نحو شراكة استراتيجية  بين العرب وإفريقيا

 

تتوسط إفريقيا ومعناها  باللاتينية ( أرض الشمس المشرقة ) قارات العالم جغرافياً، فهي ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان بعد آسيا، وتبلغ مساحتها 30,2 مليون كيلومتر مربع (11,7 مليون ميل مربع)، وتغطي 6% من إجمالي مساحة سطح الأرض، وتشغل 20,4 من إجمالي مساحة اليابسة. يبلغ عدد سكان إفريقيا مليار نسمة، يعيشون في 61 إقليماً، وتبلغ نسبتهم حوالي 14,8% من سكان العالم. وتضم القارة 54 دولة، بما فيها جزيرة مدغشقر ومجموعة من الجزر الملحقة بالقارة. ويعتنق الأفارقة العديد من المعتقدات الدينية.

وبعد ظهور الإسلام عام 632 في الجزيرة العربية انتشر في المناطق المجاورة، وامتزج المسلمون بالنصارى، فكثيرة هي القبائل العربية التي دخلت المسيحية ثم تحولت إلى الإسلام، وحصل من جرّاء ذلك تفاعل حضاري وسياسي واجتماعي. وفي العصر الأموي كانت كل الإدارة المالية والمحاسبية في أيدي المسيحيين، وحتى الأسطول البحري، لأن المسلمين جاؤوا من الجزيرة العربية حيث كانوا بعيدين عن البحار خلافاً لسكان السواحل السورية.

 وقد وصل الإسلام إفريقيا مبكراً، وهو ما يبين أصالة دور الإسلام والمسيحية الشرقية في القارة الإفريقية ،لاسيما الجوانب التعليمية والتربوية والسياسية والاجتماعية. وكان للكنيسة القبطية في إفريقيا دور قوي وفعال منذ القرن الأول. وشملت علاقة الكنيسة القبطية في إفريقيا ثلاثة مستويات أولاً على مستوى الدولة، وثانياً على المستوى التنظيمي، وثالثاً على المستوي الشعبي، بالإضافة إلى بصمات الكنيسة الثقافية والتعليمية سواء الدينية أو المدنية ، لدرجة أن هناك بعض القبائل في الشرق تتشابه لغتها مع اللغة القبطية بالإضافة إلي التركيز علي عناصر التأثير الثقافي للكنيسة في إفريقيا.

ومهما تعددت الديانات وتنوعت، إلا أن الغايات والأهداف تظل واحدة، وقد تمثلت في نشر العلم والثقافة والحضارة الإنسانية، التي ظهرت آثارها واضحة علي هذه القارة، وما زال هذا التغيير الاجتماعي والسياسي والتربوي واضحاً على سكان القارة الإفريقية . وقد اصطدم الاستعمار الأوروبي بالوجود الفاعل لهذه الثقافة الإفريقية، وبدور الإسلام والمسيحية الشرقية في إفريقيا، وقام بإذكاء أبشع أنواع الصراع الثقافي والحضاري لإضعاف هذه الروابط القائمة بين الشعوب والأمم الإفريقية، حيث تركت فترة الاستعمار آثاراً سلبية على التواصل العربي - الإفريقي .

 ووفقاً لموسوعة كتاب العالم، فإن الإسلام هو الدين الأكثر انتشاراً في إفريقيا، تليه المسيحية. ويبلغ عدد المسلمين حالياً قرابة خمسمئة مليون نسمة أي بنسبة تزيد عن 60% من جملة القارة، وحوالي 40% من جملة المسلمين بالعالم... كما تضم القارة الإفريقية ثلثي الشعب العربي تقريباً مع القسم الأكبر في الوطن العربي جغرافياً، حيث تشكل جزءاً من التراب العربي الممتد في المحيط الأطلنطي إلى البحر الأحمر عبر الصحراء وشريط ساحل البحر الأبيض المتوسط. في حين تضم جامعة الدول العربية في عضويتها عشر دول إفريقية يمثل سكانها نحو 70% من سكان الوطن العربي ونحو28 % من سكان إفريقيا، كما أن 75% من الأراضي العربية توجد في القارة الإفريقية[1].

ويتضح من خلال نظرة على الخريطة السياسية للمنطقتين مدى التلاحم والتلاصق، فإفريقيا هي العمق الاستراتيجي للوطن العربي وهي الامتداد الجغرافي وهي سلة غذاء العالم القادمة وسوقه الكبيرة، وفي المقابل تتوفر في المنطقة العربية موارد نفطية هائلة تجعله منطقة حيوية، وبالتالي يمكن إقامة نظام اقتصادي إقليمي جديد قائم على العدالة ومصلحة الشعبين في مواجهة دول الشمال،  وفي الجانب الروحي والعقائدي، تعتبر المنطقة العربية مهداً للديانات السماوية الثلاث ومعبراً ثقافياً من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب. ومن هذه المعطيات تبرز أهمية الشراكة العربية - الإفريقية، ويأتي موضوع التكامل الاقتصادي العربي - الإفريقي لما له من أهمية في تحقيق التعاون الذي يقوم على الإمكانات المادية والموارد الطبيعية والبشرية الهائلة، التي تشكل العامل الحاسم في تحديد قدرة المجتمع على تحقيق التقدم. ويرتبط العامل السكاني بالتنمية باعتبار أن الفرد هو العنصر الأساسي في الإنتاج وهو الدافع لعجلة التنمية. وفي الجانب السياسي تنضم المجموعتان لعدة منظمات وجمعيات وتكتلات إقليمية ودولية أتاحت فرصة الالتقاء بين المجموعتين العربية والإفريقية للانطلاق نحو توثيق التعاون والتواصل، وصولا لتحقيق الشراكة.

2- تاريخ العلاقات العربية - الإفريقية:

إفريقيا قارة كبيرة تتباين فيها الدول  ونظم الحكم، كما أنها  قارة تتغير بسرعة، لكنها ما زالت كما هي في الذهنية العربية، وهناك حاجة أيضاً لتغيير الذهنية الإفريقية عن الــوطن العربي. فالعرب أمة ذات عطاء وقدرة، ومنذ أن برزت للوجود وهي على موعد مع التاريخ في صناعة الأحداث الكبرى التي حملت تغييرات نوعية في الحضارة الإنسانية. وتاريخ الإنسانية ليس هو من حيث الأصل والكيان وحسب، بل هو أيضاً من حيث التفاعل والتأثير المتبادل، فكلما ارتفع الإنسان  في مراتب الإنسانية، وارتقت نظرته التاريخية، وتعزّز فعله التاريخي، وكلما كان وعيه بالماضي أصفى، ومجابهته له أصدق وأعمق، اغتنى كيانه الإنساني . وقد ظلت إفريقيا عبر التاريخ على صلة قريبة بالعرب فهي تجاورهم براً وبحراً، ولم يكن البحر الأحمر بينهما إذ كان يمثّل شرياناً للتواصل، حيث تبادلوا عبر البحر الأحمر المنافع الاقتصادية منذ وقت بعيد، وكذلك لم تكن الصحراء الكبرى إلا عامل اتصال عبر عشرات الطرق التي كانت تتفرع منها أو تصب فيها، فالوجود العربي قديم في إفريقيا وهو سابق على الوجود الإسلامي الذي أعطى العلاقة الطابع الروحي والفكري والحضاري والمتميز.

 وتمتد العلاقات العربية - الإفريقية إلى أبعد وأعـمق مـن مظاهـر الجـوار الـجـغـرافي... وفي ظلّ الإسلام أصبحت إفريقيا مركزاً مهماً من مراكز الحضارة الإنسانية وأضحت العربية لغة الفكر والثقافة في إفريقيا.. وقد تعاقبت هجرات القبائل العربية إلى مناطق الشمال الإفريقي، حيث كان لأفراد هذه المجموعات المهاجرة دور كبير في تأسيس العقيدة على الرغم من الصعوبات التي كانت تواجههم من بعض القبائل نتيجة للصراعات القبلية والسياسية، ونتيجة لهذه الهجرات ظهر مجتمع خليط أطلق عليه الأمة السواحلية، والذي ضمّ المحليين من السكان والذين أتوا مع الوافدين وهم من العرب والفرس والهنود. قد طغى هذا الاختلاط على جوانب عديدة من الحياة حتى نجده شمل اللغة والتي سميت باللغة السواحلية بالتالي أصبحت لغة المعاملات التجارية و الرسمية وهي في الغالب ذات مفردات عربية وتكتب بالعربية حتى القرن التاسع عشر[2].

 اتبع العرب في نشر الدعوة الإسلامية أسلوب الأجداد الذي كان له الأثر في إحداث نقلة نوعية في تاريخ العلاقات الثقافية بين العرب والأفارقة، فساعد هذا في زيادة روح اللغة والثقافة العربية . وتربط بين الأفارقة والعرب مجموعة من العوامل والأسس المشتركة التي تؤكد تعزيز التواصل والتعاون العربي- الإفريقي وتتمثل في العوامل التاريخية والجغرافية والدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وتجلت الحضارة العربية في إفريقيا بانتشار المباني المعمارية وتخطيط المدن وزخارف الأبواب والنوافذ وفي فنون النقش والفسيفساء... ونمت الصلات الثقافية وتحركت في شبكة واسعة من العلاقات والمسالك على أساس من التأثير المتبادل. ومما يؤكد أصالة وعراقة الصلة بين المجموعتين شدة التشابه العرقي والثقافي بين الشعوب الناطقة باللغات الحامية أو الكوشية والشعوب الناطقة باللغات السامية كالعربية والأمهرية والتغرانية.

وتتشابك المصالح العربية - الإفريقية، ويعتبر الفضاء المشترك أفضل السبل المتاحة لحماية هذه المصالح المشتركة، ورغم تلك المزايا فإن قاطرة الفضاء العربي - الإفريقي لم تنطلق بعد، ويمكن لبعض النقاط التالية أن تساهم في تفعيل التعاون العربي - الإفريقي، ذلك التعاون الذي من المأمول أن يصل إلى غايته الكبرى بقيام الشراكة العربية - الإفريقية.                

فالتواجد العربي في إفريقيا قائم ومؤثر، ويمكنه أن يشكل قاعدة انطلاق للمصالح العربية في الفضاء الإفريقي، فهو يتراوح بين التواجد الفردي للمهاجرين وبين الوجود السياسي والاقتصادي للدول العربية، مضافاً إليه الإرث التاريخي والحضاري للعلاقات العربية - الإفريقية.

وقد تنامت هذه العلاقات في الخمسينات التي شهدت درجة عالية من التنسيق والتضامن بين الجانبين في العديد من القضايا كان أبرزها مكافحة الاستعمار والتخلص من الاحتلال، فإضافةً إلى الدعم السياسي الذي قدمته الدول العربية لحركات الاستقلال في إفريقيا، شمل التنسيق بين الجانبين دعم القضايا العربية والإفريقية في أروقة الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز... أما فترة السبعينات، فقد شهدت مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات العربية- الإفريقية وخاصةً خلال حرب تشرين التحريرية عام 1973 حيث أعربت حكومات الدول الإفريقية المستقلة ومنظمة الوحدة الإفريقية عن تضامنها مع الشعوب العربية، وقامت أغلبية الدول الإفريقية بقطع علاقاتها مع "إسرائيل"، وطالبت في السنوات التي تلت الحرب بتأييد حركات النضال العربية، وربطت بين حركة التحرر الفلسطينية وحركات التحرر الإفريقية، وعدّت قضية فلسطين قضية عربية- إفريقية، بينما أدانت الدول العربية الأنظمة العنصرية في إفريقيا وأصدر مجلس جامعة الدول العربية قراراً عام 1975 شدد فيه على تعاون الدول العربية والإفريقية من أجل تحرير الأراضي الإفريقية من الاستعمار الاستيطاني والتفرقة العنصرية. وفي تلك الآونة أصدر المجلس الوزاري لمنظمة الوحدة الإفريقية قراراً خاصاً بالتعاون العربي - الإفريقي نصّ على إنشاء لجنة سباعية لإجراء اتصالات مع الدول العربية لدراسة آثار حظر النفط على الدول الإفريقية، وأوصى المجلس بإقامة تعاون اقتصادي عربي- إفريقي وشكلت لجنة خاصة بهذا الموضوع عقدت أول اجتماع لها في أديس أبابا عام1973، بينما اتخذت الدول العربية مجموعة من القرارات والتوصيات في المجالين السياسي والاقتصادي لتدعيم التعاون بين الجانبين في مؤتمر القمة العربية في الجزائر 1973 لتليها قرارات بإنشاء مؤسسات مالية لدعم التعاون، منها المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا...

3- المعوقات والإرث الاستعماري (الصراع الدولي على إفريقيا ):

يجري الصراع الدولي والإقليمي على إفريقيا في ظل غياب أي دور عربي، مع أن التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، ظلّ على الدوام يشكل جزءاً من الصراع العربي- الصهيوني، وجزءاً من نظرية الأمن الصهيونية القائمة على التفوق العسكري، ومحاولة اكتساب الشرعية والهيمنة، حيث عمد الاستعمار التقليدي والحديث إلى ضرب مفاصل العلاقات العربية - الإفريقية في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية.  وقد بدأ الاستعمار للقارة الإفريقية منذ القرن الخامس عشر أي عند بداية حركات الكشوف الجغرافية وقيام مراكز التجارة والاستطلاع على سواحل القارة الإفريقية.

   ففي القرن التاسع عشر الميلادي تكالب الأوروبيون على إفريقيا، وتركت هذه السيطرة آثاراً سلبية في مجال العلاقات العربية - الإفريقية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وحاول الاستعمار على اختلاف مصادره وأشكاله إضعاف الروابط العربية - الإفريقية وطمس معالم تاريخ العرب في أفريقيا، لكنه في الوقت ذاته عزز من شعور الوطن العربي والقارة الأفريقية بأنهما يواجهان مصيراً مشتركاً، وتهديداً واحداً، مما كان له أثر في تدعيم العلاقات العربية - الإفريقية. 

وعمد الاستعمار في نفس الوقت إلى إذكاء روح التعصب القبلي و إضعاف الوعي الوطني ومسح الشخصية القومية وتكريس الانقسامات والخلافات وقطع الصلات بين شمال القارة وجنوبها، و ابتدع ما أسماه بإفريقيا السوداء، بالإضافة إلى تبعية ثقافية تقوم على الفرانكفونية - والانجلوفونية. وهكذا واصل الاستعمار ما قامت به وسائله الأخرى من تعسف سياسي واستغلال اقتصادي.  وربطت المعاناة المشتركة من النزف الاقتصادي والتسلط الاستعماري و تشويه التاريخ بين شعوب إفريقيا والوطن العربي، وجعلت من حوارها في العصر الحديث حواراً للتكامل لصالح المستقبل المشترك وهو حوار متميز تتشابه  وتتلاقى أطرافه في الخصائص والمعاناة والتطلعات والأهداف، فضلاً عن روابط مشتركة تاريخية وثقافية وحضارية.والمشاركة التاريخية والميراث الثقافي يتطلبان بداية تأصيل فهم عربي - إفريقي مشترك للمرحلة المعاصرة . فكلا الثقافتين تعرضتا لخبرات تاريخية متنوعة، كما استعارتا من بعضهما وتأثرت إحدهما بالأخرى، وفي الحالتين لابدّ من بذل جهد فكري وثقافي كبيرين لإيجاد فهم مشترك لآفاق المستقبل الواحد  والانطلاق في آلية إزالة آية عقبات أو سوء فهم يحول دون خلق إمكانيات للالتقاء و الحوار..[3]  

واليوم ونتيجة لعوامل كثيرة تتعرض إفريقيا لموجة ثالثة، وتتطلع الأجندة الغربية لشرق أوسط كبير ورابطة متوسطية (عبر البحر الأبيض المتوسط)، وكلاهما يرسم لإفريقيا جنوب الصحراء مصيراً آخر... هذه الرؤية تتطابق مع الأجندة الإسرائيلية، ومع تيارات إفريقية تربط الإفريقانية بالاثننية الزنجية، فيما يعرف بالنجرتيود، عازلة شعوب إفريقيا الشمالية.  ولأصحاب هذه الأجندة تأثير كبير فالحضارة الغربية تقدم نماذج راجحة في السياسة والاقتصاد والثقافة، نماذج لا تملك الأمة العربية لها بديلاً مجدياً، بل هي نفسها أمة منقسمة على نفسها وخاضعة بدرجات متفاوتة للهيمنة الغربية، وإذا استمر هذا الحال فإن الاستراتيجية الغربية سوف تحقق مقاصدها في جعل الصحراء والبحر الأحمر فاصلين وتقضي على أي تطلع لفضاء عربي - إفريقي مشترك، بل سوف تجعل من مناطق التماس في السودان، وموريتانيا، والنيجر، وغيرها حائطــاً ثقــافياً مانعاً.  وهناك مستجدات في القارة الإفريقية وأيضاً في الدول العربية، وتحديات مشتركة تفرض على جميع الأطراف في المنطقة العربية والإفريقية الآن إعادة مراجعة الحسابات، والنظر بعين الواقع إلى المشكلات الكبيرة، وفي مقدمتها مشكلة الإرهاب في مقدمتها مشكلة الأمن الغذائي الذي يهدد الدول الإفريقية والعربية على حد سواء وأيضاً مشكلة المياه التي أصبحت الآن أيضاً مشكلة تثير التوتر بين بعض الأطراف العربية وبين بعض الدول الإفريقية، وبالتالي فإن هناك حاجة ملحة إلى تكامل بين الدول العربية والإفريقية، وإلى مراجعة للعلاقات التي لم تسر على ما يرام منذ أكثر من ثلاثة عقود بعد أن كانت في فترة الخمسينات والستينات تشهد تقدماً كبيراً وتعاوناً كبيراً..ويفرض تبدل الظروف والأوضاع سواء على مستوى "الداخل" العربي والإفريقي أو على المستوى الإقليمي، وتحييد متغير الصراع العربي - الإسرائيلي، أو على المستوى الدولي بانتهاء حقبة الحرب الباردة وظهور تحديات مشتركة أمام كلٍّ من العرب والأفارقة، وإعادة النظر في تحليل واقع القضايا الأساسية للعلاقات العربية - الإفريقية في أعوام التسعينات.

ويبدو أن التوجهات الجديدة لكلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا إزاء إفريقيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد أبرزت تنافساً حقيقياً بين البلدين. وأيّاً كانت الأهداف والمصالح وراء التنافس الأوروبي الأمريكي في القارة الإفريقية، فإنه يقف حجر عثرة أمام تطوير العلاقات العربية - الإفريقية وذلك لأكثر من متغير واحد. وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى حماية خطوط التجارة البحرية والوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام وفتح الأسواق أمام حركة التجارة والاستثمارات الأمريكية, بالإضافة إلى دعم ونشر قيم الليبرالية ولا سيما تلك الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ولو من الناحية البلاغية، ويبدو أن التوجهات الجديدة لكلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا إزاء إفريقيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد أبرزت ولو من طرف خفي تنافساً حقيقياً بين البلدين.. كما أن الدور الأمريكي في إعادة رسم خريطة التوازن الإقليمي بمنطقة البحيرات العظمى لا يتفق مع المصالح الفرنسية، ومع ذلك فإن ثمة قدراً من التعاون والتنسيق بين الأطراف الأوروبية والأمريكية في مواقفها تجاه قضايا إفريقيا.      

ويرتبط الوجود الأمريكي دائماً بالوجود الإسرائيلي، حيث تسعى الدولة العبرية من خلال خططها المتعلقة بالبحيرات العظمى ومنابع النيل عموماً إلى فتح ثغرة في خطوط الأمن القومي والمائي العربيين، وأيا كانت الأهداف والمصالح وراء التنافس الأوروبي الأمريكي في القارة الإفريقية، فإنه يقف حجر عثرة أمام تطوير العلاقات العربية - الإفريقية وذلك لأكثر من متغير واحد، ويعمل على تطويق العرب وحرمانهم من أي دور داخل القارة الإفريقية، مع أن القارة الإفريقية يمكنها أن تشكل عمقاً استراتيجياً وحيوياً مهماً لبلداننا العربية، نظراً للروابط التاريخية والثقافية والعلاقات الاقتصادية المهمة مع عديد من بلدانها. لذلك، فإن المطلوب هو تطوير استراتيجية عربية تعيد النظر في علاقات العرب بإفريقيا، وتنهض على المنفعة المشتركة والتنمية الإنسانية.

4- التغلغل الصهيوني في إفريقيا:

في إطار سعيها لمحاصرة الوطن العربي وإضعافه، لم توفر( إسرائيل) فرصة ثمينة كتلك التي توفرها القارة الإفريقية. فقد بدأ التغلغل الصهيوني في إفريقيا منذ عقود خلت، واتخذ مداخل عديدة، سياسية واقتصادية وثقافية، في إطار استراتيجية تهدف إلى تطويق الوطن العربي، وإبعاد الأفارقة عن الصراع الدائر مع العرب، بل وإثارة مخاوف الأفارقة من التوجهات القومية للعرب. بالإضافة إلى نشاطات جهاز ''الموساد''، الذي يقوم بتهريب الأسلحة والمتفجرات إلى الدول الإفريقية لاستخدامها من قبل جهات معينة. وتبنّت "إسرائيل" منذ بداية القرن الحالي مداخل جديدة في علاقاتها مع الدول الإفريقية غير المداخل القديمة، أو قامت بإعادة بلورة تلك المداخل من جديد بما يتناسب مع معطيات المشهد الدولي الحالي.  فطرحت مشروع الأخدود الإفريقي العظيم، وهو في ظاهره سعي للتعاون الثقافي بين الدول التي تقع على هذا الأخدود، ولكنه في الجوهر يهدف إلى إيجاد مدخل لاختراق إفريقيا، كما استخدمت أدوات متعددة في تعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية، تارة عبر تصدير الخبرات الفنية في مجال الزراعة، وتارة في مجال التدريب العسكري وتأهيل الألوية العسكرية المسؤولة عن حماية أمن الرؤساء الأفارقة وتقديم العلاج الطبي سراً لأرباب الحكم في المستشفيات الإسرائيلية، واستيعاب الطلاب الأفارقة في الجامعات الإسرائيلية، ولم تتردد في تدبير انقلابات عسكرية في بعض الدول الإفريقية، إضافة إلى تبنّيها سياسة تهدف إلى إشعال وتصعيد الصراعات في إفريقيا بهدف إسقاط أنظمة تسعى للتقارب مع الدول العربية، ودعم أنظمة الحكم المتعاونة معها والموالية لها في القارة الإفريقية، وتوسيع دور حركات المعارضة في الدول غير الموالية لإسرائيل لنشر حالة من عدم الاستقرار السياسي. وظلّ التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا إحدى القضايا الرئيسة في منظومة العلاقات العربية - الإفريقية منذ الستينات، إذ كانت إفريقيا التي تؤهلها مكانتها الجيواستراتيجية فضلاً عن وجود عدد كبير من الدول بها، تتطلع للحصول على مساعدات تنموية تقنية من الخارج..[4]

وينبغي على العرب نقل إدراكهم لأهمية القارة الإفريقية إلى حيز التنفيذ العلمي بالانضمام إلى الفضاء الإفريقي، أما إذا لم يفكروا في اتخاذ هذه المبادرة على وجه السرعة فإن تأخرهم هذا يفضح قصورهم وتقصيرهم التاريخي ويكشف أيضاً عن أنهم ليسوا في مستوى الإدراك المبكر الذي وضعت «إسرائيل» يدها عليه حين تأكدت بالنسبة لها أهمية القارة الإفريقية. وبقدر ما تكون إفريقيا عمقاً استراتيجياً وحيوياً مهماً للعالم العربي، لوجود روابط تاريخية وثقافية وعلاقات اقتصادية مهمة، فإنها تشكل خطراً كامناً على أمن واستقرار عالمنا العربي بدءاً من حركة المرور في البحر الأحمر، وضمان تدفق مياه نهر النيل، والعلاقات الحدودية مع شمال إفريقيا العربية، بسبب التداخل الكبير في هذه القضايا بين الوطن العربي وإفريقيا. وقد أسهمت مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية في توجيه الأنظار الإسرائيلية صوب إفريقيا، حيث سعت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى تحقيق أهدافها التوسعية بحسبانها قوة إقليمية وذلك على حساب النظام الإقليمي العربي. وذلك هو التحدي الأساسي الذي يواجه عملية بناء أسس جديدة للعلاقات العربية - الإفريقية وهي تدخل سنوات الألفية الثالثة.

5 - آليات التعاون العربي - الإفريقي:

إن المواقف الإفريقية في مساندة القضايا العربية نابعة من إيمان صادق بعدالة تلك القضايا أسوة بغيرها من قضايا التحرر العالمي، ولم تكن مناورة تتوقع مقايضة. وبالمقابل ظهرت دعوات عربية لبناء قاعدة للتعاون بين الطرفين، عرف لاحقاً بالتعاون العربي - الإفريقي، حيث كان هناك إحساس عربي بتقدير هذا الدور الإفريقي في مساندة القضية العربية المركزية، وأهمية استثماره لبناء جسور من التعاون في شتى المجالات مع الدول الإفريقية، وإحداث نقلة نوعية بين المنطقتين . وفي بداية الألفية الثالثة تشهد إفريقيا أكبر عدد من المتحدثين باللغة العربية، وإلى جانب ذلك فهي تمثّل بحق دون سائر قارات الأرض الأخرى القارة المسلمة، وقد كان تأثيرها على التطور الاجتماعي في إفريقيا عظيماً وملموساً، واليوم يجب التركيز على نشر اللغة العربية في الدول الإفريقية، وإقامة تعاون ثقافي، وترجمة الأعمال العربية إلى لغات تجيدها إفريقيا.

وقد مهدت الخطوات الإيجابية السابقة لانعقاد مؤتمر القمة العربي - الإفريقي الأول في الربيع 1977، وصدر عن المؤتمر أربع وثائق أساسية تغطي الأسس والسندات التاريخية والحضارية والايدلولوجية لمجموعة العلاقات العربية - الإفريقية المتنامية، كما تحدد مجالات التعاون وأدواته ومؤسساته المسؤولة عن تنمية هذه العلاقات.

ومع بداية الثمانينات ظهرت العديد من السلبيات في التعاون العربي - الإفريقي نتيجة التغلغل الإسرائيلي في القارة السمراء ما أدى إلى تراجع العلاقات العربية - الإفريقية... لكن ذلك التراجع لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما استؤنف التعاون العربي- الإفريقي متأثراً بالتغيرات التي شهدها العالم في التسعينات من القرن الماضي وخاصةً محاولات الغرب الهيمنة على العالم واتساع الدعوة إلى إعادة بناء النظام العالمي برمته، ولعل وجود عشر دول أفرو عربية تجمع بين عضوية جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي مثّل دافعاً قوياً لمسيرة التعاون بين الجانبين.

ولعل دعوة جامعة الدول العربية في قمتها العادية بعمان عام 2001 القادة العرب لتدارس مختلف جوانب التعاون العربي – الإفريقي، وتأكيد مواصلة الجهود لتعزيز هذا التعاون وإزالة العوائق التي تعترضه، كل ذلك شكّل إسهاماً يحتاج إلى التطبيق في مسيرة التعاون العربي - الإفريقي... وأياً كانت المداخل في مجالات التعاون العربي – الإفريقي، فإن هناك حاجة ضرورية لتنشيطه لمواجهة ظاهرة العولمة وآثارها ومواجهة التخلف بشكل جماعي. وجاء انعقاد الدورة الثانية للقمة العربية - الإفريقية بمدينة سرت الليبية خلال 2010 ليعكس مدى وعي القيادات العربية والإفريقية بأبعاد وآفاق التحريض المستمر لبناء فضاء عربي - إفريقي قادر على مواجهة تحديات العصر ومواكبة المتغيرات على صعيد التكتلات الاقتصادية العملاقة .

6- ضرورات التكامل العربي - الإفريقي:

يعد الوطن العربي جزءاً جغرافياً وديموغرافياً هاماً من القارة الإفريقية، ما يجعل من الضرورة توظيف هذه الميزة الاستراتيجية.. لذا فإن الإرادة السياسية المتوافقة مع المصالح المصيرية للأمة العربية وشعوب القارة الإفريقية سيكون لها الدور الفاعل في العمل على إرساء قواعد وأساسات صرح هذا الفضاء الكبير، فمن الناحية الاقتصادية تعتبر إفريقيا قارة غنية جداً بثرواتها الطبيعية حيث تتساقط عليها الأمطار طوال العام  في أكثر أرجائها وتنتشر فيها البحيرات و الأنهار وتكثر فيها المياه الجوفية وتمتد فيها الأراضي الخصبة وتتنوع فيها المحصولات الزراعية والحيوانية والمعدنية والغابية والبحرية، كما تمتاز بموقع استراتيجي يتحكم في التجارة العالمية، وكل ذلك مع الكثافة السكانية المعقولة يؤهلها لإحداث نهضة اقتصادية هائلة. فإفريقيا والوطن العربي الكبير هما سلة غذاء العالم وخزان طاقته اللذان سيديران عجلة اقتصاده وسيكوّنان أهم فضاءاته الاقتصادية، وكل تعاون اقتصادي بين العرب والأفارقة سيكون اللبنة الأولى في بناء فضائهم الاقتصادي، كونهما يمتلكان من المقومات والمؤهلات ما يمكنهما من تحقيق تكامل قادر على تحقيق تنمية مستدامة في كلٍّ من الوطن العربي والقارة الإفريقية .

ويتميز الوطن العربي والقارة الإفريقية باتساع رقعتهما الجغرافية، فمساحة الوطن العربي تقدربـ 14 مليون كيلومتر مربع، أما إفريقيا، فمساحتها تقدربـ 30,260,000 كيلومتر مربع . وهذا ما أتاح اتساعاً وتنوعاً في التربة والمناخ ومصادر الطاقة، حيث تحتوي القارة الإفريقية على أكثر من نصف البترول العالمي، وإن كان لم يستغل بعد بكامله في بعض الدول الإفريقية والعربية، بالإضافة إلى وجود كمية معتبرة من الغاز الطبيعي وتنوع معادن الوطن العربي والقارة الإفريقية، كما تزخر البلدان الإفريقية والعربية برصيد وافر من مصادر الطاقة المختلفة وثروة معدنية هائلة، حيث توجد أغلب المعادن النادرة مثل الذهب والماس والفضة واليورانيوم والنحاس والزنك والحديد [5].

و تجذب الثروات الإفريقية البكر الرساميل الأجنبية، وبالتالي فإن ثروات إفريقيا تتكامل مع الفوائض النفطية للأموال وللاستثمارات العربية في حقول عديدة ومتنوعة، وهو ما يشكل البديل الأنسب لاستفادة الشعوب الإفريقية من ثرواتها عبر إيجاد شراكة اقتصادية عربية - إفريقية تضمن الاستفادة من عوائد التنمية للطرفين، بدلا من ترك إفريقيا مكاناً تقوم فيه الشركات العالمية بنقل المواد الأولية إلى الاقتصاد العالمي دونما مساهمة حقيقية في تنمية الاقتصاديات الإفريقية.  وللفضاء العربي - الإفريقي مميزات وفوائد إضافية تجعله بالنسبة للوطن العربي ولإفريقيا خياراً استراتيجياً لا بديل عنه في ظل التحديات، فالوطن العربي كتلة ديموغرافية واحدة غير مجزّأة، ويعزز تكتل العرب كأمة واحدة داخل تكتل أعم وأشمل هو الفضاء العربي - الإفريقي، ومواجهة التخلف الذي يعصف بأكثر من مليار نسمة في العالم النامي، منهم الملايين في إفريقيا، وبخاصة تجاه الجنوب، وليس بخاف ٍ أن ثلثي البلدان الأقل نمواً في العالم من الأفارقة.

وهذا يمكن أن يأتي في إطار تفعيل السوق العربية المشتركة، وخروجها لحيز التنفيذ، فستكون دعامة اقتصادية قوية تتعامل كجماعة، وحتى لو تعامل أعضاؤها فرادى فسوف تتوافر لهم عناصر القدرة الاقتصادية، ذلك أمر حيوي ليس للعرب فقط ولكن للأفارقة أيضاً، ولعل التجمعات الإقليمية الإفريقية الحالية يمكن أن تحقق شيئاً مما ذهبت إليه، ومن بينها تجمع دول الساحل والصحراء السين، صاد،CIN SADالذي يضم 23 دولة إفريقية منها ست دول عربية، كذلك من بين هذه التجمعات السوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي "كوميسا COMESA" والذي يضم في عضويته 20 دولة من بينها خمس دول عربية ، فضلاً عن تجمع دول غرب إفريقيا "إيكواس ECOWAS"، والهيئة الحكومية لتنمية شرق إفريقيا "إيغاد IGAD"، والاتحاد الاقتصادي لإفريقيا الوسطى "ECCAS"..وغيرها من التجمعات. ولعل التجمعات الإقليمية الإفريقية الحالية يمكن أن تحقق شيئاً مما ذهبت إليه، ومن بينها تجمع دول الساحل والصحراء، وعلى سبيل المثال فإن مصر تتمتع بأكبر وزن نسبي في تكوين الناتج المحلي الإجمالي للتجمع (33.5%) وهو من أحدث التجمعات الاقتصادية، ويضم 16 دولة إفريقية منها ست دول أفرو عربية.

لكن فكرة التعاون العربي - الإفريقي في معظمها لم تستند على ايديولوجية محددة أو فكر نابع من فلسفات المستقبل، كما لم يحرص الجانبان على وضع منهج متكامل لاستراتيجية اقتصادية تحكم مسار تجربة التعاون وتحدد أهداف وأولويات المراحل والخطط والبرامج. لذلك اعتمد التعاون في الجانب الاقتصادي على المجال المالي، ورغم أهمية هذا الجانب إلا أنه لم يكن كافياً بذاته لإقامة تعاون دائم وقادر على مجابهة المشكلات الخاصة بالتنمية العربية - الإفريقية التي تتوفر لديها الإمكانيات الاقتصادية والطاقات البشرية والعلمية والفنية الكفيلة بانتقالها من التخلف إلى التنمية الحقيقية ، ومن التشرذم إلى التكتل والتكامل، وينبغي إذن أن تتوفر الإرادة الحقيقية والنية الصادقة، وتعبئة الإمكانيات اللازمة لتحقيق ذلك، والاستفادة من الطاقات لتحسين مستوى معيشة المواطنين العرب والأفارقة وتأمين مستقبل زاهر والتحرر من التبعية.

لقد تجمعت عوامل عدة أدت في مجموعها إلى ضعف التبادل التجاري والاقتصادي بين الدول العربية وإفريقيا رغم عمق العلاقات التاريخية وقدمها، فكان نصيب كافة الدول العربية من إجمالي الصادرات الإفريقية عام 1997 هو 1.18% فقط، في حين كانت الواردات الإفريقية من العالم العربي في العام نفسه 2.47% وذلك من إجمالي واردات 45 دولة إفريقية غير عربية. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى اعتماد معظم الدول العربية والإفريقية في اقتصادها على المواد الخام الأولية مما يضعف قدراتها التصديرية، إضافة إلى غياب محفزات التصدير والتنسيق بين الدول العربية والإفريقية على السواء[6].

وقد تأثرت تجربة التعاون العربي - الإفريقي في الماضي بالأوضاع العربية الداخلية مما كان له أثر كبير على مسار تلك العلاقات حيث كان معظم الأقطار العربية التي استندت إليها تجربة التعاون العربي- الإفريقي تفتقر إلى التجارب أو الدراية الكاملة بأوضاع ومتطلبات الدول الإفريقية، الأمر الذي أسفر عن تضارب السياسات العربية على صعيد القارة، بل ونقل الخلافات والانقسامات العربية إلى الساحة الإفريقية وخصوصاً بعد انشقاق الصف العربي في أعقاب مبادرة السلام المصرية العام 1979م الذي أضعف كثيراً قدرة الدول العربية على التأثير على الدول الإفريقية وألقى بظلاله على مسار التعاون العربي - الإفريقي، وكذلك من أسباب تأثر التعاون العربي - الإفريقي تركيز المؤسسات والحكومات العربية جلّ سياساتها الخارجية على التعاون الرسمي مع الحكومات الإفريقية وإضعاف الدور الشعبي، الأمر الذي جعل علاقات الطرفين هشّة.

ولعل الدخول بقوة اقتصادية في إطار التعاون سواء كان الفاعلون دول بمفردها أو في إطار تنظيمي، فإن ذلك سوف يعكس قوة المدخلات وتحقيق الأهداف. ووضع تصور استراتيجي يتسم بالثبات كلما أمكن ذلك لتمويل التنمية الإفريقية، ذلك أن الإسهام الذي تمّ ويمكن أن يتم إنما يأتي في إطار غياب هذه الاستراتيجية. ولقد كانت المعونات تعطى استجابة لأوضاع خاصة إقليمية وعالمية، ولم تكن نتيجة لتطور طبيعي أو تخطيط. وخلق القاعدة الأساسية، وتهيئة الحياة المستقبلية وفق هذه القاعدة وضوابطها، وخلق جو من التقارب والمصالح المشتركة بين كل الأطراف. وهناك حاجة لاختيار حزمة من مشروعات التعاون في المجالات المختلفة يكون فيها لكل دولة عربية وإفريقية نصيب مع الاستفادة من الثروات والموارد والمزايا النسبية والخدمات الإنتاجية، كما يمتد مجال التعاون إلى المسح المنظم للموارد الطبيعية بغية تطوير استخدامها وترشيد استغلالها، مع تكثيف التصنيع باستغلال وتسويق ونقل المواد التعدينية والأولية، وتشجيع مشروعات الاستثمار في تلك الميادين، ما يعزز الوجود والحضور العربي في القارة الإفريقية.

  وقد أعطت ثورة 23 يوليو في مصر عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر بعداً إفريقياً في فلسفة الثورة، حيث قامت مصر بدعم حركات التحرر في إفريقيا، وأقامت مراكز لها في العاصمة المصرية، كما أسهمت مصر في إقامة أول مؤتمر عربي - إفريقي في القاهرة، وأسست منظمة التضامن الآفرو- آسيوية... غير أن هذا الدور قد ضعف كثيراً بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد من قبل السادات، وزاد انحسار الدور العربي والمصري في إفريقيا خلال عهد مبارك. ومن المؤمل أن تقوم ثورة 25 يناير2011 التي أدت إلى سقوط مبارك، فيما إذا استمرت في تنفيذ برنامجها الإصلاحي، بالانفتاح على إفريقيا وقيام مصر بدور حيوي في تعزيز التعاون العربي - الإفريقي.

إن معظم الفضاءات القائمة مغلقة أو مشبوهة، ويبقى الفضاء العربي الإفريقي البديل الأفضل لكل المشروعات المطروحة في المنطقة سواء من خلال صيغة برشلونة التي تهدف بالدرجة الأولى إلى حل مشكلات  أوروبا، أو الاتحاد المتوسطي الذي يهدف إلى منح شرعية للكيان الصهيوني.  ولدى العرب والأفارقة من الإمكانيات والقدرات ما يمكنهما من أن يتعاملا مع كافة التغيرات بقوة وعزيمة، فإفريقيا والوطن العربي تربطهما من العلاقات التاريخية والثقافية والاقتصادية الوثيقة ما لا يربط بين أيٍّ من الشعوب الأخرى، وهذه الروابط تحتّم التنسيق والتكامل، وتفتح المجال أمام إقامة تجمع عربي- إفريقي، يمثّل في المستقبل ثقلاً هائلاً بين التكتلات الإقليمية والدولية،  وبعد 33 عاماً انعقدت القمة العربية- الإفريقية الثانية تحت شعار«نحو شراكة إستراتيجية عربية - إفريقية»، وتضمّن جدول أعمالها، مناقشة مشروع الشراكة العربية - الإفريقية الذي يهدف لوضع استراتيجية شاملة للعلاقات العربية – الإفريقية، وإقامة منطقة عربية - إفريقية متكاملة تتسم بالتقدم والازدهار وإزالة العوائق التي تعترض سبل التعاون العربي - الإفريقي وتعزيز التنسيق والتشاور المنتظم بين المنطقتين وتكثيف التعاون في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية التي تخدم مصلحة الجانبين.

7- خاتمة:

الآفاق المستقبلية للشراكة العربية - الإفريقية:

لقد قدم العرب الدعم الكبير لحركات التحرر الإفريقي، واتخذت هذه الحركات بعض العواصم العربية مقراً لها في (دمشق، القاهرة، الجزائر)، وقدمت الأقطار العربية المال والسلاح لحركة التحرر الإفريقية، وساهمت في إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية في عام 1963 وفي انعقاد مؤتمر القمة العربي - الإفريقي في القاهرة 1977، وشكّل العرب (صندوق المعونة في إطار الجامعة العربية - الإفريقية) والبنك العربي الإفريقي في الخرطوم، كما قدمت صناديق التنمية العربية في دول الخليج، وفي الجزائر وليبيا، مساعدات وقروض عديدة للدول الإفريقية، بلغت مليارات الدولارات خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وكان التعاون العربي - الإفريقي قد تجلى بأروع صوره عندما قطعت معظم الدول الإفريقية علاقاتها مع (إسرائيل) في حرب 1973، وساندت القضية الفلسطينية ودعمت الحقوق العربية وتحرير الأراضي المحتلة عام [7]1967.

وخلال العقود الثلاثة الماضية انقطعت إفريقيا عن العرب والعرب عن إفريقيا، ولعل تبدل الظروف والأوضاع سواء على مستوى "الداخل" العربي والإفريقي، أو على المستوى الإقليمي والدولي، يفرض الاهتمام بالواقع الاقتصادي للعلاقات العربية الإفريقية، حيث تجمعت عوامل عدة أدت إلى ضعف التبادل التجاري والاقتصادي بين المنطقة العربية وإفريقيا، رغم عمق العلاقات التاريخية وقدمها. واليوم هناك حاجة ملحة إلى عمل كبير يتجاوز العمل الـسياسـي والاقتصادي إلى عمل ثقافي وإعلامي وفكري لكي تعود إفريقيا. وأي تحسين أو تفعيل على الجانب العربي والإفريقي إنما يتطلب تغيرات ضخمة في الهياكل الاقتصادية والأطر المؤسسية في اتجاه خلق درجة من التكامل بين اقتصاد الطرفين، بما يحقق صوراً للمصالح المتبادلة. وفي إطار تلك التوجهات والإصلاحات فإن الفرصة تكون سانحة لإقامة سوق عربية- إفريقية تغذيها فرص التكامل بين الثروات الإفريقية ورؤوس الأموال العربية.

وهناك مجموعة عوامل وأسس يجب الاستفادة منها في التعاون العربي- الإفريقي، وهي أن إفريقيا العمق الاستراتيجي للوطن العربي وسلة غذاء العالم وسوقه الكبيرة، وفي المقابل تتوافر في المنطقة العربية الموارد النفطية الهائلة ما يجعلها منطقة حيوية، وبالتالي يمكن إقامة نظام اقتصادي إقليمي جديد قائم على العدالة ومصلحة الشعبين في مواجهة التكتلات الأخرى ... لذلك يجب وضع أهداف التنسيق السياسي وقواعد عمل جديدة، بحيث تقوم الدبلوماسية العربية والإفريقية بتعزيز المصالح المشتركة والأولويات الملحة والطارئة والدبلوماسية الوقائية، وحل النزاعات وتوحيد المواقف، بما يكفل المصالح المشتركة للجانبين، وتكثيف التمثيل الدبلوماسي العربي في القارة الإفريقية، والبحث عن وسائل حديثة وعصرية لخلق علاقات سياسية فعالة تقوم على وسائل الاتصال المباشرة والفعالة واعتماد الدبلوماسية الشعبية والدبلوماسية الناعمة بما يحقق أفضل العلاقات بين الجانبين  في مختلف المجالات، وتبادل المعرفة والخبرات مما يسهم بتكامل الجهود الحكومية والشعبية للوصول بالعلاقات الإفريقية - العربية إلى خلق فضاء عربي - إفريقي مشترك في مختلف المجالات...

 ويمكن للنتائج السياسية التي توصلت إليها القمم العربية- الإفريقية أن تبعث على الأمل في تدشين عهد جديد من أجل بناء أسس الشراكة والتكامل بين الفضاءين العربي والإفريقي اللذين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والنضال التحرري... وفي ضوء العلاقات التاريخية بين العرب والأفارقة، ومسيرة التعاون المشترك، يمكن للرؤية المستقبلية الاستراتيجية لآفاق التعاون العربي - الإفريقي أن تنطلق من تحديد العوامل التي تؤدي إلى تعزيز الفضاء العربي - الإفريقي، وتحديد الآليات الدافعة لهذه الرؤية لتتجسد، وبشكل عملاتي، والعرب كما الأفارقة يعانون من التدخّل الخارجي، ومحاولات الهيمنة على الموارد ومصادرة الإدارة السياسية، لذلك فإن التعاون العربي - الإفريقي، يجب أن ينطلق من إيمان وإدراك بأن الآلام والآمال تشكل هاجساً مشتركاً، في ظل معطيات إقليمية ودولية تحتّم توسيع آفاق التعاون المشترك، وهو ما يشكل بعداً استراتيجياً للعلاقات، ومواجهة التحديات المستقبلية، وإقامة شراكة حقيقية على أرض الواقع تجمع بين العرب وإفريقيا.

[1]-أوضاع المسلمين في إفريقيا المعاصرة / د. أحلام عبد الرحيم أحمد مصطفى

[2]-العلاقات الإفريقية - العربية/  عمر ولد سيدي محمد.

[3]-الجذور التاريخية للعلاقات العربية - الإفريقية / راوية توفيق

[4]-العرب وإفريقيا: فضاء استراتيجي مشترك/الصادق المهدي

[5]-التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا ومخاطره على الأمن العربي / غازي دحمان

[6]-التكامل الاقتصادي العربي - الإفريقي/ مجلة الزحف الأخضرالليبية

[7]-الدكتور عيسى درويش/ وقفة على التعاون العربي - الإفريقي 

فرنسا في عهد ساركوزي

مقدمة(نشأة ساركوزي وحياته السياسية)

منذ أن جاء الرئيس الفرنسي /ساركوزي/ إلى رأس السلطة في فرنسا اتضح تأييده المطلق لإسرائيل ووقوفه مع "أخواله"  الصهاينة "نسبة لأمة اليهودية" ساركوزي هذا عاشق للصهيونية التي تغتصب الأراضي العربية كما وصفه بعض الكتَّاب.

وقد بات من الوائح أنه أحدث مساراً مختلفاً في السياسة الفرنسية تجاه الصراع العربي الصهيوني عندما اختار /ساركوزي/ "الساركوزية" " بدل "الديغولية" مؤكداً أنه سيسعى إلى تحقيق المصالح الفرنسية على حساب أية مصالح أخرى حسب ادعائه.

فأين أصبحت فرنسا في ظل الساركوزية؟ هذا ما سنحاول التطرق إليه في هذا البحث.

بداية لابدَّ من العودة إلى نشأة ساركوزي وحياته الخاصة والوسط السياسي الذي نشأ وتدّرج فيه.

وُلد "نيكولاي ساركوزي" في /28/ كانون الثاني عام 1955 بالدائرة السابعة عشرة بالعاصمة الفرنسية باريس، وينتمي لأصول مجرية حيث كان والده أحد المهاجرين المجريين، ولكن نشأته كانت في باريس، وكانت أمه ذات أصول فرنسية كاثوليكية ويهودية يونانية.

تزوج مرتين وأنجب ثلاثة أبناء الثالث من زوجته السابقة "سيسيليا" التي طلقها في شهر تشرين الأول عام /2007/ بعد زواج استمر /11/ عاماً، ولم يكن الطلاق مستغرباً، لأن "سيسيليا" تغيبت عن حضور المناسبات الرسمية وحظيت بمشوار مهني ناجح في عملها كعارضة أزياء، ثمّ كموظفة إدارة في البرلمان الفرنسي، وصرحت علناً بأنها لا تحبذ الدور التقليدي للسيدة الأولى لأنها ليست سياسية، ويصيبها هذا الدور بالملل على حد قولها، هذا مع العلم بأنهما كانا مطلقين عندما تزوجا عام /1996/، وكان لكل منهما طفلان من زواج سابق، وقد أنجب ساركوزي من "سيسيليا" ولداً اسمه "لويس".

 بعد ذلك تزوج "ساركوزي" للمرة الثالثة من عارضة الأزياء والمغنية "كارلا بروني" في قصر الإليزيه يوم السبت 12 شباط 2008 وهو الزواج الثالث له، وجرى في قصر الإليزيه في باريس لأول مرة لرئيس يطلق زوجته ويتزوج من أخرى أثناء ولايته....

في عام 1978 حصل ساركوزي على شهادة عليا في الحقوق ـ القانون الخاص، وفي عام 1981 حصل على شهادة مؤهلة لممارسة المحاماة، وشهادة عليا أخرى في العلوم السياسية من معهد العلوم السياسية في باريس.

شغل ساركوزي العديد من المناصب منها:

مهنة المحاماة ـ مستشار لبلدية (نويلي رسورسين) ـ ثم رئيساً لها ما بين  1983 ـ 2002 ـ عضو استشاري في المجلس الإقليمي العام لإقليم (إيل دوفرانس) ـ ثم نائب في إقليم (هوردي رسين) ـ ثم رئيساً له ـ ونائباً في البرلمان الأوروبي (الاتحاد من أجل أوروبا) عام 1999 .

ثم تقلّد عدداً من الوزارات: وزيراً لشؤون المالية ـ وزيراً لشؤون الاتصال الإعلامي ـ وزيراً للداخلية والأمن الداخلي والمديريات المحلية ـ2002 ــ 2004 ـ وزيراً للدولة والاقتصاد والمالية والصناعة ـ وزيراً للدولة ــ وزيراً للداخلية والاستصلاح الاقتصادي 2005.

ثم استقر رئيساً جديداً في مقر الرئاسة الفرنسية في قصر الإيليزيه في السادس من أيار 2007 وهذا ما كان يحلم به ويعمل من أجله وذلك بعد أن تفوق على (سيجولين روايال) مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي، حيث حصل على 53 % من الأصوات، بعد أن رُشِّح للرئاسة من قبل الحزب الذي كان يتزعمه (حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية ) لانتخابات الرئاسة .

ومما يجد ر ذكره أن ساركوزي دخل المجال السياسي وهو مازال في الثانية والعشرين من عمره عام 1977 حين انضم للجنة المركزية لحزب التجمع من اجل الجمهورية , وفي عام /1995/ أصبح عضواً في المكتب السياسي للحزب , ثم أصبح أميناً عاماً لحزب التجمع من اجل الجمهورية في عام 1998 وفي عام 1999 أصبح نائب رئيس لهذا الحزب ، وفي تشرين الثاني عام /2004/ أصبح رئيساً لهذا الحزب الذي أسسه الرئيس السابق (جاك شيراك). هذا ويعتبر ساركوزي منذ سنوات الرجل القوي في اليمين الحاكم الفرنسي , وهو من الداعين إلى القطيعة مع السياسات السابقة لإحداث تغيير في البلاد , حيث لطف هذا المفهوم أمام ناخبيه باستخدام عبارة التغيير الهادئ من اجل تبديل المشهد السياسي الفرنسي .

هذا ويؤخذ على ساركوزي أنه يصطاد في مياه اليمين المتطرف، وقد اتهم بذلك في ضوء طرحه استحداث وزارة للهجرة والهوية الوطنية، كما يتخذ أحياناً مواقف مفاجئة ومتناقضة.

وقد أعلن ساركوزي من بداية انتخابه رئيساً لفرنسا أنه سيتّبع نهجاً سياسياً يقوم على عدة أفكار منها:

ـ أن تكون فرنسا شريكاً متعاوناً بالنسبة لأوروبا، وصديقة للولايات المتحدة الأمريكية.

ـ إيمانه بالاندماج الأوروبي وأهمية تعزيز علاقات فرنسا مع جيرانها من دول حول البحر الأبيض المتوسط، وأهمية الربط بين قارتي أفريقيا وأوروبا.

ـ محاربة الهجرة غير الشرعية كما يسميها، وذلك كامتداد لموقفه المتشدد من المهاجرين عندما كان وزيراً للداخلية.

ـ التعهد بخفض البطالة إلى أقل من 5% مع حلول 2012 إلى جانب العمل على خفض الضرائب.

ومما يجدر ذكره أن سياسة ساركوزي الخارجية المتشددة والتي تمثلت عربياً بموقفه المتطرف من ليبيا، واعترافه الدبلوماسي بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي وقيادته للحملة العسكرية والسياسية على ليبيا وممارسته الضغوط على سورية بأشكال متعددة، هذه السياسة جعلت الكثير من المحللين السياسيين يشيرون إلى تأثر ساركوزي بأفكار الفيلسوف الفرنسي (برنارد هنري ليفي) اليهودي والصهيوني النزعة والذي كان المحرض الرئيسي لفرنسا لإقامة المجلس الانتقالي في بنغازي وإصدار قرار مجلس الأمن رقم /1973/ بشأن التدخل في ليبيا، وهو الداعي أيضاً لإتباع سياسة فرنسية جديدة في الخارج ترفع منزلة فرنسا في الساحة العالمية حسب زعمه وتقوي نفوذها في الدول العربية، متجاهلاً أن هذه السياسة المتشددة ستقف عقبة أمام فوزه بولاية رئاسية ثانية.

أولاً ـ المدرسة الديغولية والرؤساء فيها:

ليس من الممكن فهم سياسة "ديغول" تجاه العرب إلا إذا وضعت في مكانها الصحيح وفي نطاق الرؤية الشاملة التي كان الجنرال يرى من خلالها موقع فرنسا في العالم، والمصير المُقدّر لها في تطوير الحقائق القومية والدولية، علماً بأن قضية الاستقلال الوطني كانت موضع اهتمامه الدائم والمستمر وفوق أي اعتبار.

عندما كان ضابطاً في الجيش وضع عام 1932 مؤلفه بعنوان (على شفار السيف) أدرج فيه رؤيته لفرنسا مثالية كبرى تقوم على فلسفة جديدة تستمد وحيها وإلهامها من التقاليد الفرنسية ذاتها. وقد وجدت الشعوب والأمم ذات الثقافة العريقة كالأمة العربية  في آرائه ونظرياته آمالاً كبيرة تتفتح في أفاقها.

هذا ويلاحظ الدارس لتاريخ فرنسا تيارين دائمين مستمرين:

ـ أولهما تيار الفتح والغزو النابع من شهوة الربح والغنائم.

ـ والثاني تيار إنساني كريم مبني على فكرة التعاون والتبادل.

ولا شك بأن الجنرال ديغول يرتبط بالتيار الثاني كما أكدت أعماله وسياسته.

هذا وتنقسم علاقة فرنسا مع العالم الخارجي إلى مرحلتين تربط بينهما مرحلة محورية أو مفصلية.

ـ ففي الفترة بين عامي 1958 ــ 1963 كان ديغول يحاول عبثاً تغيير السياسة الأطلسية والتفردية للولايات المتحدة .

- وفي الفترة مابين 1964-1965  يشتد تقاربه مع الاتحاد السوفياتي السابق ويتزايد قلقه من تعاظم قوة الولايات المتحدة.

أما المرحلة المحورية أو المفصلية فقد شهدت تقارباً مع العالم الثالث وتحسناً في أجواء العلاقات مع الدول العربية إلى جانب رفضه دخول إنكلترا إلى السوق المشتركة وتباعده مع الولايات المتحدة.

وبالنسبة للعرب بشكل خاص، وضع الجنرال ديغول وكما هو معروف حداً للنزاع مع الجزائر، وأعاد العلاقات مع معظم الدول العربية، انطلاقاً من أهمية الموقع الإستراتيجي والجغرافي للوطن العربي وموارده وسكانه.

كما أخذ الرئيس ديغول التحولات التي طرأت في الوطن العربي بعين الاعتبار في علاقات فرنسا بالعرب، ومنها على سبيل المثال انبعاث الحركة القومية العربية من خلال ثورة /23/ تموز في مصر 1952 بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والثورة الجزائرية التي كانت تطالب باستقلال الجزائر، ثم النجاحات التي أحرزها حزب البعث العربي الاشتراكي في كل من سورية والعراق والذي كان مؤسسوه قد درسوا في فرنسا وتأثروا بأفكار الثورة الفرنسية بشكل واضح . ولقد أعطى للجزائر أهمية خاصة أكثر من الاهتمام الذي أعطاه لتونس والمغرب لعدة أسباب منها: اعتقاده بضرورة التركيز على الجزائر لطي صفحة الماضي معها /الاستعمار الفرنسي الذي دام أكثر من مئة عام ثم أن تونس و المغرب كانتا أقرب إلى واشنطن منها إلى فرنسا، إلى جانب أنه كان يعتبر الجزائر الباب الضيق لدخول فرنسا إلى العالم الثالث.

هذا وعمل ديغول على دعم مصر بعكس الولايات المتحدة وإنكلترا اللتين عملتا على إضعافها، ورسالته إلى مصر للتعزية بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر تدل على حبه لمصر، حيث عبر فيها  عن حزنه العميق على عبد الناصر، وأشاد بذكائه وشجاعته وبالإنجازات التي حققها لبلده خلال فترة حكمه.

ومنذ عام 1963 بدأ ديغول باستقبال حكام ورؤساء عرب بشكل واسع وفي أعقاب غارة إسرائيلية على مطار بيروت في 28 كانون الأول عام 1968 اتخذ قراراً يفرض الخطر على طائرات الميراج التي أوصت عليها تل أبيب.

لقد تميزت السياسة الفرنسية في عهد ديغول بخيارات إستراتيجية عامة للتحالف مع شعوب العالم وبصورة خاصة مع الأمة العربية وتميزت السياسة العربية لفرنسا بتعاطف واضح مع مختلف القضايا العربية ، وقد سعى الرؤساء شيراك وميتران وجيسكار ديستان للسير على خطى الزعيم الروحي شارل ديغول في هذا الاتجاه، ولكن كل بأسلوب وخلفية مختلفة باتجاه الحرص على السياسة العربية المتميزة لفرنسا، حيث أصبحت العلاقات العربية الفرنسية تتلاقى في أكثر المواقف ، منها مثلاً الموقف الشجاع للرئيس شيراك وتعاطفه مع القضية الفلسطينية والعراقية وما رافقها من أحداث مثل المشادة الكلامية التي حدثت مع الجانب الإسرائيلي في القدس وموقف فرنسا الرافض لغزو العراق واحتلاله، وتأكيده على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

على أية حال، يبقى الموقف الفرنسي من قضية فلسطين ومن غزو العراق موقفاً تاريخياً وفياً للإرث الديغولي الوطني المستقل والذي يخدم في الوقت نفسه مصالح فرنسا الوطنية وقضايا الأمة العربية المصيرية.

وما من شك في أن المصالح الفرنسية سياسية كانت أم تجارية أم ثقافية تتطلب وجود عالم متعدد الأقطاب ، وليس عالماً محكوماً بدولة واحدة، وهذا مفهوم دولي أرساه الرئيس ديغول، كونه يؤمن لفرنسا وجودها في العالم، وبالتحديد في المنطقة العربية، ويضمن لها استقلالية الحصول على الطاقة.

لقد وعت فرنسا وباختلاف تيارات الجمهورية الديغولية الخامسة ـ رغم التقارب مع أميركا؛

وعت وجود نزعة الهيمنة لدى الولايات المتحدة والتي سبق وأن تحدث عنها الجنرال ديغول واصفاً حلفاء فرنسا الأطلسيين بـ "القوة العنهجية المتسلطة على العالم" والمقصود بذلك" الولايات المتحدة".

هذا ويمكن القول بأن الخط الذي رسمه ديغول لسياسة فرنسا لم يخرج عنه من الرؤساء الذين جاؤوا بعده إلا ساركوزي ، وإن كان لكل رئيس منهم أساليبه الخاصة.

فالرئيس "بومبيدو ـ على سبيل المثال ـ عمل على توسيع الطريق التي شقها الرئيس ديغول وكان يقول بالنسبة للعرب بأنه ليس من الواجب على فرنسا تحويل النزاع العربي ـ الإسرائيلي إلى نزاع بين الشرق والغرب، وأن الموقف الفرنسي من هذا النزاع يجب أن يكون موضوعياً ، وألا يكون مع هذا الفريق ضد الفريق الآخر . وكان أيضاً متحمساً لفكرة التعاون الدولي، ولتحويل البحر المتوسط إلى بحيرة للهدوء والسلام، بحيث تنشأ حوله حضارة صناعية يكون الإنسان فيها غاية لا وسيلة.

وعندما فاز/ ميتران/ بالرئاسة الفرنسية شهدت فرنسا ركوداً اقتصادياً وتراجعاً في الخدمات العامة والمساعدات الاجتماعية رغم دعم الاتحاد السوفياتي له آنذاك، ورغم برنامجه الطموح في تطوير الصناعات الوطنية وتحسين مستوى المعيشة واعتماده سياسة حازمة في تحرير الاقتصاد والمجتمع. ولكن لا يزال الفرنسيون يذكرونه بالخير.

هذا ورغم أن "ميتران" عرف لحظة انتخابه بالانتماء إلى الأطلسية وبالتأييد لإسرائيل، إلا أنه سرعان ما اكتشف ضرورة وحتمية احترام الإرث الديغولي وتقدير أهميته في الدفاع عن مصالح فرنسا، وضرورة عدم الخروج في السياسة عن الصفات الوطنية العريقة الموجودة في أعماق المواطن الفرنسي على الدوام.

كذلك عُرِف الرئيس /فاليري جيسكار ديستان/ الذي جاء إلى الرئاسة الفرنسية قبل /ميتران/ بقربه من إسرائيل وبميوله الأطلسية إلا أنه أدرك أيضاً أهمية الإرث الديغولي الذي يضع المصالح الفرنسية فوق كل اعتبار.

إذاً وحده /ساركوزي/ الذي يسعى لضرب هذا الإرث الديغولي والتنكر له إرضاءً لتحالفاته المشبوهة ولميوله الصهيونية ومزاجيته الخاصة.

ثانياًـ الظروف التي جاء بها ساركوزي إلى الرئاسة :

يتميز/ ساركوزي / بالصمت والكتمان كما يصفونه وقد تقلد عدة مناصب وزارية وغيرها، وعندما منحه الفرنسيون ثقتهم انطلقوا ـ وخاصة الشباب منهم ـ من أن فرنسا تعيش مرحلة الشيخوخة ، وأصبحت رجل أوروبا المريض ، ورئيسها شيراك هو أكبر الرؤساء سناً، وهي تعاني مشاكل عميقة في الداخل والخارج، رغم أنها شهدت في بعض مراحل الفترة السابقة نوعاً من الازدهار والرخاء الاقتصادي أديا إلى زيادة الخدمات الاجتماعية والمعونات التي تقدم للأوساط الفقيرة، لكن جيل الشباب أخذ يشعر أن فترة الازدهار تتراجع بعد أن فقدت فرنسا مستعمراتها التي كانت تزودها بالكثير من الموارد وتستهلك الكثير من المنتجات الفرنسية.

كذلك تعاني فرنسا من أزمة هوية حادة أمام الضغط الأميركي عليها في أكثر من مجال وخاصة الضغط على اللغة الفرنسية مما جعلها غير ذات فائدة أمام المخترعات والتطورات العلمية . كما تعاني من انقسامات اجتماعية أظهرتها أحداث الضواحي والأحياء الفقيرة التي جرت فيها؛ هذه الأحداث التي تصدى لها بحزم ساركوزي بصفته وزيراً للداخلية ، هذا فضلاً عن البطالة وتراجع مستويات المعيشة والحماية الاجتماعية .

ومما يجدر ذكره أنّ الولايات المتحدة كان لها دور كبير في رسم ملامح سياسة أوربية ملائمة لها لاسيما بعد الحرب على العراق ورفض العديد من الأنظمة الأوربية مساندة واشنطن في ذلك.لقد بدأت هذه السياسة بإزاحة "شرويدر" الاشتراكي عن السلطة في ألمانيا بعد معارضته الشديدة للحرب على العراق لتحل محلّه " أنجيلا ميركل" من يمين الوسط ، وعانى اليسار في بلجيكا من خسارته في الانتخابات الأخيرة لصالح اليمين . كما ويعاني الحزب الاشتراكي الاسباني بزعامة "بالاثيرو" من ضغوط كبيرة خاصةً بعد سحب قوات بلاده من العراق، وتحسين علاقاته مع العرب وإيران والصين وروسيا ، ويعاني الاتحاد الأوربي برمته من صعوبات كثيرة قانونية واقتصادية .

والسؤال الآن ، ضمن هذه المعطيات والظروف والمشاكل أين يقف ساركوزي؟.

لقد تضمن برنامجه الانتخابي رؤيته لفرنسا الجديدة على أساس رفض الليبرالية المحافظة وإعادة الديناميكية الشابة.

ولكن على صعيد أرض الواقع، فقد تخلى عن وعوده وهو يحاول الإساءة إلى المبادئ الديغولية التي يدعي أنها شاخت..

إلا أن المواقف الأكثر وضوحاً في سياسة ساركوزي هي تأييده للسياسة الأمريكية، مخالفاً بذلك كل الأعراف التي سارت عليها السياسات الفرنسية السابقة، وبرز موقفه الواضح في تأييده لمشروع الدرع الصاروخي الذي اقترحته الولايات المتحدة في أوروبا. كما أنه لم يبد موقفاً نقدياً واحداً للاحتلال الأمريكي للعراق، ويقف إلى جانب واشنطن فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب دون تحفظ سائراً على  خطا " طوني بلير" في بريطانيا الذي أيد بقوة السياسة الأمريكية دون أية تحفظات وجعل بريطانيا بمثابة الذيل للولايات المتحدة تؤيدها في كل صغيرة وكبيرة حتى ولو جاء هذا التأييد على حساب المواطن البريطاني. وساهم أيضاً في دعم الحرب الأمريكية ضد أفغانستان من خلال اشتراك القوات الفرنسية بفعالية ضمن قوات الناتو وتصريحات ساركوزي المستمرة حول ضرورة مشاركة فرنسا في هذه القوات.

ثالثاً : تنكره للديغولية ووضع فرنسا تحت مظلة السياسة الأمريكية.

يبدو من الواضح أن الرئيس الفرنسي السادس " نيكولا ساركوزي" تجنب خلال حملته الانتخابية الخوض في تفاصيل السياسة الخارجية وخاصة حول بعض المسائل كموقع فرنسا داخل أوروبا ، وأي أوروبا يريد؟ هل هي أوروبا الأوروبية المستقلة والعزيزة على "ديغول" أم أوروبا الأطلسية القريبة من التيار الأطلسي الأمريكي والتي من خلالها تطبخ السياسة الشرق أوسطية التي لا تتوافق بتاتاً مع المصالح السياسية لفرنسا في العالم ، والتي لا تنسجم مع الإرث الديغولي؟؟

نستطيع القول ومن خلال الوقائع والأحداث أن الرئيس "ساركوزي" قد وضع فرنسا تحت مظلة السياسة الأمريكية ، سواء كان ذلك في أوروبا ، أم في العالم بأسره، فقد أيد بقوة احتلال العراق ودافع عن ذلك بعنف ، ولم يكن منصفاً أو موضوعياً مع قضايا الأمة العربية وخاصةً قضية فلسطين وقضية احتلال العراق وغيرهما.

إنَّ ممارسات ساركوزي على صعيد السياسة الخارجية تشير إلى استعداده للتضحية والإطاحة بالخط الفرنسي الذي رسمه الرئيس الأول في الجمهورية الخامسة "شارل ديغول"، ذلك الخط الذي شكل مفتاح نجاح فرنسا وطريقها المتوازن في الحفاظ على المصالح الفرنسية في العالم وترسيخ الدور الفرنسي المتميز في عالم متعدد الأقطاب، بدلاً من الالتحاق بالسياسة الأمريكية كما يجري الآن..

على أية حال، هذه السياسة الساركوزية ليست مستغربة، والدليل على ذلك اختياره "كوشنير" ليكون وزيراً لخارجية فرنسا ؛ "كوشنير" هذا الذي أبدى أسفه لعدم وقوف فرنسا إلى جانب الأمريكيين في الحرب على العراق، وكذلك صاحب نظرية ومبدأ التدخل في شؤون الدول تحت ستار المساعدة الإنسانية، وهذا ما يتلاءم مع السياسة الأمريكية الحالية التي استندت إلى حجج نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان ومساعدة الشعوب في مجالات التنمية .

لقد أكد محللون سياسيون غربيون أنّ ما أثلج صدر الرئيس الأمريكي السابق "بوش" هو وصول حليف له إلى رئاسة دولة أوربية متوسطية قريبة جغرافياً وتاريخياً من المنطقة العربية، حليف يُجيد كيفية التعامل مع العرب انطلاقاً من هذه الفرضية، و قد زار ساركوزي الولايات المتحدة والتقى /بوش/ عدة مرات في خصم الانتخابات الرئاسية في فرنسا /2006 ــ 2007/، ثمَّ من خلال اتصالاته ومشاوراته الدائمة معه.

هذا وقام ساركوزي بطرح مشروع /الاتحاد من أجل المتوسط/ بشكلٍ ارتجالي فاجأ كل المحللين السياسيين، وذلك ليكون البديل لمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي أخفق بفضل فشل المخطط المشبوه ضد المقاومة الوطنية اللبنانية . وليتمكن ساركوزي من إقامة هذا الاتحاد، كان عليه الفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وقد استغل ساركوزي تأييد /بوش/ ومزاياه الشخصية، وزحف باتجاه قصر الرئاسة الفرنسية.

لقد أشهر ساركوزي أطلسيته وإعجابه بالنمط الأمريكي السياسي والاقتصادي الليبرالي في حزب التجمع من أجل الجمهورية الشيراكي بفرنسا، ولم  تكن له معارضة قوية في ذلك يمكن أن تقف أمام أفكاره وسياسته.

ـ أدان ساركوزي الحرب على العراق بشكلٍ خجول جداً، في الوقت الذي كان فيه الموقفان الفرنسيان الشعبي والرسمي معاديين بقوة لهذه الحرب المدمرة.

ـ وصل ساركوزي إلى رئاسة الحزب الحاكم والسيطرة التامة عليه وجذب بعض أقطاب شيراك إلى جانبه، بفضل مجابهته العنيفة لمعلّمه /شيراك/ ولرئيس وزرائه /دوفلبان/ والانتصار عليهما بذكاء ممزوج بخبث سياسي نادر. علماً بأنه تمت تبرئة كل من شيراك و دوفلبان من التهم الموجهة إليهما قضائياً وقد أعلن ساركوزي أثناء خوض الانتخابات الرئاسية أنه من أب كاثوليكي مهاجر من هنغاريا، وأن أمه يهودية، وأن صداقته لإسرائيل وحرصه على أمنها أمران غير قابلان للمناقشة.

ركز ساركوزي على الانفتاح السياسي في الخارج مؤكداً على موقفه المناهض لانضمام تركيا الآسيوية إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى طموحه القويّ لتحقيق اتحاد متوسطي تأخذ فيه تركيا نصيباً كبيراً يعوضها عن انضمامها للاتحاد الأوروبي.

ـ كان /كوشنير/ من أكبر المروجين لغزو أمريكا للعراق، ومن الداعمين لإسرائيل وما زال  ساركوزي يثق به ويعتمد عليه اعتماداً كلياً بالرغم من تركه منصب وزير الخارجية.

ـ إنَّ مبادرة ساركوزي لقيام الاتحاد المتوسطي لم تلقَ تأييداً أوروبياً وتبيَّن أن هناك صعوبات تعترضها أهمها:

1 ـ إنها فكرة أحادية وارتجالية من حيث طرحها وربما "بوشيّة المرجع".

2 ـ صعوبة قبول بعض الدول العربية لمبادرة كهذه بسبب الحساسية المشروعة لدى بعض الدول جراء تجاربها السابقة  مع أوروبا، أو لكون ساركوزي الداعي لهذا الاتحاد أمريكي الهوى، إسرائيلي التعلق، إلى جانب اعتبار المبادرة /عملية تطبيع مجاني/ بين العرب وإسرائيل بهدف جعل الأخيرة الكيان الأكثر أهمية في محيط عربي مُحْبَط وضعيف وفقير برغم ما يتمتع به هذا المحيط من قدرات بشرية وثروات نفطية هائلة.

3 ـ الكلفة المالية لتحقيق المشروع والجهات التي ستتحملها، حيث سيأخذ الاتحاد الأوروبي على كاهله الجزء الأكبر من هذا العبء.

ومما يجدر ذكره أن ليبيا رفضت فكرة المشروع عند طرحه، واعتبرته فكرةً أجنبية غامضة المعالم والأهداف تُمْلَى على العرب إملاء كبديل عن اتحاد عربي ـ أفريقي، وتجبرهم على قبول لقاءات مع مسؤولي إسرائيل.

كذلك الجزائر لم تكن راضية عن المشروع بعد رفض ساركوزي لمطلبها باعتراف الدولة الفرنسية بوحشية ما قامت به من استعمار استيطاني والاعتذار للشعب الجزائري. أما تركيا فقد رفضت الفكرة كون الهدف منها إبعاد تركيا عن طموحها لقبولها بالاتحاد الأوروبي كعضو فاعل، كذلك تحفظت سورية على المشروع إدراكاً منها لأبعاده الخطيرة وخاصة ما يتعلق بتسويق إسرائيل من خلاله في المنطقة العربية وتسييدها عليها.

4 ـ سيؤدي المشروع إلى فصل ثماني دول عربية بشكل مباشر وغير مباشر عن بيئتها العربية الطبيعية المتمثلة بالجامعة العربية  هي: /مصر المغرب ـ تونس موريتانيا ـ الأردن ـ الجزائر ـ ليبيا ـ سورية/ فيما لو تحقق هذا المشروع.

5 ـ صعوبة حل القضايا العالقة بين دول جنوب وشرق المتوسط ومنها مثلاً:

  • بين إسرائيل والدول العربية .
  • بين الجزائر والمغرب حول مصير الصحراء الغربية.
  • بين لبنان وسورية حول المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري.
  • بين تركيا من جهة واليونان وأوروبا من جهة أخرى حول مصير وحدة طرفي جزيرة قبرص.

بين دول المتوسط وأوروبا حول إيقاف الهجرة من الجنوب وعبر دول المتوسط الجنوبية إلى دول أوروبا.

6 ـ إمكانية رفض الكونغرس الأمريكي تفعيل هذه الفكرة تحاشياً لجعل أوروبا مركز نفوذ منافس لها في المنطقة العربية.

هذا وقد دعا ساركوزي كل قادة دول حوض البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي لمؤتمر قمة المتوسط في باريس في 13 تموز 2008 وبشكل عام يمكن القول بأن هذا الاتحاد ليس أكثر من حبر على ورق.

رابعاً ـ ساركوزي وتراجع الاقتصاد الفرنسي:

لقد أصبح الوضع الاقتصادي في فرنسا في عهد ساركوزي مثيراً للقلق حيث تؤكد التقارير أن الاقتصاد الفرنسي من أكثر الاقتصادات التي تأثرت بالأزمة الاقتصادية التي تضرب أوروبا وحيث قدمت البنوك الفرنسية قروضاً كبيرة لدول أوروبية من الصعب عليها سداد مديونياتها، وبالتالي أصبح الاقتصاد الفرنسي في مأزق صعب كما تشير الإحصائيات إلى انكماش الاقتصاد الفرنسي خلال العام الماضي بنحو 1.5%، ووصلت البطالة إلى 8.8% وهو رقم قياسي، وفقدت سوق العمل الفرنسية نحو 400 ألف وظيفة. واعترف رئيس الوزراء الفرنسي بأن العجز في الميزانية الفرنسية سيخرج عن السيطرة في وقت قريب. كما تراجع الإنتاج الصناعي بشكل كبير تعدى الـ 6% وهو رقم كبير للغاية. كل هذا جعل الفرنسيين يشعرون بقلق على مستقبلهم الاقتصادي، وبالتالي ازدادت الإضرابات ضد السياسة الداخلية الساركوزية وخرجت مظاهرات مليونية في باريس وغيرها من المدن، الأمر الذي يدل على فشل الوعود الاقتصادية الساركوزية . وقد اضطرت الحكومة الفرنسية إلى تطبيق سياسة الترشيد في كل شيء /وقود التدفئة وإلى خفض عدد قواتها العاملة في الخارج بنسبة 20% والإعلان عن إلغاء 45 ألف وظيفة بحلول عام 2015 وهذا كله أدى إلى إلحاق هزيمة كبرى بحزب ساركوزي في الانتخابات المحلية الأخيرة، وإلى الشكوك بقدرات ساركوزي كذلك انتزع اليسار الفرنسي مؤخراً الأغلبية في مجلس الشيوخ الفرنسي وهذا ما يجسد ضربة جديدة لــ ساركوزي.

خامساً ـ ولاؤه لإسرائيل وحقده على العرب:

في إطار الحديث عن تأييد ساركوزي لإسرائيل وصداقته العميقة لها نعود إلى كتاب بعنوان "ساركوزي وإسرائيل واليهود" للمؤلف "بول إريك بلانرو"، وهو كاتب فرنسي عريق من أصول يهودية تعود إلى مصر، عرف الشرق الأوسط جيداً.

ماذا يقول هذا الكاتب في كتابه المذكور؟.

يقول :"الرئيس ساركوزي ليس فقط قريباً من إسرائيل وإنما مناصر لها، وهو قال هذا الكلام بنفسه خلال خطاب له في الكنيست الإسرائيلي، قال :" إنه مناصر مطلق لأمن إسرائيل " وهذا مؤسف بالنسبة لرئيس جمهورية ... فهو انحاز إلى اللوبي الصهيوني . ولم يكن ذلك صدفة ، وإنما لأن هذا اللوبي هو الذي أوصله إلى السلطة ، وجاءه الدعم أيضاً يومذاك من أميركا .

ذهب ساركوزي إلى الولايات المتحدة ، حيث استقبل بحفاوة بالغة خاصة من قبل اللجنة اليهودية التي تعتبر أكبر منظمة صهيونية في العالم . وهو مؤيد لإسرائيل في محطات كثيرة حتى قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية ، منها تأييده لإسرائيل في حربها على لبنان قبل أن يصبح رئيساً ، وحينما أصبح رئيساً للجمهورية ، وخلال الحرب على قطاع غزة أرسلت فرنسا فرقاطة للتعاون مع مصر لمنع المقاومين الفلسطينيين في غزة من تلقي الأسلحة "هذه بعض مواقف ساركوزي المؤيدة لإسرائيل ،علاوة على ذلك ، بعد عام من انتخابه رئيساً للجمهورية الفرنسية قام ساركوزي بأول رحلة زيارة إلى بلده المفضل "إسرائيل" الذي بلور فيه خطابه المؤسس لنظريته وأرضية حملته الانتخابية .. لم يتوقف /ساركوزي/ عن تبجيل ومدح إسرائيل في كل مرحلة من مراحل مساره نحو السلطة، وبالتالي فاجأ أتباعه الأكثر تحمساً بتعصبه المفرط للصهيونية وإسرائيل . إن ساركوزي هو أول رئيس فرنسي ذي أصول متعددة ، وهو بدون شك الأكثر مساندة ودعماً لإسرائيل من بين الرؤساء الفرنسيين ، وهو الأكثر مقتاً بين الزعماء الفرنسيين لدى الرأي العام العربي منذ«غي مولي» الوزير الأول الاشتراكي السيئ الذكر ، الذي كان وراء تنظيم الحملات القمعية بالجزائر العاصمة عبر سفيره «روبير لاكوست» و الحملة على قناة السويس عام 1956 / العدوان الثلاثي الفرنسي الانكليزي الإسرائيلي ضد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ووصلت الأمور إلى درجة أنَّ ساركوزي طلب مشورة خاصة من وزير الأمن الإسرائيلي «آفي دختر» من أجل قمع انتفاضة الضواحي من أجل قمع انتفاضة الضواحي التي حصلت في فرنسا.

إن العداء الخاص الذي يكّنه  ساركوزي للعرب ليس مرتبطاً بميوله السياسية و العاطفيّة و ارتباطه الوثيق بالصهيونية وإسرائيل وحسب ، بل هو ينبعُ أيضاً من مواجهته الدائمة والأحادية الجانب للغير ،

واصفاً العرب بآلات التنظيف (كارشر) في إشارة إلى أحد ماركات التنظيف ، وبالأوباش ، و أنهم يذبحون الأكباش في حوض الاستحمام. لاشك بأنَّ هذه العبارات ستظل راسخة في الذاكرة مُشكلةً الوجه القبيح لعنصريةٍ مؤسساتيةٍ توجد على أعلى مستوى في السلطة في فرنسا .

هذا ولا يُخْفي ساركوزي عدم فهمه و عدم اهتمامه بالعالم العربي الذي يعرفه بشكل سيء ، و أنه غريب بالنسبة إليه ، ذاهباً إلى حد رفض كلمة السياسة العربية باعتبار أنّه لامعنى لها على حدّ قوله ، وأنّ العالم العربي ليس موحداً،و أنه على فرنسا تفعيل سياسة تتأقلم و تتناسب مع كل منطقة من العالم العربي هذا ما كتبه عام /2001/.

إنه يُشكل مثالاً حياً لمقيمٍ في «غيتو النخبة» في ضاحية /نوبي/الغنية حيث يتمركز اليمين بتلاوينه المختلفة ، فهو يقوم بجهدٍ كبيرٍ من أجل بناء الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي ينكر فيه وحدة العرب ، و يرفض تحقيق هذه الوحدة ، علماً بأنه يوجد من التشابه و التكامل الثقافي و اللغوي والروحي بين الدول العربية أكثر مما يُوجد بين الدول السبع و العشرين المُكونة للاتحاد الأوروبي، حيث الكثير من الانقسامات بين أوروبا القديمة و أوروبا الحديثة و بين الكاثوليك و البروتستانت و الأرثوذكس ، وبين الناطقين بالفرنسية و الناطقين بالإنكليزية...إلخ.

إن الاستفزاز يسكن هذا الرجل ، و الرغبة في الإهانة هي صفة عضوية لصيقة به وليست مرتبطة لديه بعدم النضج، فطيلة حملته الانتخابية لم يتوقف عن الإساءة الدائمة و المتكررة و المجانية إلى جزءٍ من الفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية و خاصة منهم العرب..

إنّ عداء ساركوزي للعرب معروف وهو يتصاعد بدعم ملحوظ من أشخاص تخلّوا عن مبادئهم و أصبحوا يناصرون سياسة الحلف الأطلسي من /دومنيك ستراوس كان/ المدير السابق لصندوق النقد الدولي ، إلى «برنار كوشنير» وزير الخارجية الفرنسي السابق ذي الميول الحربية و المؤيدة بلا حدود لإسرائيل.

إنّ ساركوزي الذي ادعى التجديد هو رجل القطيعة مع العرب و المسلمين حتى قبل أنْ يصبح رئيساً ، فهو من كَسر أوهام العرب والأفارقة حول الدور البديل الذي يمكن أن تلعبه فرنسا وسط الزعامة الغربية للتصدي للهيمنة الأميركية . لقد سقط القناع عن ساركوزي ، فحكمه حكم جشع و الساركوزية كما يصفها الكثيرون هي حرب المواقع الخلفية ، و هي تراجع نحو الماضي .

هذا و يمكن القول بأنه لم يسبق لرئيس فرنسي أن أظهر مثل هذه الهرولة تجاه الدول العربية في بداية استلامه للسلطة، فقد احتضن قمة المصالحة بين الأطراف اللبنانية بـ /لاسيل سان كلود/ في شهر تموز من العام /2007/ وقمة الدول المانحة للدولة الفلسطينية المقبلة في كانون الثاني /2007/ أيضاً .

و أعاد العلاقة الفرنسية مع سورية التي توقفت في أواخر عهد شيراك بسبب المواقف المؤيدة للحريري.كما قام ساركوزي بزيارات رسمية إلى /10/ دول عربية /أي حوالي نصف أعضاء دول الجامعة العربية/ وهو رقم قياسي لم يبلغه أي رئيس فرنسي سابق / و لكن مقابل ذلك ، أحدثت سياسته المزيد من الحنق و الرفض لدى العرب بسبب تناقضاتها و اعتمادها على الوعظ و التبشير فقط .

ففي خطابه في الكنيست أعلن عن إيمانه بيهودية إسرائيل داعياً يهود العالم للهجرة إلى إسرائيل و أكدّ أن أي خطر على أمن إسرائيل هو خطر على العالم يجب محاربته بكافة الطرق ، وكرّر أنّ فرنسا ستبقى دائماّ الحصن الواقي لإسرائيل ، ووقع معها معاهدة لمحاربة الإرهاب ضد إسرائيل ، و أكد على دعمه لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى دولتهم المقبلة ،لا لأراضيهم الأصلية!

إن التجربة الفرنسية في ليبيا و الأصح التجربة الساركوزية تشير إلى حقد صاحبها على العرب ، فمن الواضح أن ساركوزي يلهث خلف أوباما علّه يستعيد ـ كما يتخيل ـ أمجاد الإمبراطورية الفرنسية وفتوحاتها ودور باريس القديم الجديد في استعمار الدول وتقسيمها على خرائط ثم غزوها. كما لم يَعد خافياً على أحد الدور الكبير الذي قامت به الدبلوماسية الفرنسية من أجل استصدار قرارات عبر مجلس الأمن من أجل ضرب ليبيا وزعزعة استقرارها. وقد كشفت مصادر كثيرة بأن المعارضة الليبية المسلحة وعدت فرنسا بإعطائها حوالي 35% من النفط الليبي في حال شاركت بإسقاط نظام القذافي ، وهو الأمر الذي بدا أن معظم زعماء الدول الغربية قد اتفقوا عليه ، حيث سارعت واشنطن ووزارة الحرب لديها للإعلان عن أنها نفذت ثلث الضربات على ليبيا ، و أنها أنفقت ملايين الدولارات ، وقدمت مساعدات أخرى للدول الأخرى المشاركة في الحرب على ليبيا من ضمنها قطع الغيار ، وخدمات فنية و لوجستية و أسلحة و مواد طاقة و غيرها ،مما يدل على أنها تسعى وراء حصتها من «الكعكة النفطية الليبية» وهو الأمر نفسه الذي أعلنته إيطاليا عندما سارعت للإعلان بكل وقاحة بأن النفط الليبي سيتدفق إليها بعد سقوط القذافي دون مقابل، و هو الأمر نفسه الذي أعلنته بريطانيا ، مما يدل على أن النشاط الاستعماري لا يزال ماثلاً و فاعلاً في أذهان ساركوزي و أمثاله .

وهكذا فإن ساركوزي يحاول التشبّث و التمسك بالركب الأميركي شأنه في ذلك شأن شيراك في نهاية عهده  للحصول على فُتات الموائد و الغنائم من واشنطن عبر تلبية و تأييد كل ما تريده الإدارة الأميركية.

أما التحريض والافتراء على سورية من قبل ساركوزي فحّدث ولا حرج ، وذلك عبر الأجندات الأمريكية و الفرنسية و الأوروبية السوداء التي تستهدف سورية أرضاً وشعباً و نظاماً لجرها إلى طريق التنازلات و التسويات و الرضوخ للإملاءات الخارجية خدمةً للمصالح الإسرائيلية في المنطقة.

لقد لعبت فرنسا ساركوزي دوراً محورياً في التصعيد الغربي الأميركي ضد سورية حيث وصلت تكاليف هذا التجييش ضد سورية لتأليب الداخل و الخارج عليها إلى أرقام خيالية ، هذا فضلاً عن الشحن السياسي ضدها في المحافل الدولية و محاولات التدخل في شؤونها الداخلية ، حيث تواصل فرنسا برغم ما تشهده الأرض السورية من استهدافٍ للجيش و الأمن و إراقة الدماء وتمثيل بالجثث و تخريب للمنشآت العامة على أيدي العصابات الإرهابية المسلحة ـ تُواصل تزييفها للحقائق ، و تدعي بوجود عنف تمارسه السلطات ضد المدنيين لايمكن السكوت عنه! وتسعى ليل نهار في إطار تشديد الضغوط على سورية و فرض المزيد من العقوبات عليها.

هذا ولابد من الاشارة إلى أن ساركوزي كان أول رئيس أوروبي يزور طرابلس و معه رئيس وزراء بريطانيا بعد أن دخلها المعارضون لنظام القذافي مدعياً أن هذه الزيارة هي لتأييد المعارضين لنظام القذافي  ، بينما الهدف منها هو التأكيد على أن فرنسا و حليفاتها من الدول الأوروبية لا زالت قوية تفعل ما تشاء هذا من جهة، و من جهة ثانية تهدف زيارته إلى تثبيت حصة فرنسا من الكعكة الليبية (النفط) الذي وُعد ساركوزي و غيره به و بأنه سيتدفق إلى الغرب بأثمان زهيدة أو حتى مجاناً لفترة طويلة.

سادساً ـ استنتاجات :

من خلال ما تقدم عرضه يمكن أن نُسجل بعض الملاحظات و الاستنتاجات منها :

ـ إن الشعب الفرنسي لا يقبل شطب الإرث الديغولي وكسر عموده الفقري عبر الانضمام إلى المحور الأطلسي.

ـ إن مغامرات و سياسة ساركوزي الحريص على إبراز اختلافه عن سلفه لايمكن لها أن تنجح و أن تؤدي إلى التضحية و الإطاحة بالخط الفرنسي من أجل إيديولوجية جديدة ؛ ذلك أن الشعب الفرنسي صوت له من أجل الحفاظ على مصالح فرنسا في العالم و دورها السياسي المتميز في عالم متعدد الأقطاب الذي رسمه الرئيس الأول في الجمهورية الخامسة (ديغول) و بالتالي فإن هذا الشعب لن يقبل بسياسة استعمارية فرنسية من جديد على يد ساركوزي .

ـ لم يغفر الأمريكيون أبداً للرئيس ديغول مواقفه بانتقاد السياسة الأمريكية وبطرحه مشروع /أوروبا من الأورال إلى الأطلسي / محاولاً استرداد حلم /بونابرت/ ولكن بصورة سلمية  ، بالاتفاق بين الأوربيين جميعاً بما فيهم الروس على أساس هذا المشروع ، كان الانسحاب العسكري من حلف شمال الأطلسي عام 1966 ، ثم انتقاده للعدوان الإسرائيلي عام 1967 . ولهذا نظموا ضد ديغول في العام 1968 حملة فرنسية شبابية صهيونية هائلة وصفته بالرجعية و الاستبداد و نجحت في إجباره على اعتزال السياسة حتى وفاته.

ـ إن مشروع الكتلة المتوسطية الذي دعا إليه ساركوزي يُذّكر بمشروع (ديغول) عن /أوروبا ما بين الأورال و الأطلسي/ و لكن ساركوزي يؤكد حرصه العميق على استمرارية و نجاح المشروع الإسرائيلي في المنطقة و بالتالي فإن ساركوزي ابتعد عن الخط الوطني الفرنسي المستقل.

ـ يتنكر ساركوزي لأفكار ديغول القاضية بأن تبقى فرنسا صاحبة قرار مستقل ، دون أن ترتبط جسداً أو روحاً بالإمبراطورية الديكتاتورية ، ودون أن يمتصها النظام الأطلسي ، ودون أن تذوب في أوروبا برغم أن أوروبا اندماجيّة ، و بالتالي فإن الشعب الفرنسي سيحاسب ساركوزي على سياسته هذه في الانتخابات الرئاسية القادمة كما هو متوقع خاصة أن شعبيته انخفضت إلى درجة كبيرة داخل فرنسا لاسيما قبل أحداث ليبيا.

ـ لقد انخفضت شعبية الرئيس ساركوزي إلى أدنى مستوى في فرنسا بسبب سياسته التي أشرنا إليها وازدادت الشكوك بقدراته على قيادة فرنسا و المحافظة على هيبتها لاسيما بعد أن أقدم على تدبير عملية تقديم سيده ( شيراك ) إلى المحاكمة بهدف التأثير على أنصاره في الانتخابات المقبلة ، وكذلك إيقاعه بـ (دوفلبان ) بتقديمه للمحاكمة التي خرج منها بريئاً . ويقال في فرنسا بأن ساركوزي هو الذي دبّر فضيحة / دومينيك ستروس / بتهمة الاعتداء الجنسي على عاملة الفندق و ذلك لخلط الأوراق داخل الحزب الاشتراكي الذي كان /ستروس/ مرشحه المفضل للرئاسة و خلق الظروف لفوزه بولاية رئاسية ثانية . وكان /ستروس/ نجم كل استطلاعات الرأي و أنه سيتمكن من سحق ساركوزي في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2012.

الرفيق : د. صياح عزام


ـ مراجع البحث :

ـ كتاب « فرنسا و الصهيونية 1897 ـ 1948»ـ تأليف « كاترين نيكول» ترجمة لطيفة ذيب ـ صادر عن مركز الدراسات العسكرية ـ دمشق 1996.

ـ « سياسة فرنسا إزاء العرب من ديغول إلى بومبيدو» تأليف« بول بالتا » ترجمة حنين حاصباني ـ صادر عن القيادة القومية.

ـ مذكرات الجنرال « ديغول » ـ مذكرات الحرب /4/ أجزاء(النفير ـ الوحدة ـ الخلاص ـ التجديد )

ترجمة عبد اللطيف شرارة ـ مراجعة أحمد عويدات ـ صادر عن دار طلاس للدراسات و الترجمة و النشرـ دمشق

ـ اللوبي اليهودي في فرنسا بين الحقيقة و الخيال ـ مقابلة أجراها سامي كليب مع كل من « إريك رولو » سفير سابق و كاتب فرنسي و « آلان غريش » كاتب و إعلامي فرنسي بتاريخ 19/10/2010.

ـ مجموعة مقالات من الانترنت منها : فرنسا تودع الديغولية و تحتضن الساركوزية  ـ نيكولا ساركوزي .. إسرائيل و العرب « رينيه نبعة» ...إلخ. 

 

المساعدات (الإسرائيلية) لأمريكا في احتلال العراق

 

بعد أكثر من ثمانية أعوام على الاحتلال الأمريكي للعراق، مازال الغموض يكتنف الكثير من تفاصيل الدور (الإسرائيلي) في هذا العدوان، بيد أننا في هذه الدراسة سنحاول الغوص قليلاً في بعض جوانب الدور الإسرائيلي في احتلال العراق، والمساعدات التي قدمها الصهاينة للأمريكان وأعوانهم بغية تسهيل احتلال هذا البلد تحقيقاً لمشروعهم المتمثل بالسيطرة على أهم الدول العربية تمهيداً لتقسيمها وتفتيتها. فقبل أيام قليلة من الذكرى السنوية الخامسة لاحتلال العراق، كشفت مصادر صهيونية عن مقتل أول جندي "إسرائيلي" رفع علم الكيان الصهيوني في أرض العراق، التي أصبحت مرتعاً خصباً للصهاينة بفضل احتلالها على أيدي الأمريكان وحلفائهم، وذلك في انفجار لغم أرضي بالعاصمة العراقية بغداد. وذكرت صحيفة "معاريف" أن الجندي "عامي حاي بيتون" قتل على الفور في بغداد بعد استهداف السيارة العسكرية التي وجد داخلها. مشيرة إلى أن هذا الجندي الإسرائيلي تطوع للخدمة في صفوف الجيش الأمريكي بالعراق, وهو أول من رفع علم " إسرائيل" في بغداد. ولعله من الغباء والحمق السياسي الاعتقاد بأن الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على العراق، قبل خمس سنوات خلت، كانت حرباً أمريكية بامتياز، ذلك أن تلك الحرب الهمجية التي أدت إلى احتلال العراق وإعادته إلى أرذل العمر، شنّت بالتعاون مع عدد من الدول التي نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر. ولعل "إسرائيل" من أبرز الدول التي ساعدت الولايات المتحدة على احتلال العراق وإحلال الفوضى والعهر السياسي والاقتصادي والأخلاقي فيه، هذا الكيان الذي طالما دعا قادته إلى تدمير القدرات العسكرية والعلمية للعراق والسيطرة على مقدراته النفطية. وثمة مؤشرات عديدة على أن الإسرائيليين شاركوا بالتحريض على حرب العراق واحتلاله، ولعل من أبرزها:

1 ـ دخلت "إسرائيل" الحرب قبل بدايتها من خلال قيام وحدات إسرائيلية خاصة بالنزول في غرب العراق، حيث المكان المفترض لإطلاق صواريخ (سكود) على إسرائيل بهدف دراسة المنطقة جغرافياً وعسكرياً قبل توجيه ضربات إسرائيلية فيها ساعة انطلاق الحرب.وتأكد هذا فيما بعد عندما أعلن مصدر بالجيش العراقي يوم الاثنين 2/4/2007، حسب ما نقله موقع مفكرة الإسلام، أن الجيش الأمريكي عثر على أربع منصات لإطلاق الصواريخ بعيدة المدى في إحدى المواقع السابقة للجيش العراقي في الأنبار غرب العراق إبّان حكم الرئيس الراحل "صدام حسين". وقال نقيب بالجيش العراقي: إنه يعتقد أن هذه المنصات التي تبعد 17 كم من الحدود الأردنية كانت موجهة ضدّ "إسرائيل". مشيراً إلى أن المنطقة التي عثر فيها على المنصات هي نفسها التي أطلق الجيش العراقي منها الصواريخ على "تل أبيب" مطلع حرب الخليج الأولى والتي تعرف باسم منطقة وادي الجوري. وتؤكد المصادر أن المنصات تمّ سحبها إلى إحدى مواقع جيش الاحتلال الأمريكي. ومن الممكن جداً أن يتم نقلها إلى "إسرائيل" لتوضع في متاحفها الحربية وتكون بمثابة عامل تحريض وشحن للصهاينة على العرب والمسلمين.

2 ـ قال وزير الدفاع الإسرائيلي (موفاز) في ختام إحدى زيارته لأمريكا قبل احتلال العراق: إن "إسرائيل" ستساهم في التخطيط للحملة العسكرية لتدمير قاذفات الصواريخ في غرب العراق. ونقلت صحيفة (يديعوت أحرونوت)(1) عن مصدر في حاشية موفاز: "أن الهجوم على العراق قد يبدأ في غضون أسابيع معدودة"، وخلصت اللقاءات إلى اتفاق تعاون مشترك بين الطرفين، الإسرائيلي والأمريكي، بخصوص التخطيط لشن هجوم على أهداف في غرب العراق.

3 ـ قام الإسرائيليون بتحصين أنفسهم صاروخياً عبر نظام الصواريخ (حيتس) المضاد لصواريخ (سكود)، وأعلن الجنرال "يائير دوري" المسؤول عن الدفاع الصاروخي أن صاروخ حيتس قادر على اعتراض أي صاروخ قد يهدد "إسرائيل" أو حدودها. وقال: "لقد طورنا منذ العام 1991 نظاماً دفاعياً مدهشاً سيمنح إحساساً بالأمان خلال النزاع المقبل، والصاروخ قادر على رصد أي صاروخ بالستي واعتراضه".

4 ـ استفادة "إسرائيل" من انهيار النظام الإقليمي العربي، وعدم وحدة العرب في الرد على الاحتلال الأمريكي للعراق، وبالتالي اقتصار الرد العربي على الشجب دون تحرك فعلي، بدليل أنه حدث ما هو أخطر في فلسطين من مجازر وحرب فعلية بكل الأسلحة ضدّ الفلسطينيين، دون أي رد فعل عربي قوي.

5 ـ إن دخول إسرائيل الحرب لم يكن بالضرورة عبر المشاركة في الضربات، ولكن عبر تقديم خدمات مختلفة للجيش الأمريكي، مثل القواعد الجوية والدعم اللوجستي والخدمات الطبية والمعلومات الاستخبارية وصور أقمار التجسس الإسرائيلية.

وانطلاقاً من هذه المؤشرات يمكننا القول: إن "إسرائيل" خطت الخطوة الأولى والأهم بالنسبة لها فيما يتعلق بمساعدة الولايات المتحدة باحتلال العراق، والسيطرة على مقدراته والقضاء على مخزونه الثقافي والفكري، سواء من خلال قتل العلماء العراقيين وتهجيرهم، أو من خلال سرقة الآثار والكنوز العراقية، والتي تعود لآلاف السنين.

"إسرائيل" تتأهب للانقضاض على العراق.

ثمة الكثير من الحقائق التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك انغماس "إسرائيل" في الحرب على العراق منذ بداياتها الأولى، كما أن هناك معطىً خاصاً يكتسب مغزى محدداً، ويتمثل بالمشاركة الإسرائيلية الجزئية في الحرب، على الأقل حسب المعلومات التي نشرت حول ذلك. ومن هذه المعلومات ما يشير إلى استخدام أسلحة إسرائيلية الصنع في هجمات القوات الأمريكية والبريطانية على الأهداف العراقية. لاسيما بعد أن عرض التلفزيون العراقي صوراً تظهر فيها شظايا طائرة بدون طيار، إسرائيلية الصنع ظهرت عليها لوحة حملت عبارة "الصناعات الجوية ـ القدس"، تمّ التعرف في الصناعات الجوية الإسرائيلية على شظاياها، وقيل إنها فعلاً تابعة لطائرة “TALD”، وهي طائرة بدون طيار تمّ تصنيعها في الصناعات الجوية الإسرائيلية في فرع القدس، وبيعت المئات منها إلى الأسطول الأمريكي. ومما ذكر عن هذه الطائرة أنها تستخدم لمرة واحدة، بحيث تقوم بتضليل بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات، إذ تظهر وكأنها طائرة حربية وتشكل أطياف مهاجمة بطاريات الصواريخ وتتقلص المخاطر التي تواجه الطائرات الحربية المهاجمة، ثم تتحطم هذه الطائرة بعد انتهاء مهمتها. وتمت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة استخدمت في الخليج طائرة أخرى بدون طيار، من إنتاج الصناعات الجوية الإسرائيلية هي طائرة "هانتر" المخصصة لأغراض استخباراتية، لكنها حُوِّلت عشية الحرب إلى حاملة الصواريخ المتطورة المضادة للدبابات، كي تساعد على تدمير أرتال المدرعات العراقية.. بالإضافة إلى أن قاذفات B52الأمريكية، المزودة بصواريخ "بوباي" المصنوعة في شركة "رفائيل" الإسرائيلية(2)، وحسب التعليق الذي قدمه وزير الدفاع موفاز في جلسة الحكومة الإسرائيلية، حيال المقاطع التي بثّها التلفزيون العراقي، كإثبات على ضلوع "إسرائيل" في الحرب، فإن هذا العتاد بيع للولايات المتحدة قبل عقد من الزمن. ليس هذا فحسب، بل إن العميد احتياط "أرييه مزراحي" عرض نموذجاً صغيراً لقنبلة انشطارية من إنتاج الصناعات العسكرية الإسرائيلية التي يرأسها، وأكد أن الأمريكيين يقومون الآن باستخدامها في العراق. وتحدث "مزراحي" عن كيفية  عمل القنبلة، وكيف تتحول إلى قنابل صغيرة لا متناهية، وكيف "اشتهرت" في حرب لبنان وافترست أرتال المدرعات بأكملها، وأنها مثل "مطر من الفولاذ" تماماً، لدرجة أصاب فيها الذعر كل من شاهد النتائج على الأرض (3) ويستفاد من التقارير الإسرائيلية أن قمر التجسس الصناعي الإسرائيلي "أوفيك" الموجود في سماء العراق يزود القوات الأمريكية، والبريطانية بالمعلومات، كما تقوم "إسرائيل" بتقديم الخبرة والمشورة في موضوع قتال المدن للأمريكان، ومشاركة "إسرائيل" بالتخطيط الإستراتيجي للحرب في إطار طواقم العمل الاستراتيجية المشتركة مع الولايات المتحدة، وخاصة في موضوع حسم المعركة بحصار بغداد وإنهاكها قبل اقتحامها. ولعل المتابع لوسائل الإعلام الإسرائيلية أثناء الحرب على العراق، يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن عدداً من الصحفيين الإسرائيليين كانوا ينتشرون في مسرح العمليات ومحيطه أثناء الحرب، ومن بينهم "بوعاز بسموت" مراسل صحيفة يديعوت أحرنوت الذي كان ينقل تقارير مباشرة للقناة الثانية الإسرائيلية من منطقة الحدود العراقية ـ الكويتية، و"إيتاي أنجل" من القناة الثانية أيضاً وينقل تقاريره من الحدود العراقية ـ الأردنية، و"رون بن شاي" الذي ينقل تقارير من شمالي العراق للقناتين الثانية والعاشرة، و"كارولين غليك" من صحيفة "جيروزليم بوست" التي ترافق القوات الأمريكية، "ودان سمماه" من القناة الأولى الرسمية الذي يبث تقارير من الكويت ويتحرك هناك بصفة أجنبي ولا يتحدث بالعبرية. ومن غير المستبعد أن يكون التجسس وتسهيل العمل العسكري من خلال عمل استخباراتي من أبرز مهام هؤلاء الصحفيين.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق تمكنت إحدى الوحدات العسكرية الإسرائيلية من التسلل إلى داخل التراب العراقي، وتحديداً إلى الجزء الجنوبي من العراق حيث كانت القوات الأمريكية والبريطانية تفرض رقابة جوية مستمرة. ونشرت مجلة (جاينز فورين ريبورت) في أحد أعدادها أن وحدة خاصة إسرائيلية معروفة باسم (سرية مقتل) سربت إلى داخل التراب العراقي للبحث عن منصات إطلاق الصواريخ العراقية وتحديد المواقع التي يمكن أن تنطلق منها في حالة إعلان الولايات المتحدة الحرب على بغداد. وذكرت المجلة المتخصصة أن واشنطن وتل أبيب تعلمان مسبقاً ما إذا كان نظام صدام حسين قد أخفى منصات إطلاق صواريخ، وهو ما دفع برئيس الوزراء الإسرائيلي لكي يأمر الوحدة المذكورة باستطلاع الأمر بنفسها في مناطق مختلفة تقع غربي العراق، وهي الأقرب إلى حدود "إسرائيل". وإذا كان هدف حكومة شارون واضحاً في مسعى استهداف أية استعدادات عسكرية عراقية لنشر منصات إطلاق الصواريخ سكود قصيرة ومتوسطة المدى، فإن عدة تساؤلات واحتمالات يفترض طرحها بخصوص الطريقة التي مكنت الوحدة الإسرائيلية المفترضة من التسلل إلى داخل التراب العراقي، حتى وإن كانت المنطقة ذاتها تقع في الجزء الجنوبي حيث  تفرض القوات الأمريكية والبريطانية رقابة جوية مستمرة.

ويؤكد الكاتب البريطاني المتخصص في الشؤون العربية (باتريك سيل) أن معظم المبررات والضغوط من أجل الحرب على العراق جاءت من جانب اليهود المتطرفين في الإدارة الأمريكية، وأكثرهم من اليهود المتحالفين مع أرئيل شارون الذين يحتلون مواقع نفوذ واسع داخل إدارة الرئيس بوش وخارجها. وليس من المبالغة أو من اللاسامية في شيء أن نقول إنها حرب بوش _ شارون ضدّ العراق.

 وكما أصبح الآن معروفاً، فإن فكرة احتلال العراق يمكن إرجاعها إلى منتصف التسعينات من القرن الماضي، حين أخذ ريتشارد بيرل رئيس المجلس الاستشاري للدفاع في البنتاغون، الذي يوصف بأنه القوة الدافعة بين المثقفين وراء نظرة بوش إلى العالم الخارجي، أخذ يضغط على بلاده وعلى "إسرائيل" لشنّ حرب ضدّ العراق. وفي 8 تموز (يوليو) عام 1996، بعد انتصار نتنياهو على بيريز في الانتخابات الإسرائيلية، بعث بيرل بمذكرة إلى نتنياهو عنوانها: (الاستراتيجية الجديدة لتأمين المملكة)، وهي تدعو إلى إزاحة صدام حسين باعتباره هدفاً رئيساً ووسيلة لإضعاف سورية. وفي عام 1997، تولت الدعوة  إلى الهجوم على العراق مجموعة من اليمينيين الأمريكيين تدعى (مشروع لعصر أمريكي جديد)، تضم بالإضافة إلى "ريتشارد بيرل"، نائب وزير الدفاع "بول ولفوفيتز"، و"اليوت أبرامز" مدير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، و"راندي شونمان" رئيسة (لجنة تحرير العراق)، واثنين من رؤساء التحرير من المحافظين النافذين هما "وليام كريستول" (مجلة) (ويكلي ستاندارد)، ونورمان بودوريتز (مجلة كومنتاري). وبفضل رابطة الصداقة بين هذه المجموعة وبين "دونالد رامسفيلد" ونائب الرئيس "ديك تشيني"، إضافة إلى دعم ستة مراكز أبحاث وتحليل يمينية، أصبحت تشكل كتلة ضغط ذات نفوذ كبير جداً. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر لتمنح دعاة الإمبراطورية الأمريكية ودعاة التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي هؤلاء فرصتهم الذهبية، إذ جعلوا من الرئيس عديم الخبرة، جورج بوش الذي وصل إلى السلطة نتيجة انتخابات تشوبها الشكوك ـ وسيلتهم لتنفيذ الأجندة التي أعدوها.

والحقيقة أن هذه المجموعة المتصهينة في الإدارة الأمريكية هي التي سهلت العمل للفرق الإسرائيلية في العراق سواء أكانت هذه الفرق مدنية أم عسكرية، كما أن التسريبات عن وجود صهاينة في العراق كانت تتم عن طريق بعض المسؤولين السابقين في وزارة الدفاع الأمريكية أو وكالة الاستخبارات، ومنها ما نقلته صحيفة معاريف عن مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية عن وجود قوات كوماندوز إسرائيلية عملت سراً في غربي العراق عشية الهجوم الأمريكي المتوقع هناك، إذ بعثت "إسرائيل" خلال الصيف، في تلك الفترة، قوات خاصة إلى منطقة مطارات سلاح الجو العراقي H3المتاخمة للحدود العراقية ـ الأردنية. وكان هدفها معرفة ما إذا كان يوجد لدى العراق ـ إضافة إلى قاذفات الصواريخ ـ طائرات دون طيار ذات قدرة على حمل السلاح الكيماوي والبيولوجي، ولم تفصّل الصحيفة نتائج العملية (4). وتؤكد مجلة "تايم" الأمريكية، في ما كانت نشرته أسبوعية " فورين ريبورت" البريطانية، في أواخر أيلول الماضي 2002، حول وجود قوات عسكرية إسرائيلية في غربي العراق. ونقلت المجلة الأمريكية عن مسؤولين في "إسرائيل" وواشنطن أن وحدة خاصة ومتميزة في الجيش الإسرائيلي تعمل في المنطقة التي استخدمها العراق عام 1991 (خلال حرب الخليج) لإطلاق صواريخ سكود على "إسرائيل". وتضيف المجلة أن القوات الإسرائيلية الخاصة تجري تدريبات في غربي العراق وتسيطر على منطقة تبلغ مساحتها 80 ألف كلم2. وتقوم بالبحث عن المخابئ التي يمكن أن يكون العراق قد أخفى فيها صواريخه وقواعده التي بقيت بعد حرب الخليج. وتقول الـ "تايم": إن جنوداً من كتيبة "شلداغ" تشارك في البحث عن صواريخ سكود منذ عدة سنوات. يشار إلى أن أسبوعية "فورين ريبورت" البريطانية كانت نشرت في نفس الوقت تقريباً الذي نشرت فيه التايم تقريرها، أن قوات من وحدة "متكال" العسكرية الإسرائيلية "تسللت إلى العراق بمساعدة الجيش الأمريكي وتعمل في المناطق التي يعتقد أن العراق أعدّ فيها مواقع لشنّ هجوم على "إسرائيل"، في حال تعرضه إلى عدوان أمريكي. وقالت الأسبوعية الموثوقة: إن مصادر أمريكية أكدت لمراسلها قيام الإدارة الأمريكية بتنسيق هذه الخطوة سراً مع "إسرائيل"، كي لا تثير غضب الدول العربية التي أبدت استعدادها لمساندة العدوان المخطط على العراق. وكشفت "فورين ريبورت" أن رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، أرئيل شارون، هو الذي قرر إرسال الوحدة الإسرائيلية الخاصة، التابعة لجهاز المخابرات الإسرائيلية، إلى العراق، وأن الرئيس الجديد لجهاز الموساد الإسرائيلي، "مئير دغان" قام بتنسيق هذه المهمة مع الجهات الأمنية الأمريكية.

وكانت "فورين ريبورت" كشفت في وقت سابق عن الزيارة السرية التي قام بها "دغان"، عشية تعيينه رئيساً للموساد، إلى أمريكا، بهدف تنسيق التعاون العسكري الإسرائيلي ـ الأمريكي في حال شنّ الهجوم على العراق. وقالت الأسبوعية البريطانية: إن "دغان" اقترح على الإدارة الأمريكية إسناد مهمات عسكرية داخل العراق للقوات الإسرائيلية الخاصة، قبل شنّ الهجوم. وليست هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها الإشارة إلى تورط وحدة "متكال" في التخطيط لعمليات ضدّ العراق، فقد نشرت وسائل الإعلام الأجنبية عام 1991 أن "إسرائيل" أوفدت وحدة "متكال" إلى العراق لضرب قواعد صواريخ سكود العراقية، لكن القيادة السياسية الإسرائيلية قررت في اللحظة الأخيرة، وبضغط أمريكي، إعادة الوحدة إلى "إسرائيل" خشية قيامها بتخريب التحالف العربي مع أمريكا ضدّ العراق. أضف إلى ذلك أن ثمة معلومات نشرت في العام 1992 تؤكد أن قوات إسرائيلية كانت تتدرب على اغتيال الرئيس العراقي السابق صدام حسين، عندما وقعت حادثة في معسكر "تسئاليم" الإسرائيلي، وأسفرت عن مقتل خمسة جنود وإصابة ستة آخرين، بسبب قيام قائد الوحدة بإطلاق صاروخ على قواته، نتيجة وقوع خطأ، حسب ما أعلنته "إسرائيل" آنذاك. كما أوردت صحيفة الـ "تايمز" البريطانية(5)، تقريراً جاء فيه أن الوحدة الخاصة في هيئة الأركان الإسرائيلية انضمت إلى القوات الأمريكية والبريطانية الخاصة التي أرسلت إلى منطقة الحدود الأردنية ـ العراقية، للمشاركة في الجهود الرامية إلى ضبط قاذفات صواريخ عراقية من طراز "سكود". وتؤكد التقارير التي سبقت الاحتلال الأمريكي للعراق أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية تلقّت طلباً من الأسطول الأمريكي لتزويده بمئات الطائرات التي تستخدم في مهام التمويه بدون طيار من طراز “ld lmporoved Tactical Air” وتبلغ قيمتها 22 مليون دولار. وكان الأسطول الأمريكي قد استخدم طائرات بدون طيار من طراز “l- TALD” بشكل مكثف ضدّ الصواريخ العراقية المضادة للطائرات في حرب الخليج في سنة 1991. وفي أعقاب النجاحات التي حققتها تلك الطائرات في حرب الخليج، تمّ تطوير طراز “l- TALD” الحديث المزود بمحرك نفاث (نافوري) وأجهزة توجيه حديثة(6).

ولأن الهجوم الأمريكي على العراق والذي سبق الاحتلال كان يستهدف المدن البحرية والعاصمة بغداد بشكل خاص، فإن عملية تدمير وتمويه قاذفات الصواريخ العراقية المضادة للطائرات ستكون ذات أهمية كبيرة في ذلك الهجوم. ولهذا تم تزويد الأسطول الأمريكي بطائرات تمويه دون طيار من طراز “TALD”بقيمة 80 مليون دولار. يذكر أن شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية هي المنتجة الوحيدة لهذا الطراز من الطائرات التي تنطلق من داخل طائرة وتعين أهدافاً وهمية في شاشات أجهزة الإنذار المبكر (الرادارات). والطراز الجديد للطائرات دون طيار مزود بجهاز توجيه عبر الأقمار الاصطناعية، الأمر الذي يجعل الطائرات تنفذ مهامها التمويهية بشكل أفضل.

ومن الممكن أن تكون هذه الصفقات وغيرها إحدى ثمار الزيارات المتبادلة بين أمريكا و"إسرائيل" والتي سبقت الحرب على العراق، إذ إنه وأثناء التحضير لغزو العراق قام "المنسق الأمريكي لشؤون العراق" الأدميرال "جيمس متسيغر"، بزيارة "إسرائيل" في نهاية شهر تشرين الأول من العام 2002 لإجراء مباحثات وصفت بأنها تنسيقية عشية الحرب الأمريكية على العراق. وعقد المسؤول الأمريكي عدة لقاءات مع كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين. وقدرت مصادر عسكرية إسرائيلية مطلعة وقتها بأن الحرب على العراق ستبدأ مع نهاية شهر كانون الأول 2002. وتعد زيارة "متسيغر" هي الأولى في سلسلة "مباحثات تنسيقية" بين الطرفين تحضيراً للحرب على العراق. بعد ذلك قام رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي "يعلون" بزيارة إلى الولايات المتحدة، وفي 13/ 11/ 2002 عقدت جولة جديدة مما يسمى بـ "الحوار الاستراتيجي" بين الطرفين، ومثلّت "إسرائيل" فيها بوفد يرأسه الوزير "دان مريدور" وكان يضم كبار ضباط الجيش بالإضافة إلى "أفرايم هليفي" مستشار الأمن القومي في مكتب شارون، وطرحت في هذه الجولة تصورات "إسرائيل" لـ "مستقبل الشرق الأوسط" في مرحلة ما بعد الحرب على العراق (7). ويؤكد هذا ما ذكره/ألوف بن/ المعلق السياسي في صحيفة "هآرتس" من أن ضابطاً أمريكياً كبيراً برتبة جنرال سيصل إلى "إسرائيل" في الأسبوع الأول من شهر شباط 2003، لمواصلة مباحثات التنسيق العسكري على مستوى العمليات مع الجيش الإسرائيلي، وذلك استكمالاً لمباحثات أجراها الجنرال "تشارلز وولد" نائب رئيس القيادة الأوروبية في الجيش الأمريكي، استعداداً للحرب الأخيرة على العراق. ونقل المعلق عن مصدر سياسي مطلع في "إسرائيل" قوله: (إن هذه المباحثات وكذلك التدريبات العسكرية المشتركة الأمريكية ـ الإسرائيلية تستهدف تمرير رسالة مزدوجة إلى منطقة الشرق الأوسط, فمن جهة تستهدف تهدئة "إسرائيل" لكي تبقى خارج الحرب المحتملة على العراق، ومن جهة أخرى تستهدف "ردع" قوى أخرى في المنطقة، مثل إيران وحزب الله عن محاولة توجيه ضربات إلى "إسرائيل" التي تحظى بحماية أمريكية كاملة). وأشار المعلق إلى أن مصادر أمريكية مسؤولة وضعت بعض المسؤولين الإسرائيليين في صورة الخطط العملية الأمريكية الرامية إلى "تحييد خطر تعرض /إسرائيل/ للقصف بالصواريخ العراقية خلال الحرب"(8).

وتؤكد صحيفة "نيويورك ديلي نيوز" الأمريكية، أن القوات الأمريكية الغازية للعراق استعانت بعملاء إسرائيليين زرعتهم في بغداد، وبخدمات صاروخ التجسس الإسرائيلي "أوفك 4"، الأمر الذي يؤكد تورط "إسرائيل" بشكل كبير في العدوان على العراق. وأضافت الصحيفة أن العملاء الإسرائيليين يزودون القوات الغازية بمعلومات بالغة الحساسية، فيما ينقل صاروخ "أوفك 4" معلومات جارية حول كل ما يحدث داخل العراق. وحسب ما تقوله الصحيفة "فإن التعاون الاستخباري الإسرائيلي ـ الأمريكي يتم ببالغ السرية، ذلك أن إدارة بوش تتوجس التعرض إلى الانتقاد والاحتجاج من قبل الأنظمة العربية المتحالفة مع أمريكا، خاصة مصر والأردن والسعودية". لكن "إسرائيل" متورطة جداً من وراء الكواليس، في هذا العدوان، حسب ما تقوله الصحيفة. وأشارت الصحيفة إلى مشاركة قوات إسرائيلية في البحث عن صواريخ "سكود" في غربي العراق، الأمر الذي يؤكد ما كانت قد أشارت إليه وسائل إعلام بريطانية، قبل الحرب على العراق بعدة أشهر، بشأن إرسال قوة عسكرية من دورية القيادة العامة الإسرائيلية "سييرت متكال" إلى غربي العراق للبحث عن منصات إطلاق صواريخ "سكود". وتقول الصحيفة الأمريكية إن القوة الإسرائيلية لعبت دوراً بالغ الأهمية في عمليات تمشيط غربي العراق، إلى جانب وحدات من الكوماندوز الأمريكي والأسترالي(9).

وتذهب USA Todayإلى أن الدعم الإسرائيلي بهذا الشأن يتمثل بثلاثة مجالات هي:

ـ المجال الأول: قيام وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بإرسال كميات كبيرة من الذخيرة والوقود والعتاد العسكري إلى "إسرائيل"، بهدف التخزين، وقد وزّع العتاد على ستة مخازن كبيرة في أنحاء البلاد خلال السنة الأخيرة التي سبقت الحرب. ولا يدور الحديث عن عتاد عادي، إنما عن عتاد احتياطي لأغراض الحرب المحتملة في العراق، أو لتقوم "إسرائيل" باستخدامه إذا ما احتاجت إليه في الحرب ضدّ دولة مجاورة.

ـ المجال الثاني: قيام القوات الإسرائيلية (التي اكتسبت خلال الانتفاضة خبرة كبيرة في الحرب في مناطق مأهولة بالسكان) بتدريب وحدات أمريكية يمكن أن تواجه حرباً من هذا النوع في العراق. حتى إن القوات الأمريكية استخدمت كل المعسكرات التي أنشئت في "إسرائيل" خلال السنوات الأخيرة للحرب في مناطق سكنية مأهولة. وقالت مصادر أمريكية: إن "هذه المعسكرات أفضل بكثير من التي لدينا". (وقيل إن جنين كانت مسرحاً لتدريب الوحدات الأمريكية).

ـ المجال الثالث: تؤكد الصحيفة أنباءً نشرت في عدد من وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة التي سبقت الحرب، تحدثت عن وجود قوات كوماندوز إسرائيلية غربي العراق، أجرت بمساعدة صور من الأقمار الصناعية الأمريكية عدة عمليات استخبارية في الأراضي العراقية، بهدف الكشف عن مواقع محتملة لإطلاق صواريخ سكود باتجاه "إسرائيل".

وفي اليومين اللذين سبقا دخول الطوابير المدرعة إلى بغداد، قامت المروحيات الهجومية والطائرات الحربية بـ "أعمال" تحضيرية جوية، على طول المحاور الثلاثة للدخول. كما أن الصور التي شاهدناها على التلفزيون للدبابات وناقلات الجند المدرعة والشاحنات العراقية، تشتعِل بين البيوت ومفارق الطرق، هي ـ مع كل التواضع ـ تطبيق لتقنية إسرائيلية طورها الجيش الإسرائيلي. وهي تقنية استنكرتها وزارة الخارجية الأمريكية، لكن البنتاغون "تبنّاها" بتلهف، وأطلقوا عليها تسمية التصفية المركزة. وهذه الطريقة تجمع بين مراقبة جيدة ـ مثل طائرة صغيرة من دون طيار أو طائرات استكشافية تعطي صوراً استخباراتية في وقت حقيقي ـ وبين سلاح موجه دقيق يطلق من طائرة أو من مروحية. ولم يكتف الأمريكان بطائراتهم الصغيرة من دون طيار، بل اقتنوا عشية الحرب وخلالها الكثير من هذه الطائرات من "إسرائيل" (10).

"إسرائيل" تزود أمريكا بالأسلحة في العراق

ولأن الإسرائيليين يريدون مشاركة الأمريكان في قتل الشعب العراقي، فقد رست على الصناعات العسكرية الإسرائيلية مناقصة لتزويد الجيش الأمريكي، الذي يخوض حرباً في العراق، بالذخيرة ويقدر حجم هذه الصفقة بنحو 300 مليون دولار. وتؤكد مصادر الصناعات العسكرية الإسرائيلية أن هذه أكبر صفقة تبرمها مع الجيش الأمريكي لتزويده بالذخيرة. مشيرة إلى أنها ستزود الجيش الأمريكي بذخيرة لبنادق عادية وبنادق أوتوماتيكية يتم إنتاجها في (مصنع يتسحاق) الموجود في بلدة (نتسيرت عيليت) في (الناصرة العليا) شمال فلسطين المحتلة عام 1948.

وذكرت صحيفة /هآرتس/ في عددها الصادر بتاريخ 27/ 8/ 2005 أن (مصنع يتسحاق) ينتج بالأساس ذخيرة لصالح القوات الأمريكية في العراق وللجيش والشرطة الإسرائيليين كما أنه ينتجها لمؤسسات أمنية في أوروبا الغربية. وكانت الصناعات العسكرية الإسرائيلية تلقت خلال عام 2004، طلبات طارئة من الولايات المتحدة لإنتاج ذخيرة وأسلحة، ووصل حجم الصفقة حينها إلى 72 مليون دولار.

ويعتبر رئيس الصناعات العسكرية الإسرائيلية النائب السابق عن حزب الليكود (عوفاديا عيلي) أن الفوز بالمناقصة (إنجاز ملموس للشركة من شأنه أن يمكنها من الفوز بمناقصات دولية أخرى). مشيراً إلى أن هذه الصفقة تجعل الصناعات العسكرية الإسرائيلية مزوداً أساسياً للجيش الأمريكي.

وقبل ما يربو على العامين تقريباً أقيم في المنطقة الصناعية ـ الزرقاء ـ في قلب منطقة التجارة الحرة في الأردن، مكتبان على الأقل متخصصان في نزع كل لوحة إسرائيلية عن السيارات المستعملة التي وصلت إلى "إسرائيل"، وإرسالها إلى سوق السيارات الخاصة العراقية. وفي أحد هذين المكتبين هناك شريك إسرائيلي من أصل عربي يسكن في "إسرائيل". وثمة بضائع ذات طابع أمني ترسل إلى العراق ضمن البضائع الإسرائيلية المرسلة، وقد أبلغت وزارة الدفاع عن وجود شركتين على الأقل توجهتا من أجل تلقي إذن بتصدير بضائع أمنية إلى العراق: إحداهما من أجل تصدير دروع واقية وهي شركة (ربينتكس)، والثانية لتصدير مركبات مدرعة. والحقيقة أن القائمين على وزارة الدفاع رفضوا البوح بهوية الشركة المصدرة للمركبات المدرعة، ولكن من خلال ردودهم يمكن أن نفهم أن شعبة المساعدة والتصدير الأمني التابعة لوزارة الدفاع التي تتعامل مع طلبات من هذا النوع، قد توجهت إلى شركات أخرى. وبالرغم من أن بضائع هذه الشركات تُرسل إلى الأردن، إلا أن الغاية النهائية هي قوات التحالف في العراق كما جاء في رد وزارة الدفاع (11). كما نجحت شركة سونول الإسرائيلية في الاندماج في صفقة ضخمة كمقاولة ثانوية لشركة KBRلتزويد الجيش الأمريكي بالوقود ويوضح الناطق باسم الشركة «أن سونول تزود الأردن بالوقود، ومن هناك ينتقل إلى القوات الأمريكية في العراق». وعلى أية حال، ففي ضوء الحساسيات السياسية، فرضت الشركة على نفسها الصمت في الموضوع، لأن الإفصاح عن أية معلومات عن الشركة من شأنه أن يؤثر سلباً على عملها.ومن المهم أن نذكر أن أحد أعضاء هيئة الإدارة لسونول هو (امنون ليبكين شاحك)، العضو في المجموعة التي تحاول دفع الصفقات الإسرائيلية ـ العراقية قُدماً. أضف إلى هذا أن شركة "شريونيت حوسم"وهي شركة تنتج منتجات أمنية من المعدن والبلاستيك، أقيمت قبل أربع سنوات، ومقرها في كريات غات، وتعمل في تسويق المنتجات في العراق، وكذلك في المنافسة على مناقصات أمريكية كمقاولين ثانويين لشركات أجنبية(12).

وكانت صحيفة معاريف الإسرائيلية قد كشفت يوم 23/2/2007 أن الجيش الأمريكي في العراق قرر تزويد قوات المارينز في العراق وأفغانستان بستين مدرعة من طراز (جولان) من إنتاج هيئة تطوير الوسائل القتالية الإسرائيلية "روفائيل". وأضافت معاريف: إن الجيش الأمريكي أعرب قبل أشهر عن رغبته في تزويد قواته العاملة في العراق وأفغانستان بأربعة آلاف مركبة مدرعة تكون قادرة على مواجهة الأخطار التي تتعامل معها قوات المارينز في مسرح القتال. وبحسب الصحيفة العبرية: تقدمت العديد من الشركات الدولية الكبرى مثل شركة "انترناشونال" بالتعاون مع الشركة الإسرائيلية (بلسان ساسا) بعروض بغية الحصول على الصفقة، إلا أنه وفي نهاية المطاف قرر الجيش الأمريكي إرساء العطاء على أربع شركات دولية من ضمنها الشركة الإسرائيلية (روفائيل) والتي ستزود قواته في المرحلة الأولى بستين مدرعة من نوع جولان بتكلفة إجمالية تصل إلى 37 مليون دولار، يأتي ذلك بعد وقت قصير من توقيع شركة (أرفيل) الإسرائيلية المختصة بإنتاج الأبواب والنوافذ المقاومة للانفجارات عقداً مع وزارة الدفاع الأمريكية لتحصين منازل الضباط الأمريكيين في جميع أنحاء العالم. وحسب تقرير نشرته آمال شحادة في صحيفة الحياة اللندنية يوم 11/ 3/ 2007 فإن مركبة "غولان" تزن 15 طناً وتحمل عشرة جنود، وهي من أربع طبقات، الوسطى منها بمثابة سقف محكم من الحديد الصلب، قادرة على صد الرصاص الذي تطلقه المدافع الرشاشة من عيار 14،5 ميلليمتر، والطبقة الثانية توفر الحماية ضدّ سلاح "آر بي جي" وصواريخ من نوع IED،الطبقة الثالثة (الداخلية) تحمي الدبابة من عبوات قد تنفجر حولها، أما الطبقة الرابعة فمفصولة عن الثلاث طبقات الأخرى وقد خصصت لضمان حماية الجنود. وخلافاً للمركبات العسكرية لا توجد أرضية مسطحة لمركبة "غولان"، فقد تمّ تركيب جهاز من أربعة لوالب أوتوماتيكية شبيهة بتلك التي تركب في المدافع، لتضمن عدم تفجيرها بعبوة كبيرة مغروسة في الأرض. وقد اهتم الخبراء العسكريون في صناعة هذه المركبة بتخصيص خمسين في المئة من العمل في الدبابة لحماية الجنود. ولأن الوضعية التي واجهها الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، بحسب ما تقول مصادر إسرائيلية، كانت شبيهة بتلك التي واجهها الجيش الأمريكي في العراق عند استخدامه المركبة العسكرية "سترايكر" (Striker)التي نقلت إلى العراق في العام 2004، ولم توفر الحماية الكافية للجنود وقد تعرضت لأضرار كثيرة في أثناء المواجهات وأبرز هذه الأضرار كانت في الإطارات الكبيرة التي كان الجنود يضطرون لاستبدالها مرات عدة في المواجهات ذاتها. فقد جاءت مركبة "غولان" لتساهم في حل مشكلة الجيش الأمريكي حيث إنها ملائمة للمعارك التي تدور في مناطق مفتوحة. كما أن طبيعة الأرض في العراق قريبة من طبيعة الأرض في الجنوب اللبناني، حسب الرؤية الأمريكية، ولذا قرر الأمريكان أن هذه المركبة ستكون مناسبة لاستخدامها في الأراضي العراقية كما استخدمت من قبل في الأراضي اللبنانية. وفي أقل من شهرين خرجت الصفقة إلى حيز التنفيذ، فوصلت 15 مركبة وستصل لاحقاً 60 إضافية إلى القوات الأمريكية في العراق(12).

تعاون أمريكي إسرائيلي لقمع المقاومة:

لم تكن القوات الأمريكية قد وضعت أمتعتها في العراق بعد التاسع من نيسان 2003، عندما اشتعلت المقاومة العراقية في شتى أنحاء هذا البلد متسببة بحالة من الخوف والهلع عند جنود الاحتلال بمختلف جنسياتهم، حتى رُحّل قسم منهم إلى بلادهم للمعالجة من الأمراض التي استحكمت بهم جرّاء ضربات المقاومة العراقية. ولأن القوات الإسرائيلية أكثر خبرة من القوات الأمريكية في التصدي للمقاومين، بحكم احتلالها لفلسطين وما نتج عنه من مقاومة مختلفة الأشكال، كان لابدّ من تعاون أمريكي _ إسرائيلي لقمع المقاومة العراقية. ويؤكد هذا تقرير بالغ الأهمية نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية عقب احتلال العراق، ويتحدث التقرير عن التعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلي من أجل قمع المقاومة العراقية. ويذكر التقرير أن ضباطاً أمريكيين تلقوا تدريبات عسكرية في "إسرائيل" للاستفادة من خطة السيطرة على مخيم جنين في تمشيط العاصمة العراقية بغداد. وقالت الصحيفة اعتماداً على مراسلها في القدس المحتلة: إن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) زودت، قبل بداية الحرب على العراق، ضباطاً أمريكيين بشرائط فيديو تصور تمشيط مخيم جنين عندما ارتكبت "إسرائيل" جرائم حرب في هذا المخيم قبل عدة سنوات. وأكدت الصحيفة أن قرابة ألف من مشاة المارينز قاموا بدورة تدريبية جنوب مدينة بئر السبع بـ "إسرائيل"، وتركزت هذه الدورة حول كيفية تمشيط المدن، مستفيدين من الخبرات الإسرائيلية في هذا المجال. وأوضحت الصحيفة أنه في شهر سبتمبر من عام 2002، قام (البنتاغون) باستدعاء الخبير العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي في الجامعة العبرية بالقدس (فان سرفلد) إلى قاعدة للمارينز بشمال كارولينا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث قام بإلقاء محاضرات مكثفة حول كيفية تمشيط المدن اعتماداً على نموذج تمشيط مخيم جنين، وقال هذا الخبير العسكري الإسرائيلي لـ (الغارديان): إن الخطة تعتمد على ثلاثة مفاتيح أساسية:

الأول ـ كيف يمكن تمشيط الشوارع منزلاً منزلاً باستعمال البلدوزر أساساً وهو أكثر المعدات فاعلية في مثل هذا النوع من الحروب لاستخدامه في هدم المنازل.

الثاني ـ هو كيف يمكن استعمال طائرات الهليكوبتر لإجبار المقاتلين على الخروج من مخابئهم.

الثالث ـ هو كيف يمكن تجنّب استهداف المدنيين. وأضافت الصحيفة: إن مجسمات للمنازل وشوارع بغداد تمّ تصميمها في جنوب "إسرائيل" تدربت عليها قوات المارينز عبر اقتحامها شارعاً فشارعاً ومنزلاً فمنزلاً بالاستعانة بآليات البلدوزر وطائرات الهليكوبتر. إلا أن الخبير العسكري الإسرائيلي توقّع أن تمشيط مدينة بغداد لن يكون سهلاً بالنظر إلى أن العراقيين يمتلكون عتاداً وأسلحة لا تتوفر للمقاتلين الفلسطينيين الذي دافعوا عن مخيم جنين، وهو ما سيؤدي إلى تدمير شامل للعاصمة العراقية. وأضاف الخبير العسكري الإسرائيلي: إن هناك عقبة أخرى أمام الأمريكيين، وهي افتقارهم إلى قاعدة استخباراتية قوية في بغداد. وكانت صحيفة "يو.اس.آي تودي" الأمريكية ذكرت أن "إسرائيل" أقامت مدناً وهمية لتدريب جنود الكوماندوز الأمريكية عشية الحرب في منطقة مبنية في مدن العراق. وتقول الصحيفة، التي تقتبس من أوساط أمنية في واشنطن: إن المدينتين الوهميتين اللتين أقيمتا في إسرائيل لصالح جنود المارينز الأمريكيين كانتا نسخة دقيقة عن مدن عربية نمطية مثل بغداد، وشملت مساجد وغسيل معلق في البيوت وحمير تتجول في شوارع مغبرة. وحسب المصادر، فإن هذه المدن أفضل من كل منشأة وهمية في الولايات المتحدة. وأضافت الصحيفة: إن "إسرائيل" أشركت الولايات المتحدة بتجربة الجيش في القتال في منطقة مبنية في جنين بهدف تمكين الأمريكيين من إدارة حرب قصيرة وناجعة ومنع إمكانية المس الممكن بـ"إسرائيل". وكان الكولونيل الإسرائيلي "موشيه تامير" قائد فرقة "جولاني" قد ألقى محاضرة على ضباط قوات المارينز الأمريكية تتعلق بقتال المدن والشوارع، وركز في محاضرته بالتحديد على عملية "السور الواقي" التي شنّتها القوات الإسرائيلية على الفلسطينيين في نيسان / إبريل عام 2002 كجزء من مؤتمر حول حرب المدن، ونشرت صحيفة معاريف وقتها تقريراً عن المؤتمر، إلا أنها لم تذكر مكان انعقاده. وقد لعب "تامير" بوصفه قائد فرقة "جولاني" دوراً أساسياً في العديد من المعارك التي دارت داخل المدن الفلسطينية خلال العامين السابقين، وأشرف إشرافاً مباشراً على عمليات عسكرية في مخيم جنين ونابلس وطولكرم ومدينة غزة. علماً أن قواته تكبدت خسائر فادحة في معركة مخيم جنين التي ضرب فيها المقاتلون الفلسطينيون مثالاً رائعاً في البطولة والصمود. وخلال العامين المنصرمين طوّر الجيش الإسرائيلي أسلوباً قمعياً فريداً للسيطرة على المناطق المكتظة بالسكان، متبعاً العديد من التكتيكات المشينة، مثل التنقل من منزل إلى آخر باختراق الجدران، لتجنب مواجهة المقاتلين الفلسطينيين في الأزقة الضيقة. وقد عبّرت القوات الأمريكية عن اهتمامها الكبير بتكتيكات حرب المدن هذه التي تتبعها "إسرائيل" في قمع الفلسطينيين معربة عن رغبتها في الإفادة منها، لا بل إن الجنود الأمريكيين بدؤوا فعلاً يستفيدون من الدروس الإسرائيلية التي راحت ملامحها تتكشف في شوارع العراق(13).

ويبدو أن أمريكا تريد لربيبتها "إسرائيل" أن تغرق هي الأخرى في المستنقع العراقي، ولذا فإن مساعد نائب وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأعمال والتعاقدات "بول برينكلي" دعا "الإسرائيليين" إلى ضخ استثمارات لإنعاش الاقتصاد العراقي المريض، وأضاف على هامش مؤتمر لرجال الأعمال في دبي يوم الخميس 15/ 3/ 2007 أن المستثمرين "الإسرائيليين" وغيرهم يلقون الترحيب في العراق الذي بات في أمسّ الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية، وأشار بوضوح إلى أن هذه الاستثمارات تلقى القبول في إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بالحكم الذاتي. وذكر أن وزارة الدفاع الأمريكية التي ترعى شبكة للأعمال وقوة مهام، مكلفة بإعادة الحيوية للقطاع الصناعي في العراق، وتشجع المستثمرين "الإسرائيليين" على الذهاب إلى العراق وعقد شراكات مع رجال أعمال عراقيين(15). ويوضح واضعو الايديولوجية الصهيونية وصانعو السياسة فيها أن الهدف الأكبر لها هو تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى (منطقة أمريكية _ إسرائيلية مشتركة للازدهار الاقتصادي) وهو مشروع يرتدي قناع التبشير، ولايعدو كونه خطوة أولى باتجاه صهينة المنطقة بأسرها انطلاقاً من العراق المحتل.

 ولم تكن الخبرة القتالية هي الوحيدة التي أفادها الأمريكان من الصهاينة في العراق، بل تعدتها لتشمل أموراً عدة كما هو الحال بالنسبة لجدار الفصل العنصري الذي أقامه الصهاينة في فلسطين، فبعد معرفة الأمريكان بفوائد جدار الفصل العنصري في فلسطين قرروا بناء شبيه له في بغداد. وتؤكد المصادر، حسب ما ذكرت صحيفة الوطن القطرية يوم 30/4/2004، أن الجدار العازل الذي تم بناؤه في منطقة الأعظمية في بغداد ويستهدف تطويق السنّة يشرف عليه فريق عمل إسرائيلي ويعمل بتنسيق كامل مع لجنة الحشد الشعبي التي يرأسها أحمد الجلبي، وتستهدف الخطة التي وضعها الإسرائيليون تطويق أكثر من خمسين مدينة في العراق بسياج أعزل وإقامة سجون كبيرة على غرار المخيمات الفلسطينية ومحاجر الهنود الحمر في أمريكا، وستقوم الميليشيات وفرق الموت بحراستها مرتدين زي الشرطة والجيش لقتل واعتقال أبناء تلك المدن وحشرهم فيها لتسهل مراقبتهم في محاولة للرد على المقاومة المسلحة التي تكبد القوات الأمريكية خسائر فادحة في تلك المناطق. وقد بدأ العمل بخطة وضعها أحمد الجلبي وعبد العزيز الحكيم، وتمّ تخصيص مواقع قريبة لعمل الكتل الإسمنتية التي يشّيد بها الجدار وأحيطت بتعزيزات أمنية مشددة وتعهد أتباع جيش المهدي بحماية ونقل مئه ألف عامل يقومون بتشييد الجدار وصناعة الكتل الإسمنتية.وأسندت عملية البناء لليهودي الألماني "زئيف بلنسكي" صاحب شركة "بلنسكي" للإسمنت ومقرها الرئيسي في مدينة حيفا بـ"إسرائيل"، وسوف يستمر العمل في عزل المدن العراقية عشر سنوات، وقد تمّ تخصيص أربعة مواقع للعمل تحت إشراف مكتب الصدر الذي يقوم بتجهيز العمال والسيارات من وزارات الصحة والدفاع والداخلية، ومن ذلك يتضح أن انسحاب كتلة الصدر من الحكومة هدفه إتمام الفيدرالية وبناؤها من خلال حملات التهجير والقتل.

وقد يستغرب البعض حجم المساعدات الإسرائيلية لأمريكا بغية تحقيق النصر "المؤزر" لهذه الأخيرة في العراق، إلا أن الغرابة ستزول بمجرد معرفة المرء بالحقد التاريخي الذي يكنّه الصهاينة على الشعب العراقي، بسبب السبي البابلي الذي تعرض له اليهود أيام الملك البابلي "نبوخذ نصر"، كما أن الصهاينة يعتبرون بابل خصوصاً وأرض العراق عموماً واقعة ضمن مخطط الدولة الصهيونية التي يسعون لإكمال تأسيسها. 

خاتمة:

 لقد اعتقد المحافظون الجدد وأعوانهم من مؤيدي الكيان الصهيوني أن الحرب على العراق ستكون إنقاذاً لـ"إسرائيل" من مأزق تعيشه في مواجهة الشعب الفلسطيني، فبعد أن أصبحت "إسرائيل" في مأزق حقيقي في الانتفاضة الأولى أنقذت باتفاقية أوسلو، وأتي بالسلطة الفلسطينية لتكون شريكاً في الولوغ في دم القضية الفلسطينية بعد ذبحها والقضاء عليها وقمع الشعب الفلسطيني بثمن بخس، إلا أن هذا المشروع فشل من يومه الأول وأصبحت "إسرائيل" في مأزق لم تمر به في تاريخها. فبعد أن استنفدت أكثر إمكانياتها العسكرية والأمنية المتوحشة تحت غطاء من العهر السياسي الذي تمارسه "أمريكا" لإذلال الشعب الفلسطيني عاشت "إسرائيل" أزمة اقتصادية لم تعرف سابقة لها في تاريخها. وما زالت "إسرائيل" حتى اليوم تعيش رعباً وخوفاً في المجال الأمني، وصراعاً واستقطاباً في الميدان السياسي، وانهياراً معنوياً في الجيش، وتفككاً واضطراباً اجتماعياً، وازداد هذا الرعب والخوف عقب الحرب الأخيرة على لبنان في العام 2006، والتي توجت بنصر مظفر للمقاومة اللبنانية متمثلة بحزب الله على الكيان الصهيوني بالرغم من التطور الهائل في ترسانته الحربية والقتالية، ليدخل هذا الكيان في أزمة معقدة متمثلة باستقالة جملة من القادة الصهاينة الذين اعتقدوا أنه باستطاعتهم تدمير لبنان واحتلاله خلال أيام قليلة، حينها دخل الكيان الصهيوني في أزمة تتقاطع إلى حدٍّ كبير مع تلك التي تعيشها الإدارة الأمريكية بسبب حربها على العراق، ليثبت للعالم أجمع أن لا شيء بإمكانه أن يبعثر الحلف الأمريكي _ الإسرائيلي ويدمر طموحاته سوى المقاومة والمقاومة وحدها.

وإذا كانت الدراسة قد أشارت إلى المساعدات الإسرائيلية للولايات المتحدة في احتلال العراق، فإن ما تحتويه الوثائق غير المنشورة بين الدولتين تشير إلى الكثير من ذلك، ويمكن أن ندل على اغتيال العلماء العراقيين والضباط المتميزين في الجيش العراقي على مرأى ومسمع الاحتلال الأمريكي،وكذلك سرقة المتحف العراقي وتخريب منشآته الثقافية من جامعات ومتاحف ومراكز أبحاث.

إن هدف الحرب الأمريكية على العراق كما أوضحته مذكرات بوش وتوني بلير، كان هدفاً موضوعاً مسبقاً للسيطرة على النفط العراقي، وخدمة "إسرائيل" والانتقام من الحضارة العربية الإسلامية وإمكانيات استنهاضها بحقد غربي يقترب من العنصرية في النظرة والكراهية للعرب والمسلمين بعد أحداث 11أيلول 2001.

وإذا كانت المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين قد أفشلت هذا المخطط بمقدار ما، فإن المطلوب مستقبلاً مزيد من التضامن بين العرب والمسلمين وبين كل ذوي الضمائر الحية في العالم، وإبطال وإفشال مفاعيل هذه المؤامرة القذرة على المنطقة والعالم.

لقد أثبتت وثائق ويكليكس الكثير من أوجه التآمر، وستكشف الأيام القادمة عن المزيد، المهم أن تبقى المقاومة وجذوتها قائمة في النفوس... وسيفشل هذا المشروع العدواني على الأمم والشعوب مهما طال الزمن وغلت التضحيات.
المراجع:

 1ـ صحيفة يديعوت أحرنوت ـ 18/ 12/ 2002 نقلاً عن موقع موقع عرب 48.

2 ـ أرييه أغوزي ـ يديعوت أحرنوت ـ 23/ 3 /2003.

3 ـ جدعون ليفي ـ هآرتس 23 / 3/ 2003.

4 ـ صحيفة معاريف ـ 20/ 10/ 2002 عن موقع عرب 48.

5 ـ التايمز البريطانية 17/ 3/ 2003 نقلاً عن موقع المختصر.

 6 ـ موقع عرب 48 ـ تاريخ 24/ 12/ 2002.

7 ـ موقع عرب 48 ـ 1/ 11/ 2002.

8 ـ هآرتس ـ 24 / 1/ 2003.

9 ـ نيويورك ديلي نيوز ـ 29/ 3/ 2003 نقلاً عن موقع المختصر.

10ـ أليكس فيشمان ـ يديعوت أحرنوت ـ 6/ 4/ 2003 نقلاً عن موقع عرب 48.

11ـ محمد الحوراني- التغلغل الإسرائيلي في العراق من الثورات الكردية إلى الحكومات الانتقالية - مركز الراية للتنمية الفكرية – جدة - ط1 - 2006 – ص217.

12ـ محمد الحوراني- المرجع السابق- ص215.

13ـ موقع عرب 48 تاريخ 20/ 6/ 2003 .

14ـ آمال شحادة ـ صحيفة الحياة 11/ 3/ 2007 .

15ـ صحيفة الخليج الإماراتية ـ 16/ 3/ 2007.

 

 

  

 

القوة الناعمة الأمريكية

/التحديات والآفاق/

 

أصبح من الأمور المستقرة في الفكر السياسي المستقبلي أن مصادر قوة الدولة ومكونات نفوذها تتغير، وأن القوة العسكرية وحدها لم تعد تحقق سوى القليل، وأن للقوة في عالم اليوم مكونات متنوعة، عسكرية ودبلوماسية واقتصادية ومعنوية، تمنح الدولة القدرة على شق طريقها في العالم، وأن جوهر القوة يجسده ضغط سياسي ونفسي. وقد تكون الدولة قوية عسكرياً، لكن أساسها الداخلي متهافت، سياسياً واقتصادياً، وبالتالي لا يمكن اعتبارها قوية وقادرة في عالم تتنافس فيه القوى الدولية، على جبهات صراع اقتصادية وثقافية وسياسية وعسكرية. وعلى الرغم من التركيز على استخدام القوة الصلبة من جانب الدول باعتبارها وسيلة لها أولوية لضمان أمنها القومي، إلا أنه لا يمكن تجاهل التأثير المتزايد للقوة "الناعمة" على نظام العلاقات الدولية.

لم يعد ممكناً اليوم, التوسل بأساليب الاستعمار المباشرة, أو استعمال القوة الصلبة، فقد جاء الإعلام والسلطات الرمزية الأخرى لتأدية ذات الدور, أي "القدرة على تحقيق مردود في الشؤون الدولية من خلال الاستقطاب, أكثر مما يمكن تحقيقه عبر الإكراه البدني". يقول جوزيف ناي: " لقد أضحى من الصعب, في العالم المعاصر, استخدام العصا...إذ القوة العسكرية, على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراه, فهي أصبحت صعبة جداً... وأصبحت الحرب أمراً جد مكلف من الناحية المادية...", ناهيك عن المناهضة المتزايدة للحروب, والنفور المتزايد من استخدام القوة, أو محاصرة الدول والشعوب.

ارتبط تعريف القوة تاريخياً بـ"القوة في الحرب"، حيث اعتبرت عناصر مثل السكان، والأرض، والموارد الطبيعية، والقوة الاقتصادية، والاستقرار السياسي، والقوة العسكرية، هي المكونات الرئيسة لمفهوم القوة، فإذا كان لدى الدولة أسطول قوي وجيش مدرب بشكل جيد، وكذلك قوة ديمغرافية واقتصادية، فمن المحتمل أن تكون قادرة على إجبار أو إكراه، أو حتى رشوة جيرانها، ومن ثم دفعهم إلى الامتثال لأهدافها.

لكن حصر القوة في هذه العناصر قد قوبل بانتقادات، لاحظت أن امتلاك عناصر القوة السابقة قد لا يؤدي بالضرورة إلى الحصول على النتائج المرجوة، ومن ثم تمّ تقسيم القوة إلى: "صلبة" و"ناعمة" و "ذكية".

 

 

مفهوم القوة (إطار نظري):

 أ- القوة الصلبة (HARD-POWER) :

يشير جوزيف ناي إلى أن "القوة الصلبة" تعني القوة المشتركة السياسية والاقتصادية والعسكرية."أي القوة في صورتها الخشنة التي تعني الحرب، والتي تستخدم فيها الجيوش، وهذه القوة تعني الدخول في مزالق خطرة، ونتائجها تكون في منتهى الخطورة على الدولة ذاتها، كما حدث مثلاً في الحرب العالمية الثانية مع اليابان وألمانيا النازية.

 ويمكن للقوة الصلبة أن يكون لها أثر إيجابي على صورة الدولة على الصعيد الدولي، وعلى تعزيز قوتها الناعمة. كما هو الحال بالنسبة لاستخدام القدرات الاقتصادية لتقديم المساعدات الإنسانية للدول الفقيرة، والقوة العسكرية من خلال المشاركة في عمليات حفظ السلام. كما يمكن للقوة الصلبة أن يكون لها أثر سلبي على الدولة، يقوض مصداقيتها، وبالتالي يشوّه صورتها الدولية، حينما تستخدمها في عمل غير شرعي على الساحة الدولية. يقول ناي: "إنه, وإن أمكن الوصول للأهداف من خلال القوى الخشنة, من استعمال القوة من قبل القوى الكبرى, إلا أنه قد يشكل خطراً على أهدافها وتطلعاتها الاقتصادية والسياسية, وحتى الثقافية". لذا, فإن الولايات المتحدة "إن أرادت أن تبقى قوية, فعلى الأمريكيين أن ينتبهوا إلى قوتهم الناعمة".

 ب- القوة الناعمة(soft power):

شهد مفهوم "القوة الناعمة" صعوداً بعد نهاية الحرب الباردة، رغم أن ما يعبر عنه كان موجوداً قبلها وأثناءها، والذي يتجلى في استخدام أدوات الإقناع والاستمالة وليس الضغط والإكراه في إدارة العلاقات الدولية، كأدوات الدبلوماسية الشعبية وتوظيف الأبعاد الثقافية والتعليمية والإبداعية أو توظيف المعونات الاقتصادية والمنح الدراسية في إدارة العلاقات الخارجية. وقد انصبّ خطاب الرئيس أوباما في جامعة القاهرة في حزيران 2009 بعد توليه الرئاسة في هذا الاتجاه لتطوير العلاقة مع العالم الإسلامي.

حدد الأدميرال جوزيف ناي, وهو عميد في جامعة هارفارد, ورئيس سابق لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي, وكان مساعد وزير الدفاع في عهد إدارة كلينتون, حدد مفهوم القوة الناعمة, في كونها: "القدرة على الاستقطاب والإقناع...إذ بما أن القوة الخشنة تكمن في القدرة على الإجبار والإكراه, المتأتية من القوة العسكرية للدولة, أو من تفوق قدراتها الاقتصادية, فإن القوة الناعمة تتأتى من جاذبيتها الثقافية أو السياسية" أو الإعلامية, أو ما سواها.

ووفقاً لـ ناي تعرّف القوة الناعمة بأنها المقدرة على التأثير وعلى تشكيل خيارات “أو أفضليات” الآخرين، والقوة الناعمة مشتقة من ثقافة، وقيم، وإنجازات الدولة “أو الأمة” .

وعلى النقيض من القوة الصلبة، فإن "القوة الناعمة" تقوم على جذب المعارضين، لمثلك، وقيمك و ثقافتك الخاصة. ويرى جوزيف ناي، أن كلا النوعين من القوة مهم، لكن الجذب أرخص بكثير من الإجبار. ولا تعني القوة الناعمة أن أدوات القوة الصلبة تختفي، لكن القوة الناعمة لها لحظتها المناسبة، وهي في الغالب تعمل في إطار من التبادل والتوافق مع أدوات القوة الصلبة الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وإلا كانت النعومة مرادفة للضعف والعجز، فلا تكون بذلك خياراً بل تكون اضطراراً، وهو ما يفقدها في الغالب قوتها حتى في بعدها الرمزي، فتندرج تحت بند العلاقات العامة ، لا العلاقات السياسية بمعناها المركب، وتنأى عن العلاقات الدولية بالمفهوم العلمي الدقيق.

وبذا ، فإن مفهوم القوة الناعمة ليس مفهوماً ثابتاً بل تتغير القوة الناعمة بتغير وسائط وأدوات التأثير الثقافي وتحولاتها النوعية في ظل تحولات مفهوم المكان والجغرافيا، كما قد تزيد وتنقص حسب رصيد رأس المال الأخلاقي للدولة التي تريد أن تلعب دور النموذج المحتذى، وكذا رأس المال الحقيقي الذي تستثمره الدولة في هذا المجال من مخصصات وموازنات فيمكّنها من ممارسة النفوذ والتأثير، أو تبخل به لأسباب توازنات انتخابية أو تحالفات حزبية فتضعف، أو تهدره بالكلية فتفقد أدوات هامة في تحقيق مصالحها في الممارسة السياسية الإقليمية والدولية، ويبدو الأمر جلياً في الأزمات حين ينكشف القصور.

القوة الناعمة إذن إنما تتلخص "في القدرة على الاحتواء الخفي والجذب اللين, بحيث يرغب الآخرون في فعل ما ترغب به القوة المهيمنة, من دون حاجة إلى اللجوء إلى استخدام القوة, أو بما يغني عن استخدام سياسة العصا والجزرة".

بالتالي, يقول ناي,  فالقوة الناعمة أفضل بكثير, خاصة وأن التجربة  أثبتت نجاعتها ومدى تأثيرها: فـ "الجماهير السوفييتية كانت تشاهد الأفلام, وتتمثل خلفياتها السياسية, وعبرها استطاعت ذات الجماهير, معرفة أن الناس بالغرب لا تقف في طوابير لاقتناء الطعام, ويقيمون في مساكن مستقلة, ولديهم سياراتهم الخاصة".

ولبناء القوة الناعمة ، تعتمد الدول على ثلاثة مصادر:

-    الثقافة: وهي القيم والممارسات التي تضفي معنى ما على أي مجتمع، وتتجسد في الأدب والفن والإعلام.

تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً وتأثيراً في عالمنا الراهن مستفيدة من شيوع اللغة الإنكليزية، سواء في لغة التخاطب اليومي، أم لغة التجارة والأعمال، وهناك اليوم عشرات الملايين، إن لم نقل مئات الملايين من البشر يأكلون ويلبسون على الطراز الأمريكي، ويستمعون الأغاني الأمريكية ويشاهدون الأفلام الأمريكية. كما أن هناك اليوم مئات الملايين من البشر ممن يستخدمون الحواسيب والبرمجيات الإلكترونية الأمريكية, ويتكلمون الإنكليزية باعتبارها لغة التقنيات والأعمال  وتداول العملة, هذا دون أن نتحدث عمن يقرؤون الآداب ويطلعون على الأفكار ويتابعون الصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأمريكية. وبالتالي, فإذا كانت القوة الصلبة تنبع أساساً من القدرات العسكرية والاقتصادية, "فإن القوة الناعمة تتأتى من جاذبية النموذج, وما يمتلكه من قدرة التأثير والإغراء للنخب والجمهور على السواء". فحينما تبدو السياسة الأمريكية مقبولة ومشروعة في أعين الآخرين, على ما يقول ناي, "يتعاظم دور القوة الناعمة أكثر, وبموازاة ذلك, تتراجع الحاجة إلى استخدام القوة العارية. وعلى العكس من ذلك, فكلما تضخم استخدام القوة الإكراهية, وضعفت شرعية مثل هذا الاستخدام, يتضاءل معها النفوذ الثقافي والسياسي والتجاري, وكل ما يدخل ضمن دائرة القوة الناعمة".

- القيم السياسية:مثل حرية الصحافة، وقدرة الفرد على انتقاد حكومته.

- السياسة الخارجية:وهي مكون هام من مكونات القوة الناعمة. فاتباع سياسات خارجية مصممة بشكل جيد سيدفع الدول الأخرى إلى أن تحذو حذو الدولة التي تستخدم القوة الناعمة. وتعد الدبلوماسية العامة- القاعدة الأساسية، لمفهوم "القوة الناعمة"، إضافة إلى التجارة والمساعدات الاقتصادية للدول الأجنبية. ويرى البعض، أن تصميم وتنفيذ الثورات الـ "مخملية"، و" الملونة، مظهر من مظاهر "القوة الناعمة". فمن خلال الدبلوماسية العامة يمكن النفاذ إلى قلوب وعقول ونفوس الناس، والتأثير على الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة.

أخذ مفهوم القوة الناعمة يحظى باهتمام واسع، بسبب قدرة هذه القوة على التأثير في عالم اليوم، وتنوع استخدامها، من وسائل الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والنفسي، إلى أساليب الإغراء والجاذبية، من الفنون على اختلافها، بما فيها الأدب والمسرح والسينما المبهرة.

في هذا المضمار، يبرز اهتمام الكاتب والمفكر جوزيف ناي، وهو اهتمام متصل تتوالى نماذجه في كتاباته في كبريات الصحف، وفي كتابة القوة الناعمة، إذ إنه يضيف المعلومات، بوصفها قوة، إلى مصادر قوة الدولة، ويقول إن قوة المعلومات متاحة الآن لجزء كبير ومتزايد من سكان العالم، فالتقدم التكنولوجي أدى إلى خفض كبير للغاية في تكلفة انتقال المعلومات واستخدامها، بما جعل تدفقها سلساً.

وقد تعرض مفهوم "القوة الناعمة" لانتقادات عديدة، من بينها: أنه مفهوم شديد العمومية، كما أنه من الصعب تحديد الآثار التي تنتجها القوة الناعمة، علاوة على أن القوة الصلبة، من وجهة نظر الواقعيين، تظل الأكثر تأثيراً في العلاقات بين الدول والأحداث الجيوبوليتيكية. ودفعت هذه الانتقادات جوزيف ناي إلى تطوير مفهوم آخر للقوة هو "القوة الذكية".

 

ج- القوة الذكية(Smart Power ):

وهي عبارة عن مزيج من القوة الصلبة والقوة الناعمة. أي الربط بين التسامح والشدة. ويقبل تعبير القوة الناعمة كثيراً من التسامح، بينما تقبل القوة الذكية بعض التشدد.

و تعني القوة الذكية لدى (أرميتاج) و (ناي) الدمج بين القوة الصلبة (Hard Power) وبين القوة الناعمة (Soft Power). فمن خلال الجمع بين هاتين القوتين اللتين يطلق عليهما القوة الذكية ستتمكّن الولايات المتحدة من التعامل مع التحديات العالمية؛ حيث يوجد عدد من التحديات التي تواجهها واشنطن ليست ذات طبيعة عسكرية كصعود الصين التي حسب رأي الكاتبين تبني محطتي كهرباء تُداران بالفحم كل أسبوع، فالقوة العسكرية لن تفيد في التعامل مع تحديات من هذا النوع، ولكن التكنولوجيا الأمريكية المتطورة من الممكن أن تجعل الفحم الصيني نظيفاً، والذي سيصبّ في حماية البيئة، وفتح أسواق جديدة أمام الصناعات الأمريكية، وهو ما أكّد عليه وزير الدفاع الأمريكي (روبرت نجيتس) في خطابه في 26 نوفمبر 2007، حيث قال: "إن القادة الأمريكيين أدركوا أن طبيعة الصراعات تحتاج منهم تطوير القدرات والمؤسسات الأساسية (غير العسكرية)".

تراجع دور القوة الصلبة:

نظراً لضخامة حجم القوة لدى بعض الدول ومن ثم شعورها المفرط بهذه القوة، فقد ألفت التعويل على عضلاتها العسكرية ونفوذها السياسي والاقتصادي أكثر من انتهاج لعبة المساومات السياسية أو التمرس على فنون السيطرة الخفية والناعمة باستخدامها في كل وقت وحين. وعلى هذا الأساس نفهم كثرة لجوء الساسة الأمريكيين إلى التدخلات العسكرية والمبالغة في إشهار السلاح في وجه الخصوم والأعداء أو من تعتبرهم مارقين وأشرار. بل إن شعورها بمثل هذا التفوق قد غذى عندها شعوراً عميقاً بالقدرة على هندسة أوضاع العالم وتشكيل أحوال الشعوب والأمم بقوة السلاح وفي مختلف مناطق العالم بما ينسجم مع رؤيتها ومصالحها الخاصة.   

وقد وظفت الولايات المتحدة الأمريكية قوتها الاقتصادية والعسكرية, غير المسبوقة تاريخياً, لبسط نفوذها على العالم, ليس فقط بتفوقها الصناعي والتكنولوجي والعلمي, ولكن أيضاً بفضل قوة تسلحها وضخامة جيشها.

ولن يتراجع الأمريكيون عن خياراتهم العسكرية غالباً إلا بعد أن يذهبوا بعيداً في استخدام قوتهم النارية وتجريب ما بحوزتهم من أسلحة ومخططات حربية شتى من التكتيكات الحربية والأسلحة ، ثم بعد أن يواجهوا بقوة مضادة ومؤلمة تضطرهم إلى التسليم بمحدودية القوة وجدوى الجنوح إلى السلم والمساومات السياسية وهذا ما بيّنته فعلا تجربة اجتياح فيتنام وما تؤشر عليه عملية اجتياح العراق بالنسبة لأمريكا، وأفغانستان بالنسبة لروسيا.

وحسب ناي ، فإن هناك خمسة تحولات دولية ساهمت في تراجع دور القوة الصلبة أو على الأقل قلّلت من فاعليتها، تمثلت في:

أولاً:الاعتماد الاقتصادي المتبادل والذي جعل من الصعب استخدام القوة في صورتها القهرية، لما يمثله ذلك من خطر على النمو الاقتصادي والمصالح المالية.

ثانياً:أن الفاعلين غير القوميين، وكذلك الشركات متعددة الجنسية، والمنظمات الدولية سواء الحكومية أو غير الحكومية، وحتى الجماعات الإرهابية، أصبحت قادرة على ممارسة أنواع من القوة كانت مقصورة في السابق على الدول القومية.

ثالثاً:أن انبعاث النزعات القومية قد صعّب كثيراً من استخدام القوة، فعلى سبيل المثال، كانت بعض المواقع العسكرية الصغيرة قادرة على إدارة إمبراطورية مثل الإمبراطورية البريطانية، لكن في الوقت الحاضر، فإن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، وجدت أنه من الصعب إخضاع العشائر الصومالية أو تهدئة الوضع في العراق، حتى مع زيادة عدد قواتها.

رابعاً:ساهم انتشار التكنولوجيا، خاصة في مجال تطوير الأسلحة النووية، والأسلحة التي تطبق تكتيكات غير متماثلة، في تعادل قوة الأطراف في أرض المعركة، بغضّ النظر عن الاختلافات الحقيقية في القوة بينهما.

خامساً:التغير الحادث في القضايا السياسية، أو بعبارة أخرى قضايا العلاقات الدولية، جعل القوة العسكرية أقل قدرة على حل المشكلات المعاصرة، فامتلاك أقوى جيش لن يحلّ على سبيل المثال قضايا مثل الفقر والتلوث أو انتشار الأوبئة، كما أن استخدام القوة العسكرية أصبح مكلفاً جداً مقارنة بما كان في القرون الماضية.

هذه التحولات الخمسة دفعت "ناي" إلى طرح مفهومه عن "القوة الناعمة" والتي تعني "قدرة دولة معينة على التأثير في دول أخرى وتوجيه خياراتها العامة، وذلك استناداً إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها، بدلا من الاعتماد على الإكراه أو التهديد".

القوة الناعمة الأمريكية:

على الرغم من أن جوزيف ناي هو الذي ابتكر مصطلح القوة الناعمة، في بداية التسعينات، إلا أن أصول هذا المفهوم تعود لحقبة الولاية الثانية لفرانكلين روزفلت (1937-1941). فقد أدرك روزفلت أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تشعر بأمان تام إلا عبر كسب تأييد شعوب الدول الأجنبية والتواصل معها .

وهذا أدى إلى تأسيس وكالة المعلومات الأمريكية وإذاعة صوت أمريكا، ولاحقاً مؤسسات السلام في عهد جون كينيدي (1962).

في بداياتها، قدمت القوة الناعمة الأمريكية نفسها على شكل سلع وخدمات (كوكاكولا، كاديلاتك هوفرز، وأفلام هوليوود)، وهذه السلع والخدمات سلطت الضوء، ببراعة ونجاعة، على فضائل الشركات والثقافة الأمريكية. وفي أزمات أقرب، باتت موسيقا الروك، ووجبات ماكدونالدز السريعة، وسراويل ليفيز الجينز، ومقاهي ستاربكس، وقنوات ال”سي .إن .إن”، تحمل رسالة مماثلة للعالم خارج حدود الولايات المتحدة .

وقد استفادت أمريكا من شيوع اللغة الإنكليزية, سواء كلغة التخاطب اليومي, أم كلغة للتجارة والأعمال, بحكم وراثتها للإمبراطورية البريطانية, التي خلفت بصماتها اللغوية في مواطن كثيرة من العالم". كما أسهمت ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال, والتقدم التكنولوجي, في إعطاء الشركات ومؤسسات الإعلام والثقافة الأمريكية, سبقاً على حساب غيرها من الأمم الصناعية.

إلا أن تأثير هذه القوة الضخمة الكبير, بدأ يتقلص, منذ إدارة جورج بوش الابن, مما أدى إلى كراهية الأمريكيين, بما في ذلك منظومة قيمهم وثقافتهم العامة, وحتى شركاتهم التجارية, ناهيك, عن عمق الأزمة التي باتت تعانيها على صعيد شرعيتها السياسية والأخلاقية, بما في ذلك في الدول المصنفة ضمن دائرة الحلفاء والأصدقاء.

وقد أظهرت العديد من الاستطلاعات أن ثمة امتعاضاً واسعاً وعميقاً من المثل الأمريكية, وتراجعاً في انتشار الأفكار الأمريكية عبر العالم, رغم أن التكنولوجيا والثقافة الشعبية الأمريكية لا تزال تحظى بإعجاب في عدد كبير من الدول.

تراجع فعالية القوة الناعمةالأمريكية:

لقد أدت السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية عقب هجمات 11 سبتمبر، وخاصة اعتمادها بشكل أساسي على موارد القوة الصلبة، إلى تراجع فعالية القوة الناعمة، ومن ثم إضعاف النفوذ لأمريكي على الساحة العالمية، فقد جاء القرار الأمريكي بالحرب في العراق مخالفاً لرغبات العديد من حلفائها، وغير متوافق مع قرارات مجلس الأمن الدولي.
وطبقاً لجوزيف ناي ، فإن الولايات المتحدة "لم تعط اهتماماً كافياً لقضايا الشرعية والمصداقية في سياساتها تجاه العراق"، ومن ثم كان من الطبيعي أن تظهر استطلاعات الرأي تراجعاً كبيراً في القوة الناعمة الأمريكية.

علاوة على ذلك، فقد رفعت الولايات المتحدة، في إطار حربها على "الإرهاب"، شعار "الغايات تبرر الوسائل"، فلم توفر الإجراءات القانونية الواجبة في قضايا مثل سجن أبو غريب، ومعتقل غوانتانامو، ما قوّض دعاوى أمريكا بالتزامها بالأخلاق، حيث جاءت هذه الأفعال متعارضة بشكل مباشر مع القيم التقليدية الأمريكية الخاصة بالحرية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون.
وأسهمت سياسات الولايات المتحدة تجاه قضية البيئة بدورها في تقليص القوة الناعمة الأمريكية. كل هذه الأسباب أدت إلى إضعاف شرعية الولايات المتحدة، التي تعتبر العنصر الرئيسي للقوة الناعمة.

تحديات أمام القوة الناعمة الأمريكية:

تواجه القوة الناعمة الأمريكية تحديات هائلة جرّاء الانتشار الهائل للقنوات التلفزيونية الفضائية وبروز صناعة السينما على المستويات الإقليمية والمحلية “مثل سينما بوليود الهندية” .

إن نمو وانتشار القنوات الفضائية عالمياً، لم يزد كثيراً من فرص إنهاء الاحتكار والهيمنة الأنكلو- أمريكية على الأخبار التلفزيونية، بيد أن ذلك لم يتحقق كما كان مفترضاً بسبب التكلفة الباهظة لإنتاج وتحرير الأخبار التلفزيونية ، ولكن هذا الأمر تغير مع تدشين عمل “قناة الجزيرة” عام 1996 ، فالتمويل السخي الذي تقدمه قطر للقناة التي تتخذ الدوحة مقراً لها، مكّنها من منافسة القنوات الإخبارية العالمية مثل ال”سي .إن .إن” و”فوكس نيوز ، غير أنها بدأت تفقد موضوعيتها في تعاطيها مع الثورات العربية .

فرض الهيمنة ومعاقبة قوى المقاومة والممانعة

إن أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الإدارات الأمريكية المتعاقبة, تكمن في "الفكرة الديمقراطية". إلا أن المفارقة هنا, أن معظم المشروعات الأمريكية في المنطقة العربية, لم يكن همّها الإصلاح السياسي المباشر, بل فرض الهيمنة ومعاقبة قوى المقاومة والممانعة.

ينطلق صنّاع القرار الأمريكي من تصوّر مفاده أن الصورة المشوهة والشائنة للولايات  المتحدة, إنما تروّج لها جهات معادية, ووسائل إعلام متحيزة. بالتالي, فيكفي "أن يتم استخدام وسائل الدعاية على الوجه الأكمل وتحسين الدبلوماسية العامة, حتى تتجلى صورة أمريكا على حقيقتها, باعتبارها قوة نبل وخير, تنشد مصلحة المجتمعات ورقيها".

من هنا, وتناغماً مع هذا الاعتقاد, شددت الإدارات الأمريكية المتعاقبة, على دورها "الترشيدي والتمديني"، وعمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إقامة محطات إذاعية وتلفزيونية, كالحرة، وسوا, وقامت برشوة صحفيين لتلميع صورتها, وخلقت جامعات, وموّلت "مراكز بحوث" عربية, للترويج لهذا التصوّر مباشرة أو بالمضمر.

لكن كل ذلك لم يثمر الشيء الكثير, لأن مستويات الغضب والكراهية متجذرة في المخيلة العربية خاصة مع ما رآه ويراه العالم, من عمليات تقتيل وتدمير واستهتار بالعرب.

 

أمريكا واستعادة "القوة الذكية"

إن الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة استكشاف الكيفية التي تستطيع بها أن تتحول إلى "قوة ذكية". كانت هذه هي الخلاصة التي انتهت إليها اللجنة الحزبية الثنائية التي اشترك جوزيف ناي في رئاستها مؤخراً مع ريتشارد ارميتاج نائب وزير الخارجية السابق في إدارة بوش. ولقد تألفت لجنة "القوة الذكية"، التي شكلها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، من أعضاء جمهوريين وديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي، وسفراء سابقين، وضباط عسكريين متقاعدين، ورؤساء منظمات غير ساعية إلى الربح. ولقد انتهت اللجنة إلى خلاصة مفادها أن الصورة الأمريكية والنفوذ الأمريكي قد انحدرا في غضون السنوات الأخيرة، وأن الولايات المتحدة لابدّ وأن تتحول من تصدير الخوف إلى بثّ التفاؤل والأمل.

المزيد من المال والجهد لتنمية "القوة الناعمة"

وقد دعا وزير الدفاع  السابق روبرت غيتس حكومة الولايات المتحدة إلى تكريس المزيد من المال والجهد لتنمية "القوة الناعمة"، بما في ذلك الدبلوماسية، والمساعدات الاقتصادية، والاتصالات، وذلك لأن المؤسسة العسكرية وحدها غير قادرة عن الدفاع عن المصالح الأمريكية في كافة أنحاء العالم. كما أشار غيتس إلى أن إجمالي الإنفاق العسكري يبلغ ما يقرب من نصف تريليون دولار أمريكي سنوياً، مقارنة بميزانية وزارة الخارجية التي لا تتجاوز 36 مليار دولار. ولقد أقرّ بأنه من الغريب أن يلتمس غيتس من حكومته تخصيص المزيد من الموارد لوزارة الخارجية، وعزا ذلك إلى أن العالم لا يعيش زمناً طبيعياً.

تتلخص القوة الذكية كما أشرنا، في القدرة على الجمع بين القوة الصارمة وقوة الجذب الناعمة في استراتيجية واحدة ناجحة. وبصورة عامة، كانت الولايات المتحدة ناجحة في التوصل إلى هذه التركيبة أثناء الحرب الباردة. بيد أن السياسة الخارجية التي تنتهجها الولايات المتحدة اليوم أصبحت تميل إلى الإفراط في الاعتماد على القوة الصارمة، وذلك لأنها تمثل أكثر مصادر القوة الأمريكية مباشرة ووضوحاً.

الاعتراف بحدود القوة

ولكن رغم أن وزارة الدفاع تمثل الذراع الأفضل تدريباً والأوفر مورداً، إلا أنه كما يقول ناي: لابدّ وأن نعترف بوجود حدود لما يمكن إنجازه من خلال القوة الصارمة وحدها. ومما لا شك فيه أن "الديمقراطية"، و"حقوق الإنسان"، و"تنمية المجتمع المدني" كلها غايات لن تتأتى ولن تتحقق تحت تهديد السلاح... لا نستطيع أن ننكر أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تتمتع بقدرة هائلة فيما يتصل بالعمليات العسكرية، ولكن الركون إلى وزارة الدفاع في كل الأمور بدعوى قدرتها على إنجاز الأمور، لابدّ وأن يؤدي إلى تكوين صورة لسياسة خارجية أمريكية مبالغ في عسكرتها.

إن الحكومة الأمريكية كثيراً ما تهمل الجهود الدبلوماسية والمساعدات الخارجية أو تقتّر في تمويلهما، ويرجع بعض السبب وراء ذلك إلى صعوبة إظهار تأثير هذين العاملين على المدى القريب في التحديات الحرجة. فضلاً عن ذلك ، فإن استخدام القوة الناعمة ليس بالأمر السهل، لأن العديد من مصادر القوة الناعمة الأمريكية تقع خارج نطاق سلطات الحكومة الأمريكية، أو بمعنى أدق في القطاع الخاص والمجتمع المدني، وفي التحالفات الثنائية، والمؤسسات التعددية، والاتصالات الدولية. بالإضافة إلى ذلك ، فإن مؤسسات السياسة الخارجية الأمريكية تعاني من الانقسام والتشتت، ولا توجد لدينا آلية وافية لتنمية وتمويل ستراتيجية القوة الذكية.

الولايات المتحدة تصدّر الخوف:

ويشير ناي إلى أن التأثيرات التي خلفتها الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول 2001 كانت سبباً في انحراف أمريكا عن المسار الصحيح. ففي أعقاب تلك الهجمات أصبحت الولايات المتحدة تصدّر الخوف والغضب بدلاً من القيم التقليدية المتمثلة في الأمل والتفاؤل. بل لقد تحول خليج غوانتانامو إلى رمز عالمي أقوى من تمثال الحرية.

مبدأ جديد محل "الحرب ضد الإرهاب".

وخلصت لجنة القوة الناعمة التي تشكلت بواسطة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن "الإرهاب" يشكل خطراً حقيقياً ومن المحتمل أن يستمر لعقود من الزمان، إلا أنها أشارت إلى أن الإفراط في الاستجابة للاستفزازات الإرهابية من شأنه أن يلحق الضرر بالولايات المتحدة على نحو يعجز عنه "الإرهابيون" أنفسهم.. إن النجاح في الكفاح ضد الإرهاب يتطلب إدارة السياسة الخارجية الأمريكية وفقاً لمبدأ وسط جديد يحل محل مبدأ "الحرب ضد الإرهاب".

يتلخص هذا المبدأ الجديد في التعهد بالاستثمار في توفير السلع العامة العالمية التي تحتاج إليها الشعوب والحكومات في كافة أنحاء العالم ولكنها تعجز عن الحصول عليها بدون زعامة الولايات المتحدة وبمساعدة منها. وبهذا فقط تستطيع الولايات المتحدة أن تعيد البناء الذي تحتاج إليه في التعامل مع التحديات العالمية القاسية.

وقد أوصت لجنة القوة الذكية بتركيز السياسة الخارجية على خمس نقاط:

- استعادة دور التحالفات، والشراكات، والمؤسسات التعددية التي انزلق أغلبها إلى الفوضى في الأعوام الأخيرة بسبب التوجهات الأحادية.

- إعلاء دور التنمية الاقتصادية لمساعدة الولايات المتحدة في التوفيق بين مصالحها ومصالح الشعوب الأخرى في كل أنحاء العالم، بداية ً بمبادرة كبرى خاصة بتنمية الصحة العامة على مستوى العالم.

- الاستثمار في الدبلوماسية العامة التي تركز بصورة أقل على الأضواء الإعلامية وتهتم بالاتصالات المباشرة، والتعليم، وأشكال التبادل المختلفة التي تضم المجتمع المدني وتستهدف الشباب بصورة خاصة.

-· مقاومة النـزوع إلى فرض إجراءات الحماية ودعم المشاركة المستمرة في الاقتصاد العالمي، وهو الأمر الذي يشكل أهمية كبرى للنمو والرخاء في الداخل والخارج، مع الحرص على إشراك أولئك الذين تُركوا وراء الركب بسبب التغيرات التي أحدثها الاقتصاد الدولي المفتوح.

- العمل على إيجاد وتشكيل الإجماع العالمي وتنمية التقنيات الإبداعية اللازمة للتعامل مع التحديات العالمية المتصاعدة الأهمية في مجالي أمن الطاقة وتغير المناخ.

إن تطبيق هذه الاستراتيجية المعتمدة على القوة الذكية يتطلب إعادة التقييم استراتيجياً لكيفية تنظيم وتنسيق وتمويل الحكومة الأمريكية.

ويرى ناي أن كل هذا يتطلب قدراً لا يستهان به من الإبداع والابتكار، ولكن الولايات المتحدة كانت في الماضي قوة ذكية، وتستطيع أن تتحول إلى قوة ذكية من جديد.

خلاصة

دخل باراك أوباما كرئيس أمريكي جديد إلى البيت الأبيض، إيذانا بفتح الستارةعن "مسرحية "  تغيير الدبلوماسية الأمريكية. ولا شك أن وزيرة الخارجية الأمريكيةالجديدة هيلاري كلينتون هي الأكثر ظهوراً من بين الشخصيات على خشبة مسرح السياسية الأمريكية. ففي جلسة استماع في لجنة الشؤون الخارجية لمجلس الشيوخ بالكونغرس الأمريكي، جذبت هيلاريأنظار العالم باستخدام مفهوم جديد ألا وهو " القوة الذكية ". ويشار إلى أن كلمة " الذكية" تجسد بصورة ممركزة التغيرات المستقبلية التي ستطرأ على السياسة الخارجيةالأمريكية.

ومن البديهي أن هدف هيلاري في طرح هذا المفهوم من جديدهو مواجهة السياسة الخارجية المتسمة بنزعة المحافظة الجديدة للرئيس الأمريكي السابقجورج دبليو بوش، أي الاستراتيجية الأحادية العدوانية التي تركز على القوة الصلبةتركيزاً مجحفاً. وخلال السنوات القلائل الماضية، فقد أدت استراتيجية بوش إلى تعرّضالقوة الأمريكية لأضرار خطيرة، وتعرّض صورة الولايات المتحدة لتخريب سريع. وقد تطورتالسياسة الخارجية الأمريكية إلى درجة أنه لا مفرّ من تغييرها.

" القوة الذكية" التي طرحتها هيلاري يقصد بها استعادة القدرة القيادية العالمية لدى الولاياتالمتحدة من خلال الاستخدام المرن لجميع وسائل السياسات بما فيها السبل الدبلوماسيةوالاقتصادية والعسكرية والسياسية والقانونية والثقافية.

والنتيجة : إن جميعأنواع القوة، الصلبة والناعمة والذكية ما هي إلا أدوات لتحقيق مصالح الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم ، وبقاء التفوق الأمريكي المطلق سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً على كافة القوى الأخرى .

ومن المؤسف أن تكون البلاد العربية والإسلامية هي المكان لاختبار كل هذه القوى منفردة ومجتمعة في جو ٍّ من ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين . وعلى الشعوب العربية والإسلامية وسائر القوى في العالم المحبّة للحرية والسلام أن تعمل على تصحيح العلاقات الدولية ، وخلق عالم يسوده الحق والسلام والحرية .

الثورات الشعبية في حسابات المصالح الأمريكية

 

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم اختباراً تاريخياً يتعيّن عليها فيه أن تجد صيغة لسياساتها الخارجية في الوطن العربي توفق فيها بين مصالحها الحيوية والاستراتيجية التي كانت تعتمد في ضمانها على دعم أنظمة غير ديمقراطية وبين قيمها الديمقراطية التي كانت تسوّقها لفظياً كأداة ضغط تهدد بها الأنظمة الحليفة لها في الوطن العربي لابتزاز المزيد من انصياعها للإملاءات الأمريكية .

وقد أكد رئيس موظفي البيت الأبيض وليام دالي في مقابلة مع بلومبيرغ أن الشرق الأوسط                   قد لا يعود أبداً كما كان، ولهذا السبب فإن أمريكا تخطط لسلسلة كاملة من السيناريوهات تضمن أن لا تكون أية حكومة جديدة معادية عداءً تاماً لأمريكا ولا معادية عداوة صريحة لإسرائيل.

كما أكد ستيفن م.والت الأستاذ بجامعة هارفرد الأمريكية بأن السياسة الأمريكية الجديدة تنطبق     على أي تغيير سياسي في الدول العربية الحليفة والصديقة لأمريكا.

وهذا يعكس بوضوح رغبة واشنطن في تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا      من خلال قيام ممثليها بزيارات متكررة للمنطقة بهدف السعي لإقامة اتصالات مع قادة المعارضة المختلفة     من أجل الحصول منهم على ضمانات لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية وإسرائيل تحت      أي احتمال من احتمالات تطور الأحداث في المنطقة.

التحوّلات العربية والهيمنة الأمريكية :

 التحوّل الهام الذي تعيشه بعض الدول العربية منذ مطلع العام الحالي غيّر بلا شك أجندات وأولويات دولية وإقليمية كانت تتحكم في أوضاع المنطقة، لكنه في نفس الوقت همّش هذا التحوّل الثوري مع التحوّلات التي ألبست لباس الثورية قضايا هامة أخرى مازالت فاعلة ومؤثرة في مستقبل الشرق الأوسط ككل، فالانتفاضات العربية الجارية الحقيقية منها والمفتعلة في بعض الدول العربية طغت على أمر خطير حدث مع مطلع هذا العام وهو الاستفتاء على مصير جنوب السودان، والذي أدى عملياً إلى فصل الجنوب عن وطنه الأم, وكذلك التهميش في الملف الفلسطيني وما كان عليه الأمر من تأزم في عملية السلام بسبب المستوطنات الإسرائيلية.

وهذه الثورات الشعبية الحاصلة في بعض الدول العربية بالإضافة إلى التحركات المفتعلة من قبل الغرب لا يجب أن تحجب أمراً مازال يستمر ثابتاً في المنطقة وهو خطر الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات الهيمنة الأجنبية لاستعمار المنطقة في ظل أجواء طائفية ومذهبية زرعها الغرب لتنخر في الجسم العربي وتهدد وحدة أوطانه وتسهل السيطرة الخارجية عليه، مع الإشارة إلى أن هذه الثورات الشعبية انفجرت وبشكل يترافق من الناحية العملية مع حدوث الشلل شبه الكامل لعملية التسوية في الشرق الأوسط , ومن هنا نلاحظ سعي "إسرائيل" لاستباق الثورات العربية التي لم تخرج بعد من جراحها الناجمة عن عدوانها الفاشل على لبنان وعلى المقاومة اللبنانية عام 2006, ففي الوقت الذي تنشغل فيه منذ ذلك الوقت في إعادة ترميم ما تحطم من قوة الردع الإسرائيلية كما تسميها ,تنتصب أمامها تحديات إضافية تتمثل في استمرار التغيير والتبديل في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل كصمود سورية وتزايد قوة المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله والمقاومة الفلسطينية (حماس)، حيث ترى "إسرائيل" ضرورة السعي لإجراء مقاربات لهذه التغيرات التي تحدث في بيئتها المحيطة لذلك نجد أن أيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي يطلب /20/ مليار دولار لتحديث جهاز الأمن الإسرائيلي, أما نتنياهو فنلاحظه يطالب بإقامة صندوق لتمويل مشروعات تعزيز ما يسميه الديمقراطية في العالم العربي لمنع صعود قوى متطرفة حسب وجهة نظره تعمل على معاداة "إسرائيل" وأمريكا والغرب معاً، ولذلك تخشى "إسرائيل" الثورات الشعبية في بعض الدول العربية الحليفة لأمريكا لأسباب عديدة منها :

1- لأن أنظمة عربية رئيسة حليفة لأمريكا و"إسرائيل" انهارت وأخرى في طريقها إلى الانهيار، وبالتالي هناك تخوّف من حلول أنظمة محلها مناهضة لسياسة الهيمنة الإسرائيلية تعبر عن إرادة شعوبها وتطلعاتها الوطنية.

2- لأن "إسرائيل" لم يعد لديها ما تبيعه للعالم لا على المستوى الإقليمي كالديمقراطية وغيرها, ولا على مستوى القضية الفلسطينية, فهي تسعى للتخلص من الفلسطينيين عبر عزل نفسها ما وراء الجدران،        ولكن العالم يرى أن "إسرائيل" تسجن الفلسطينيين وتحاصرهم وتعذبهم في سجون كبيرة مفتوحة .

3- اتساع حملات المقاطعة التي تقودها منظمات عالمية لـ"إسرائيل" والناجمة عن العنف الإسرائيلي المستمر في النهب المنظم والاستيطان والتهجير والتدمير.

4- لأن إسرائيل أصبحت تدرك أن الفلسطينيين لا يمكنهم أن يتنازلوا عن إقامة الدولة الفلسطينية والقدس وحق العودة .

ومن هنا نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية تكثف نشاطها في الآونة الأخيرة في البحث         عن كيفية التعامل مع التغييرات التي تشهدها بعض الدول العربية والتي تمثل مراكز مهمة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية منذ زمن بعيد , حيث أكد بريجنسكي الذي كان مستشاراً لشؤون الأمن القومي الأمريكي عام 1991 أن المعضلة التي ستعانيها الولايات المتحدة الأمريكية هي كيفية تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الحرب بين العراق وإيران وتستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو بما يتناسب مع المصالح الأمريكية الاستراتيجية، واقترح بول هينز وأندرز ويمبش من مؤسسة راند الأمريكية عام 1992 دراسة عن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط تضمنت ما يلي :

1- يجب النظر إلى منطقة الشرق الأوسط من خلال البلدان المحيطة به، يأتي مصطلح الشرق الأوسط الكبير للتعبير عن النظرة الموسعة للشرق الأوسط حيث أصبح يمتد من المغرب غرباً إلى باكستان وأفغانستان شرقاً.

2- يجب وضع مصادر الطاقة وتوسيع المجال التجاري على رأس قائمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، ومن هنا جاء احتلال أفغانستان ومن ثم العراق ودخول ليبيا مستنقع الحرب على ليبيا لتعبر من خلاله               عن السيطرة على منابع النفط وتحرير التجارة في المنطقة .

3- يجب إيلاء البلدان الكبيرة في المنطقة الاهتمام الخاص مثل تركيا- إيران - الهند- الباكستان.

4- يجب مساعدة الدول الناشئة في آسيا الوسطى سياسياً واقتصادياً لتقف على قدميها مع الاهتمام الخاص بالقوتين الصاعدتين (أوزبكستان وكازاخستان).

5- الترويج للدمج الاقتصادي للمنطقة الممتدة من البحر الأسود إلى الصين.

6- الاعتراف بالدور النفطي لمنطقة القوقاز في القرن الواحد والعشرين.

7- يجب مساعدة أذربيجان في استغلال ثروتها النفطية والغازية وتأهيل جورجيا لتكون ممراً رئيساً لنقل النفط والغاز من أذربيجان والمناطق الأخرى في آسيا الوسطى إلى الأسواق العالمية.

8- يجب توثيق العلاقات بأرمينيا لاستيعابها ضمن المصالح القومية والأهداف الاستراتيجية الأمريكية.

9- يجب الاستمرار في إدارة النزاع العربي- الإسرائيلي على ضوء مصالح وأهداف الاستراتيجية الأمريكية.

10- يجب الاستمرار في مطالبة دول منطقة الشرق الأوسط بالتحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان بشكل يضمن مصالح أمريكا.

المحافظون الجدد و"إسرائيل" :

تطابقت هذه الدراسة مع أفكار جورج بوش الابن وكانت فرصة سانحة للمحافظين الجدد لبلورة رؤيتهم الاستراتيجية منذ عام 1997 وعلى رأسهم ديك تشيني ودونالد رامسفيلد، وأطلق بول هينز واندرز ويمبش سهمهما الأول بتوجيه رسائل إلى الرئيس السابق كلينتون يدعونه فيها إلى تغيير النظام في العراق بالقوة، وإرساء تواجد عسكري قوي ودائم في المنطقة، واقتراح إعادة تشكيل القوة العسكرية والدور الأمريكي في العالم، والتأكيد على أن الهيمنة الأمريكية تتم عبر بناء شبكة من القواعد العسكرية دائمة ومؤقتة في جميع أنحاء العالم وخاصة الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية, مشيرين في هذا السياق إلى وجود /865/ قاعدة عسكرية أمريكية يديرها البنتاغون بهدف الهيمنة على العالم، تقع 95% من هذه القواعد خارج حدود أمريكا , تنفق عليها /140/ مليار دولار سنوياً, حيث تملك /268/قاعدة عسكرية في ألمانيا، و/124/ قاعدة في اليابان، و/87/ قاعدة في كوريا الجنوبية، و/83/ قاعدة في إيطاليا، و/45/ قاعدة في بريطانيا، و/21/ قاعدة في البرتغال، و/19/ قاعدة في تركيا إضافة إلى القواعد الموجودة في السعودية وقطر وغيرها من الدول الأخرى، يعمل في تلك القواعد أكثر من نصف مليون عسكري أمريكي ومئة ألف متقاعد مدني، وقد أنفق البنتاغون حوالي /126/ مليار دولار سنوياً لحروب واشنطن في الشرق الأوسط .

كما نشير إلى تزامن صدور كتاب شمعون بيريز حول الشرق الأوسط الجديد وتطابقه مع كتاب ريتشارد نيكسون حول الفرصة السانحة والتي قام فيما بعد جورج بوش الابن بتنفيذ توصياته  في السعي لتنفيذ ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير باعتبار أنه يحقق المصالح الأمنية القومية الأمريكية، حيث عمل المحافظون الجدد على تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، والذي ينصّ على تقسيم الدول العربية الـ /22/ إلى مابين54 و56 كياناً متنازعاً على أسس عرقية وعقائدية ودينية ثم توسيعه في عهد الرئيس الأمريكي أوباما ليشمل دولاً أخرى إما اعترضت أو عارضت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، مشيرين إلى أن مؤامرة تقسيم الدول العربية هي جوهر نظرية الأمن الإسرائيلي منذ إنشائه وسيبقى هدفاً مستقبلياً لـ"إسرائيل"، وقد قام الرئيس اليمني في مطلع شهر آذار من العام الحالي خلال لقائه أساتذة كلية الطب بجامعة صنعاء بتوجيه الاتهام لـ"إسرائيل" وأمريكا بإدارة موجة الاحتجاجات التي تعمّ بعض الدول العربية من خلال غرفة عمليات موجودة في تل أبيب وتدار من البيت الأبيض، وهؤلاء المتظاهرين ليسوا سوى منفذين يدارون من الخارج بأموال أجنبية فما تريده الولايات المتحدة هو تفتيت الساحة العربية وتجزئة دولها وتصفية قضايا شعوبها بالشكل الذي يخدم استراتيجيتها وأمن "إسرائيل" هذه الفوضى الخلاقة التي هددت بها كونداليزا رايس يوماً لإعادة ترتيب الوطن العربي، فأمريكا تدافع عمن تريده باسم الديمقراطية ولكن عندما يدافع الفلسطينيون عن أبسط حقوقهم فلا يجد البيت الأبيض أفضل من الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية وخطر الإرهاب، ولذلك ونظراً للالتزامات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان حالياً فليس بوسع أمريكا فرض نظام جديد على الشرق الأوسط عبر المواجهة العسكرية، بل يجب العمل مع القوى الإقليمية لإعادة إرساء ميزان قوى جديد في المنطقة وتنبع أهمية الشرق الأوسط الاقتصادية من كونه يمتاز بوجود بترول منخفض التكاليف وبكميات ضخمة تشكل 30% من إنتاج النفط العالمي، ويحتوي على ثلثي احتياطي النفط في العالم وكذلك وجود الغاز الطبيعي والذي يشكل نسبة 24,3% من الاحتياطي العالمي، إضافة إلى أهمية خصائصه الطبيعية التي تكمن في أنه يقع عند ملتقى القارات الكبرى للعالم القديم آسيا وإفريقيا وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط وبحر العرب والخليج العربي والمحيط الهندي، ويتحكم في مجموعة من أهم مواقع المرور الدولية وهي: قناة السويس ومضائق البوسفور والدردنيل وباب المندب ومضيق هرمز, وتأتي خطورة الثورات العربية على الاقتصاد العالمي لاعتماد العالم على هذه المنطقة بالتحديد في أكثر من نصف موارده من مصادر الطاقة وخاصة البترول .

لعبة تبديل القادة :

تعتبر منطقة الشرق الأوسط سوقاً استهلاكية ضخمة للمنتجات الأمريكية، فحجم التجارة العربية الأمريكية يتراوح بين13- 16 مليار دولار أمريكي سنوياً، كما تمثل المنطقة أهمية قصوى لمبيعات السلاح الأمريكي وهذا هو الأهم, وفي الوقت الحالي يجري تنفيذ مرحلة جديدة من الخطة الأمريكية لدمقرطة الشرق الأوسط الكبير، والميزة الرئيسة لهذه المرحلة هي رفض إدارة أوباما دعمها للأنظمة الحاكمة في تلك الدول ضد الفئات المعارضة مع قيامها بدعم مشاعر الاحتجاج بين سكان تلك الدول بهدف حثّ السلطات على القيام بإجراءات إصلاحية تخدم مخططات الولايات المتحدة الأمريكية وفي حال رفضها تقوم باستبدال حلفائها      من القادة الحاليين بقادة أكثر طاعة واستجابة للسياسة الأمريكية. ويميل غالبية السياسيين للاعتقاد بأن مثل   هذا الموقف للولايات المتحدة الأمريكية تجاه الأحداث في تونس ومصر وكذلك الجزائر واليمن وغيرها تريد أن تثبت من خلاله لقادة المنطقة من حلفائها عدم استقرار وضعهم في حال مخالفتهم لأمريكا، وأنهم يعتمدون اعتماداً كلياً على الدعم الأمريكي في المستقبل وبالتالي الضغط على الدول العربية لجعلها تقدم المزيد من المرونة في قبول الشروط الإسرائيلية, منوهين بأن كل متتبع للسياسة الأمريكية الخارجية يدرك أن هناك تغييراً حدث في أسلوب التعامل مع الدول الصديقة والحليفة لأمريكا، فلم يعد منطق الحروب مقبولاً كما شاهده الأمريكيون أولا ًوالعالم ثانياً، والذي قاد الولايات المتحدة إلى العديد من الخسائر المادية والمعنوية وساعد على نشر كره بغيض للولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، ولذلك نلاحظ التحوّل في السياسة الأمريكية الخارجية تجاه الدول العربية الحليفة لها؛ نظراً لعدم قدرة الإدارة الأمريكية على تقديم المزيد من الخسائر في ظل وضع اقتصادي داخلي متأزم، ونظراً لرغبة الإدارة الأمريكية في تلميع صورتها لدى شعوب العالمين العربي والإسلامي من خلال ظهورها بمظهر المدافع عن الحريات والديمقراطيات ورغبات الشعوب، وقد أكد المحلل السياسي الأمريكي غراهام فولر في مقال لصحيفة (كريستيان سيانس مونيتور) أن الولايات المتحدة لا يمكنها إلا أن تلوم نفسها على الغضب الذي يغلي حالياً في المنطقة .

كما كتب تيد غالن كاربنتر الباحث في معهد كاتو للدراسات في واشنطن مقالاً لصحيفة (يواس تودي) أكد فيه محاولة واشنطن تقديم نفسها كنصير للحركات المنادية بالحرية والديمقراطية .

فالإدارة الأمريكية والكونغرس وحتى مراكز صنع القرار في أمريكا باتوا مشغولين بالبحث عن كيفية التعامل مع الثورات الشعبية في بعض الدول العربية الحليفة لها، كلٌّ وفق أجندته وتوجهاته, فكافة الأمريكيين سواء أكانوا جمهوريين أم ديمقراطيين يسارعون للإعلان عن ضرورة وجود دور أمريكي مهم في تلك الدول بهدف تأمين قادة بدلاء للقادة الحاليين، وهؤلاء القادة الجدد يجب أن يكونوا من وجهة  نظر الدول الغربية وأمريكا من صغار السن وأكثر حيوية من المنظور الأمريكي وعلى استعداد لاتباع الإرشادات والنصائح الأمريكية وتقديم الدعم والتأييد الكامل لتنفيذ خطة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة مقابل حفنة من الدولارات تقدم على شكل مساعدات لهم، كما يجب أن يكون هؤلاء القادة من السياسيين الذين لديهم نفوذ أو وزن سياسي في العالم وخاصة في العالم العربي وغير قادرين على انتهاج سياسات خاصة بهم بدون مساعدة أمريكا شريطة أن يكون هؤلاء القادة أكثر حرصاً على المصالح الاستراتيجية الأمريكية الموجودة  في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بهدف تمكين الولايات المتحدة من إحكام سيطرتها على تلك الدول      ورسم الأهداف الاستراتيجية في المنطقة ووضع يدها على موارد الطاقة الهائلة من خلال السيطرة              عليها ومراقبتها, وقد بات واضحاً من خلال المواقف العلنية للبيت الأبيض إمساك الولايات المتحدة بخيوط اللعبة لبعثرة الأوراق وخلطها في الشرق الأوسط تحت شعار الإصلاح والتغيير ودعم الديمقراطية بطريقة يتم من خلالها استحداث حالة فوضى في الدول العربية والإسلامية تتيح المجال أمام الولايات المتحدة الأمريكية لاستغلال هذه الفوضى لصالحها ولحماية مصالحها في المنطقة، تلك الفوضى الخلاقة والتي           هي برنامج أمريكي قديم قائم منذ سنوات تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية كبديل عن استخدام قوتها العسكرية المباشرة وفق احتياجاتها ولحماية مصالحها وتحالفاتها بهدف بناء شرق أوسط جديد تسعى أمريكا لتنفيذه في الدول العربية، حيث إن هذه الفوضى الخلاقة الأمريكية وتحت مسميات الديمقراطية وحق الشعوب باختيار ممثليها ستعيد التشكيل السياسي في تلك الدول الحليفة لأمريكا بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية وبما يتوافق مع رؤيتها الاستراتيجية لـ"إسرائيل" في المنطقة .

المصالح الثابتة والمتغيرة :

أوضح جيه سكوت كاربنتر مدير مشروع هزيمة التطرف من خلال قوة الأفكار في معهد واشنطن وAجية الأمريكية بصياغة مفهوم جديد للأمن منذ عقود من الزمن ثم روجت لفكرة الحرب ضد الإرهاب منذ عهد الرئيس السابق بيل كلينتون الذي أيقظ مشروع الدرع الصاروخي بشكل متزامن مع طرح مفهوم العولمة، وشهدنا لأول مرة تحركاً ا