الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة حول مستقبل القضية الفلسطينية
نص مداخلة الدكتور ماهر الطاهر
تحديات المشروع الصهيوني ومستقبل قضية فلسطين
 

مقدمة:
يؤكد تاريخ فلسطين أن وضعها الجغرافي والسياسي وصلتها الوثيقة بالأراضي العربية المجاورة حددا على مر الزمن تطورها ومصيرها.
إن أطماع الدول الغربية بفلسطين قديمة العهد لما يمثله موقعها الجغرافي من أهمية اقتصادية وعسكرية ودينية.
وتشهد غزوات الفرنجة على مدى قوة هذه الأطماع ومداها كما تشهد هذه الغزوات على وحدة المصير العربي أمام التحديات التاريخية الكبرى وخطورة الاحتلال الأجنبي لفلسطين على الوجود الحضاري للعرب.
لقد كثف الغرب اهتمامه بالمنطقة العربية في أعقاب احتلال بريطانيا للهند في القرن السابع عشر، كما أيقظت حملة نابليون بونابرت على مصر وفلسطين في أواخر القرن الثامن عشر أطماع بريطانيا ورغبتها في السيطرة على المنطقة بشكل أكثر مباشرة نظراً لما أنطوت عليه حملة نابليون من تهديد خطير لمصالح بريطانيا في الهند.
والواقع أن اهتمام ومطامع بريطانيا بفلسطين والمنطقة العربية وتأمين نفوذها جعلها تعارض قيام أية قوة حقيقية فاعلة للعرب ومن هنا نظرت إلى بروز محمد علي في مصر بقلق بالغ ما لبث أن تحول إلى تدخل عسكري عندما هزمت جيوش محمد علي الجيوش العثمانية ووحدت مصر وسورية الطبيعية مهددة بذلك عاصمة الدولة العثمانية ومصالح الدول الغربية في المنطقة.
أثار تقدم جيش محمد علي في الشرق العربي قلق بريطانيا وأستتبع ذلك إقدامها على الالتزام بسياسة ثابتة هدفها الحيلولة دون قيام دولة موحدة في مصر وسوريا تهدد نفوذ ومصالح الدول الأجنبية.
أقامت بريطانيا أول قنصلية لها في القدس عام 1839، وجهت معظم جهودها لاستقدام جاليات يهودية لأسباب ودوافع استعمارية عبر عنها بوضوح رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين بالمرستون في رسالة بعث بها إلى سفيره في استانبول قال فيها: "إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين تشكل سداً في وجه مخططات شريرة يعدها محمد علي أومن يخلفه" ومن هنا فقد ارتبطت منذ البدء فكرة تشجيع استيطان اليهود لفلسطين بفكرة إقامة حاجز بشري استعماري غريب يحول دون قيام دولة عربية مستقلة موحدة تضم الشرق العربي وأفريقيا العربية وذلك حفاظاً على استمرار السيطرة الأجنبية على مقدرات العرب.
تمكن الاستعمار الغربي من زرع إسرائيل في قلب الوطن العربي لتجزئة العرب ووضع العراقيل أمام وحدتهم وتقدمهم وتبديد إمكاناتهم وقدراتهم، ونجحت الصهيونية في تأسيس دولة إرهابية عنصرية عام 1948 قامت على أشلاء الشعب العربي الفلسطيني الذي تم تشريده في كل أصقاع الأرض.
ورغم مرور أكثر من نصف قرن على تنفيذ هذه الجريمة، فإن مأساة الشعب الفلسطيني لا زالت قائمة لا تجد لها حلاً، بل ازدادت تفاقماً رغم التضحيات الجسيمة وطنياً وقومياً ورغم كل مشاريع الحلول والقرارات الدولية المكدسة في أروقة الأمم المتحدة ومؤسساتها.
كثيرة هي الأسئلة والإشكاليات المثارة بعد سبع وخمسين عاماً من الصراع، أسئلة تاريخية كبرى مقلقة وعميقة، جادة وشاملة وعلى مختلف المستويات فكرياً وسياسياً، اقتصادياً وعسكرياً، اجتماعياً وثقافياً لعل أخطرها وأهمها السؤال المحوري الكبير.
لماذا تقدم المشروع الصهيوني ولماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟
لا شك أن نجاح المشروع الصهيوني في تجسيد كيانه المادي "إسرائيل" كان حصيلة جهود كثيفة ومتواصلة استغرقت خمسين عاماً من الإعداد والتخطيط منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 وخاصة معرفة كيفية الربط بين العوامل الخارجية والعوامل الداخلية لإطلاق المشروع.
فقد استطاعت الحركة الصهيونية عبر مسيرتها أن تحقق العديد من الأهداف أبرزها: قيام إسرائيل عام 1948، واحتلال أراضي عربية جديدة وتوسيع حدود الدولة عام 1967، واجتياح عاصمة عربية عام 1982، كما تمكن المشروع الصهيوني من ترسيخ وتدعيم البنية الداخلية لكيانه على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتكنولوجية في إطار استراتيجية شاملة، كما ونجح في فرض تزايد القبول به خصوصاً بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة.
إن حصيلة ما تحقق لإسرائيل تجاوز الكثير من التقديرات حيث بات هذا الكيان يشكل خطراً وتهديداً حقيقياً ليس على الشعب الفلسطيني فحسب، بل على الأمة العربية بأسرها، فإسرائيل اليوم وبعد أكثر من نصف قرن على قيامها ليست هي إسرائيل عام 1948 ارتباطاً بمجمل التطورات التي عاشتها خاصة بعد دخولها للنادي النووي وامتلاكها لأسلحة التدمير الشامل الذي يهدد أمن واستقرار عموم المنطقة.
تمكنت إسرائيل، وعلى ضوء تطورها النوعي الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، مضافاً لذلك دور الحركة الصهيونية في الشركات العالمية الكبرى من التحول إلى قوة إقليمية لا تفكر في الدفاع عن نفسها فحسب، ولعب دور التابع الذي يؤدي وظيفة استعمارية محددة، بل انتقلت طموحاتها وبرامجها إلى لعب دور الشريك والوحش الذي يهدد الأمن القومي العربي ويسعى جدياً إلى لعب دور رئيسي محوري في المنطقة.
إن الصهيونية ليست مشروعاً فحسب، وليست إيديولوجية شعاراتية، بل نجحت في بناء دولة حديثة عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، من خلال حد أعلى من العمل وحد أدنى من الشعارات والضجيج.
وفي الجهة المقابلة لم يتمكن العرب من تحرير فلسطين، بل لم يتمكنوا من إيقاف اندفاعة المشروع، وواجهوا سلسلة من الاخفاقات المتتالية على مدى العقود الستة، ولا نبالغ إذا قلنا إن المشروع الصهيوني قد حقق في مراحله الأخيرة مكاسب كبيرة على سائر الأصعدة، في ظل ظروف دولية وإقليمية مناسبة له، عرف كيف يستفيد منها إلى أبعد الحدود. ولعل من أهم العوامل التي استمد منها هذا المشروع قوته: تفكك النظام العربي، وتراكم سلبيات الضعف حتى على مستوى كل قطر وكل حركة على حدة.
قبل عقد ونصف من الزمن تحدث رئيس شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية عن تشخيصه للواقع العربي مشيراً إلى أنه "يتميز بنوع من الضعف الجماعي المستمر الذي يتسم بعدد من السمات أهمها: التفسخ البارز إزاء موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي، واستمرار تبلور الدولة القطرية العربية لحساب استمرار هبوط قوة الاتجاه للوحدة العربية، وتنامي الصعوبات أمام خلق ائتلاف عسكري وحتى سياسي ضد إسرائيل كرد جماعي على التحدي الذي تضعه أمام العرب، إضافة لضعف القوة الاقتصادية العربية ووجود تهديدات لاستقرار قسم من الأنظمة العربية"، ويختتم رئيس الاستخبارات حديثه بالقول "إن التفسخ في العالم العربي ينعكس أيضاً على تصور الصراع ضد إسرائيل. وعلى هذه الأرضية، فإن معظم العالم العربي يقبل اليوم أنه ليس بالإمكان قهر إسرائيل أو على الأقل إعادتها إلى "الحجم الطبيعي".
إن تحديد عوامل الإخفاق العربي بما فيه الإخفاق الفلسطيني يتطلب الجرأة والموضوعية والأمانة في التشخيص، وعدم مجافاة الحقائق أو الدفاع الغريزي عن الذات لأن هذا هو الطريق العلمي الذي يمكن الارتكاز إليه لمعالجة أسباب الهزيمة والواقع القائم للوصول إلى رؤى ومواقف صائبة للانطلاق في عملية مجابهة تاريخية شاملة تسير وفق اتجاه بياني صاعد لا تحكمه ردود الفعل والعواطف، يحقق النجاح ويعالج بشمولية وعمق أسباب الفشل، يجيب على سؤال لماذا هزمنا؟ ولماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه، بعد كل التضحيات والدماء والآلام.
ما هي الأسباب الحقيقية لإخفاق الأداء العربي، وما هي الدروس الأساسية المستخلصة بعد سبع وخمسين عاماً من النكبة؟
لا جدال في حقيقة وجود أسباب موضوعية، تاريخية واستراتيجية، دعت النظام الإمبريالي، (بريطانيا وأمريكا) إلى تبني ودعم المشروع الصهيوني بإمكانيات كبيرة لعبت دوراً أساسياً لا ينبغي التقليل من حجمه في نجاح المشروع. لكن بالمقابل لا ينبغي حجب الرؤية وضرورة تسليط الضوء الكاشف على الأسباب الذاتية الداخلية التي لعبت دوراً حاسماً في إخفاق الأداء العربي وبصورة متراكمة.
تمكنت الصهيونية والاستعمار من خلال هجوم كثيف ومتواصل على الوطن العربي من الإبقاء على واقع التجزئة والتخلف والتبعية، واستمرار احتلال فلسطين وأجزاء من الأراضي العربية. واليوم ينتقل الهجوم إلى مستويات نوعية جديدة لم يعد المواطن العربي قادراً على متابعتها وهو في حال ذهول شديد، وما كان لكل ذلك أن يتحقق لولا استناد المعسكر المعادي لاستراتيجية عمل شاملة ترتكز لمجمل طاقاته وإمكاناته، ولولا الاستناد بذات الوقت لقصور وضعف وتشوه العامل الذاتي العربي وعجزه عن بلورة استراتيجية مجابهة مجتمعية شاملة ترتكز لمجمل طاقات الأمة العربية وإمكاناتها المرئية والكامنة.
فما هي عوامل إخفاء الأداء العربي وما هي الدروس الأساسية المستخلصة بعد أكثر من نصف قرن من الصراع؟
أولاً: ضعف وتخلف بنية المجتمع العربي:
إن ضعف وتخلف بنية المجتمع العربي الذي خضع للاستعمار لفترات طويلة، والذي حصلت دوله على استقلالها السياسي في ظل تبلور المشروع الصهيوني، قد أسهم وبحكم عوامل التخلف المتنوعة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية في قيام إسرائيل ومن ثم قدرتها على ترسيخ نفوذها وتعظيم مواطن قوتها، كما ساهم في عدم قدرة الجانب العربي أن يرقى إلى مستوى مواجهة مشروع واضح الأهداف والوسائل يعتمد أداءً متقدماً مقروناً بعوامل مترابطة وتحالفات استعمارية واسعة النطاق.
لقد شخص "بن غوريون" الحالة العربية وأصاب كبد الحقيقة عندما خاطب ضباط الهاغاناة عام 1949 بعد توقيع اتفاقية للهدنة بين الدول العربية وإسرائيل قائلاً: "إن ما تحقق لنا هو نصر تاريخي للشعب اليهودي كله، كان أكبر مما تصورناه وتوقعناه. ولكن إذا كنتم تعتقدون أن هذا النصر قد تحقق بفضل عبقريتكم وذكائكم فإنكم على خطأ كبير. إني أحذركم من مخادعة أنفسكم، لقد تم لنا ذلك لأن أعداءنا يعيشون حالة مزرية من التفسخ.
إن وقوع الوطن العربي تحت السيطرة العثمانية ترافق مع صعود الرأسمالية الغربية، وقد تأثر التطور الاجتماعي - الاقتصادي - والثقافي للعرب تأثراً عميقاً بخضوعه لحكم متخلف دام أربعة قرون أعقبه استعمار أوروبي دام قرناً كاملاً، ومن هنا فإنه يوجد إلى جانب الشرور الحديثة سلسلة كاملة من الأحداث الموروثة التي تترك أثرها العميق وتفعل فعلها في قلب المجتمعات العربية لآجال طويلة.
"إن المجابهة فوق أرض فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر بين المشروع الصهيوني وبين أبناء المنطقة سواء من الفلسطينيين أم العرب، إنما كانت مواجهة بين قوى واعية لهدفها، ولطريقة تحقيق هذا الهدف، وبين قوى غير قادرة على أن تعي الأبعاد الكاملة للمخطط الذي تعرضت له، وغير قادرة على سلوك الطريق الصحيح لمواجهة ذلك المخطط. وفي حين عرفت الحركة الصهيونية أيضاً كيف تنسق تحركاتها مع القوى الإمبريالية الكبرى المسيطرة في العالم، وأن تلحق نفسها بتلك القوى ومصالحها، فإن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لم تكن سوى محل لسيطرة القوى الإمبريالية، وموضوع للتنازع فيما بينها".
لا شك أن أسباب المرض في الجسم العربي كانت تفعل فعلها مند زمن بعيد، وهي التي تفسر الواقع العربي المؤلم الذي يقول: "أن البطالة في الوطن العربي عام 2000 وصلت إلى ما يقرب من ثلث القوى العاملة، وأن 5% من العرب يملكون حوالي 40% من الدخل العربي الإجمالي، وإلى جانب الفقراء والعاطلين عن العمل ستبقى الأمية معلماً كبيراً من معالم التخلف حيث يوجد لدى العرب أكثر من 100 مليون أمي، وبات العالم العربي عاجزاً في الظروف الحالية عن تأمين نصف غذائه، وينفق المواطن العربي 60% من دخله على الغذاء، وبلغت الديون الخارجية أرقاماً تثير الذعر وقد وصل الدين الخارجي عام 2000 إلى حد يعجز فيه العرب حتى عن الوفاء بخدمته وهناك دول عربية تجاوزت ديونها 100% من الناتج القومي".
لقد كنا نركز في تحليلنا وقراءتنا لأسباب نكبة فلسطين وقيام إسرائيل على العوامل الخارجية ومخططات الاستعمار لنلقي باللوم دائما على الآخرين في الوقت الذي نتنصل فيه من مسؤولياتنا وواقعنا وأمرض مجتمعاتنا المزمنة. فلم يعد كافياً أن نفسر الهزائم وأسباب تداعياتها على أساس أن أمريكا والغرب يقفان وراء إسرائيل ويدعمانها بكل قوة، هدا صحيح ولا ينبغي التقليل من أهميته ودوره، ولكنه ليس كافياً لوحده تشخيص وتحليل الواقع بصورة ملموسة موضوعية ونزيهة.
إن معركتنا الأساسية هي معركة مع الذات، مع التخلف في كافة مظاهره، من التخلف المعرفي إلى التخلف الاقتصادي والعسكري والاجتماعي والعلمي، ودون أن نسلط الضوء باستمرار على هدا التحدي، فإننا لن نستطيع خوض صراع تاريخي شامل وجاد كالصراع العربي- الصهيوني.
أليس التخلف وسيادة عقلية القبيلة والعشيرة والانقسام قد أسهما إسهاماً أساسياً في نجاح المشروع الصهيوني وزرع إسرائيل في قلب الوطن العربي وليس الانتداب البريطاني أو وعد بلفور فقط.
المجتمع الفلسطيني في العشرينات والثلاثينات وهو جزء من تخلف المجتمع العربي كانت تسوده علاقات إنتاج إقطاعية وتسيطر عليه أسر تقليدية. وحتى عندما تكونت الأحزاب السياسية الفلسطينية بعد الانتداب بقيت تسيطر على هده الأحزاب العلاقات والصراعات العائلية، إضافة إلى الهوة العميقة التي كانت تفصل بين المدينة والريف، فمئات القرى التي كانت تضم الغالبية الساحقة من السكان معزولة وغير مسيسة يقف على رأسها قوى سياسية وحركة وطنية تقليدية، منقسمة ومتناحرة، وبالتالي فإن المواجهة كانت تجري بين طرفين تفصلهما فجوة واسعة في التحديث والتطور، كان لليهود في فلسطين عشية النكبة شبه برلمان ومجلس تنفيذي، وفي المدن كان هناك الهستدروت، وفي الريف انتشرت الكيبوتزات التي نظمت شؤون المزارعين، وكانت المنظمات العسكرية الصهيونية تضم 43 ألفاً من الرجال والنساء يحملون السلاح في جيوش الحلفاء، وفي تموز 1948 أصبح لديهم 60 ألف جندي مقاتل 40 ألف جندي عربي". ولم يدرك العرب تطور القوة العسكرية الصهيونية التي تفوقت عليهم ليس على المستوى النوعي فحسب، بل وعلى المستوى الكمي كذلك.
إن النجاح في مواجهة المشروع الصهيوني بمخاطره مشروط ومرهون بمدى تقدم مجتمعاتنا وتطورها ومرهون بمدى تقدمنا على الصعيد الاجتماعي، فمن غير الممكن محاصرة وهزيمة عدو متفوق على صعد عديدة بواسطة مجتمع متخلف سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وإيديولوجياً، ولذلك فإن عملية التحرر الوطني ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعملية التحرر والتقدم الاجتماعي لأن مواجهة المشروع الصهيوني مواجهة جادة لا يمكن أن تتم دون تطوير مستوى الوعي والارتقاء به إلى مستوى وعي شعبي عام يستنهض الإمكانات لتسخير طاقات الأمة العربية وخلق بنية مواجهة صلبة تنزاح من أمامها أسباب الضعف والتخلف.
ثانياً: غياب مشروع رؤية عريي للمواجهة، وطغيان التناقضات الداخلية على حساب التناقض الرئيسي مع المشروع الصهيوني:
افتقد العرب في صراعهم مع الصهيونية وإسرائيل لمشروع رؤية واضح الأهداف والمعالم سواءً على المستوى الرسمي أو على مستوى الحركات والأحزاب السياسية ولم يتمكنوا من صياغة رؤى عملية تاريخية موحدة نتيجة الارتباك والضعف الفكري والثقافي وتباين المصالح وضعف الوعي بحقيقة المشروع الصهيوني وأبعاده وسبل التصدي له وطغيان التعارضات والانقسامات على حساب التناقض الرئيسي، مما أدى إلى استنزاف الموارد والطاقات وتعميق الشروخ والصراعات، وعدم إدراك مخاطر ذلك في تقوية وتغذية العدو بنقاط قوة إضافية كبيرة.
لم تتمكن القوى السياسية العربية بمختلف اتجاهاتها الفكرية من الوصول إلى صياغة نظرية وعملية سليمة للعلاقة فيما بينها لمواجهة إسرائيل. حيث اتسمت العلاقة بالتناقض والصراع واختلاف التصورات والوسائل، بينما التحديات الخارجية كانت تفترض التوحد ورؤية المشترك، وهو كبير وواسع، والعمل على تطويره مع فهم حرية الاختلاف والاجتهادات وضبطها على أساس القواسم المشتركة وضرورة وجود ناظم عام من الأساسيات يجمع مختلف الاتجاهات.
إن الإخفاق الذي تجلى على هذا الصعيد يعود في بعض جوانبه لخلل معرفي لدى جميع القوى بتياراتها المختلفة والتي لم تستطع أن ترى الواقع العربي بكل مكوناته وتراثه وتاريخه وتجاذباته السياسية والاجتماعية والفكرية.
لا شك أن ضبابية عدم وضوح الرؤيا وما ترتب على ذلك من فشل في مواجهة المشروع الصهيوني والقوى الداعمة له ناجم بالأساس عن غياب وعدم تبلور المشروع النهضوي العربي بكامل أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية.
لا شك أن القوى والاتجاهات الفكرية - السياسية في الساحة العربية بمختلف تياراتها قدمت اجتهادات ورؤى للنهوض بالمجتمع العربي ومواجهة التحديات الخارجية، لكن كل منها يدعي امتلاكه للحقيقة ويظن أن برنامجه ورؤيته وأدواته ستكفل تحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات التي يطمح إليها الإنسان العربي.
اختلفت الآراء والاجتهادات النظرية والعملية سواء على صعيد عملية البناء المجتمعي الداخلي، أو على صعيد مجابهة التحديات الخارجية وفي القلب منها التحدي الصهيوني. وكان من الطبيعي والمفهوم أن تختلف التصورات والأفكار لقوى وتيارات فكرية - سياسية متباينة المنابت والاتجاهات لكن ما هو غير طبيعي وصحيح سيادة روح الاحتراب والتصادم بين هده القوى وطغيان التعارضات والتناقضات على حساب التناقض الرئيسي والخطر الداهم الذي مثله المشروع الصهيوني وعلى حساب المجتمع.
لقد قدمت الاتجاهات المختلفة اجتهادات سليمة واجتهادات خاطئة، ولا تستطيع قوة أو اتجاه أن يدعي أنه قدم مشروعاً متكاملاً ومتبلوراً على الصعيد النظري وعلى صعيد الممارسة. وعلى الجميع باعتقادنا أن يعيد قراءة تجربته قراءة نقدية جريئة لاستخلاص الدروس والاستفادة منها. فالقوى الشيوعية لم تستطع الإمساك بالخصوصية القومية وتحدياتها، ولم تعط هذا المرتكز الهام والجوهري الأهمية التي تستحق. والقوى القومية ركزت على الشعارات الاستراتيجية وسادت أطروحاتها نزعة رومانسية عاطفية رفعت شعارات كبرى، لكن لم يجر التدقيق والدراسة في العناصر والعوامل الأساسية التي يمكن أن تجعل من هذه الشعارات ومن الحركة الجماهيرية الواسعة قوة مادية لتغيير الواقع. فقد تمحور الفكر القومي حول شعارات بعيدة المدى دون أن يرى الوسائل المقضية إلى تحقيقها فقدس الوحدة والعروبة ونسي الواقع وتعقيداته. والقوى الإسلامية وقفت موقفاً سلبياً غير متفتح من الأفكار الأخرى التي تقع خارج نطاق رؤيتها الفكرية.
هده الأفكار قادت إلى علاقة مأزومة بين القوى المختلفة، حيث هيمنت في الممارسة عملية نفي الآخر، الأمر الذي أدى إلى صدام شبه دائم فيما بينها وضعفت إلى حد بعيد إمكانيات العمل المشترك لمجابهة الخطر المشترك.
إن نظرة جديدة ورؤية جديدة لابد أن تتبلور، تنطلق من عناصر اللقاء والتوافق فلا تعارض بين الفكر القومي والإسلامي ولا تعارض بينهما وبين أفكار العدالة الاجتماعية. ويمكن لمشروع حضاري نهضوي عربي أن يستوعب مختلف الاتجاهات إذا أدركت جميعها في العمق مستوى المخاطر الخارجية المحيطة، وإذا انطلقت من رؤية علمية منفتحة وغير متعصبة لا تضع أسواراً وقيوداً بين الحفاظ على كل ما هو إيجابي في الموروث الحضاري للأمة العربية وبين متطلبات العصر والمستقبل، مع ضرورة إقرارها وإيمانها بوجود وأهمية التعددية الفكرية - السياسية وتنوع الآراء والأفكار وتفاعلها الإيجابي، والاحتكام لمعطيات الواقع وما تفرزه الحياة الغنية من حقائق.
جهد الاستعمار لمواجهة الدين والإسلام السياسي مع القومية العربية والاشتراكية وعمل كل ما يستطيع لاستغلال وتعميق النزاعات الأيديولوجية والسياسية والمذهبية والدينية والطائفية في المنطقة، ومن نافل القول أن الرد على ذلك لن يكون إلا من خلال التنسيق والتفاهم حول الأهداف الوطنية والقومية والنضال المشترك لتحقيقها.
أفرزت تجربة سبع وخمسين عاماً من الصراع دروساً عديدة في مقدمتها ضرورة إعادة قراءة تجارب الأحزاب لذاتها قراءة نقدية أولاً، وقراءة تجارب القوى الأخرى لمعرفة الجوانب السليمة والصحيحة في أطروحتها. أي بات مطلوباً من اليسار أن يعيد قراءة أطروحات وأفكار التيار القومي والحركة الإسلامية، ومطلوب من الإسلام السياسي المتنور أن يعيد قراءة وتقييم التجارب والأفكار القومية واليسارية بهدف معرفة الآخر معرفة حقيقية علمية بهدف تعميق التحالف السياسي لخلق أوسع جبهة عربية على الصعيد الوطني وعلى المستوى القومي لمواجهة الاستحقاقات الداخلية والخارجية.
إن الفكر اليساري قدم رؤية متقدمة للوحة التناقضات الاجتماعية وتحقيق العدالة والديمقراطية بين أبناء المجتمع، والفكر القومي قدم رؤية صائبة لأهمية وضرورة الوحدة العربية والحاجة الموضوعية لها في مواجهة التجزئة والاستعمار، والفكر الإسلامي يحمل الموروث الحضاري للأمة وقدمت أجنحته المجاهدة نموذجاً في الكفاح والمقاومة. لذلك فإن التناقض الرئيسي هو بين جميع هده القوى مجتمعة ولكن الصهيونية والاستعمار الحاضرين بقوى ملموسة تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية في الصميم.
ينبغي بناء تحالف عريض ينطلق من السياسي ويؤجل الإيديولوجي إلى مراحل لاحقة وليست راهنة. هذا على صعيد الأحزاب والحريات السياسية، وأما على المستوى الرسمي العربي فتجدر الإشارة إلى أنه لم تكن صحيحة وذات مصداقية خلال الخمسين عاماً الماضية للكثير من الأنظمة العربية مقولة أن الصراع العربي الصهيوني مثل الأولوية بالنسبة لها، بل استغل شعار قضية فلسطين جوهر الصراع في غايات ضيقة لصالح بعض الأنظمة الحاكمة وفي الوقت الذي كانت فيه الصهيونية تكرس وجودها على أرض فلسطين، كان النظام العربي الرسمي يعاني جملة واسعة من التناقضات والتعارضات وتضارب المصالح والسياسات وبينما كان التحالف الإمبريالي يعزز مواقع هجومه على الوطن العربي مستهدفاً إخضاعه، كان مشروع الدولة/ السلطة العربية/ يتبلور في كيانات قطرية همها الأساسي المحافظة على هده الكيانات وبالتالي احتلت قضية فلسطين والصراع حولها درجات متفاوتة في سلم برامج هده الأنظمة.
ولئن استشعر البعض خطورة ما تمثله إسرائيل في المنطقة وضرورة مواجهتها بصورة جماعية تستدعي إخضاع الموارد والإمكانيات العربية لصالح المواجهة والتصدي للخطر، كان البعض الأخر ينأى عن هده المواجهة عملياً وبالتالي أصبحت أولوية حماية سلطته، وفي محاولة للتنصل من الالتزام بالقضية القومية رفعت تلك الأنظمة شعار تقبل ما يقبل به الفلسطينيون للتحرر من الأعباء والهموم.
شهد النظام العربي الرسمي حالات مد وجزر، لكن الصورة بالمحصلة كانت تسير نحو التراجع والتردي، وقد عجزت جامعة الدول العربية عن تطبيق مواثيقها، كما عجزت عن تسوية المنازعات والتناقضات الداخلية بين الدول العربية بما يحول دون تفاقمها واستفادة الأعداء من انفجاراتها غير المحكومة وتوج هذا التراجع بمأساة حرب الخليج الثانية بكل تداعياتها ونتائجها المأساوية على امتداد الساحة العربية، وبعد ذلك كارثة احتلال العراق بكل ما ترتب وسيترتب عنها من نتائج على القضية الفلسطينية والوضع في عموم المنطقة.
لم تنجح الدول العربية في ضبط تناقضاتها ضمن إطار ناظم عام وحكم العلاقات فيما بينها في أحيان كثيرة عنصر التصادم والأحتراب، وبالمقابل فإن إسرائيل تعاملت مع تناقضاتها وتباينات قواها السياسية والفكرية على قاعدة تغليب المصالح العليا للمشروع الصهيوني، وأخضعت تناقضاتها الداخلية لمصلحة تناقضها الأول مع العرب.
هناك حقيقتان مهمتان في الوطن العربي: "أولهما، حقيقة أن الوضع العربي القائم هو وضع منزوٍ للغاية، وثانيهما، أن هناك إمكانية لتغيير هذا الوضع إلى ما هو أفضل قبل أن يتحول إلى ما هو أسوأ خلال العقود المقبلة".
"إن نظرة الموضوعية نحو الخلف سوف توضح أن كماً هائلاً من الصراعات الداخلية اجتاحت أقطار الوطن العربي ودفعتها بعيداً عن الهم الوطني والقومي مما أفضى إلى تقوقع إقليمي مصحوب بوعي ضيق الأفق والنظرة وانشداد نحو الهم الخاص. ومن هنا، فإن الانشداد أو تغليب التناقضات الثانوية على الرئيسية كان له انعكاس موضوعي في الوعي العام الوطني والقومي وله ديناميات داخلية أفضت إلى مستوى من الانحدار الفكري والسياسي يعمل على إنتاج وعي مشوه. كأن يصبح الخوف من الجار العربي أكبر من الخوف من العدو الصهيوني ويصبح الأمن القطري أهم من الأمن القومي، والأخطر أن تقضي النزعة الإقليمية إلى الاستقواء بالإسرائيلي على القطر العربي الآخر".
"إننا حين نسترجع تجربة الخمسين عاماً الماضية من الصراع مع إسرائيل نتذكر حجم ومساحة المعارك والصراعات الداخلية العربية التي حرفت مسيرة الصراع وأضاعت فرصاً تاريخية ثمينة في إيقاف تقدم المشروع الصهيوني، فالصدام الذي نشب بين النظام الأردني والثورة الفلسطينية في الأردن عام 1970 هو تجل لتغليب الثانوي على الرئيسي، وكذلك فإن الحرب اللبنانية التي استمرت سنوات طويلة هي تجسيد لمدى الغرق في التناقضات الثانوية".
لم تنجح الحركة الصهيونية وإسرائيل في ضبط تناقضاتها الداخلية فحسب، بل نجحنا في تعظيم مواطن قوتهما على المستوى الداخلي وعلى المستويين الإقليمي والدولي، في الوقت الذي لم ننجح فيه كعرب من نسج تحالفات دولية وفق رؤية شمولية إلى أن أصبحنا نواجه ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
لقد توهم قسم من الأنظمة العربية إن إسرائيل لن تتوسع وسنكتفي بما حصلت عليه نتيجة قصور في رؤية الأهداف الحقيقية والكبرى للمشروع الصهيوني الذي يطمح للوصول إلى منابع النفط العربية والتطلع إلى ما وراء الصحراء، وبالتالي يخطئ من يظن أن إسرائيل ستقف عند الحد الذي وصلت إليه إن لم تواجه باستراتيجية عمل شاقة وبعيدة المدى. كما توهمت أنظمة عربية أن توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة والارتباط الوثيق بها قد يجعل أمريكا تحد من اندفاعة عمق علاقتها مع إسرائيل لتقيم علاقات متوازنة مع الجانبين العربي والإسرائيلي. لكن هذه الأوهام يدحضها الواقع المشخص كل يوم. فالولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر للأنظمة العربية الوثيقة الصلة بها كحلفاء، بل مجرد قوى تابعة مطلوب منها تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. وقد انتقل هذا الوهم لدى بعض العرب إلى القيادة الرسمية الفلسطينية التي تراهن على تحالف مع أمريكا قد يعطيها بعض المكاسب على حساب إسرائيل.
إن أوهام التحالف مع أمريكا أسقطتها تجربة الصراع مع إسرائيل، كما أسقطت من قبلها أوهام التحالف مع بريطانيا لعلها تقف إلى جانب العرب لتحقيق استقلالهم.
لا جدال في أن الولايات المتحدة يكمن تحالفها الحقيقي والاستراتيجي مع إسرائيل، بالتالي فإن معركتنا مع إسرائيل طويلة ومعقدة وذات أفق تاريخي مديد.
إن غياب مشروع رؤية عربي واضح المعالم والأهداف وعدم القدرة على صياغة استراتيجية عمل موحدة وضعف الوعي بحقيقة المشروع الصهيوني وأبعاده وطغيان الصراعات الثانوية على حساب التناقض الرئيسي.
إن كل ذلك شكل أحد أهم الدروس التي ينبغي استخلاص نتائجها خلال صراعنا المرير.
ثالثاً: أزمة الديمقراطية في المجتمعات العربية وإخراج الشعوب وعزلها من معادلات المواجهة:
إن غياب المشاركة الشعبية العربية وفقدان الديمقراطية بمفهومها الشامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. سواء على المستوى الرسمي، أو حتى على مستوى الحريات السياسية العربية أدى إلى تقييد أنشطة المجتمع والحركات الاجتماعية مما أسهم عملياً في عزل الجماهير العربية عن معادلات المواجهة مع المشروع الصهيوني.
من الصعب جداً تصور مواجهة عربية شاملة وتاريخية مع إسرائيل دون تحرير وإطلاق طاقات وإمكانيات الإنسان العربي المكبل بقيود لا حصر لها من أنظمته وحكامه، فكيف يمكن لمواطن مقهور ومقموع لا تتوفر له حقوق المواطنة أن يواجه عدواً قومياً يملك إمكانات القوة والعدوان يوفر لمواطنييه الحرية والديمقراطية؟
لا شك أن المجتمعات العربية التي يفتقر قسم منها حتى هذه اللحظة لوجود برلمانات ومجالس نيابية حتى ولو كانت صورية يعطي دلالة واضحة على مدى غياب الديمقراطية في العالم العربي.
لعل أبرز الدروس المستخلصة وأهم العوامل التي تفسر أسباب الإخفاق العربي في مواجهة المشروع الصهيوني، هي تلك المتصلة بالعلاقات الداخلية في مجتمعنا سواء بين الأنظمة، الشعوب أو ضمن إطار القوى والحركات السياسية في البلدان العربية "فالديمقراطية لم تعد مطلباً للمواطن للحفاظ على كرامته وحرياته فحسب، بل باتت ضرورة للوطن كله، بما في ذلك الحاكم نفسه الذي أثبتت التجارب والدروس أن أكلاف "تنازله" أمام أبناء شعبه- إذا صح استخدام كلمة تنازل هنا- تبقى أقل بكثير من أكلاف التنازل أمام الأجنبي الطامع بكل خيراتنا ومواردنا والمستعد للتضحية بكل "أصدقائه" من الحكام من أجل تحقيق ذلك. الديمقراطية هي صمام أمان الوحدة الوطنية لأنها القاعدة التي ترتكز عليها العلاقات السليمة بين الجماعات المكونة لأي قطر، فلا تضطر أي جماعة للإذعان في أحضان الأجنبي بذريعة حماية وجودها الذاتي. والديمقراطية هي سبيلنا لدخول العصر الجديد كشركاء في صياغة العلاقات الدولية بدلاً من أن نكون ضحايا هذا العصر - غير المأسوف عليه - وهو العصر الذي يضج بثوراته العلمية والمعلوماتية والتكنولوجية.
في الحقيقة، فإن أسباب وجوهر الكثير من المشكلات التي تعانيها المجتمعات العربية تكمن في أزمة الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع أننا نرى في عدد من البلدان العربية نوعاً من الديمقراطية النسبية المقننة إلا أن المظهر الرئيسي في الوطن العربي هو غياب الديمقراطية.
أليس منطقياً وعقلانياً القول إن الكثير من الأحداث المأساوية التي واجهتها الأمة العربية على الصعيد السياسي وتتالي عمليات الانهيار والتراجع تكمن في التعطش إلى الديمقراطية؟
ألم يكن من الممكن تجنب توقيع اتفاقات كامب ديفيد، وأوسلو، ووادي عربة، وتجنب وقوع حرب الخليج الثانية بكل مآسيها وتداعياتها وتجنب كارثة احتلال العراق، لو كانت مجتمعاتنا مجتمعات مدنية حديثة تتمتع بصورة حقيقية ملموسة بالديمقراطية؟
ألم يتم توقيع اتفاقات أوسلو في الظلام بعيداً عن أعين الشعب الفلسطيني والعربي؟
ألم يشكل غياب الديمقراطية وكبت الحريات وغياب الاستقرار السياسي والتعددية عاملاً رئيسياً في هجرة العقول والأدمغة العربية لتستفيد منها وتسخرها لصالح البلدان والمجتمعات الأوروبية المتقدمة؟
صحيح أن هناك أسباباًاقتصادية لا ينبغي تجاهلها وغض النظر عنها، لكننا لا يجب أن نقلل من أهمية العامل الديمقراطي في خسارة المجتمعات العربية لكفاءات علمية إبداعية هائلة يستفيد منها ويستثمرها في الكثير من الأحيان أعداء الأمة العربية.
قدرت إحدى الدراسات أن عدد الكفاءات العربية المهاجرة للولايات المتحدة الأمريكية عام 1978 بلغت مئة ألف شخص 50% من حملة شهادة الدكتوراة.
إن ما تعرض له الوطن العربي من نكسات وانهيارات وهزائم يعود في سبب رئيس منه إلى الانفصام الحاصل بين السلطات الحاكمة والشعب في معظم البلدان العربية مما جعل المواطن يعيش حالة من الاغتراب والسلبية واللا مبالاة إزاء قضايا خطيرة وحيوية تواجهها الأمة. وبات هذا المواطن مشغول بملاحقة قوته ولقمة عيشه وهمومه اليومية المتراكمة في ظل أنظمة سياسية تقليدية، وفي ظل وجود سلطات غنية ودول فقيرة وشعوب أفقر.
أليس مثيراً للتفكير قصف طرابلس الغرب بالطائرات الأمريكية وحصارها لسنوات طويلة، وقصف عاصمة السودان لتدمير مصنع أدوية تحت حجج ومبررات واهية دون أن تتحرك الأنظمة العربية أو الشارع العربي؟
أليس مثيراً للفزع حصار شعب عربي بأكمله في العراق وتجويعه لأكثر من 13 سنة تمهيداً لاحتلاله ومحاولات تقسيمه وتدميره، وقتل مئات الآلاف من أطفاله وأبنائه دون أن يتحرك العرب بشكل جاد وحاسم لوضع ح لجريمة من ابشع جرائم العصر الحديث؟
ألا يوجد علاقة وثيقة بين حصار العراق واحتلاله وتدميره وبين استهدافات المشروع الصهيوني الاستعماري في المنطقة؟
ليس مثيراً للتفكير والتأمل العميق أنه أثناء غزو إسرائيل للبنان واجتياح عاصمة عربية عام 1982 ومحاصرتها لمدة ثلاثة شهور، كانت أكبر مظاهرة اعتراض قد حصلت في تل أبيب؟
ألا تتحمل القوى السياسية والأحزاب العربية مسؤولية عما جرى ويجري؟ وهل يكمن الخلل والأزمة في الواقع العربي من الأنظمة الرسمية فقط، أم هناك مسؤوليات كبرى تقع على عاتق القوى والأحزاب السياسية؟
علينا الاعتراف وبجرأة أن الخلل والأزمة لا يمكن في الواقع العربي الرسمي فحسب، بل هي تطال وفي العمق واقع الحركة الشعبية العربية وحواملها السياسية التي تعاني هي الأخرى من أزمة في الفكر والسياسة والتنظيم، وضعف وتشوه الممارسة الديمقراطية داخل صفوفها وفي بنيتها وإلا ما الذي يفسر التكلس والجمود وغياب التجديد والحيوية ضمن إطار هذه القوى؟ الأمر الذي أدى إلى عزوف الناس المتزايد عن الانخراط في العمل السياسي وخاصة في صفوف الشباب مقارنة بمرحلة الخمسينات والستينات.
إن غياب الديمقراطية لم تعاني منه الأنظمة الحاكمة فحسب، بل لم تمارسه بصورة حقيقية وعميقة وشاملة القوى والحركات السياسية العربية مما أدى إلى إضعافها وتراكم مشاكلها وتناقضاتها الداخلية من جهة، ومن جهة أخرى نجحت السلطات في ترويض وتدجين قسم لا يستهان به من أحزاب المعارضة والتي باتت برامجها وممارساتها العملية تعمل وفق سقف محدد لا تستطيع تجاوزه.
عانت الحياة الثقافية العربية معضلات حقيقية أن أزمة الديمقراطية مثلت عاملاً هاماً في تراجع مستوى الحياة الثقافية في الوطن العربي. فمن نافل القول أن الثقافة في أي مجتمع ما هي إلا جزء من كل، وبالتالي فإن الانحسار والأزمات السياسية والاقتصادية والإيديولوجية كان من المحتم أن تعكس نفسها على المجال الثقافي. ومن البديهي القول أن الإنتاج والإبداع الثقافي يتوقف على مستوى تطور الديمقراطية وعمقها في المجتمع. فإذا غابت هذه الديمقراطية انحسر الإبداع وتقوقعت الثقافة. وهذا هو حال الكثيرين من المثقفين العرب في علاقتهم مع السلطات الحاكمة، فبعضهم إما اصبحوا خارج أوطانهم والبعض الآخر بات بوقاً للحاكم، أو أنهم لا يستطيعون التعبير عن أفكارهم وقناعاتهم وبالتالي انغمسوا في العمل الأكاديمي وابتعدوا عن دورهم الحقيقي الطليعي في المجتمع.
لقد مثل تعطيل الديمقراطية في العالم العربي عاملاً أساسياً من عوامل الإخفاق في مجابهة المشروع الصهيوني وأدى إلى شل طاقات الجماهير العربية وعزلها من معادلات المواجهة. وقد برهنت تجربة نصف القرن الماضي أن توفر الديمقراطية كنظام حياة هو الشرط الحاسم في تطور العرب لخلق مجتمعات حديثة ومتطورة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
رابعاً: الخلل العميق في الرؤية والممارسة لجدل العلاقة بين البعدين الوطني والقومي في الوطن العربي:
جدل العلاقة بين الوطني والقومي، أي إشكالية الخصوصية القطرية والتكامل القومي تعتبر من الاستخلاصات والدروس الأساسية التي أفرزتها تجربة الصراع مع إسرائيل، لأن الخلل وعدم وضوح الرؤيا والممارسة لجدل العلاقة الصائب والسليم بين البلدين شكل عاملاً أساسياً من عوامل الإخفاق في الأداء العربي لمواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة.
لقد تكرس في الواقع العربي ارتباطاً بعوامل خارجية وداخلية كيانات عربية قطرية بعد أن نجحت المخططات الاستعمارية في إعادة ترتيب الوطن العربي وتقسيمه بما يناسب أغراضها ومصالحها. وأصبحت الكيانات العربية تتمتع بحدود دولية وسيادة ومصالح وطنية ضربت جذورها في الواقع.
وبعيداً عن أي نقاش أو وجهات نظر حول إذا ما كان كيان الدولة العربية مصطنعاً بفعل عوامل استعمارية أم سابقاً للاستعمار، فإن وجود الدولة القطرية العربية بات حقيقة واقعة وراسخة لا يمكن نفيها بالشعارات والأمنيات، رغم توفر أسس موضعية علمية عميقة لوحدة العرب، لكن هذه الأسس وحدت العرب عندما توفر العامل الذاتي، أما عندما كان الخلل يصيب هذا العامل، فإن الصورة تختلف تماماً "ويذكرنا التاريخ العربي بأنه لم يكن هناك ديمومة لما يمكن أن يسمى حالة وحدة أو حالة تجزئة، فالشواهد التاريخية تؤكد هذا المنحى. فليس صحيحاً أن الوطن العربي كما نعرفه اليوم ظل حالة وحدة شاملة معظم تاريخه، كذلك لم يبق مفتتاً أو مجزءاً طوال تاريخه، بل إن التوحد كعملية مجتمعية سياسية كان يمثل اتجاهاً تاريخياً مستمراً، وكان التفتت أيضاً كعملية مجتمعية سياسية يمثل اتجاهاً تاريخياً مضاداً، والعمليتان سادتا التاريخ العربي من خلال جدلية مستمرة. وأهم من ذلك بالنسبة للمستقبل هو التأكيد على أن عوامل التوحد موجودة بالقوة نفسها التي توجد بها عوامل التفتت في التجزئة الظاهرة في الوقت الحاضر".
لا جدال في أن التجزئة وعدم قدرة العرب على تحقيق الوحدة والتكامل الاقتصادي، قد أسهما بصورة واضحة في إضعاف وفشل المواجهة مع المشروع الصهيوني.
إن ضعف، بل فقدان التكامل الاقتصادي العربي واستمرار خضوع البلدان العربية في إسار حالة تتعمق يوماً بعد يوم من التبعية للبلدان الرأسمالية الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. "إن تلك التبعية التي كانت مسيطرة منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، أخذت تضغط بشدة أقوى بكثير في الحقبة النفطية 1973-1982 وما زالت. والواقع أن التبعية تمتد خارج المجال الاقتصادي إذن نشاهد أيضاً في مجال التقانة والإعلام".
لقد تفاقمت وتراكمت المشكلات الجدية في مسار تطور أوضاع اقتصادات البلدان العربية وتراجعت معدلات النمو، وزيادة عبء الإنفاق العسكري وبروز مظاهر الأزمة والعجز في الموازنات الحكومية والميزان التجاري. مع ازدياد خطورة التبعية الغذائية. وهكذا تتدهور الأوضاع الاقتصادية للبلدان العربية كل على حده، وازدادت الصورة والواقع خطورة بعد حرب الخليج الثانية بتكاليفها الخيالية التي تم تغطيتها على حساب العرب. واندفاع عدد من دول الخليج لتكدس الأسلحة بما يخدم في النهاية مصالح احتكارات السلاح الأمريكية وغيرها إضافة إلى التواجد العسكري الأجنبي المباشر في المنطقة.
تقدر الثروة المالية العربية خارج الوطن العربي بحوالي ألف مليار دولار، وهي ثروة المال والاستثمار والمصارف والأسهم وغير ذلك في العالم الخارجي وتعتبر المنطقة العربية من أكبر الأسواق العالمية استيراداً للغذاء والأدوية والتكنولوجيا والسلاح وهي تقوم بأداء مبادلات تجارية مع أمريكا والغرب واليابان تصل إلى نسبة 92% من تجارة العرب الخارجية، أما نسبة الـ8% الباقية فيذهب نصفها إلى ما يسمى بنور آسيا الصغرى فيما تبقى التجارة العربية - العربية تتراوح ما بين 4 إلى 6% فقط.
لا شك أن هذا الواقع الاقتصادي العربي ممثلاً بسيادة علاقات التبعية على مستويات عديدة، هو الذي شكل الأساس المادي للتراجع والانهيار السياسي للنظام العربي ومواقفه تجاه قضايا الأمة العربية وفي المقدمة قضية فلسطين والصراع العربي - الصهيوني.
ويواجه العرب وجميع شعوب العالم تحديات أكبر في ظل ما يسمى بالنظام العالمي الجديد والعولمة التي ترسم صورة وحشية للمستقبل لأن كافة التنازلات التي قدمتها الرأسمالية في ظل وجود الاتحاد السوفيتي لم تعد على ما يبدو مضطرة لتقدمها في الظروف العالمية الجديدة. ففي القرن القادم وكما تشير بعض الدراسات سيكون هناك فقط "20% من سكان العالم الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل، أما النسبة الباقية 80% فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة. ومع نمو العولمة يزداد تركز الثروة وتتسع الفروق بين البشر والدول اتساعاً لا مثيل له حيث يملك اليوم 358 مليارديراً في العالم ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة. وإن 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي، وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من مجموع المدخرات العالمية".
إن عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى بات يفرض على العرب تحديات مصيرية تتعلق بوجودهم ومستقبل أجيالهم، حيث تبرز الحاجة الموضوعية المتزايدة للتكتل والتكامل والسوق العربية المشتركة والعمل على أساس إعادة الاعتبار للعمل القومي القائم على أسس علمية سليمة بعيداً 'ن أسلوب الخطابات والشعارات الخالية من المضامين الملموسة التي يمكن أن تؤدي تدريجياً إلى تكامل وتنمية اقتصادية قومية شاملة. فلن تستطيع البلدان العربية مواجهة التحديات النوعية العالمية في ظل التشرذم والانقسام والتبديد ولن يستطيع أي قطر عربي مهما بلغ حجمه وإمكاناته وقوته أن يواجه بمفرده التحديات القائمة.
إن إعادة الاعتبار للعمل القومي العربي باتت ضرورة موضوعية للدفاع عن الذات وحمايتها ودون ذلك ستواجه أخطار التبديد والتمزق والضياع وزيادة بؤس الأغلبية في الأمة العربية. ولكن إعادة الاعتبار للعمل القومي تتطلب نظرة جديدة تستخلص دروس المرحلة الماضية بكل سلبياتها وإيجابياتها، نظرة قومية متجددة وعقلانية، واقعية وملموسة، بعيداً عن زمن البديهيات الذي كان يعتبر الوحدة العربية في متناول اليد وتحرير فلسطين شأن قادم وقريب.
لا شك أن المشروع الوحدوي العربي الذي تعرض للمراقبة الشديدة والتآمر الخارجي منذ محاولة محمد علي بناء دولة موحدة حديثة في مصر والشام. هذا المشروع جوبه من القوى الاستعمارية الأوروبية، وبعد ذلك حاول عبد الناصر والقوى القومية العربية إحياء المشروع من جديد لكن المحاولة تم ضربها عام 1961 وتكريسها عام 1967.
استطاع المشروع القومي العربي الذي رفع شعارات الوحدة والتحرر والاشتراكية ومكافحة الصهيونية والاستعمار أن يحقق رصيداً كبيراً والتفافاً واسعاً حول شعاراته وأهدافه في الخمسينات والستينات، لكن معضلته الأساسية تجسدت برؤيته العاطفية التي لم تر الواقع العربي المعقد كما هو لتنطلق من رؤية واقعية تراكم الإنجازات خطوة خطوة باتجاه عملية معقدة تواجه عقبات كبيرة في ضوء تبلور وتجذر مفهوم الدولة الوطنية. كما افتقر المشروع للبعد الديمقراطي بمفهومه الشامل، هذا البعد الذي يشكل الضمانة الأساسية لحمايته.
لم ينجح العرب سواء على المستوى الرسمي أو حتى على مستوى الحركات والأحزاب السياسية في إقامة علاقة جدلية صحيحة بين الوطني والقومي، فالبعض ركز كل إنشداده للقومي متجاهلاً الخصوصيات القطرية، والبعض ركز بصورة معاكسة على انشداده للقطري متجاهلاً أهمية القومي وضروراته. وباعتقادنا فإن علاقة وثيقة متكاملة بين البعدين هي الحل السليم لمواجهة معضلات الواقع بصورة سليمة.
لقد شكلت هزيمة حزيران 1967 نكسة فكرية وتراجعاً للمشروع القومي العربي فقد كانت مسألة الوحدة العربية وتحرير فلسطين تمثل الشعارات المركزية لكثير من العرب، فجاءت هزيمة حزيران زلزالاً مدوياً بات معه شعار الوحدة والتحرير أكثر صعوبة وتعقيداً مما كان متصوراً، ودخلت الساحة العربية بمخاضات وشعارات جديدة، وامتلأت قواميس السياسة والفكر بشعارات إزالة آثار العدوان وقرار 242 والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. ولكن رغم ذلك عبر الشارع العربي عن رفضه للهزيمة ونتائج العدوان، وكان من أبرز تعبيرات هذا الرفض نهوض الثورة الفلسطينية وتصاعد فعلها العسكري والجماهيري. كذلك سارعت مصر وسورية وبشكل جاد لإعادة بناء قواتهما المسلحة وحققتا بدعم عربي نتائج ملموسة أتت ثمارها في حرب أكتوبر 1973. وكل هذا كان إيجابياً وملموساً لكنه لم يكن كل شيء لأن قراءة شاملة عميقة لما حدث كانت تشير إلى أن شيئاً نوعياً آخر كان يحصل في العمق كنتيجة لما انتهت إليه حرب حزيران واحتلال إسرائيل لأراض عربية، لأن هذا كان يعني أننا أصبحنا أمام قضايا وطنية للبلدان العربية التي احتل جزء من أرضها وتسعى لتحريره، وبالتالي طغى شعار تحرير الأراضي المحتلة على شعار تحرير فلسطين.
شكلت هزيمة حزيران منعطفاً عميقاً في مسار الصراع العربي - الإسرائيلي وعززت مكانة الاتجاه القطري في الساحة الفلسطينية، خاصة بعد حالة النهوض التي مثلتها الثورة الفلسطينية والعمليات العسكرية التي مارستها ضد إسرائيل وما ولده ذلك من آثار إيجابية خاصة في صفوف الفلسطينيين. ولكن الخلل في الرؤية والممارسة لجدل العلاقة بين البعدين الوطني والقومي وقعت فيه بصورة عميقة وخطيرة القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية عندما أهملت علاقاتها مع الجماهير العربية القوى الوطنية والحركة الشعبية العربية، وركزت على علاقاتها مع الأنظمة، بذات الوقت الذي مارست فيه بصورة مشوهة شعار القرار الفلسطيني المستقل وهو الشعار الذي شجعه العديد من الحكام العرب للتحلل من التزاماتهم القومية إزاء قضية فلسطين.
إن إبراز العامل الوطني الفلسطيني والتأكيد على الشخصية الفلسطينية أمر هام خاصة في مواجهة أطروحات الصهيونية التي استهدفت تبديد الشخصية الفلسطينية ونفي مقوماتها لا بد من التأكيد على البعد الوطني الفلسطيني، لكن إبراز هذا البعد لمواجهة مخططات التذويب والتبديد شيء، والنزعة الإقليمية الفلسطينية التي شوهت مفهوم القرار الفلسطيني المستقل تحت شعار يا وحدنا وماذا فعل لنا العرب شيء آخر.
في الحالة الأولى: التأكيد على الهوية الوطنية الفلسطينية سلاح في مواجهة التهويد والإلحاق وليس نقيضاً للبعد القومي لقضية فلسطين، وفي الحالة الثانية: سلاح لتبرير نزعة الانفصال عن البعد العربي لتسويق سياسة التنازلات لإسرائيل والانحراف السياسي واللحاق بركب الإقليميات العربية.
إن تجربة النضال الفلسطيني منذ وعد بلفور أفرزت بالملموس أن إضعاف البعد الوطني الفلسطيني في الصراع مع إسرائيل لا يخدم كفاح الشعب الفلسطيني، لكنها برهنت كذلك أن إضعاف البعد القومي العربي لهذا الصراع خطأ استراتيجي تدفعه ثمنه الحركة الوطنية الفلسطينية ثمناً باهظاً كانت محصلته اتفاقات أوسلو وواي ريفر وإلغاء الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية.
خامساً: جدل العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك وتكامل أشكال النضال:
منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 وضعت الحركة الصهيونية نصب عينها أهدافاً ومخططات مرحلية واستراتيجية كانت تبدو بعيدة المنال، لكنها تعاملت مع الواقع، ونسجت تحالفات وراكمت إمكانيات مكنتها من فرض العديد من أطماعها خطوة خطوة وعلى مراحل. ولكنها في كل المراحل لم تتخلَ أو تتراجع عن طموحاتها وأهدافها الاستراتيجية ولم تدعَ التكتيك ينتهك الاستراتيجيا.
إن الحركة الصهيونية التي تمكنت من تحقيق أهداف كبيرة وملموسة كانت ولا زالت تسير عكس تيار التاريخ، ومع ذلك حققت بالتحالف مع القوى الاستعمارية معظم أهدافها. وتتهيأ لتحقيق المزيد منها عبر اختراق الوطن العربي ودمج إسرائيل في بنية المنطقة التي تتعرض لمخططات استعمارية تستهدف إحداث المزيد من التفتيت والانقسام وإعادة رسم خرائطها الجغرافية والسياسية لإضعاف العرب والسيطرة الكاملة على مقدراتهم.
لا شك أن الحركة الصهيونية قد استنفذت مهماتها وبرامجها السابقة ونفذت أهدافها المرسومة وتعمل في الظروف الراهنة بشكل جديد يتناسب مع المتغيرات العالمية والإقليمية لتحقيق المزيد من أهدافها الاستراتيجية والواقع أن الحركة الصهيونية وإسرائيل ربطتا بشكل جدلي وثيق بين الاستراتيجية والتكتيكات وفهمتا الحلول المرحلية كخطوات على طرق تحقيق الأهداف العليا والبعيدة. وهذا لا يعني عدم وجود تناقضات داخلية أو امتلاك القدرات الكلية لكن ينبغي الاعتراف بان الحركة الصهيونية وإسرائيل حافظتا على بوصلة واتجاه عام في الحركة ربط بشكل محكم وناجح بين تحقيق الأهداف القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى "حيث نجحنا في القراءة العلمية لمعطيات الواقع في كل مرحلة من المراحل وتحديد الهداف بالاستناد إلى ما هو قائم وممكن للاقتراب خطوة أو خطوات من الأهداف المرسومة وهكذا نجد أن أهداف المشروع الصهيوني المرحلية/التكتيكية كانت في حركة دائمة إلى الأمام وما أن تحقق الأهداف في مرحلة معينة حتى تصبح أساساً مادياً ثابتاً لمنظومة جديدة من الأهداف الأبعد لهذا اتصفت الاستراتيجيات الصهيونية بدقة الأداء واتسمت بمستويات متنوعة بعضها معلن وبعضها مضمر لكنها لم تكن غامضة بالنسبة إلى النخب القيادية الصهيونية وكان التكتيك يتسم بالمرونة العالية ارتباطاً بمعطيات الصراع والواقع ولهذا نجد أن إسرائيل استطاعت أن تحقق معظم لأهدافها وإن تحدثت بلغة دفاعية بينما هي في الواقع كانت باستمرار في حالة هجوم.
وفي المقابل فإن التجربة العربية والفلسطينية في مواجهة إسرائيل برهنت بأنها لم تجد عملية إدارة الصراع كما أداره عدونا حيث رفعنا شعارات كبرى واستراتيجية دون ربطها بالوسائل المفضية إلى تحقيقها فقد تخبط العرب في مراحل معينة بشعارات أكدت الاستراتيجية والخيار العسكري كخيار وحيد لحسم الصراع وفي مراحل أخرى تم الانتقال إلى حالة معاكسة كلياً أي التخلي عن الشعارات الاستراتيجية وإسقاط الخيار العسكري والحديث المكثف والوحيد الجانب من الواقعية والاعتدال وهجوم السلام.
وفي الوقت الذي فهمت فيه إسرائيل الحلول السياسية والمرحلية كمحطات على طريق تحقيق المزيد من أهداف المشروع الصهيوني فإن بعض العرب انخرطوا في الحلول السياسية ورسموا تصوراتهم للسلام على أساس أنه الخيار الوحيد وأسقطوا الخيارات الأخرى وإلا ما الذي يفسر مقولة إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب وعلى أي أساس علمي واقعي يمكن أن تستند مثل هذه المقولة.
هل تستند لأساس أن الصهيونية تطورت وغيرت مفاهيمها وأن إسرائيل يمكن أن تتجه نحو سلام عادل ودائم في المنطقة مرتكز لقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي؟
هل برهنت مسيرة السنوات الطويلة الماضية منذ توقيع اتفاقات كامب ديفيد وما أعقبها من اتفاقات أن إسرائيل حقاً ظاهرة تستطيع التعايش مع سلام حقيقي وشامل في المنطقة يقوم على أساس الإقرار بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس والانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة.
إن تجربة خمسين عاماً من الصراع برهنت على ضرورة عدم الاكتفاء برجع الشعارات الاستراتيجية دون تحديد الحلقات الوسيطة المفضية إليها وأكدت على أهمية التفكير بالحلول المرحلية استناداً لقرارات الشرعية الدولية المؤيدة للحقوق الفلسطينية والعربية والتي تشكل سلاحاً هاماً بأيدي العرب ولكن بذات الوقت فإن التجربة أكدت بجلاء أن إسرائيل ظاهرة معادية للسلام ولو بالحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، بل هي حالة استعمارية استيطانية إجلائية تعمل على فرض مفهومها لحل يفرض إرادة طرف على طرف آخر وهي في مفهومها لهذا الحل تلقى كامل الدعم والتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية لأن السياسة الأمريكية ليست منحازة فقط بل تتبنى السياسة والاستراتيجية الإسرائيلية بشكل شبه كامل انطلاقاً من رؤيتها لمصالحها الأمنية والاستراتيجية في المنطقة.
لقد انطلقت في الساحة العربية مقولات ومفاهيم تستند إلى منطق يقول لماذا لا نشن هجوماً سلمياً ونتخلى عن الأفكار التقليدية والشعاراتية والحماسية السابقة التي لم تؤدِ إلى نتيجة ولم تحرر شبراً من الأرض بينما طرق السلام والمفاوضات والتطبيع يمكن أن يحقق نتائج أفضل والسؤال المطروح ماذا حقق هذا الطريق وهذا المنطق وبالصورة التي مورست بها حلول منفردة تنازلات كبرى وجوهرية دون تحقيق الأدنى من الحقوق.
إن على أصحاب هذا المنطق أن يستخلصوا الدرس الأساسي الذي أقرته تجربة ربع القرن الماضي حيث برهنت الوقائع أننا لا نواجه مشكلة بضعة ملايين من اليهود يريدون العيش بأمن وسلام، بل نواجه مشروعاً يريد فرض الاستسلام الكامل على العرب والسيطرة على المنطقة وإلا ما معنى رفض إسرائيل للإقرار بالحقوق الوطنية الفلسطينية حتى بحدها الأدنى رغم كل التنازلات العربية ورغم كل التنازلات التي أقدمت عليها القيادة الرسمية الفلسطينية والتي لم تكن تحلم بها أية قيادة صهيونية وبعد كل ذلك فإن 70% من الإسرائيليين يؤيدون استخدام السلاح النووي ضد العرب حسب ما أشارت إليه أحد الاستطلاعات الإسرائيلية.
لا شك أن هدف السلام المزعوم هو إضعاف العرب وتجريدهم من كامل أسلحتهم ليس بالمعنى العسكري فقط وهذا ما يفسر احتلال العراق وتشديد الضغوط على سورية ولبنان، وهذا ما يفسر كذلك محاولات إضعاف دور مصر عربياً وإقليمياً، حيث برزت مؤشرات عديدة على ذلك.
إن كافة الوقائع والمعطيات السياسية تشير إلى أن إسرائيل تريد استسلاماً شاملاً كاملاً من الفلسطينيين والعرب وتعمل على خلق حقائق جغرافية - سياسية على الأرض من خلال توسيع الاستيطان واستمرار السيطرة على الأرض وبالتالي فإن السؤال المطروح بقوة هو: إذا كانت العملية السياسية قد وصلت عملياً وواقعياً إلى الطريق المسدود فما هو البديل؟
هل يبقى العرب المراهنون على الحل السياسي في دائرة رد الفعل ينتظرون ما يقدمه الآخرون؟ أم يستمرون في أوهامهم ومراهناتهم في تعليق الآمال على تحولات داخلية في إسرائيل تستبدل الليكود بالعمل الذي خاض كل الحروب مع العرب والذي يتفق مع الليكود في جوهر الموضوعات السياسية المتعلقة بالمصالح العليا للمشروع الصهيوني والذي يتلاقى مع الليكود حول قضايا الاستيطان واللاجئين والقدس والمياه.
صحيح أن موازين القوى الراهنة ومعطيات الوضع العالمي تميل لصالح الجانب الإسرائيلي والجميع يدرك هذه الحقيقة لكن ذلك لا ينبغي أن يبرر الاستسلام والرضوخ تحت حجة أن ليس أمامنا من بديل.. فهناك خيارات وبدائل واقعية ومساحات واسعة للصمود والمقاومة.
من أخطر القضايا التي قد تواجه أمة من الأمم هو أن تأسر نفسها بخيار واحد يجعل أعداءها يصلون على قناعة أنها لا تملك غيره وهنا ينبغي التفكير والإجابة على سؤال جوهري عما إذا كان العرب قد فكروا باستراتيجية بديلة لفشل ما يسمى بعملية السلام؟ أم أنهم رسموا كل تصوراتهم ورؤيتهم على أساس النجاح الحتمي بهذه العملية وعلى أساس أنها الخيار الوحيد الذي لا خيار غيره؟
طرح هذا السؤال لا يعني الدعوة إلى الحرب في ظل المعطيات الراهنة ولكنه بذات الوقت يدعو إلى عدم إسقاط الخيار العسكري حتى في ظل الانخراط بمفاوضات وحلول سياسية لأن وصول إسرائيل إلى هذه القناعة جعلها تتصرف على قاعدة أنها القوة الوحيدة التي تملك قوة الردع والتهديد بالحرب وأن العرب ليس أمامهم من خيار سوى التكيف والاستسلام.
نظن أننا لسنا أمام خيارين لا ثالث لهما، الاستسلام أو الحرب فهناك خيارات وبدائل واقعية لكن شرطها الصمود والكرامة ووضوح الرؤيا والاتفاق على ناظم عام ينطلق من المصالح العليا للأمة العربية فالخيارات عندما تتعلق بمصير الشعوب ومستقبلها تصبح مشروطة بالحفاظ على حقوقها ومصالحها وإلا يفقد أي خيار سياسي مقوماته الوطنية.
لا شك أن ترابط الاستراتيجية والتكتيك وتحليل الواقع الملموس ورؤيته بحركته وطاقاته الكامنة وترابط كافة أشكال الكفاح السياسي والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي والثقافي تشكل عنصراً أساسياً من عناصر مواجهة جادة وناجحة مع المشروع الصهيوني.
إن خيار المقاومة المسلحة الذي بات يوصم بأنه شكل من أشكال الإرهاب هو خيار دفاعي مفروض على الذين يخضعون للاحتلال والعدوان وهو انعكاس موضوعي لطبيعة الصراع الذي يتحدد بطبيعة الأيديولوجيا الصهيونية وممارساتها وبرامجها العدوانية التوسعية.
سادساً: فشل المقاومة الفلسطينية في تطوير الواقع الفلسطيني نحو حالة متقدمة وصولاً على اتفاق أوسلو:
شكلت هزيمة حزيران 1967 منعطفاً عمقياً في مسار الصراع العربي - الصهيوني وكان من أبرز نتائجها المباشرة تبلور ظاهرة الكفاح المسلح الفلسطيني الذي مثل أحد أشكال الرد على الهزيمة.
حظيت الثورة الفلسطينية بأوسع تأييد شعبي فلسطيني وعربي، خاصة بعد حالة النهوض التي مثلتها، والعمليات العسكرية التي مارستها ضد إسرائيل وما ولده ذلك من آثار إيجابية ولكن رغم كل هذا لم يدرك الكثير من الفلسطينيين الوضع الدقيق والنقطة الأسوأ التي وصلت إليها قضيتهم وذهب جل اهتمامهم لصورتهم كمقاومين بعد هزيمة عربية فأمن لهم ذلك تعويضاً نفسياً هائلاً وقطعاً كانوا في حينها في نقطة متقدمة ولكن على أرضية المعطيات المادية لحرب 1967 التي وضعت الصراع برمته ومن ضمنه فلسطين في نقطة هي الأسوأ في تاريخها حتى حينه ولم يكن ذلك إلا تطبيقاً لمنطق صحيح قام ويقوم على أن القضية الفلسطينية تاريخها لو لم تكن إلا جزءاً من القضية العربية تتقدم بتقدمها وتتراجع بتراجعها.
لقد شهدت الساحة الفلسطينية قبل وبعد 1967 طيفاً من التيارات الفكرية - السياسية بعضها أدرك أهمية البعد القومي لقضية فلسطين وكان هذا الاتجاه قد انبثق أساساً من الوعاء الفكري والسياسي الذي مثله تيار وأحزاب الحركة القومية العربية والذي تحولت بعض قواه باتجاه اليسار وتيار آخر شكل المظهر الرئيسي في قيادة الساحة الفلسطينية تناغم وتساوق مع الواقع العربي بصورة تدريجية وصولاً إلى الانخراط في الحلول الأمريكية لمحاولة تأمين موقع له ضمن إطار التسوية وبأي ثمن.. وتيار ثالث ظهر بقوة إثر اندلاع الانتفاضة الفلسطينية وهو تيار الإسلام السياسي والذي بات يمثل اتجاهاً أساسياً في الساحة الفلسطينية.
لسنا بصدد استعراض وتقييم تجربة الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقتها وحتى اليوم بجميع قواها واتجاهاتها والظروف الموضوعية التي أحاطت بها ولسنا بصدد استعراض الواقع الذاتي والأمراض والأخطاء الكبيرة التي رافقت مسيرتها، فهذا يحتاج إلى دراسة وتقييم شامل. وسنكتفي بالإشارة على المحصلة التي وصلت إليها مسيرة المقاومة الفلسطينية وهي حصيلة لا تخرج في التحليل النهائي عن إطار الواقع العربي الذي أخفق في مواجهة المشروع الصهيوني.
لقد حققت الثورة الفلسطينية وعبر أربعة عقود إنجازات هامة للشعب الفلسطيني في مقدمتها بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية وتكريس منظمة التحرير الفلسطينية كممثل الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده واعتراف العالم بحقوق شعب فلسطين وإبقاء القضية حية متواصلة. ودحض مقولات الصهيونية بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
لكن الحصيلة تجسدت بفشل وإخفاق المقاومة الفلسطينية في تحقيق أهدافها وبرنامجها وهذا الفشل كان محصلة لعوامل عديدة ومترابطة موضوعية وذاتية.
إن نظرة تحليلية لمسار وتجربة الثورة الفلسطينية تشير باعتقادنا ورغم كل الإنجازات والتضحيات والمظاهر الإيجابية، إلى وصول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى أزمة عميقة وشاملة تعود لأسباب داخلية وخارجية. لكن جوهرها يكمن في العامل الذاتي ويتمثل أساساً بطبيعة ومنهج - فكر وسلوك - القيادة المتربعة على رأس الهرم الفلسطيني والمنهج السياسي الذي سلكته والذي أوصل إلى محطة أوسلو بكل ما حملته وتحمله من مخاطر على مستقبل النضال الفلسطيني والعربي.
ربما يكون من أبرز الأخطاء التي وقعت فيها الثورة الفلسطينية المعاصرة أنها لم تركز عملها وكفاحها منذ إطلاقها على الداخل الفلسطيني: ليكون الداخل هو الأساس والخارج هو الرديف لكن المعادلة لم تكن كذلك حيث تجسد مركز ثقل المقاومة الفلسطينية في الخارج وكان لذلك أسبابه بطبيعة الحال خاصة بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران ورغبة الجماهير الفلسطينية والعربية في قتال إسرائيل للرد على الهزيمة.
استمرت هذه المعادلة عشرين عاماً، خاضت خلالها المقاومة الفلسطينية معارك للدفاع عن وجودها في الأردن ولبنان إلى أن اندلعت الانتفاضة الفلسطينية بعد أن أدرك الشعب الفلسطيني في الداخل حالة الضعف وما التراجع التي وصلت إليها منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن أدرك الشعب الفلسطيني في الداخل حالة الضعف والتراجع التي وصلت إليها منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج والمصاعب الهائلة التي باتت تواجهها.
اتسمت الانتفاضة بالشمولية والعمق والامتداد ومثلت نقطة تحول في النضال الفلسطيني، حيث كرست انتقال مركز ثقل النضال الوطني إلى داخل فلسطين ودفعت الحكومة الأردنية إلى إعلان فك ارتباط الضفة الفلسطينية بالمملكة الأردنية الهاشمية.
كان يمكن للانتفاضة بما أحدثته من تفاعلات على الصعد الفلسطينية والعربية والدولية والإسرائيلية أن تمثل رافعة نهوض وطنية وقومية في مواجهة إسرائيل وكان يمكن أن تكون حدث ذا طبيعة وأبعاد استراتيجية كبيرة لو تم التعامل معها بصورة سليمة، لكن القيادة المتحكمة بمنظمة التحرير مارست منهجاً ضيق الأفق عمل على أساس الاستثمار السياسي المتسرع للانتفاضة للانخراط في حل سياسي، وكان ذلك قبل حرب الخليج الثانية وكذلك أقر المجلس الوطني الفلسطيني في منتصف تشرين الثاني 1988 وبعد عام على اندلاع الانتفاضة الموافقة على قرار 242 كأساس لمشاركة منظمة التحرير مفاوضات سرية مع إسرائيل كانت حصيلتها توقيع اتفاق أوسلو والذي اعترف بموجبه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن مقابل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير والتفاوض معها.
كرس اتفاق أوسلو 1993 مرحلة جديدة في النضال الفلسطيني والنضال القومي العربي، فقد حققت الصهيونية وإسرائيل نتيجة هذا الاتفاق أكبر عملية اختراق فطار ومضامين الصراع العربي - الصهيوني، حيث تم تحقيق جملة من الأهداف ذات الطبيعة الاستراتيجية أبرزها ضرب البعد القومي للقضية الفلسطينية وكسر الأبواب العربية التي كانت مقفلة رسمياً في وجه إسرائيل وفتح بوابات التطبيع لأن الأنظمة العربية باتت تعمل وفق مقولة لسنا ملكيين اكثر من الملك.
هدد الاتفاق بدوره جدية - ليس البعد القومي لقضية فلسطين فحسب - بل وحدة الأرض والشعب الفلسطيني ذاته لتحويله إلى مجموعات سكانية وذلك بالقفز عن القضايا الأساسية المتعلقة بمصير الشعب الفلسطيني وخاصة موضوع اللاجئين حيث فتح اتفاق أوسلو الباب على مصراعيه أمام مخططات فرض التوطين والتهجير على جماهير الشعب الفلسطيني في الشتات ووضع خمسة ملايين فلسطيني مهجرين من بلادهم في غياهب المجهول معرضين لشتى أنواع الحلول التي تتعارض مع