروع الحداثي العربي أيضاً إما بموقف الرفض المطلق لهذه الحداثة باعتبارها حداثة غازية تهدّد الوجود العربي الإسلامي شعباً وثقافةً وأرضاً، وإما الانبهار بهذه الحداثة والدعوة إلى الانخراط في منظومتها السياسية والثقافية والاقتصادية دون تردّد، وفي الحالتين أيضاً يغيب النقد الموضوعي للحداثة الغربية. اما في علاقته بالواقع العربي الراهن فيصطدم المشروع الحداثي العربي أيضاً بغياب النقد الموضوعي لهذا الواقع. فهو إما نقد يحمّل الأسباب الخارجية كل المسؤولية عن تردّي الأوضاع العربية الراهنة متجاهلاً أهمية العوامل الداخلية، أو أنه نقد يغفل هذه الأسباب متجاهلاً شرور التخلف والاستبداد باعتبارها صناعة عربية خالصة.

وإذا اعتبرنا مشروع الحداثة العربية يقوم نظرياً على نقد هذه المحاور الثلاثة يتضح لنا أحد أهمّ أسباب تعثر هذا المشروع وضعفه، وغياب النقد الموضوعي للتراث والحداثة والواقع العربي.

لقد أشرنا ضمناً إلى أن أحد أسباب هذا الغياب يكمن في وجود العدوّ الغربي المحتل الذي عرف العرب حداثته استعماراً وغزواً وعدواناً. ففي هذه الحالة يصعب على النقد لدى كثيرين أن يتحرر من هاجس الخوف الذي يثيره حضور التهديد الغربي القوي للأمة، كما يصعب لدى كثيرين آخرين التحرر من الإحساس بعقدة النقص أمام سطوة الغازي وتفوقه المذهل. والنتيجة أن المهمة النقدية تنصرف إما إلى تمجيد قيمة التراث وتضخيمها، كآلية للدفاع عن الذات المهددة، واعتبار الحداثة الغربية شراً ولعنة لا بديل عن مقاومتها. أو إلى التشبّه بالغالب والأخذ بتراثه وحداثته بديلاً عن تراث المغلوب وتخلّفه.

إذا استبعدنا موقف الاستلاب الثقافي، الذي لا يخدم المشروع الحداثي العربي، فإننا نعتقد أن نقد التراث العربي الإسلامي نقداً معرفياً موضوعياً، تماماً كما هو نقد الحداثة الغربية، ونقد الواقع العربي شرط ضروري بالغ الأهمية لبناء الحداثة العربية المنشودة. ولا مشكلة في أن يوظف التراث في الدفاع عن الذات العربية إذا لم يحجب هذا التوظيف أولوية نقده وتحليله وتحديثه. أما بالنسبة إلى الحداثة الغربية فلا بد من التمييز بين ما هو إنساني فيها وينبغي التفاعل معه بإيجابية، وما هو عدواني لا مفر من رفضه ومقاومته. ويبقى نقد الواقع العربي ورؤية مكامن ضعفه وقوته دون استبعاد أي من عوامله الداخلية والخارجية شرطاً لتجاوزه، على أن يشكل هذا النقد الثلاثي في محصلته النهائية عملية متكاملة تتبلور من خلالها الملامح الأساسية لمشروع الحداثة العربية.

 

إن قدر الحداثة العربية أن تحارب على جبهات متعددة. جبهة التراث الذي يمكن أن يتحول إلى عدوّ لدود إذا لم نُحسن التعامل معه ونتمكن من تجديده وعصرنته. وجبهة الحداثة الغربية التي لا مناص من التعامل مع ما هو إنساني فيها، والتصدّي - في نفس الوقت - لمشاريعها السياسية والاقتصادية والثقافية الغازية. وجبهة الواقع العربي حيث يُشكل النضال السياسي والفكري ضدّ الاستعمار والاستبداد والتخلف حجر الزاوية في بناء المشروع الحداثي العربي.

ولا يخامرنا أي شك في أنه من خلال تلاحم الجهود الفكرية والسياسية على هذه الجبهات الثلاث سنضع قدماً راسخة على طريقنا العربي إلى الحداثة رغم كل المحاولات التي تريد تفكيك ذاتنا القومية وطمس هويتنا الثقافية، وان الحداثة الغربية، مهما تعاظم بعدها الكوني، لا تعني "استسلام الخصوصيات الثقافية ولا ذوبانها، بل بالعكس فالتيارات الحضارية التي تعمّم نفسها من فوق بقوة السلاح أو بالتفوق في مجال الاتصال والإعلام تثير من ردود الفعل ومن المقاومة ما يعرقل النمو الطبيعي ويدفع إلى النكوص إلى مواقف خلفية للدفاع وحماية الذات وبالتالي إلى خلق كونية مضادة حقيقية أو موهومة"

نخلص مما سبق ذكره إلى أن الحداثة ضرورة ولكن ضمن بعد نهضوي عربي شامل وليس بشكل مقتطع ومبتور.

إنها حداثة تجيب على أسئلة العقل والوطن والخاص، وتستجيب لمتطلبات المقدس والهوية والعام. حداثة تلتقي في صعودها من مكمن الهوية بالعلم في تجانس تام مع أخلاقياتها ومقدسها وبعدها الإنساني باعتماد العقل الذي يقدس حدوده ولا يتجاوزها. هذا العمل يحتاج إلى تضافر جهود أبناء الأمة من مفكرين وعلماء ومربين ومؤسسات أهلية وأوسع قطاعات المثقفين والمتعلمين.

 

خلاصة القول أن العبور الناجح إلى المستقبل هو ذاك الذي يحقق التكامل بين الحداثة والهوية.

 

 

 

 

 

 

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg