دمشق- عبد الحميد غانم نائب رئيس التحرير

 

أكد الدكتور محمود السيد نائب رئيس مجمع اللغة العربية عضو المجمع مدير عام هيئة الموسوعة العربية رئيس لجنة تمكين اللغة العربية، أن اللغة هي وسيلة الفرد للتعبير عن مشاعره وعواطفه وأفكاره وبها ينفذ مطالبه ويقضي حاجاته في المجتمع الذي يحيا فيه و ينقل تجربته إلى الآخرين و يطلع على تجارب الأمم الأخرى وخبراتها باعتبارها الجسر الذي تعبر عليه الأجيال من الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى المستقبل.

وقال: إن بلوغ العربية منزلة مثل منزلة الإنجليزية في الشيوع والانتشار ليس بالشيء العزيز إذا أحسن أهلها توظيف العلاقات التجارية مع الدول الإسلامية مثل ماليزيا وباكستان وإندونيسيا وإيران لما يجمعها بالعربية من روابط دينية تجعلها في حاجة إلى تعلم العربية.

وأضاف الدكتور السيد خلال محاضرة له ألقاها في مبنى المجمع بعنوان: “الاستثمار في اللغة العربية ثروة قومية في عالم المعرفة” بحضور الرفيقين عضوي القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي محمد صالح الهرماسي وأحمد الحسن، ورئيس وأعضاء المجمع وأساتذة جامعيين وإعلاميين: إن فرض اللغة في مجال التعامل والخدمات وتعريب المحيط من شأنه أن يدفع بالجهد ويحقق نمو اللغة ومن ثمّ نمو المعرفة فالاقتصاد، ويكون ذلك باستخدامها في مجال النفط وصناعته والاستثمار فيه مما يدفع المستثمرين الأجانب إلى تعلمها باعتبارها من أدوات العمل الضرورية.

اللغة رمز للهوية وجسر تعبر عليه الأجيال

وأضاف الدكتور السيد: إن أهمية اللغة لا تكمن في أنها وسيلة للتخاطب والتواصل بين الجماعات والأفراد فقط بل هي رمز للهوية التي تميز شعباً عن شعب وتطبع حضارته ودرجة حضوره في مسرح الوجود والحياة وصولاً إلى الاستدلال على ما في أعماق النفس وتصورات الذهن، مبيناً أن لغتنا العربية ليست نحواً وصرفاً وألفاظاً يضمها القاموس وإنما لها وظيفة أخرى أكبر وأهم وأشمل هي الوظيفة “الحضارية والسياسية” باعتبارها ثروة قومية حقيقية ذات عوائد اقتصادية كبيرة في مجتمع المعرفة.

اللغة الوطنية هي من أهم أدوات تعزيز المواطنة

رأى مدير عام هيئة الموسوعة العربية أن الاستثمار في اللغة الوطنية يعني الاستثمار في الإنسان والأجيال القادمة وضمان وحدتها وتمسكها بقيمها وثوابتها ومنحها الفرصة للمناقشة في جميع الميادين مع حفاظها على هويتها إضافة إلى الاستثمار في الجودة والإتقان والإبداع والابتكار في كل ما يتعلق فيها من وظائف وأعمال تعتمد على المهارات والقدرات والتفكير، مبيناً أنه إذا كانت العملة الوطنية من مقومات السيادة الوطنية ولا يمكن أن تحل محلها عملة أجنبية فإن اللغة الوطنية هي من أهم أدوات تعزيز المواطنة.

وقال نائب رئيس مجمع اللغة العربية: لكي تقوم اللغة العربية بوظيفتها بنجاح لابد من تطوير اللسانيات الحاسوبية العربية ومنجزاتها لتيسير نشر المعرفة التقنية في مجال اجتماعي متسع ولضمان النجاح في هذه الخطوة لابد من دعم التواصل والتعاون مع مستعملي اللغات الأجنبية التي ترسم بالخط العربي كالفارسية مثلاً وفتح باب التواصل مع المجتمعات التي تسهّل العربية من غير العرب، مشيراً إلى أن سوق العربية واسعة جداً باعتبارها هي الخامسة عالمياً من حيث عدد المتكلمين بها ومرجعية حضارية دينية لأكثر من مليار مسلم غير عربي.

وذكر السيد بعض مجالات الاستثمار في ميادين اللغة العربية كالاستثمار في مجال الموسوعات والبنوك الرقمية العربية وفي ترجمة أمهات الكتب العلمية وتزويد الجامعات العربية بها وفي الترجمة الآلية لاسيما في المجالات العلمية و التقانية ووضع معاجم الكترونية خاصة بالنحو والصرف والبلاغة والإملاء والعروض، إضافة إلى برامج تفاعلية حاسوبية لتعلم اللغة العربية لأبنائها ولغير أبنائها، وإجراء دورات تعليمية مكثفة للعاملين على الأرض العربية ووضع برامج موجهة للأسرة العربية وللطفل العربي والاستثمار في زيادة المحتوى الرقمي العربي على الشابكة الإنترنت وغيرها.

وفي مجال التبادل التجاري، أشار الدكتور السيد إلى أنه بإمكان الدول العربية فرض التعريب على المستوردات الأجنبية المراد تسويقها عندها من حيث العلامات والأسماء والإشهار كتابة ونطقًا وهو ما تفعله الآن العديد من المصانع الآسيوية من تلقاء نفسها ضمانًا للمزاحمة على السوق العربية في مجال لعب الأطفال والهواتف المحمولة والمصابيح ولوحات الزينة وغيرها من عناصر التجهيز المنزلي والاستخدام اليومي.

مكانة اللغة العربية في العالم

ولفت الدكتور السيد إلى مقال للكاتب “أحمد بهاء الدين” عنوانه: «المثقفون والسلطة في العالم العربي»جاء فيه، أن اللغة العربية هي ثروة قومية حقيقية مثلها في ذلك مثل البترول والصناعة والزراعة وقناة السويس وغيرها من الثروات الطبيعية، ويمكن استثمارها حضاريّاً وسياسيّاً والانتفاع بها على أنها مورد اقتصادي كبير، ويمكن استثمارها تماماً مثلما نستثمر الإنتاج الصناعي والزراعي وكل ما نملكه من الموارد الاقتصادية الأخرى التي تعتمد عليها الثروة القومية.

وأشار الدكتور السيد إلى أن الكاتب يؤيد الدعوة إلى فكرته قائلاً: «كان من حظي أنني زرت كثيرًا من البلدان الإفريقية، وعرفت فيها من الزعماء والكبار والحكام إلى باعة الفاكهة في الأسواق الفقيرة، ووصلت إلى (تمبوكتو) في مالي، وقد عرفت معرفة شخصية الأشواق الهائلة لدى هذه الشعوب إلى اللغة العربية وإلى العروبة، وإلى معرفة لغة دينهم، كنت أسير في الأسواق فإذا عرف العامة أنني عربي قادم من مدينة الجامع الأزهر، أحاطوا بي لا حفاوة فقط، بل تبركًا، يمسحون ثيابي، ثم يمسحون وجوههم، فاللغة العربية لأنها لغة دينهم هي عندهم مقدسة، ومن يتكلمها كأنه من الأولياء الصالحين الذين يتبركون بهم. كنت أحيانًا أهرب من الأسواق حين أشعر أن الرجال والنساء البسطاء يعاملونني وكأنني (ضريح متنقل) لا ينقصهم إلا أن يربطوا في عنقي وأطرافي أحجيتهم وأدعيتهم».

وأكد الدكتور السيد أن ما ورد على لسان الكاتب المصري أحمد بهاء الدين يدل دلالة واضحة على مكانة اللغة العربية في كثير من البلدان الإفريقية، وكانت هذه البلدان تعرف هذه اللغة وتتكلمها من قبلُ، إلا أنها فقدتها بضغط استعماري مستمر وقوي.

وقال: إن مدينة (تمبوكتو) التي ذكرها الكاتب كانت عاصمة من عواصم الثقافة العربية الإسلامية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ميلادية، ولكنها فقدت هذا الدور الثقافي بفعل الاستعمار الثقافي الذي عمل على إبعاد اللغة العربية بفعل الاستعمار اللغوي وفرض لغته على سكان البلاد.

عبء النهوض مسؤولية جماعية

وأشار نائب رئيس مجمع اللغة العربية إلى أن النهوض باللغة العربية يرتبط بتقدم حالة الاقتصاد، مشدداً على ضرورة أن تعي الحكومات العربية أن الاهتمام باللغة العربية هو من أولويات مسؤولياتها وأن يعي الشعب العربي نفسه أن مستقبل الأجيال العربية رهن برعاية اللغة والنهوض بها وأن عبء النهوض لا يلقى على كاهل جهة واحدة وإنما هو مسؤولية جماعية باعتبار أن الإخلاص لها مظهر حضاري لا يمكن أن توصف به أمة لا تحترم لغتها ولا يبذل أفرادها كل ما في وسعهم من أجل النهوض بها، موضحاً أنه آن لهذه الأمة أن تعي أن لغتها هي عنوان شخصيتها وأنها وطنها الروحي ومستودع تراثها وأنها رمز هويتها الحضارية وكيانها القومي ولسان قرآنها الكريم.

المداخلات: ضرورة الحفاظ وتمكين اللغة العربية بين الأجيال

قدم جانب من الحضور مداخلات وتوضيحات وتساؤلات حول ضرورة العمل للحفاظ  على اللغة العربية من الاندثار في صفوف الأجيال وضرورة تمكينها في مختلف وسائل التعامل اليومية في حياتنا الثقافية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية، ولفت البعض إلى أن استخدام اللغة لا يكون بمعرفة قواعدها بل بتطبيق تلك القواعد في أحاديثنا وكتاباتنا وممارساتنا التعليمية والإعلامية.

يشار إلى أن السيد يحمل دكتوراه في التربية تخصص مناهج وطرائق تدريس لغة عربية من جامعة عين شمس بالقاهرة ويعمل حالياً رئيساً للجنة التمكين للغة العربية ورئيساً لتحرير مجلة التعريب الصادرة عن المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر التابع لمنظمة (الألكسو) ورئيساً لتحرير مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ورئيساً لتحرير مجلة جامعة دمشق للعلوم التربوية والنفسية ومديراً عاماً لهيئة الموسوعة العربية.

وللدكتور السيد العديد من المؤلفات منها قضايا اللغة التربوية وفي طرائق تدريس اللغة العربية وشؤون لغوية واللسانيات وتعليم اللغة وفي قضايا الثقافة التعريب والنهوض باللغة العربية والتمكين لها وفي طرائق تعليم اللغة للأطفال وغيرها الكثير.