• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     

د. يوسف كفروني مدير معهد العلوم الاجتماعية (الفرع الثالث) الجامعة اللبنانية

 

أدى زوال الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية إلى نهاية النظام الدولي الذي كان قائماً على الثنائية القطبية، وبرزت الولايات المتحدة قوة عظمى لا يجاريها ولا يداينها أية قوة أخرى، خاصة في المجال العسكري.

العدو الحقيقي للولايات المتحدة المتمثل بالاتحاد السوفييتي كان أساساً في رسم السياسة الاستراتيجية، لذلك أدى غيابه المفاجئ إلى إرباك صناع القرار والمحللين الاستراتيجيين الأمريكيين.

دخل العالم عصر القطب الواحد، فكيف يسلك هذا القطب؟ هل يسلك بشكل أحادي منفرد، أم يشرك الحلفاء؟ كيف يتعامل مع الاتفاقات والمؤسسات الدولية؟ كيف يستفيد من هذا الواقع الجديد لبسط هيمنته وتحقيق مصالحه؟ وما هي الطريقة لإدامة هذا العصر أطول فترة ممكنة؟

لم يكن وارداً إتباع سياسة انعزالية أو انكفائية ولم يكن هذا السلوك موجوداً في السياسة الأمريكية كما يتصور البعض، لأن أميركا منذ نشأتها قامت على أساس الغزو والاستيطان وطرد وإبادة السكان الأصليين، وعلى التوسع والهيمنة والسيطرة ابتداءً من المحيط الحيوي، القارة الأمريكية.

د. يوسف كفروني مدير معهد العلوم الاجتماعية (الفرع الثالث) الجامعة اللبنانية

 

أدى زوال الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية إلى نهاية النظام الدولي الذي كان قائماً على الثنائية القطبية، وبرزت الولايات المتحدة قوة عظمى لا يجاريها ولا يداينها أية قوة أخرى، خاصة في المجال العسكري.

العدو الحقيقي للولايات المتحدة المتمثل بالاتحاد السوفييتي كان أساساً في رسم السياسة الاستراتيجية، لذلك أدى غيابه المفاجئ إلى إرباك صناع القرار والمحللين الاستراتيجيين الأمريكيين.

دخل العالم عصر القطب الواحد، فكيف يسلك هذا القطب؟ هل يسلك بشكل أحادي منفرد، أم يشرك الحلفاء؟ كيف يتعامل مع الاتفاقات والمؤسسات الدولية؟ كيف يستفيد من هذا الواقع الجديد لبسط هيمنته وتحقيق مصالحه؟ وما هي الطريقة لإدامة هذا العصر أطول فترة ممكنة؟

لم يكن وارداً إتباع سياسة انعزالية أو انكفائية ولم يكن هذا السلوك موجوداً في السياسة الأمريكية كما يتصور البعض، لأن أميركا منذ نشأتها قامت على أساس الغزو والاستيطان وطرد وإبادة السكان الأصليين، وعلى التوسع والهيمنة والسيطرة ابتداءً من المحيط الحيوي، القارة الأمريكية.

المزيد......

لا يوجد خلاف بين صناع القرار على اختلاف المراحل وتنوع الأطياف، على الثوابت الأساسية في السياسة الخارجية وأبرزها: -

تثبيت الهيمنة والتفوق؟ ومنع أية قوة من مجاراة أميركا أو الاقتراب من مستواها. -

السياسة الخارجية في خدمة مصالح الشركات الكبرى والتجارة الخارجية. -

السيطرة على موارد النفط. -

الالتزام المطلق بأمن إسرائيل.

إن بروز أميركا كقوة عظمى وحيدة في العالم دفع إلى الواجهة الشعور بالعظمة والعنجهية والغطرسة، وأدى غياب العدو الحقيقي إلى اختراع عدو وهمي جديد لتنفيذ استراتيجية العصر الجديد.

بدأ التصرف الأحادي الجانب والمتفرد بشكل ناعم فور نهاية الحرب الباردة، مع بداية التسعينات، حيث استطاعت أميركا أن تقنع حلفاءها ودولاً أخرى بالاشتراك معها في حرب الخليج الثانية.

إن التصرف الذي يراعي الآخرين ويستند إلى المؤسسات الدولية يشكل إعاقة كبيرة بنظر المحافظين الجدد، يحدّ من الاندفاعة الأمريكية لفرض هيمنتها في اللحظة التاريخية المناسبة. لذلك كانوا يدفعون لاستخدام القوة بشكل أحادي دون أي اعتبار لأي طرف آخر والتنكر للاتفاقات والمؤسسات الدولية والقانون الدولي، وابتدعوا مصطلحات ومفاهيم سياسية جديدة لتتماشى برأيهم مع العصر الجديد.

ظهر التوجه الانفرادي قبل وصول بوش الابن إلى الرئاسة، وذلك برفض المعاهدات والاتفاقات الدولية: -

معاهدة أوتاوا المتعلقة بالألغام ضد الأفراد (1997). -

الاتفاقية الدولية المتعلقة بإنشاء محكمة الجزاء الدولية. -

بروتوكول كيوتو المتعلق بانبعاث غاز الكربون.

إن المشروع الأمريكي المعلن والمطبق مع الرئيس بوش الابن، هو من تصميم المحافظين الجدد.

فما هي طبيعة هذا المشروع واستهدافاته؟ وهل هو ردة فعل على أحداث 11 أيلول 2001 كما يشاع؟ أم هو تنفيذ لأجندة المحافظين السابقة ولا علاقة له بما يسمى الإرهاب؟

 

كيف استطاعت عصبة صغيرة من المحافظين الجدد أن تتوصل إلى رسم السياسة الخارجية لأعظم دولة؟ وما هي أهدافهم الحقيقية؟ وما هي آفاق هذا المشروع؟ وهل نجح أو فشل في بلوغ الأهداف المعلنة وغير المعلنة؟

العناصر الاستراتيجية للمشروع الأمريكي -

الحرب العالمية الرابعة ضد الإرهاب دون تحديد موضوعي للإرهاب والإرهابيين، والتحديد المفروض قبوله بهذا الخصوص هو التحديد الذي تعطيه الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. فما تراه إرهاباً هو الإرهاب، ومن تراهم إرهابيين هم الإرهابيون. حرب لا مكان ولا زمان لها، مكانها هو أية ساحة تفترضها أميركا، وزمانها مفتوح دون نهاية. -

الحرب الاستباقية، ضرب العدو مسبقاً قبل أن يقوم بأي عمل انطلاقاً من إمكانية التهديد الذي قد يمثله مستقبلاً. -

تغيير الأنظمة بالقوة كأفضل طريق لمحاربة الإرهاب. -

ادعاء نشر الديمقراطية (وعندما ينتخب الشعب الفلسطيني بطريقة ديمقراطية راقية وبأغلبية كبيرة حركة حماس، يحاصر الشعب الفلسطيني اقتصادياً ومالياً ويضغط على جميع الدول لمقاطعة حماس). -

محور الشر وساحته، الدول العربية والإسلامية، وان حشرت كوريا الشمالية في هذا المحور، فلا يبدو أن الموقف منها هو بذات الأهمية وبذات الموقف المتخذ ضد الدول العربية والإسلامية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط التي يعمل على تكبيرها ونزع هويتها لمصلحة إسرائيل. -

الخطاب الديني والثنائية المانوية.

هناك الأخيار وهناك الأشرار والناس يكرهوننا بدون أي سبب فقط لأنهم أشرار ويحسدوننا لأننا أخيار. وأما أن تكون مع الخير وإما أن تكون مع الشر، " و من ليس معنا فهو ضدنا " بوش.

يرى نعوم شومسكي أن غزو العراق هو الاختبار الأول للمبدأ الجديد لاستراتيجية الأمن القومي القائم على الضربات الاستباقية. " لقد أعلن عن غزو العراق في أيلول 2002 بالترافق مع الكشف عن استراتيجية إدارة بوش للأمن القومي، والتي أعلنت عن نية الولايات المتحدة السيطرة على العالم وتدمير أي تحد محتمل لهذه السيطرة ".(1)

هذه الاستراتيجية الإمبريالية الكبرى وضعها المحافظون الجدد وتبناها الرئيس بوش الابن بالكامل بعد أحداث 11 أيلول، ولقيت ترحيباً من هنري كيسنجر وزبيغنيوبريجنسكي اللذين اعترضا على الأسلوب والتطبيق وليس على المضمون.

وصفها هنري كيسنجر بأنها مبدأ ثوري مزق النظام الدولي، الذي أسس في وستفاليا في القرن السابع عشر، إضافة بالطبع إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الحديث، ويقول بريجنسكي إن الدور الأمني لأميركا، أي بكلام آخر سيطرتها العسكرية، يمنحها رافعة غير مباشرة ولكنها ذات أهمية سياسية مقابلة بالاقتصادات الأوروبية والآسيوية التي تعتمد بدورها على استيراد الطاقة.(2)

هذه الاستراتيجية، يصفها المحللون السياسيون بأنها استراتيجية إمبراطورية كبرى، وقد سبقت وصول بوش الابن إلى البيت الأبيض، ويرد البعض جذورها إلى نهاية الحرب العالمية الثانية أو حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

ترتبط الاستراتيجية المعلنة بفكر المحافظين الجدد، الذين برزوا مع رئاسة ريغان وظهروا بقوة بعد نهاية الحرب الباردة. وقد جرى توضيحها في عدد من النصوص الرسمية مثل خطاب بوش في كلية وست بوينت في حزيران 2002، واستراتيجية الأمن القومي في أيلول 2002، وعدة بيانات صادرة عن البنتاغون. وتقوم هذه الاستراتيجية على إيمان عميق بضرورة تأمين قوة عسكرية لا مثيل لها، التزام باستمرارية التفوق العسكري أطول مدة ممكنة، استغلال فوائد هذه القوة إلى الحد الأقصى عبر خطة تحرك شاملة. وهي في الأساس متفردة، معادية للتفاعل بين الدول ومتمايزة عن الجميع.(3)

يقول جيمس زغبي إن إدارة بوش الابن تبنت الدراسة التي أعدها المحافظون الجدد في أواخر التسعينات حول السياسة الخارجية والعسكرية للولايات المتحدة بعنوان " إعادة بناء الدفاعات الأمريكية الاستراتيجية والقوى والموارد للقرن الجديد" باعتبارها "استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة "، وأبرز ما يميز فكر المحافظين الجدد برأي زغبي هو اعتقادهم أن الولايات المتحدة يجب أن تمارس الهيمنة السياسية والعسكرية على عالم ما بعد الحرب الباردة، وهذا هو الذي دفعهم إلى المطالبة بانسحاب الولايات المتحدة من عدد من المعاهدات والمؤتمرات الدولية والدفع باتجاه حرب أحادية الجانب ضد العراق.(4)

يحدد غسان سلامة أهم نقاط هذه الاستراتيجية: أ‌-

الحفاظ أولاً على نظام القطب الأوحد، ويقتضي ذلك تأمين قوة عسكرية تجعل من غير المجدي السباق على التسلح الذي ساد الأزمنة الماضية. ب‌-

مراجعة دائمة للتهديدات انطلاقاً من المجهول المجهول.

ج- استبعاد الردع لمصلحة عمليات استباقية، أو حتى وقائية، كردة فعل طبيعية على استشعار أي تهديد.

د- مراجعة جذرية لمفهوم السيادة، عملاً من جهة على تبرير التدخل العسكري في أي مكان من العالم، ومن جهة أخرى على جعل الدول مسؤولة عن كل ما يجري على أرضها.

ه- مراجعة للمعايير الدولية بهدف خفض سقفها لمصلحة التدخل الوحيد الجانب.

و- اعتماد مبدأ أن المهمة هي التي تملي التحالفات وليس العكس.

ز- عدم اهتمام معلن بالاستقرار، وكره لحالة الأمر الواقع وبالتالي انجذاب غريب إلى الفوضى.(5)

في مقال للأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة السفير 2-10-2003 يذكر فيه " إن قادة الجيش (الأمريكي) طلبوا الاستيضاح عما إذا كان هناك استراتيجية عليا للحرب على العراق تبرر احتلال العراق عسكرياً. فأجاب على ذلك كارلوتشي وهو من المقربين لوزير الدفاع بقوله إن الذين يسألون عما إذا كان لدينا استراتيجية عليا، يصلح لهم أن يعرفوا أن لدينا استراتيجية عليا وأن هذه الحرب القادمة -الحرب على العراق- خطوة على طريقها، لدينا استراتيجية عليا في غاية البساطة. نحن نريد في المنطقة نظماً موالية لنا لا تقاوم إرادتنا، ثم أننا نريد ثروات هذه المنطقة بغير منازع، ونريد ضماناً نهائياً لأمن إسرائيل، لأنها الصديق الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه في هذه المنطقة... ولا بد من تغيير النظام في العراق بالسلاح، وبعده في إيران وسوريا، وبعدهما في السعودية ومصر.(6)

إن مشروع تفتيت المنطقة العربية على أسس دينية ومذهبية وإثنية (سنة، شيعة،موارنة، أقباط،أكراد،بربر.....)، تعود تفاصيله في الواقع إلى الخطة الصهيونية المنشورة في بداية الثمانينات من القرن الماضي. ومن الواضح أن المحافظين الجدد اليهود في غالبيتهم والليكوديين المتطرفين في سياساتهم وضعوا الاستراتيجية الصهيونية، لتكون النواة الأساسية الصلبة في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، واستطاعوا أن يجروا قوى أمريكية أساسية لتبنّي هذه الرؤية من خلال تقديمهم لكل طرف ما يرى أنه تحقيق لرؤيته ومصالحه.

نشرت مجلة الوطن العربي بتاريخ 5/12/2004 دراسة لجيمس مورا بعنوان، خطة الصقور لعهد بوش الثاني: بلقنة العالم العربي تبدأ بتقسيم العراق.

تؤكد هذه الدراسة على ضرورة متابعة الحرب وإعادة ترتيب المنطقة والتخلص من ارث حدود الإمبراطورية العثمانية واتفاقية سايكس بيكو، وقد كشف المحافظون الجدد عن تصميمهم على مشروعهم الذي يتحدث عن إعادة ترتيب المنطقة الذي يعني عملياً تقسيمها إلى دويلات طائفية وعرقية. وقد تجسد هذا التصميم في إعداد ما يسمى بمؤتمر الأمريكيين الشرق أوسطيين للحرية والديمقراطية، بتنظيم وإشراف المحافظين الجدد، في 1 تشرين الأول 2004 في فندق بارك ماريوت في واشنطن. وقد ضم المؤتمر مئات الأمريكيين العرب الذين كانوا عبارة عن تجمع من يدعون تمثيل الاقليات الدينية والمذهبية والإثنية في العالم العربي، من مسيحيي العراق إلى موارنة لبنان مروراً ببربر الجزائر وصولاً إلى جنوب السودان، وتضمن المؤتمر أيضاً تنظيمات معارضة تعيش في أميركا.(7)

المحافظون الجدد

 

لا يمكن فهم حقيقة المشروع الأمريكي بدون فهم المحافظين الجدد وخلفيتهم الثقافية والسياسية.

يقول ستيفان هالبر وجوناثان كلارك: " إذا أراد المرء أن يفهم اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية عليه أن يقرأ ما كان يكتبه المحافظون الجدد قبل عشر سنوات أو أكثر" (8).

المحافظون الجدد هم مجموعة من الكتاب والباحثين والأساتذة الجامعيين والعاملين في معاهد الأبحاث الأساسية التي يلجأ إليها المسؤولون السياسيون وصناع القرار، وقد جرى تعيين بعضهم في مناصب في الإدارة في عهد ريغان، وبدت قوتهم الكبيرة في عهد بوش الابن حيث احتلوا العديد من المواقع في الإدارة. أنهم في غالبيتهم من اليهود الصهاينة المتطرفين. تتلمذ الجيل الأول على يد ليوشتراوس فيلسوف يهودي من أصل ألماني متأثر بالفكر الأفلاطوني وبالفكر الديني اليهودي. انتقلوا من التروتسكية إلى الديمقراطية الليبرالية حيث كانوا يستظلون السيناتور الديمقراطي الأصل هنري جاكسون المعروف بوجهات نظره المتطرفة في السياسة الخارجية، وعملوا مع بنيامين نتنياهو على أحداث تحول في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس ريغان باتجاه التصدي لما يسمونه "الإرهاب" الذي يرعاه السوفييت.(9)

ثم تحولوا من الاتجاه الليبرالي إلى الاتجاه الجمهوري، وعبروا عن آرائهم وأفكارهم في العديد من الكتب والمجلات والتقارير واستظلوا في الفترة الأخيرة ديك تشيني ورامسفيلد، وأصبحوا في عهد بوش الابن أساس السياسة الخارجية. الفاعلون الأساسيون في هذه الحركة، تجمعهم ارتباطات متشابكة(زواج-عمل-زمالة-جيرة.....) تثير العديد من التساؤلات. ومن التهم الشائعة أنهم مجموعة محصورة وعصبة سرية، وهم حساسون جداً لهذا الوصف، بحيث يهبون بعنف للتصدي له. مما يؤكد عند الكثيرين صحة الاتهامات والنظر إليهم كعصبة تتكتم على أهدافها الحقيقية.(10)

يجتمعون حول ثلاث موضوعات أساسية: 1-

إيمان نابع من اعتقاد ديني بأن الوضع الإنساني يعرّف بأنه اختيار بين الخير والشر، وأن المقياس الحقيقي للشخصية السياسية يوجد في استعداد الخيّرين لمواجهة الأشرار. 2-

 

توكيد بأن المحدد الجوهري للعلاقة بين الدول هو القوة العسكرية، والرغبة في استخدامها بمثابة الخيار الأول في السياسة الخارجية. 3-

 

تركيز أساسي على الشرق الأوسط والإسلام العالمي، باعتبارهما يمثلان التهديد الرئيسي للمصالح الأمريكية في الخارج.(11)

 

تعيين بودهورتز رئيس تحرير مجلة كومنتري سنة 1959، أثرّ على اتجاه المجلة الفكري التي أصبحت إحدى المنابر الرائدة للمحافظين الجدد، وبعد 6 سنوات جرى تأسيس مجلة أخرى من قبل المحافظين الجدد، مجلة " ببلك انترست " بغية توفير المعلومات الضرورية، من أجل قرارات السياسة العامة. وكانت نسبة المحافظين الجدد مرتفعة بين أوساط المفكرين والباحثين والأساتذة الجامعيين.

عندما تولى نيكسون السلطة أوصى حكومته أن تقرأ مقالة كتبها مؤخراً بيتر دروكر، ونشرت في ببلك إنترست وعندما تولى ريغان السلطة عين جين كيركباتريك في منصب مندوب الولايات المتحدة الدائم لدى الأمم المتحدة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى مقالة نشرتها في كومنتري.

وخلال عقد من الزمن تحولت كومنتري من دورية فكرية لمقاطعة نيويورك إلى دورية يقرأها الرؤساء ومستشاروهم المباشرون ويناقشونها، وإلى جانب كومنتري ببلك إنترست، أسس المحافظون الجدد روابط مع مجلات متعددة. وقد لعبوا دوراً أساسياً في توسع المؤسسات الاستشارية قي السياسات الخارجية، وصار أصحاب المناصب والمرشحون يصغون إليهم.(12)

لديهم شبكة من المعاهد والمؤسسات الدراسية والبحثية المترابطة والمدعومة من عدد من المؤسسات المالية ؟

أميركان انتربرايز انستيتوت، مؤسسة التراث،المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، مركز السياسة الأمنية، معهد هدسون ومشروع القرن الأمريكي الجديد هي عناصر مهمة في ائتلاف المفكرين المحافظين الجدد والمسؤولين الحكوميين السابقين والمستشارين السياسيين وشخصيات وسائل الإعلام والشخصيات المحافظة الرئيسية، كانوا يتحدثون في جلسات الاستماع في الكونغرس، وينشرون المقالات بانتظام في الصحف الكبرى ويصدرون سيلاً من الكتب.

أبرز المؤسسات المالية التي تمول هذه المؤسسات هي: مؤسسة ليند وهاري براولي ومؤسسة كاسل روك، وهناك تداخل كبير بين المانحين وأعضاء المؤسسات الاستشارية الكبيرة والمستويات الكبيرة في إدارة بوش الابن.(13)

ذكر جورج بوش جمهوراً من الباحثين في معهد أميركان انتربرايز انستيتوت في شباط 2003 كيف أنهم يقومون بعمل جيد بحيث أن " إدارتي استعارات عشرين من هذه العقول"(14)

يعمل ريتشارد بيرل بمثابة همزة وصل بين المؤسسات الاستشارية ومعاهد الأبحاث والمنظمات الأخرى للمحافظين الجدد، وكان يوصف في أوقات أنه أكثر المحافظين الجدد نفوذاً، وقد اكتسب في عهد ريغان لقب أمير الظلام، كما أنه عضو في المجلس الاستشاري للمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، جنسا، الذي يعمل على تعزيز الصلات بين المسؤولين الإسرائيليين والجنرالات والادميرالات الأمريكيين المتعاقدين الذين يحتفظون بنفوذ في واشنطن.(15)

ومن أبرز المحافظين الجدد:

لويسليبي، تسلم مدير مكتب نائب الرئيس الأمريكي.

اليوت آبرامز، المستشار الخاص للرئيس.

بول وولفوتز، تسلم نائب وزير الدفاع وثم رئاسة البنك الدولي. ريتشارد بيرل، تسلم رئاسة مجلس السياسة الدفاعية. اليوت كوهين، في مجلس السياسة الدفاعية. جون بولتون، في الهيئة الإستشارية الحكومية ومن ثم مندوباً في الأمم المتحدة. ديفيد ورمسر، في الهيئة الإستشارية الدفاعية. دونالد كاغان، برنارد لويس، آرون فريد بيرغ، جيمس ويلسون أساتذة جامعيون.

وليام كريستول ابن ايرفينغ كريستول محرر مجلة ويكلي ستاندرد، جيمس ولزي مدير وكالة المخابرت المركزية الأسبق. دوغلاس فيث عمل مستشاراً لبيرل.

ماكس بوت، في مجلس العلاقات الخارجية. ميراف ورمسر ونورمان بود هورتز في معهد هدسون كل أعضاء مشروع القرن الأمريكي الجديد.

معظم الباحثين في الدراسات السياسة والدفاعية في معهد أميركان أنتربرايز انستيتوت.(16)

العلاقة الطيبة مع الرئيس رونالد ريغان الذي عين بعضهم في مناصب مهمة، ساعدت في تمهيد الطريق لقيام تحالف بين المحافظين الجدد والإنجيليين المسيحيين المتشددين المعروفين بالمسيحيين الصهاينة والمؤيدين بشكل متطرف للكيان الصهيوني. (17)

وبالتحالف مع إمبراطور الإعلام روبرت مردوخ الذي يشاطرهم الإنتماء الديني والسياسي ذاته، استطاع المحافظون الجدد أن ينشروا أفكارهم وأرائهم بشكل كبير، واستطاعوا أن يمارسوا خداعهم الذي يشكل قاعدة أساسية في سلوكهم، وهكذا قادوا الرأي العام بالخداع والأكاذيب حتى يوافق على الحرب على العراق.

بمساعدة مالية من مردوخ صار صوت المحافظين الجدد من الجيل الجديد مسموعاً في المجلات والصحف وشبكات الأخبار التلفزيونية، فقد نمت إمبراطورية مردوخ في التسعينات لتشمل شبكة فوكس الإذاعية، ومحطات تلفزيون فوكس (تتألف من أكثر من عشرين محطة تلفزيونية أمريكية، تشمل تغطيتها 45% من الأسر الأمريكية )، وقناة فوكس نيوز وحصة كبرى في شبكات كبلية أمريكية وعالمية بما فيها تلفيزيون سكاي وتلفزيون ستار وDirect V، وحصصاً كبرى في قناة ناشونال جيوغرافيك وفوكس كيدز وورلد وايد وقناة فوكس فاميلي، وأكثر من 130 صحيفة، ونحو خمس وعشرين مجلة وشركات نشر.(18)

كشفت البيانات في الفترة المؤدية إلى الحرب وأثناءها وبعدها عن وجود عدد من المعتقدات الخاطئة، التي لعبت دوراً حيوياً في دعم قرار الذهاب إلى الحرب والمحافظة على هذا الدعم لدى قسم كبير من الجمهور الأمريكي.

على سبيل المثال اعتقد عدد كبير من جمهور الناخبين أن العراق متورط بصورة مباشرة في هجمات 11 أيلول وأن ثمة علاقة تربط بين العراق والقاعدة، وأنه عثر على أسلحة دمار شامل في العراق بعد الحرب وأن الرأي العالمي موافق عامة على ذهاب أميركا إلى الحرب.

لقد تمكن المحافظون الجدد من التأثير على القرار لصالح الحرب مع العراق في دوائر صنع القرار وعلى المستوى الشعبي عبر التأثير الإعلامي بواسطة الأكاذيب والأضاليل المعتمدة.

كان لديهم أجندة خاصة موجودة ومعدة مسبقاً، فربطوا هذه الأجندة بأحداث 11 أيلول ليتمكنوا من تنفيذها عن طريق قيادة الجمهور الأمريكي إلى حالة الخوف والجهل.(19)

في 13 أيلول 2001 قال وولفوتز إن على الولايات المتحدة ألا تهاجم أفغانستان بل صدام حسين، رغم عدم وجود أي دليل يربط بين صدام حسين والهجمات. وفيما بدت الحرب نتيجة حتمية في أوائل سنة 2003 أصبح المحافظون الجدد أكثر صراحة بشأن أهدافهم، فكتب كابلان وكريستول أن الاستراتيجية تتجاوز العراق بشكل جلي بل إنها تفوق مستقبل الشرق الأوسط إنها تمثل الدور الذي تعتزم الولايات المتحدة أن تلعبه في القرن الحادي والعشرين. أصبح العراق الآن الحلبة التي تثبت المعتقدات الحاسمة لمذهب المحافظين الجدد: الاستباق العسكري، تغيير الأنظمة، تصدير الديمقراطية: رؤية القوة الأمريكية المنشغلة على كافة الجبهات وغير الاعتذارية البتة.(20)

نتائج المشروع الأمريكي

يقول غسان سلامة: "إن المنحى النيوإمبراطوري لم يحظ يوماً بالإجماع، وتوجه إليه انتقادات من جهات مختلفة: -

المحافظون التقليديون -

الخبراء الواقعيون المعروفون بحماسهم الشديد لموقع الولايات المتحدة القوي ولكنهم مرتعبون من كلفة هذه الاستراتيجية ومن طموحها الواسع -

من الذين تجمعهم مقاربة تدعى الواقعية الجديدة. -

فئة المؤسساتيين الذين يندرج بينهم جوزف ناي (مؤلف كتاب القوة الناعمة التي تعتمد على اقناع الآخرين أن يريدوا ما تريد). (21)

يشير المؤلفان ستيفان هالبر وجوناثان كلارك إلى التغير الذي طال الأمريكيين بعد 11 أيلول كشعب وكمجتمع، وإلى التغير في علاقات أميركا بالعالم الأوسع، حيث تحولت موجة التعاطف العفوية غير المتحفظة في أعقاب 11 أيلول إلى موجة عداء لأميركا.

والتغيير كان أكثر دقة ووضوحاً على الجبهة السياسية فقبل عقد من الزمن كانت واشنطن تتباهى بأن السياسة الأمريكية حسنة تجاه أميركا اللاتينية.

تشديد السيطرة المركزية في تحد للميول التي تقوم عليها القيم السياسية الأمريكية (تضييق الحريات).

التغير الأعظم هو التغير النفسي. حالتنا كأمريكيين هي الحرب، حرب ليست لها أبعاد، حرب لا يوجد تعريف لما يشكل النصر فيها، وبالتالي لا توجد نهاية منظورة لها. فرغم الاستخدام الكثيف للقوة النيرانية الأمريكية في الخارج وتخصيص موارد هائلة للأمن الداخلي، لا يشعر الأمريكيون بذرة إضافية من الأمان. بل على العكس، إذ تظهر استطلاعات الرأي المتكررة أن الأمريكيين يشعرون بأنهم مهددون شخصياً أكثر من أي وقت في تاريخهم. (22)

يقول إيمانويل تود: " التحول الأمريكي اللاديمقراطي في السياسة الخارجية واكبه تحول لا ديمقراطي في سياسة الولايات المتحدة الداخلية، طال بقسوة حقوق الإنسان في ما خص الأجانب وتحديداً العرب والمسلمين، كما طال المواطنين الأمريكيين كافة، مع استمرار سياسة التفريق العنصري ضد السود والهنود ". (23)

لقد أدت سياسة المحافظين الجدد إلى فشل كبير، فهي لم تحقق أي من النتائج المعلنة بل على العكس من ذلك أدت إلى عكس ما أعلنت عنه.

فهل تشكل النتائج العكسية بعض الأهداف الحقيقية غير المعلنة للمحافظين الجدد. وهل يمكنهم الاستمرار في مواقعهم وفي تأثيرهم على صنع السياسة الخارجية.

يقول نعوم تشومسكي: " أفضل ما سمعته من تفسير لفشل الاحتلال، جاء من أحد كبار مسؤولي واحدة من أكبر مؤسسات الإغاثة في العالم، فهو اعتبر بعد بضعة أشهر قضاها محبطاً في بغداد، أنه لم ير مثل هذا الخليط من العنجهية والجهل والعجز، وهو لم يكن يتحدث عن العسكريين بل عن المدنيين الذين يديرون البنتاغون. فهم نجحوا في تحويل الولايات المتحدة إلى أكثر بلد في العالم استثارة للرعب والكراهية..(24)

في كتاب المرشح السابق لانتخابات الرئاسة الأمريكية بات بيوكانن بعنوان " أين أخطأ اليمين "، يحذر فيه من المصير الذي آلت إليه الإمبراطوريات الكبرى في العالم، وكيف إنها انهارت بسبب الإفراط في شن الحروب الخارجية، ويتهم في كتابه مجموعة المحافظين الجدد بأنهم اختطفوا السياسة الخارجية في عهد الرئيس بوش الابن، وغيروا أفكاره من انتقاده لفكرة أن تلعب الولايات المتحدة دور الشرطي في العالم، إلى إتباع سياسة شن الحروب الاستباقية الاجهاضية لدعم إسرائيل، ومن أجل نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي وإعادة تشكيلهما، وهو أمر سيصل بالولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى الدخول في صراع لا نهاية له وحرب تلو الأخرى لفرض الديمقراطية العلمانية والثورة الاجتماعية على العالم الإسلامي. وقد خلص بيوكانن إلى أن إيديولوجية المحافظين الجدد تنطلق من مبدأ أساسي وهو تطابق مصالح أميركا مع إسرائيل، وبالتالي فهم يدفعون الولايات المتحدة إلى محاربة أعداء إسرائيل ولذلك دفعوا أميركا إلى شن حرب على العراق، والتي كانت حسب رأيه أكبر خطأ استراتيجي أمريكي خلال أربعين عام، واستخدموا لتبرير تلك الحرب مقولة أنها حرب على الإرهاب بينما هي حرب للسيطرة على الشرق الأوسط، وهي سيطرة لن تقدم حلاً لمشكلة الإرهاب بل كانت وستكون سبباً للإرهاب.(25)

إن أصوات المنتقدين لسياسة بوش تتزايد باستمرار وشعبية الأخير تنحدر إلى أدنى مستوياتها، وقد وصل الأمر إلى مطالبة عدد من الجنرالات باستقالة رامسفيلد.

يقول باتريك سيل: " إن حرب العراق أثبتت إفلاس نظرية المحافظين الجدد، فهي بدلاً من أن تدعم مواقف بوش كما كان يأمل مستشاره كارل روف، أدت إلى انهيار كارثي لنسبة مؤيديه حيث بلغت 38% فقط وبدلاً من أن يجعل من العراق بلداً عميلاً أو بديلاً للسعودية، أثارت الحرب موجة من العواطف المعادية لأميركا لدى العرب والمسلمين وفي العديد من دول العالم. وبدلاً من إلحاق الهزيمة بالإرهاب، تحول العراق إلى مرتع واسع لتوليد الإرهابيين، وأخيراً فلقد برهنت الحرب على أن قدرات أميركا الحربية لها حدود وليست غير قابلة للقهر. وأما خيال المحافظين الجدد الذين دفعهم الاعتقاد بأن دمقرطة الشرق الأوسط بالقوة تتفق والمصالح الأمريكية والإسرائيلية، فقد آلت الحرب إلى خلق منطقة يسودها عنف لا سابق له وفوضى ونزاع طائفي يهددان بالانتشار، والانتقال من ساحة الحرب العراقية إلى حدود إسرائيل نفسها.(26)

في تعليق للأستاذ جهاد الخازن على فشل الحرب الأمريكية يقول: " إدارة بوش لن تهزم عسكرياً في العراق، إلا أنها تتجه إلى خسارة الحرب على الجبهة الداخلية، وهي خسارة لا بد من أن تتبعها خسارة عسكرية، بمعنى أن يرغم الشعب الأمريكي حكومته على سحب قواتها من العراق.

في نيسان 2003 قال 27 % من الأمريكيين أن الحرب على العراق لا تستحق عناء خوضها، وبعد ثلاث سنوات ارتفع عدد هؤلاء إلى 58 %، وبعد أن كانت شعبية جورج بوش قياسية في أعقاب إرهاب 11-9-2001. وبعد أن حافظ على شعبيته عشية الحرب على العراق وبعدها مباشرة، فإن شعبيته الآن تسجل رقماً قياسياً معكوساً، أي في الهبوط، فهي لا تتجاوز 38 % مع استطلاعات تجعلها 34 % "(27).

 

يجب ألا نستعجل في التفاؤل، فالحرب المعلنة ضدنا وضد العالم لا تزال في بدايتها ولا تزال استراتيجية المحافظين الجدد فاعلة في السياسة الأمريكية وهي تستلزم مقاومة استراتيجية فكرية وسياسية قبل العسكرية وتضافر جهود واسعة تطال معظم شعوب العالم بما فيها الشعب الأمريكي. لأن استراتيجية المحافظين الجدد تقود أميركا والعالم إلى كارثة رهيبة قد تقضي فيها على كل المنجزات الثقافية والحضارية للبشرية جمعاء وتهدد العالم بالفناء.

إن سياسة المحافظين الجدد تقوم على فلسفة عنصرية نخبوية تجد جذورها في الفكر الديني اليهودي، التوراتي والتلمودي، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون أصحاب هذا التيار من المؤمنين المتدينين. وهذه الفلسفة تدعي الفضيلة الأخلاقية وتمارس عكسها لأنها تبرر لنفسها فعل أي شيء، ويشكل الكذب والخداع مبدأ أساسيا لديهم.

إن قراءة نتائج المشروع الأمريكي كما تظهر في حرب أفغانستان والعراق على ضوء المنطق التقليدي والمصالح الأمريكية، تظهر الفشل الكبير لهذا المشروع.

أما القراءة على ضوء الخلفية العنصرية لفلسفة المحافظين الجدد الذين يتسترون على حقيقة أهدافهم، فتبين أنهم نجحوا بشكل كبير.

لقد نجحوا في تقسيم العراق ونشر الفوضى والدمار فيه ونجحوا في خلق وضع يهدد بحرب أهلية مذهبية قد تنتشر في المنطقة كلها. وردوا العراق مئات السنين إلى الوراء لقد نجحوا في تدمير مفهوم الدولة ومفهوم السيادة ومفهوم المواطنة بنسبة كبيرة باتجاه الارتداد إلى الهويات الدينية والمذهبية والاثنية.

وفي حربهم الدائمة على ما يسمونه الإرهاب الإسلامي ودعمهم المطلق للتطرف الصهيوني ووصم أي حركة نضالية ومقاومة بأنها إرهابية. إنهم بذلك يساهمون في رفع درجات العنف في المنطقة العربية وتقوية الاتجاهات الأصولية المتطرفة ويخلقون أجواء في المجتمعات الأوروبية خطيرة جداً وتنذر بالارتداد إلى العصبيات الدينية بعدما جرى تجاوزها منذ زمن بعيد.

إنهم يستمرون في الضغط من خلال سيطرتهم على السياسة الخارجية الأمريكية ضد إيران وسورية والدول العربية.

قد تتردد أميركا بعد الفشل في العراق وتدني شعبية بوش عن القيام بحرب ضد إيران أو بضربات جوية تخشى عواقبها، غير أن لا شيء يمنع من القيام بمغامرات مجنونة مدفوعة من قبل عصبة شريرة تدفع برئيس القوة العظمى المهيمنة على ارتكاب الحماقة تلو الأخرى طالما أن هذا الرئيس ليس مستعداً لسماع صوت العقل ولا لصوت الشعب طالما أنه يعتقد بتلقي الأوامر مباشرة من الله.

نحن لسنا أمام ظاهرة إمبراطورية بالمعنى التقليدي، فالإمبراطوريات التاريخية رغم مظاهر الاستبداد وإخضاع الشعوب بالقوة كانت تحمل رسالات أخلاقية وتعمل على إدخال الشعوب في حيز معدوديتها أو مواطنيتها.

أما سلوك أصحاب المشروع الإمبريالي الجديد فيدل على سقوط أخلاقي مريع علاماته أكثر أن تحصى والمسؤولون عنها ليسوا جنوداً أو ضباطاً منحرفين بل هم المسؤولون في أعلى الهرم.

إن الفوضى الخلاقة تعني تدمير ما هو قائم لخلق شيء أفضل مكانه وفي حقيقة الأمر فإن ما يجري هو تدمير فوضوي أو فوضى تدميرية تطال الحضارة والتراث والقيم وتدمر العلاقات الإنسانية ضمن المجتمع وبين المجتمعات لتقيم أشكالاً من العلاقات البربرية والهمجية.

هل صحيح أنها رسالة نشر الديمقراطية التي تقوم على مفهوم المواطنية فيما يجري العمل حثيثاً على إيقاظ الغرائز والعصبيات المذهبية المدمرة لمفهوم المواطن والمجتمع والدولة؟

 

هل تنشر الديمقراطية دولة تنفق على ميزانية التسلح ما يقارب الـ 500 مليار دولار أكثر من مجموعة الدول الكبرى مجتمعة فيما تخصص بضعة ملايين من الدولارات لنشر الديمقراطية على جماعات مشبوهة وبطرق مشبوهة؟

إن أساليب الخداع والكذب والغش والتضليل التي يتبعها المحافظون الجدد لا يمكن أن تكون أداة لنشر الديمقراطية ولتعزيز الحريات وحقوق الإنسان.

إنهم فعلاً عصبة تسللت إلى مواقع القرار واختطفت السياسة الخارجية بالحيلة والخداع.

إنهم فئة غير منتخبة وبالتالي فهم لا يمثلون الشعب ولا مصالحه، وهم يقنعون كل طرف بأنهم يعملون حسب رؤيته ومصلحته.

سياستهم في الشرق الأوسط هي سياسة تدميرية لا تريد الاستقرار. إنهم كانوا يدركون ماذا يفعلون ولم يقعوا في أخطاء تكتيكية. ليس صحيحاً أنهم كانوا يريدون تحقيق الديمقراطية والاستقرار وخلق عراق ديمقراطي يكون نموذجاً للآخرين..

نجد مفهوم النخبة والمجتمع المغلق في فلسفة أفلاطون المتجسدة في الفكر اليهودي كما نجدها في المسيحية الصهيونية التي تشكل ارتداد كاملاً عن الفكر المسيحي النقيض للفكر اليهودي والمؤسس لفكرة المجتمع الإنساني المفتوح والقيم الإنسانية المنفتحة.

إنهم يقدمون فلسفتهم بوقاحة كبيرة، ناقضين كل الاتفاقات والمواثيق الدولية والمؤسسات الدولية والقانون الدولي التي تشكل إنجازاً حضارياً وأخلاقياً رغم القصور الذي يعتور تطبيقها أحياناً.

لقد استفاد المحافظون الجدد للوصول إلى موقعهم في صياغة الاستراتيجية الأمريكية نتيجة حصول فراغين: -

الفراغ الذي حصل في النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. -

الفراغ الناتج عن جهل الرئيس فكرياً وسياسياً والمؤمن بأساطير وخرافات دينية لا يصدقها عقل طفل.

 

كل الاحتمالات مفتوحة أمام عقلية الغطرسة والجنون المتحكمة بأعظم قوة ظهرت في تاريخ البشرية.غير أن إدراك بعض القوى السياسية الأمريكية لخطورة هذه السياسة والوقوف ضدها هو مما يبشر بالخير. وكذلك تلمس الأمريكيين الذين يدفعون غالياً كلفة هذه المشاريع المجنونة مالاً ودماً، بدأ يكشف نسبياً بعض حقائق هذه العصبة.

لكن الحرب معهم لا تزال طويلة وخطرهم لا يزال جاثماً طالما أنهم في مواقع النفوذ السياسي والإعلامي والثقافي.

الهوامش 1-

نعوم شومسكي، من يدير العالم- مجلة مدارات غربية بيروت العدد(2) تموز-آب 2004 ص10. 2-

س. 3-

غسان سلامة، أميركا والعالم، دار النهار، بيروت 2005 ص89. 4-

جيمس زغبي، جريدة القبس- الكويت- 30-6-2003. 5-

غسان سلامة- م.س. ص 91-95. 6-

حسنين هيكل، جريدة السفير، بيروت، 2-10-2003، مصطفى أمين، مجلة الطريق الأشهر 9-10-11-12 2003. 7-

جيمس مورا مجلة الوطن العربي 10-12-2004. 8-

ستيفا هالبر وجوناثان كلارك، التفرد الأمريكي- المحافظون الجدد والنظام العالمي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان 2005، ترجمة عمر الأيوبي ص146. 9-

جيمس زغبي- القبس- الكويت 30-6-2003.

 

10-ستيفان هالبر وجوناثان كلارك م.س. ص24.

 

11- م.س. ص20.

 

12- م.س. ص65-67.

 

13- م.س. ص138و 144.

 

14- م.س. ص139.

 

15- م.س. ص140.

 

16- م.س. ص140-144.

 

17- م.س. ص 94.

 

18- م.س. ص 242.

 

19- م.س. ص250.

 

20- م.س. ص 266.

 

21- غسان سلامة م.س. ص100.

 

22- ستيفان هالبر وجوناثان كلارك م.س. ص 8-10.

 

23- ايمانويل تود، ما بعد الإمبراطورية، دار الساقي طبعة ثانية بيروت لبنان 2004 ص19

 

24- نعوم شومسكي م.س. ص9.

 

25- ندوة في مركز الحوار العربي بواشنطن، جريدة اللواء 1-3-2006.

 

26- باتريك سيل، جريدة الحياة 6-10-2005.

 

27- جهاد الخازن، جريدة الحياة، 20-4-2006.

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg