القرارات
الدولية هي الوسيلة التي تفصح بها
(المنظمة الدولية) عن إرادتها الخاصة
بها.
ويستحسن أن نميز بادئ ذي بدء بين
(المقررات الدولية Resolutions Internationales)
و(القرارات الدولية Decisions Internationales)،
فالأولى اسم جنس، والثانية اسم نوع،
حيث أن الأولى أعم من الثانية، وبقول
آخر فإن (القرارات الدولية) هي جزء
من (المقررات الدولية) والعكس ليس
صحيحاً.
وإذا أردنا تحديداً أكثر من هذا يمكن
تعريف (المقررات الدولية) بأنها "
كل تعبير من جانب إحدى المنظمات الدولية
عن إرادتها، يتم على النحو الذي يحدده
ميثاقها، أو من خلال الإجراءات التي
رسمها هذا الميثاق "( ).
ومن هذا التعريف يتبين أنّ (المقررات
الدولية) يمكن أن تأتي ضمن صيغ (إجبارية
Obligatoires) أو (تيسيرية dispositives)،
ولهذا يطلق بعض المؤلفين على هذه
المقررات اسم (القرارات الدولية بالمفهوم
الواسع Decisions lato sensu) تمييزاً
لها عن (القرارات الدولية Decisions)
التي هي القرارات الدولية بحد ذاتها
Decisions Internationales Proprement
Dites، وهكذا يمكن القول إن (المقررات
الدولية) أو القرارات الدولية بحد
ذاتها، يمكن أن تشمل عدة أشكال أهمها:
" التوصيات: Recommandations.
" الآراء: Avis.
" البيانات أو التصريحات: Declarations.
" القرارات بحد ذاتها (بالمعنى الضيق)Decisions
.
علماً بأن (التوصيات والآراء) غير
ملزمة، والتصريحات أو الإعلانات ملزمة
نسبياً، وضمن حدود معينة، بينما القرارات
ملزمة إلزاماً تاماً (أو من المفروض
أن تكون كذلك)، وخاصة إذا صدرت عن
مجلس الأمن أو عن هذا المجلس والجمعية
معاً، أو عن محكمة العدل الدولية.
وإذا حصرنا كلامنا، منذ الآن، بالقرارات
الدولية بالمعنى الضيق للكلمة، يمكن
لنا أن نبدأ بتعريفها كما يلي: "
القرار الدولي هو عمل قانوني يعبّر
عن إرادة أو موقف إحدى المنظمات الدولية
أو فرع من فروعها، وتكون له الصفة
الإلزامية بحكم الميثاق، ويترتب على
مخالفته مسؤولية الدولة المخالفة
قانوناً ".
وأهم القرارات الدولية هي تلك التي
تصدر عن مجلس الأمن الدولي بموجب
الفصلين السادس والسابع من الميثاق،
علماً بأن الفصل السادس يشمل المواد
33 إلى 38 ضمناً، والفصل السابع يشمل
المواد 39 إلى 51 ضمناً.
وإذا بحثنا في هذه المواد بالعمق
فإننا نجدها تعطي لمجلس الأمن ثلاثة
أنوع من السلطات:
1) التحقيق وتقصي الحقائق.
2) التسوية السلمية.
3) قمع المخالفات على مستوى دولي.
ويمكن القول مبدئياً إن مجلس الأمن
يعمل كأداة للتسوية السلمية بموجب
أحكام الفصل السادس، وكأداة زجر بموجب
الفصل السابع، وكأداة تحقيق بموجب
الفصلين السادس والسابع معاً.
أولاً- مجلس الأمن كأداة تحقيق: تنص
المادة 34 من الميثاق على أنه: "
لمجلس الأمن أن يفحص أي نزاع أو موقف
قد يؤدي إلى احتكاك دولي، أو قد يثير
نزاعاً، لكي يقرر ما إذا كان استمرار
هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن
يُعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدولي
". ومعنى هذا أن حق المجلس بالتحقيق
Enquête يتناول حالتين مختلفتين:
1) حالة النزاع Désaccord: وهو كل
خلاف يقوم بين دولتين على مسائل محددة
تخصُّ هاتين الدولتين وحدهما مباشرة
(كالنزاع على الحدود مثلاً).
2) حالة الموقف Situation: وهو كل
احتكاك دولي تتشابك فيه مصالح عدة
دول في مسائل عامة تهم المجتمع الدولي
بأسره، والمثال على ذلك القرارات
رقم 1595 و1636 الخاصان بالتحقيق
في جريمة اغتيال المرحوم رفيق الحريري
رئيس وزراء لبنان السابق. ويمكن للمجلس
أن يكلف لجنة خاصة بتقصي الحقائق
ويحدد لها طبيعة مهمتها والمهلة اللازمة
لها لتقديم تقريرها، وعلى هذا يجب
التمييز بين " التقرير Rapport "
و " القرار Decision "، لأن الأول
يصدر عن لجنة تحقيق يعينها المجلس
(لجنة ميليس مثلاً)، بينما الثاني
يصدر عن المجلس نفسه.
ثانياً- مجلس الأمن كأداة تسوية Règlement:
وذلك بموجب المواد 36 إلى 38 من الميثاق.
ومما يجب ملاحظته هنا أن المجلس هو
السلطة التي يعتبرها الميثاق مسؤولة
عن حفظ الأمن عندما يفشل أطراف النزاع
في حله بالوسائل السلمية التي حددتها
المادة 33 من مفاوضات أو توفيق أو
تحكيم...
وعندما يعمل مجلس الأمن كأداة للتسوية
السلمية للمنازعات يوصف عمله بأنه
نوع من (صنع السلام Peace Making)،
ويحكم عمله الفصل السادس من الميثاق
حصراً.
وأما حالة " حفظ السلام Peace Keeping
" فإنها تقع بين الفصلين السادس والسابع
من الميثاق، على ضوء ما إذا كانت
المقررات المتخذة في هذا الشأن من
قبيل (التوصيات) أو (القرارات).
ثالثاً- مجلس الأمن كأداة زجر Coercition:
إذا فشلت المساعي السلمية التي قام
بها المجلس أو أوصى بالقيام بها لتسوية
خلاف معين Désaccord، وانتقل هذا
الخلاف الى مرحلة النزاع Differend
يؤدي إلى احتكاك دولي، فإن المجلس
يحق له أن يقرر " ما إذا كان قد وقع
تهديد للسلم، أو إخلال به، أو كان
ما وقع عملاً من أعمال العدوان "،
ويقدم في ذلك توصياته، أو يقرر ما
يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام
المادتين 41 و42 لحفظ السلام والأمن
الدوليين أو إعادته إلى نصابه " (المادة
39 من الميثاق).
ويرى بعض فقهاء القانون الدولي والباحثون
فيه أنه ليس من حق المجلس أن يقرر
فوراً تطبيق المادة 42 من الميثاق
(وهي التي تبحث في العقوبات ذات الطابع
العسكري) إلا بعد استنفاذ التدابير
التي لا تحمل طابعاً عسكرياً (مثل
العقوبات الاقتصادية والمقاطعة الدبلوماسية
والسياسية). ولكن قراءة المادة 42
بشكل متعمق تقود إلى الاستنتاج أنه
يمكن تجاوز مرحلة التدابير الاقتصادية
واللجوء إلى العمليات العسكرية مباشرة،
حيث إن هذه المادة تنص كما يلي: "
إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص
عنها في المادة 41 لا تفي بالغرض،
أو ثبت أنها لم تف به، جاز له أن
يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية
والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ
السلم والأمن الدولي، أو لإعادته
إلى نصابه ".
الطبيعة القانونية لقرارات مجلس الأمن:
تنص المادة 25 من الميثاق على أن:
" يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول
قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا
الميثاق ". واستناداً إلى النص الصريح
لهذه المادة يرى أغلب فقهاء القانون
الدولي أن جميع " المقررات الدولية
Resolutions " التي تصدر تحت تسمية
" قرارات Décisions" تتمتع بالصفة
الإلزامية، ولذا فهي واجبة التنفيذ
من قبل الدول المخاطبة بأحكامها،
وواجبة الاحترام من بقية الدول الأعضاء
في ميثاق هيئة الأمم المتحدة. ولا
يفرق أصحاب هذا الرأي بين القرارات
المتخذة بموجب الفصل السادس من الميثاق
وتلك المتخذة بموجب الفصل السابع
منه لأن طبيعة القرارات واحدة لا
تتغير.
ولكن نفراً آخر من الفقهاء يعارض
هذا الموقف، ويرى أنه من الواجب التفريق
بين القرارات الصادرة تحت مظلة الفصل
السادس، وتلك الصادرة تحت مظلة الفصل
السابع، حيث إن الأولى ليست أكثر
من توصيات Recommandations تأخذ الدول
علماً بها، ولها أن تنفذها أو لا
تنفذها، بعكس القرارات المتخذة بموجب
الفصل السابع فهي واجبة التنفيذ،
وخاصة إذا نصت على آلية معينة لتنفيذها.
وإذا جاز لنا أن ندلي برأينا في هذا
السياق فإننا نقول بكل تواضع بأن
إعطاء قرار ما الصفة الإلزامية يجب
ألا ينبع من الإسناد الذي يعطيه المجلس
لقراره، وهل هو قد اتخذه تحت مظلة
الفصل السادس أو الفصل السابع، وإنما
يجب أن ينبع من أهمية منطوق القرار
في حفظ السلام والأمن الدوليين، وهكذا
تتدرج إلزامية القرار بحسب أهميته
في عملية إعادة السلام وتوطيده.
ولشرح رأينا في هذا الموضوع بشكل
أفضل نقول: كم هو أمر يجافي المنطق
السليم والهدف من إقرار السلم والأمن
الدوليين أن نعتبر القرار رقم 1636،
الذي يتعلق بالتحقيق في اغتيال المرحوم
رفيق الحريري، قراراً ملزماً لأنه
تم اتخاذه تحت مظلة الفصل السابع
من الميثاق، بينما جرى تجاوز القرارين
242 و338 اللذين يتعلقان بمشكلة الشرق
الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي،
لأنهما اتخذا تحت مظلة الفصل السادس
من الميثاق؟
ومن المؤسف أن نلاحظ أن هذا التعسف
في التمييز بين هذين النوعين من القرارات
قد شَرْعَنَهُ مسؤول غربي في هيئة
الأمم المتحدة، وهو أمينها العام
السابق الدكتور بطرس بطرس غالي حين
رد في مؤتمر صحافي على سؤال ألقته
الصحفية المصرية هدى توفيق حول مدى
إلزامية القرار 242 للأطراف المخاطبة
بأحكامه فقال: " إن هذا القرار غير
ملزم " لأنه تم اتخاذه استناداً للفصل
السادس (لا السابع) من الميثاق، وأنه
لم يتضمن آلية معينة لتنفيذه ".
والحقيقة أن الأمر لا يتعلق فقط بإسناد
القرارات المتخذة من قبل مجلس الأمن
إلى الفصل السادس لاعتبارها غير ملزمة،
أو إلى الفصل السابع لاعتبارها ملزمة،
وإنما يتعلق بتوصيف " الحالة Situation
" التي تعرض على المجلس، وهل هي من
قبيل " الموقف "، أو من قبيل " النزاع
".
وقد كشفت قرارات المجلس منذ بداية
التسعينيات حتى اليوم، أن أحكام الفصل
السابع لا تطبق إلا على الدول العربية
والإسلامية (إندونيسيا، أفغانستان،
الصومال، السودان، ليبيا...)، ناهيك
عن المعايير المزدوجة في تحديد الشرعية
الدولية وطريقة تطبيقها.
وأفضل مثال على هذا هو أن الأمم المتحدة
قد تدخلت في إندونيسيا لمنح إقليم
تيمور الشرقية استقلاله، في الوقت
الذي تتغاضى فيه عن احتلال إسرائيل
الأراضي العربية الفلسطينية منذ عام
1967 حتى اليوم، وهذا ما شجع إسرائيل
على انتهاك قواعد القانون الدولي
عياناً بياناً، بالرغم من أن أغلب
هذه القواعد ثابتة ومتعارف عليها
في القانون الدولي والشرعية الدولية
مثل: حق الشعوب في تقرير مصيرها،
عدم مشروعية الاستيطان، عدم جواز
ضم الأراضي بالقوة...
والأنكى من ذلك أن بعض الدول الدائمة
العضوية في المجلس تدعم إسرائيل في
انتهاكاتها المتكررة لقواعد القانون
الدولي، حين صمتت عن إعلان ضم القدس
العربية إلى الأراضي الإسرائيلية
منذ عام 1967، وضم إقليم الجولان
السوري منذ عام 1981، والمحاولات
الصهيونية الجاهدة حالياً لتبديل
الطبيعة القانونية للقدس وأراضي الضفة
الغربية من " مناطق محتلة Occupied
Lands " إلى " مناطق متنازع عليها
Disputed Lands ".
كل ذلك جرى ويجرى تحت سمع مجلس الأمن
وبصره وكأن احتلال شعب لأراضي شعب
آخر، وضمِّ إقليم لأراضي دولة أخرى،
واستيطان شعب في أراضي مغتصبة بالقوة
العسكرية الغاشمة، وخرق قواعد الاحتلال
الحربي... هي جميعاً أمور تدخل تحت
غطاء المشروعية الدولية، مع أنها
لا تخرج عن كونها خروقاً فاضحة لهذه
القواعد بموجب أحكام القانون الدولي
المعاصر بما تحويه من معاهدات وعرف
واجتهادات قضائية.
إن أي مراقب للقرارات التي تصدر عن
مجلس الأمن، وبقية المنظمات الدولية
اليوم، ليس بوسعه إلا أن يلاحظ التحيز
الفاضح الذي يُمارس ضد الدول العربية
والإسلامية خاصة، والدول النامية
عامة، مع إصرار مُسبق على تنفيذ مصالح
الدول الكبرى وحليفتها إسرائيل في
المنطقة.
ومن المستغرب جداً في هذا المجال
أن يُصدر مجلس الأمن حتى اليوم ما
يزيد عن خمسة قرارات لمكافحة الإرهاب
الدولي( ) دون أن يتوصل مسبقاً لتحديد
مفهوم هذا " الإرهاب " وتعريفه ضمن
إطار قانوني ملزم.
وإذا كنا نقرّ بأن مجلس الأمن قد
حقق في ماضي أيامه بعض الإنجازات
في مجال حفظ الأمن والسلم الدوليين
في عدة أمكنة من العالم، فإنه ليس
بوسعنا إلا أن نبدي شجبنا واستغرابنا
لعدم قيامه بأي مجهود في سبيل حل
أية قضية من القضايا التي تهم الأمتين
العربية والإسلامية، منذ نصف قرن
أو يزيد، وبخاصة قضيتنا المشتركة
الكبرى: القضية الفلسطينية.
ولهذا لا يسعنا إلا أن نشارك بعض
المراقبين المتوجسين خشيتهم من أن
يتحول مجلس الأمن، بل ومنظمة الأمم
المتحدة بكاملها، إلى أداة لتنفيذ
السياسة الخارجية الأمريكية، وحليفتها
إسرائيل، في ظل ما يسمى بالنظام الدولي
الجديد.
أنهي كلمتي بطرفة، لكنها علمية:
تقدم لي طالب ليبي كان يحضر لدراسة
الدكتوراه في إحدى الجامعات وقال
لي بأنه درس على مستوى الليصانص القانون
جامعة كولومبيا في نيويورك وقال لي
بأن أستاذته في القانون الدولي كانت
جنكير باتريك التي كانت مندوبة لأمريكا
في مجلس الأمم المتحدة، قال لي بأنه
في يوم ما أعطتهم دروساً في الصف
في الكلية عن الاستيطان وقالت لهم
إن استيطان الدولة القائمة بالاحتلال
في أراض محتلة من قبلها، هو أمر غير
مشروع في القانون الدولي استناداً
للمادة /49/ من اتفاقية جنيف الرابعة
لعام 1949، وقال أنه وعى هذا الكلام،
ثم بعد يومين كان هناك اجتماع لمجلس
الأمن ونوقشت قضية استيطان اليهود
الإسرائيليين في المناطق العربية
المحتلة، فقامت جنكير باتريك وأعلنت
الفيتو، ورفعت يدها ضد مشروع القرار
الذي كان سيتخذ ضد إسرائيل، قال لي
هذا الطالب أنه بعد يومين (وهو دبلوماسي
معين في البعثة الليبية وكان له وضع
معين) بأنني قابلت السيدة باتريك
وسألتها (دكتورة منذ ثلاثة أيام قلت
لنا في الصف بأن الاستيطان ممنوع،
ثم في اجتماعات مجلس الأمن رفعت يدك
بالفيتو على مشروع قرار يندد باستيطان
إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة،
ألا تجدين بأنه ثمة تناقض في موقفك،
فردت عليها بقولها: أيها الشاب لا
يوجد تناقض، هناك كنت أستاذة أكاديمية
وهو أنا ممثلة سياسية لبلدي في مجلس
الأمن)، لاحظوا الازدواجية أين تكمن،
تصرفات أمريكا كلها استناداً لمصالحها
السياسية وليس استناداً للقانون الدولي.