• أناشيد وأغاني وطنية

    أناشيد و أغاني وطنية

     

     

  • حزب البعث العربي الاشتراكي سنوات النشوء و التأسيس

    حزب البعث العربي الاشتراكي

    القيادة القومية سنوات التأسيس

     

  • أفلام وثائقية

    أفلام وثائقية

     

     


   عبد الفتاح الكحولي
عضو المكتب السياسي لحزب الثوابت - تونس

مدخل                                                                                 
تحل الذكرى الثامنة والستون لتأسيس حزب البعث في سياق سياسي وفكري تطبعه الفوضى المفاهيمية، وشدة التنافر بين الاسم والمسمى، وشرود اللغة عن منابتها المرجعية، حتى تحولت من أداة تواصل إلى أداة تنابذ.
ولاشك أن هذه التشوهات العميقة ستلقي بظلالها على المجال السياسي العربي إجمالاً، وعلى كل حزب فاعل في هذا المجال، وهو ما يستوجب انخراط حزب البعث في النقاش العام الدائر حالياً حول تحديات المرحلة، وسبل مواجهتها، لأن الأزمات العميقة، خاصة تلك التي تطال الوعي، لا يمكن التعامل معها بعقلية التجاهل، أو التناول السطحي.                                                                                 
لقد تأسس البعث منذ بدايته حزباً، يمتلك فضيلة الجرأة في مواجهة التحديات التي عاصرت نشأته برؤية عميقة وعقل سياسي، يميل إلى الفعل والانجاز، وكي يظل حاملاً لفضيلة النشأة نفسها وجب أن يواجه تحديات المرحلة الحالية. هذه العملية تفرض على المقاوم الأول عدم الانجرار وراء الشعارات البراقة المتداولة حالياً من قبيل المراجعة، لأن المراجعة قد تعصف بالهوية السياسية، وتقتلع جذورها من الأساس، لذلك سنحاول في هذه الورقة الإجابة عن أسئلة مهمة بحسبانها بوابة ولوج عملية تجديدية للحزب، لا تقطع مع هويته الأصلية، ولا تحيله في الوقت نفسه إلى مجرد مجد، مضى عبر تكريس آليات الجمود والتكلس وإخراجه من حرارة التاريخ الحي.                                                                          
إن تجدد الأحزاب يمر عبر تحديد الثابت والمتحول فيها، وتعميق النظر في متغيرات المرحلة وفي الفتوحات الفكرية والمعرفية التي تشهدها الإنسانية في سياقها التاريخي الراهن من أجل مدّ الكيان بأسباب البقاء والفعل، ومن ثم بيان الصورة التي يمكن أن يكون عليها الحزب.
1): الثابت والمتحول
إن التمييز الذي اقترحه المفكر المغربي "عبد الإله بلقزيز" في كتابه "من العروبة إلى العروبة" يبدو تمييزاً منتجاً على صعيد توضيح بعض الالتباسات التي طالت العقل السياسي العربي في دورة التاريخ الحالية.                                                     
يميز عبد الإله بلقزيز بين الفكر القومي وفكرة العروبة، فالفكر القومي هو كل ما أنتجه المفكرون القوميون للدفاع عن فكرة الوحدة، وهو إنتاج خاضع للشروط المعرفية والتاريخية التي نشأ فيها. أما فكرة العروبة فهي مشروع تاريخي أكبر من كل ما أنتجه المفكرون. إنها مشروع الأمة في تحقيق نهوضها وتقدمها، كما كانت فكرة الحداثة مشروع المجتمعات الغربية في تجاوز الانحطاط وبلوغ التقدم، وكما كانت فكرة " الجامعة الإسلامية " مشروعاً آخر يهدف إلى توحيد كلمة المسلمين .                                                          
إن هذا التمييز يسمح بتخليص فكرة العروبة من أعباء الأفكار التي تجاوزها الزمن، إما بفعل التبدلات التاريخية، أو بفعل التطور المعرفي الذي عرفته البشرية. إذ إن المفكرين ينتجون أفكارهم تحت إكراهات "الفضاء الأبستيمي" السائد آنذاك وتحت وطأة محاور السجال السياسي المهيمنة في ذلك العصر، وهي إكراهات قابلة للتجاوز التاريخي ما يجعل كل ما كتب ارتباطاً بها قابلاً أيضاً للتجاوز.                                                           
مقابل إمكانية تجاوز الإنتاج الفكري للمفكرين والمنظرين فإن مشروع الأمة يظل قائماً، وتنتدب له في كل لحظة وسائل لتحقيقه، تستجيب للمتغيرات الناشئة على صعيد الفكر، أو على صعيد تبدل المناخ الدولي والإقليمي وطبيعة الصراعات الإيديولوجية السائدة في كل مرحلة. إن مشروع الأمة في الوحدة والتقدم والمساهمة الحضارية في التاريخ الإنساني العام هو الثابت بالنسبة إلى حزب قومي عربي، أما المتغير فهو جملة الرؤى التاريخية المرتبطة بظرف محدد تذهب مع ذهابه. هذا الثابت غير قابل للمراجعة، لأنه منغرس في عقل الأمة ووجدانها، ولم يكن نتاج تأمل نظري مجرد، يقوم به المفكرون، ونعرض في هذا المقام مثالين، يوضحان الفكرة، المثال الأول هو قيام الوحدتين الإيطالية والألمانية كان على أساس القوة العسكرية الحاسمة لمقاطعة، ضمت سائر المقاطعات، وهو شكل يملك مسوغاته التاريخية في ذلك العصر، ألمثال الثاني هو الوحدة الأوروبية في القرن العشرين، فقد قامت على أساس الاستفتاء والعمل المؤسسي، فإذا كانت فكرة الوحدة مشروعاً تاريخياً، فإن أشكال تحققها تخضع لمقتضيات الزمن المتبدل.                                                                                   
إن ما يتم تسويقه الآن حول ذهاب ريح العروبة على خلفية ما طال التجارب القومية العربية من أخطاء وتقصير وعلى أساس تجاوز الكثير مما أنتجه المفكرون العروبيون ما هو إلا نتيجة للخلط المتعمد بين الثابت والمتحول، لذلك تقتضي أية عملية نقدية للحزب تثبيت الثابت عبر وضعه في سياقه الراهن، وليس عبر الدعوة إلى تركه والتخلص منه فالحزب يظل حزباً مؤمناً بفكرة العروبة، وفاعلاً رئيساً في مشروع وحدة الأمة وتقدمها، وتركيز النظر يجب أن يتجه إلى دراسة المتغيرات بعمق، حتى يبقى المشروع في قلب الحياة، وهذا جوهر العملية الإبداعية المنتظرة، أما التخلص من الثابت بدعوة التجديد فلا يمثل سوى اختيار السهل والبسيط فكرياً.                                                                           
2): في ملامح المرحلة                                                                
- الصراع بين إرادة الاستقلال ومشروعات الإلحاق: عرفت فترة الخمسينات والستينات صراعاً حاداً على المستوى الدولي والعربي بين الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية.
لقد اجتاح هذا الصراع مجمل المتن الفكري آنذاك بين أنصار الاشتراكية ودعاة الليبرالية حتى أن أغلب المفكرين أطلقوا عبارة الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب لتحديد طبيعة تلك المرحلة، وكانت الاشتراكية تمثل عنوان التيار التقدمي في تلك الحقبة، خاصة بعد الاستقلالات الوطنية والشروع في بناء الدولة والمجتمع، وما حققته الاشتراكية الناشئة في البلاد العربية من مكاسب طالت عموم الشعب، ورفعت مستوى معيشته باعتماد إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي والتصنيع وتطوير الريف وغيرها من الإجراءات، التي مست أوسع الشرائح الاجتماعية وكان لسقوط الاتحاد السوفييتي الدور البارز في خفوت وهج الاشتراكية وصعود التيارات الليبرالية التي وجدت في العولمة أقصى تعبيراتها المتوحشة .                                                    
لقد صاحبت عملية العولمة أو الأمركة القسرية للعالم حروب عدوانية بهدف إخضاع الشعوب وفرض نمط معين من التنمية، يجعلها في موقع التبعية للمراكز الرأسمالية وتحديداً للشركات الكبرى صاحبة السطوة والنفوذ العابر للحدود .                    
هذا العدوان بشكليه الخشن والناعم وضع مهمة على جدول أعمال التاريخ، لا تقبل التأجيل أو المساومة، لأنها تتصل بوجود الكيانات الوطنية ذاتها. إنها مهمة التشبث باستقلال القرار الوطني وحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار طريق نموها استجابة لتطلعاتها وحاجياتها .                                                           
إن محاولات فرض الهيمنة على الشعوب رجح كفة مطلب الاستقلال على غيره من المطالب المجتمعية، وجعل الصراع التاريخي الأكثر حدة في الوقت الراهن بين نزعة الاستقلال الوطني ومشروعات التبعية والإلحاق، وهو نمط من الصراع يتطلب تغيراً في التحالفات والتكتيكات، تختلف عما طبع سنوات الستينات من القرن الماضي زمن الصراع حول المحور الاجتماعي .                                               
إنها مرحلة تشبه إلى حد كبير مرحلة التحرر الوطني مع اختلاف في الدرجة، تلك المرحلة التي قامت على أساس عنوان وطني، يجمع أغلبية شرائح المجتمع وقواه السياسية، لأن توحيد الجبهة الداخلية بالحد الممكن أمر ضروري للنجاح في تحقيق الهدف . 
-بروز الهويات الضيقة ومخاطرها على العروبة الجامعة: لقد شكلت الضربات المتتالية التي تلقتها الحركة القومية العربية، وصعود البتروـــــــ دولار كعامل مؤثر في تكريس التبعية فرصة بروز الهويات الضيقة، لأن الفراغ الناشئ عن الضعف المتنامي في الانتماء للعروبة الجامعة كحاضن للهوية جعل الهويات الضيقة تبرز لملء ذلك الفراغ، كما أدت محاولات الدمج القسري للشعوب في عولمة أمريكية ظالمة إلى بروز مقاومات نكوصية، ترتد إلى الماضي في محاولة لصيانة الخصوصية أمام هجمة الاحتواء والدمج، خاصة أن الهوية الجامعة قد تم إضعافها بشكل ممنهج ومقصود.                                                        
إن أهم سمات المرحلة الراهنة على صعيد مقاربة اشكالية الهوية تتسم بهجوم حادٍ على العروبة وتوظيف كل سانحة لانتقادها وحسبانها مصدر شر على الكيانات الوطنية. هذا الطعن المستمر في العروبة لن يشكل طوق نجاة لأية دولة، بل سيؤدي إلى حالة انغماس غير واعٍ في مخططات العدو الرامية إلى تذرير المنطقة، وإلغاء كل جامع مشترك بينها من أجل تأبيد السيطرة الصهيونية والاستعمارية عموماً على المنطقة.                                                                                  
إن التهجم على العروبة في إطار مشروع تفتيت المنطقة يتطلب من كل الوطنيين التأكيد على حيوية العروبة في مواجهة المخططات الاستعمارية، فالعروبة لم تعد مجرد حاجة ثقافية، بل حاجة وجودية لحفظ الكيانات وتطويرها في أفق تحقيق حد أدنى من التضامن العربي. ولاشك أن هذه المهمة تتطلب أيضاً إعادة تعريف للعروبة، بعيداً عن كل أساس عرقي، بل ارتباطاً بحماية الدولة الوطنية ورعاية مصالح شعوب المنطقة أياً كان أصلها الثقافي الأول. وعلى أساس العروبة قبل كل شيءن مشروع تاريخي لشعوب المنطقة في عالم تسوده التكتلات الكبرى.
-جماعات الإرهاب في خدمة مشروع التفتيت والإلحاق: إن من أبرز ملامح المرحلة الراهنة الدور المتنامي للجماعات الإرهابية، التي حولت الصراع مع الأعداء التاريخيين للأمة من صراع مع الخارج بصورة واضحة ومعلنة إلى صراع يتخذ شكلاً داخلياً. هذه الجماعات توظفها القوى الغربية المهيمنة من أجل تحقيق أهدافها بعد أن فشلت فشلاً ذريعاً في التدخل المباشر، وتكبدت خسائر بشرية كبيرة، جعلت الرأي العام في دولها معترضاً على أي تدخل عسكري في الدول الأخرى. إنها الجماعات التي تقدم جيشاً رخيصاً غير مكلف في حرب، تقودها الدول الاستعمارية على البلاد العربية خاصة الدول المتمسكة بقرارها الوطني.    
إن التحدي الكبير لا يتعلق بتصنيف هذه الجماعات ضمن خانة الأعداء، لأن ذلك من بديهيات الأمور، بل يتعلق بالآثار التي تركها فكرها الرجعي في مجتمعاتنا وحجم الدمار الذي يخلفه انخراط قطاعات واسعة من الشباب ضمن هذه الجماعات، وتحولها إلى معول هدم للعمران والثقافة وكرامة الإنسان، وما تكرسه من نزوع نكوصي إلى الماضي، يعيق كل محاولات التقدم والتحديث .                                          
إن تنامي هذه الجماعات لا يفسره المنظور الاقتصادوي، الذي يرى فيها نتاجاً للتهميش الاجتماعي، فهذا العامل ليس إلا واحداً من عوامل متشابكة، لعل أبرزها العامل الفكري وتجند آلات دعاية ضخمة، تضخ فكراً تكفيرياً رجعياً موظفةً كل وسائل التسويق العصرية، بالإضافة إلى عامل سعي الدول الاستعمارية تخليق كيان فكري مشوه مرتبط بسلطة المقدس، وقابل للاستخدام والتوظيف في تفجير المنطقة وتفتيت نسيجها الاجتماعي.                                                                      
إن أية مقاومة لهذه الجماعات على صعيد الفكر لن تكون بتشكل مناهض مذهبي آخر، لأن الحرب المذهبية هي التحقيق العملي للأهداف التي تم على أساسها تخليق هذه الجماعات. إنها الذهاب الطوعي نحو انتحار وجودي، يريده الأعداء، خاصة الكيان الصهيوني الذي لن يجد مشروعية ليهودية الدولة إلا في محيط من الكيانات الطائفية المتقاتلة الضامنة للتفوق الصهيوني.                            
إن محاربة الفكر التكفيري تقتضي استدعاء المشترك من قبيل الدولة الوطنية الجامعة للتنوع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات وعقل المؤسسة المتعالي على الانتماءات الضيقة والمشتغل على معيار الكفاءة والتناول الشجاع لفكرة العلمانية بحسبانها الحل الملائم للمسألة الطائفية من جهة، ولبناء دولة عصرية من جهة أخرى، وهي ذات الأفكار التي أسس عليها البعث مشروعه، ولم تعد في اللحظة الراهنة مجرد خيار بين خيارات متعددة، بل صارت الأفق المتاح في مواجهة تحديات حقيقة ذات طبيعة وجودية، وهو ما يستوجب تعميق النظر في هذه القضايا وإخراجها من منطق السجال الإيديولوجي بين مختلف تيارات الفكر العربي إلى منطق الضرورة الملحة لاستمرار العيش المشترك.                                
-إشكالية التباعد بين المشرق والمغرب العربيين: إذا كان أصل التسمية بالنسبة إلى المشرق والمغرب ذا مضمون جهوي جغرافي، فإن مساراً تاريخياً طويلاً خلق تباعداً بين الفضائين إلى حدٍ جعل البعض يتحدث ثقافتين مختلفتين، ويملك هويتين متباعدتين، ولعل السجال التاريخي بين المفكر المغربي محمد عابد الجابري والمفكر المشرقي حسن حنفي مثل عينة دالة على هذا التباعد .                                                                                
لاشك أن نشأة الدولة الوطنية في المشرق تختلف عن نشأتها في المغرب رغم وحدة العامل الاستعماري، ولاشك أن موقع المشرق والمغرب أهم مركز للصراع في العالم المعاصر (فلسطين) قد جعل الأولويات بالنسبة إلى الدول مختلفة، ولكن رغم كل هذا الاختلاف فإن الفكرة العربية ظلت فكرة جامعة، جسدتها المشاركة الوازنة للمغاربة في الصراع من أجل تحرير فلسطين منذ النكبة، وجسدها الدور المغربي في تشكيل الأحزاب القومية العربية، وعلى رأسها حزب البعث الذي كان من بين الحاضرين في مؤتمره التأسيسي بدمشق سنة 1947 "محمد بن صالح" من تونس، و"عبدالله شريط" من الجزائر، بما يسفه ادعاءات أصحاب النزعة القطرية الضيقة حول تصدير البعث إلى المغرب العربي، ففكرة العروبة وهي اساس البعث فكرة منغرسة في صميم المجتمع في كل دول المغرب.                                                                
إن موقع المغرب العربي في العمل العربي لا تؤكده فقط معطيات التاريخ الماضي، بل تحديات المرحلة الراهنة، لأن ما تتعرض له الأمة العربية حالياً من مخططات استعمارية بدأ من المغرب العربي في ما وسم بالربيع العربي الذي دشنته تونس، ولم يكن بمقدور هذا المشروع أن يجد صداه لولا الفراغ السياسي في مغرب الوطن، لأن فكرة العروبة لم تتحول إلى مشروع سياسي ناهض قادر على لعب الأدوار الكبرى، ومقاومة المشروعات المضادة فالحالة العاطفية إزاء القضايا العربية لا يمكن أن تحصن المجتمعات وحتى النخب من الانخراط في مشروعات معادية دون وعي، في غفلة من العقل السياسي القومي المتيقظ والحالة التنظيمية الوازنة القادرة على الاعتراض عمليا والتأثير في القرار، وتوجيه حركة التاريخ .                                                                      
إن مشاركة المغرب سلباً أو إيجاباً في أحداث التاريخ الماضية والراهنة، وضرورة صيانة مصالح الأمة يستوجبان الاهتمام بهذا الفضاء الحي القادر على تشكيل رافعة إضافية وازنة للعمل القومي العربي في أفق توحيد السياسات الربية، ورسم الاستراتيجيات الكفيلة بتحقيق أهداف الأمة. 
-الديمقراطية وحقوق الإنسان والعيش العصري: لقد اشتغلت الدوائر الاستعمارية في العقدين الأخيرين على التوظيف الماكر لمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان لغاية ضرب السيادات الوطنية، وإضعاف الدولة، وتفتيت المجتمعات، لكن ذلك لا يلغي أهمية المطلبين في تعزيز البناء العصري للدولة والمجتمع، وهنا تلح الإشكالية التالية: كيف نبني مجتمعاً عصرياً ديمقراطياً يحمي كرامة الإنسان ويستفيد من كل الأشكال المستجدة في الإدارة والعمل دون إغفال أننا أمة تتعرض لمسلسل مستمر من التآمر على وجودها؟ وكيف نتحول إلى مجتمعات عصرية دون إسقاط قضايانا العادلة وهدر سيادتنا الوطنية؟
إننا مطالبون بالانخراط بروح العصر والاستفادة من منجزاته على كل الأصعدة، على الرغم من وقوعنا تحت وطأة الزمن الاستعماري والعقل الغربي المهيمن الماكر. إنها إشكالية يتوجب على حزب البعث تعميق النظر فيها من أجل بلوغ صيغة من الديمقراطية الوطنية، أو الوطنية التشاركية، لا تخضع للتمثلات الذهنية المجردة، بل لحاجات المجتمعات المعاصرة ومطالب الأمة غير القابلة للمراجعة . 
هذه أهم سمات المرحلة التي نراها المعيار الموضوعي في أية مقاربة تجديدية للحزب، لأن أي نزوع تجديدي غير خاضع لمعايير موضوعية لن يكون إلا صدى لرغبة أو خضوعاً لشعار عام دون ملامسة السبل الواقعية والعملية لتحقيقه.
3)البعث والرسالة المتجددة                                                          
ماهي الصورة التي يجب أن يكون عليها الحزب؟ سؤال يرتبط في ظاهره بالأداة التنظيمية وسبل تطويرها لكن السؤال التنظيمي يظل سؤالاً سياسياً في العمق، لأن الحزب ليس مجرد إدارة، بل حامل لمشروع ورؤية وللإجابة على هذا السؤال وجب علينا العودة إلى التمييز المنهجي بين الثابت والمتحول الذي أتينا على شرحه أعلاه . 
إن فكرة العروبة مشروع لنهوض الأمة وتقدمها ليست ترفاً فكرياً، ولم تكن نتاجاً لرياضة ذهنية، بل هي الإجابة التاريخية على مجمل التحديات المعاصرة. إنها الإجابة على محنة الاستعمار ونكبة التقسيم وكابوس التخلف في البنى الاجتماعية وشكل النظام السياسي. إنها جوهر مشروع اليقظة والسير نحو التقدم. وإذا كان البعث في طليعة القوى السياسة التي تبنت العروبة فإن المهمة الرسالية للحزب ستظل قائمة.                                                      
وفي هذا الصدد لابد أن نستحضر النقاش الذي برز في العقود الأخيرة على الساحة العالمية حول ماهية الحزب ووظائفه، إذ تصدرت المناخ السياسي الدولي الراهن الدعوة إلى التخلي عن الأحزاب الإيديولوجية وفسح المجال أمام ما وسم "أحزاب الأداء" أو الأحزاب التقنية الإدارية، واللافت أن هذه  الدعوة قد لقيت ترحيباً في أوساط النخبة السياسية العربية دون إدراك للفارق الجوهري بين المجال السياسي العربي والمجال السياسي الغربي ودون النظر في اختلاف السياق التاريخي، فإذا كان الغرب قد بنى مشروعه الحداثي، وصارت مشاكل هذا الفضاء تكاد تنحصر في شكل إدارة الدولة وتوزيع الثروة فإن الوطن العربي لم يبن مشروعه بعد، ولا يزال في وضع صراع واشتباك مع أعدائه التاريخيين، ولا مجال لإسقاط المطالب الكبرى تحت ذريعة النجاعة وحسن التسيير، وكل ماله علاقة بالمسائل التقنية.                                                              
إن القاع الإيديولوجي سيظل ماثلاً في بنية الأحزاب العربية، وقد أثبتت التجربة التاريخية في بلدان المغرب العربي مثالاً، وفي تونس تحديداً، فإن الأحزاب التقنية تنتفخ، ثم تنفجر بالسرعة نفسها، وأن البقاء ظل للأحزاب الحاملة لنواة مشروع، أو التي حملت في الماضي مشروعاً رسالياً، فالأفكار الكبرى الملهمة لا زالت تلعب دورها في مجتمعات تعاني القهر القومي منذ قرون.                              
إن المحافظة على المشروع الكبير لا تعني التكلس والجمود ورفض مجاراة التاريخ، بل إن مجاراته تقتضي البقاء في حضن الرسالة طالما لم ننجز بعد مشروعنا الحضاري.                                                                
إن الجمود لا يتصل بالفكرة الكبرى أو المشروع، بل يتصل بالخطاب الذي يسوقه، فهذا الخطاب هو ما يحتاج إلى تحيين متجدد، وإعادة بناء مستمر، إذ ليس مطلوباً من دعاة المشروع القومي للبعث العربي ترديد السياجات الفكرية لحقبة الستينات، وما ابتدعه المفكرون آنذاك، بل يحتاجون إلى كل العلوم الحديثة، خاصة علوم الإنسان بحسبانها وسائط ضرورية للفهم واجتراح الحلول وتيسير سبل بلوغ أهداف المشروع العربي.                                                                    
يحتاج دعاة الوحدة إلى تطوير وسائل الاتصال والتواصل والتوسل إلى علوم السياسة والاجتماع والسكان والإدارة من أجل نجاعة غير منفصلة عن الأهداف الكبرى .
إن الممكن التاريخي اليوم ليس حزباً أيديولوجياً على الهيئة القديمة وعلى قاعدة البراعة الخطابية والترديد الممل للصيغ الجاهزة، كما أن الممكن اليوم ليس حزباً تقنياً بارداً غير حامل لحرارة الرسالة، بل فالمطلوب هو الأخذ بفضائل هذا وذاك، فالبعث يمتلك خبرات في النضال وإدارة الدول وتحت قيادته تحققت مكاسب، يصعب حصرها، فقد أثبتت التجربة ورغم كل ما يمكن أن يقال عن مظاهر القصور أنه طليعة الأمة وروح المشروع الحضاري العربي، وهي مكاسب تجعل عملية التجدد منطلقة من الثقة بالنفس والمستقبل ومن أرضية صلبة عمادها الوجود على الأرض وبين الناس.  
إن البحث في الإشكاليات المستجدة واقعياً على صعيد التطور الاجتماعي والمعرفي هو الأساس لأي نقاش، وهو الموضوع الرئيس لورشات الفكر من أجل تجديد الرسالة، وجعلها دوماً في رحم الحياة الحية.                                  
خاتمة                                                                  
كان البعث، وسيظل في طليعة القوى السياسية العربية، ومن أكثرها تأثيراً في المجال السياسي العربي وفي تاريخ المنطقة، ككل الأحزاب العريقة ذات الحمولة الرسالية الضخمة، إما أن يخضع إلى عملية مراجعة قد تذهب بأسسه وهويته السياسية، أو يظل سير النزوع المحافظ، ولكن بين هذين الطرفين الحديين هناك مسار ثالث أقرب إلى الإمكان التاريخي، هو مسار إعادة البناء عبر إعادة صياغة الأسئلة والأجوبة انسجاماً مع المتغيرات الحادثة ودون التفريط في النواة الرسالية الصلبة، وهذا المسار وحده الكفيل بتسريح قنوات الفعل التاريخي، وبقاء الفكر حياً، لأن الفكر لا يستمر إلا عبر الممارسة العملية والفعل التاريخي، وهي المهمة التي أثبت البعث قدرة على إنجازها على مر التاريخ، لأنه الحزب الذي نشأ من رحم التحدي وفي وهج الفعل.                                             

 

  • منظمات الحزب القومية في الوطن العربي

    منظمات الحزب القومية 

    في الوطن العربي

  • منظمات الحزب القومية في العالم

    منظمات الحزب القومية

    في العالم

  • footerimg