مقدمة:
هناك مفارقة قد تبدو غريبة وتحمل
في طياتها الكثير من التراجيدايا
حينما نصطدم بمحاولات يائسة للإجابة
على سؤال لماذا حقق المشروع الصهيوني
ما حققه، ولماذا فشل المشروع القومي
العربي على الرغم من كون الأول، أي
المشروع الصهيوني، قام على فكرة مختلقة
ترتكز على مقولة "أرض بلا شعب لشعب
بلا أرض"، في حين أن الثاني، أي المشروع
القومي العربي، توفرت له عوامل ذاتية
وموضوعية، هذا فضلا عن عدالة مشروعه
التاريخي، إلا أن الفشل حكم سيرورة
عمله، ولعله ليس من قبيل المبالغة
أن إحدى عوامل نجاح المشروع الصهيوني
دقة التنظيم الذي حكم عمله، فالعقل
الصهيوني، استطاع بالاستناد إلى فكر
أيديولوجي تختلط فيه المثيولوجيا
مع البراغماتية تأسيس الدولة، إلا
أن محنه الصهيونية انوجدت في سياق
تنفيذ المشروع الصهيوني، أي منذ تهويد
المكان، والاستيلاء عليه، وجلب المهاجرين
ليحلوا بدل أصحاب الأرض الأصليين،
حينها لازمت الصهيونية أزمة بنيوية
وتاريخية، فهي تأسست على فكرة نفي
الآخر(الفلسطينيين)، وإسكات تاريخه
وطمسه، ولما عجزت عن ذلك سعت إلى
التغييب الحضاري، ولما استحال هذا
وذاك تفجرت التناقضات الأيديولوجية،
معبرة عن نفسها بظاهرة الـ"ما بعد
صهيونيين"، بالمقابل يبدو أن ميل
الشارع الإسرائيلي نحو مزيد من اللاعقلانية،
أي مزيد من التطرف الديني والقومي
وضع المشهد الإسرائيلي أمام حالة
لا يمكن وصفها إلا بظاهرة تديين السياسة
الإسرائيلية.
سوف تسعى هذه الدراسة، لقراءة الصهيونية،
قبل تشكلها، وأثناءه، وبعده، إلا
أن هذه القراءة ليست قراءة تاريخية،
على الرغم من عدم خلو التاريخ بين
حيثياتها، إلا أنها بالجوهر قراءة
سوسيولوجية لتطور الفكر الصهيوني،
أي قراءة في حالة علم اجتماع المعرفة
للظاهرة المحددة أي الصهيونية، وهنا
يكتسب سؤال البحث عن مستقبل الصهيونية
مشروعيته، خاصة أن الطرف المشكل الأساس
لمعادلة الصراع مع إسرائيل(الفلسطينيين)
هم بصدد تسوية ما زالت فصولها لم
تكتمل بعد.
- ما قبل الصهيونية:
من المعروف أن اليهود مارسوا عبر
التاريخ، مهناً مختلفة، مثل التجارة.
و احترفوا صناعة الماس والحلي و تجارة
الذهب. هذا التحدد الاقتصادي أعطى
لوجودهم "منحى خاصاً"( ). ومن المعروف،
أيضاً، أن اليهود عاشوا في مجتمعات
شرق أوروبا في أحياء خاصة بهم (الجيتو)،
هذا الانزواء أعطى اليهود هذه المناطق
نوعاً من الحماية ليهودية اليهود
لأنهم خضعوا لحكم اليهودية الحاخامية
.
فكرياً عمّق "الجيتو" حالة الانغلاق،
التي وسمت بها الجماعات اليهودية،
وتعزز شعور الاغتراب عن الآخرين،
خارج أسوار"الجيتو"، ففي داخله كان
التأكيد على أن اليهودي ينتمي إلى
"الأمة المقدسة والشعب المختار، ويتلقى
التأكيدات المختلفة بأن "الجيتو"
هو مكان مؤقت يحفظ الله فيه الأمة
وروحها إلى أن يحين الوقت الذي يشاء
أن يعيد شعبه إلى أرضه وحريته"( ).
لكن ذلك لم يمنع بحال من الأحوال،
أن يكون لحركة التنوير والانعتاق
تأثير على الجماعات اليهودية، الأمر
الذي أحدث حركة تنويرية (الهسكلاه)
ظهرت ضمن الجماعات اليهودية.
في الواقع إن حركة التنوير، كانت
جزءاً من حركة التحديث، التي عصفت
بالمجتمعات الأوروبية الغربية على
وجه الخصوص، إذ بات مطلوباً من الأقليات
الدينية، أن تشارك في العملية الإنتاجية،
كمواطنين لهم كامل الحقوق، وعليهم
كامل الواجبات، لا باعتبارهم ينتمون
إلى طائفة/ جماعة إثنية.
فضلا عن ذلك لا يمكن التقليل من تأثر
حركة التنوير اليهودية بالحركة العقلانية
المستنيرة الأوروبية، وبدأت الهسكلاه
تفصح عن ذاتها في ألمانيا وانتشرت
إلى النمسا وروسيا وبولندا، لكن لم
يكن لها الأثر المأمول إلا في ألمانيا،
حيث برز الفيلسوف اليهودي الألماني
موسى مندلسون (1729 ـ 1786) بصفته
رائداً لحركة التنوير اليهودية، وكان
لأفكاره الأثر الكبير على الفكر اليهودي،
حيث انبثق المذهب الإصلاحي بتياراته
المتعددة.
ويعتبر التيار العقلاني أحد أهم أجنحة
المذهب الإصلاحي، ذلك لأنه سعى للتعبير
عن "رغبة اليهودي في تقبّل حدوده
التاريخية المحسوسة، بوصفه إنساناً
عادياً، لا فرداً ينتمي إلى أمة الكهنة
المختارين" وهذا يعني " محاولة استبعاد
العناصر القومية الموجودة في الدين
اليهودي"( ).
وهنا نلاحظ أن حركة التنوير اليهودية،
هي مرحلة سابقة على ولادة الصهيونية
اليهودية. ففي مرحلة ما قبل الصهيونية
وما بعد انهيار الجيتو، أفصحت حركة
الانعتاق اليهودية عن كينونتها، ودعت
إلى دمج اليهود، أينما كانوا دون
تمييز أو تفضيل، متقيّدة بالمبدأ
القانوني الأساسي: لا حقوق بدون واجبات،
ولا واجبات بدون حقوق. أي أنها اعتبرت
اليهود مواطنين، شأنهم شأن مواطني
بقية الدول الأوروبية، بل وسعت إلى
نزع أي صبغة قومية عن الديانة اليهودية.
- ولادة الأيديولوجيا الصهيونية:
نتيجة لظروف متعددة، انتكست حركة
التنوير اليهودية، وبدأ العقل اليهودي
"الجيتوي" متجسّداً في العقلية الصهيونية،
يبحث عن "خلاص" اليهود، اعتقاداً
منه أن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية،
هو"نفي الاغتراب" اليهودي بالهجرة
إلى "أرض إسرائيل" أو"صهيون". فالصهيونية،
بكونها "عودة إلى التراث اليهودي
وإلى المعتقدات الدينية اليهودية"(
) هي من جانب آخر، وليدة الردة على
حركة التنوير اليهودية.
والحركة الصهيونية اتّسقت في طروحاتها
النظرية مع حركة الردة "التي رأت
أن العقل الإنساني، غير قادر على
خلق واقع إنساني جديد، ولا على التكيّف
مع الواقع التاريخي الجديد، وأن على
اليهود البقاء داخل مقدّساتهم القومية."
( )، ولن يتأتى هذا، إلا عبر تهجير
اليهود إلى فلسطين، فالصهيونية إذن
كظاهرة سياسية، تختلف عن بواكير الفكر
الصهيوني، التي تمثّلت في جمعيات
أحباء صهيون وبيلو.
لا شك أن الحل الصهيوني"للمسألة اليهودية"،
كان حاضراً بقوّة في التحولات العالمية،
التي طرأت على أوروبا، والمفارقة
أن هذا الحل وجد طروحاته النظرية،
ومن ثم السياسية، في الفكر الاسترجاعي
(الصهيونية غير اليهودية)، قبل تبلّوره
في الفكر اليهودي الصهيوني، لكن الصهاينة
اليهود أحسنوا الاستفادة منه، وأسبغوا
عليه"لوناً يهودياً حتى بدا وكأنه
جزء من تراث اليهود، وما يسمّونه
بالتاريخ اليهودي"( ).
من هنا نجد أن المفكرين الصهاينة،
نحتوا مصطلح "التاريخ اليهودي"، حتى
بدا وكأنه منفلت من عقال الزمان والمكان،
أو أنه تاريخ سرمدي لا مكان لسير
أحداثه، ولا زمان لسيرورة تشكّله،
بل أنه بالأدق، تقليعة أيديولوجية
ـ فكرية، تؤشر إلى أن الجماعات اليهودية،
كانت عبر التاريخ، لا تنتمي إلى الحضارات،
التي عاشوا بين ظهرانيها، وأن الجماعات
والأقوام الأخرى لها تاريخ هو غير
تاريخها، حتى وإن تشابكت أحداث "التاريخين"،
وتلاحمت في بعض المواضع الفاصلة في
التاريخ.
لقد سوّغت الصهيونية المبررات النظرية
الأيديولوجية، لوجودها الداعي لحل"المسألة
اليهودية"، معارضة بشكل مطلق اتجاه
الانعتاق الذي طرحته"الهسكلاه"، أي
الاندماج بين شعوب الدول، أو الاتجاه
"الغيتوي" (الانعزالي) الذي ساد مرحلة
ما قبل ظهور حركة التنوير، طارحة
حل استقته من الحلين السابقين، وهو"المزج
بين الحلم الديني الفردي بالعودة
إلى صهيون، الذي ساد بين جماعات الانعزال
الغيتوي، و الدعوة للخروج من الانعزال
الغيتوي، التي أطلقتها حركة التنوير،
بدون الاندماج." ( ).
ومنذ أن أدرك الصهاينة استحالة تحقيق
الفكرة الصهيونية، دون الارتكاز استراتيجياً
على المشروع الإمبريالي الغربي، الصاعد
والطامح لتحقيق مصالحه الاقتصادية
العالمية، كان طبيعياً أن يفكر قادتهم
"بلغة الإمبريالية، وأن يستخدموا
مصطلحها"( ) وأن يكونوا عملاء برسم
الإيجار، للقوة الاستعمارية الأوروبية،
القادرة على المساعدة في تحقيق المشروع
الصهيوني، فها هو حاييم فايتسمان
يصرّ على النظر إلى مشروع الاستيطان
الصهيوني"في ضوء المصالح الإمبريالية،
وليس في ضوء الرؤى الإنجيلية أو التاريخ
اليهودي." ( ) ويؤكد أن الصهيونية"هي
فكرة استعمارية"، لها مواصفاتها المحدّدة
والمتميّزة، وهي"حركة سياسية تطالب
بإعادة توطين اليهود في فلسطين (أرض
الميعاد) كوسيلة لحل المسألة اليهودية"(
).
يغدو صحيحاً التأكيد ـ كما يرى الدكتور
عبد الوهاب المسيري ـ على صعوبة إطلاق
تعريف واضح لكلمة الصهيونية، دون
ربطها زماناً ومكاناً، ودون اعتبارها
ظاهرة سياسية، وعليه فإن لمصطلح الصهيونية
تاريخ سكّ به، وأضحى قيد التداول
في القرن التاسع عشر، باعتباره ظاهرة
سياسية تعبّر عن حركة سياسية.
فمع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول
في بال (سويسرا) عام 1897، تحولّت
الصهيونية إلى حركة سياسية منظمة،
تؤشّر لولادة حالة سياسية، لها أبعادها
الدولية والإقليمية، وقد تزامنت مع
انهيار السلطنة العثمانية، وتصاعد
حدة التنافس بين الدول الاستعمارية،
على أراضي السلطنة، لتحويلها إلى
مناطق نفوذ لها، ما أدى إلى نشوب
الحرب العالمية الأولى، وليس من قبيل
الصدفة، أن يواكب الظواهر الثلاثة
السابقة (انهيار السلطنة، تصاعد حدة
التنافس، تحوّل الحركة الصهيونية
إلى حركة سياسية) بروز الحركة القومية
العربية، كتعبير عن خصوصية الأمة
العربية، بين الشعوب الإسلامية( ).
ومع ذلك فإن المصطلح بمعناه السياسي،
لم يتم التعاطي الغربي معه إلا بعد
وعد بلفور، إذ دشن هذا الوعد إسقاط
عبارة "العرق اليهودي" حينما أشار
إلى العرب، باعتبارهم الجماعات غير
اليهودية، أي أن "اليهود أصبحوا شعباً
بلا أرض وفلسطين أصبحت أرضاً بلا
شعب"( ).
- مرتكزات الفكر الصهيوني:
1ـ "نفي المنفى":
استندت المنظومة الأيديولوجية الصهيونية،
على مفهوم مركزي هو "نفي الغربة"
أو" نفي المنفى"، وهو يشكّل "خلاصة
الأيديولوجيا الصهيونية". حيث يحمل
في ثناياه رؤية شاملة تضع "تعريفاً
للهوية الذاتية، وتبلّور مفهوم التاريخ
والذاكرة الجماعية ليهود إسرائيل"(
). فالوعي الصهيوني، اعتمد الأسطورة
اليهودية، واستمد منها رموزه ومعانيه
الكثيرة، فهي(الأيديولوجيا الصهيونية)
حاولت تفسير الأسطورة الدينية اليهودية
على أنها أسطورة قومية، فأخذت عنها
اللغة العبرية وحولتها إلى لغة"علمانية"،
وتطاولت أذرع الصهيونية التلفيقية،
لتصل إلى الأعياد اليهودية، فاستقت
منها معانٍ "قومية"، واخترعت لليهود
الصهاينة في الكيان الصهيوني، تقاليد
جديدة.
لكن هذه التوليفة حملت في طيّاتها
الكثير من التناقضات، لعل أهمها أن
"العلمانيين" في إسرائيل، نظروا إلى
هذه الرموز، باعتبارها رموزاً قومية
تاريخية. في حين أن "المتدينين" استلهموا
منها مفهوم "النهضة الماسيحانية[الخلاصية]"
( ).
وعليه فإن المفهوم الذي ارتكزت عليه
الصهيونية، هو "مفهوم مثيولوجي خالص."(
) وعلى الرغم من محاولة صياغة الصهيونية
بوساطة مصطلحات القومية الأوروبية،
فإن هذه الصياغة برهنت على "وجود
الطابع الكولونيالي للصهيونية"، وأكّدت،
في الوقت عينه، "على تمايز الصهيونية
بالقياس مع حركات كولونيالية أخرى"(
).
من هنا يمكننا التأكيد أن مصطلحي
"نفي المنفى"، و"الخلاص" مفهومان
خاصان باليهود منهم وإليهم. فالوعي
الصهيوني رفض أية إمكانية لتعميم
المصطلحين عالمياً، وهما مصطلحان
محدّدان لجماعة من البشر، هم اليهود.
وعلى الأرض نرى كيف تحوّل مصطلح "الخلاص"
إلى المصدر الشرعي لممارسة القمع،
و لطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين
نحو المنافي.
لكن واقع الحال يشير إلى أن مصطلح"نفي
المنفى"، كان على علاقة جدلية وعكسية
بين الطرفين المتصارعين، فهو "نفي"
لواقع "الشتات" اليهودي، والعمل على
"خلاص" (إنهاء) واقع "المنفى" عبر
تجميع اليهود في فلسطين، وهو ("نفي
المنفى") كان نفياً وتغيباً وطرداً
وإلغاءً لأصحاب الأرض الأصليين (الفلسطينيين).
ومن هنا يمكن الدخول إلى الركيزة
الثانية من مرتكزات الفكر الصهيوني،
والمتعلقة بتغييب أصحاب الأرض الأصليين.
2ـ تغييب أصحاب الأرض:
غيبت الأيديولوجيا الصهيونية، في
سردها لتكوُّن وتشكُّل كيانها السياسي
(إسرائيل)، أصحاب البلد الأصليين،
ولم تأتِ على ذكرهم بتاتاً، اللهم
إلا باعتبارهم "لصوصاً" و"قطاع طرق"
أو في أحسن الأحوال "رعاعاً" يهيمون
على وجوههم.
وهنا يتموضع شعار "أرض بلا شعب لشعب
بلا أرض" في صلب الأيديولوجيا الصهيونية،
باعتباره تسويغاً أيديولوجياً "أخلاقياً"
لأفعالها. فالأرض خالية خاوية، و"الشعب"
فاقد أرضه، و"منفي" عنها منذ آلاف
السنيين، فما الذي يمنع أن يعود "الشعب"
إلى أرضه من منفاه، وما الضير أن
تعود الأرض بعد "نفيها" إلى أصحابها"الشرعيين"
اليهود. لذلك فإن على إسرائيل، مثلها
مثل أي حركة استيطانية إحلالية، تحاول
غزو منطقة مأهولة أن "تبني عقائدية
لتبرير أفعالها ولهذا بنت إسرائيل
سلسلتها الخاصة، من الخرافات لكي
تشرّعن ما كانت تفعله"( ).
يقول المؤرخ الفلسطيني الياس صنبر
، في مقال رائع نشره في الكرمل الفلسطينية
أنه"كان ثمة دائماً، في حلم الغزو،
لا مجال ترابي يتعين ملؤه بالسكان،
وإنما سكان أصليون يُحلم بالسيطرة
عليهم." ( ) لكن المفارقة الهامّة،
أن حلم المستوطن الصهيوني لم يكن
كذلك، فهو حَلُمَ بأرض خالية من السكان،
ولما كانت فلسطين حبلى بأهلها، وعامرة
بتاريخها و حضارتها، فإن الحلم بتهجير
أصحاب البلد الأصليين، كان محط اهتمام
من قبل قادة الحركة الصهيونية، لهذا
دُفع بهم إلى خارج الفضاء الجغرافي
لوجودهم، وأزيل مجتمعهم عن طريق التهجير،
أو التعبير الملطف السائد آنذاك،
النقل.
إذ لم يعد مسموحاً في بدايات القرن
العشرين أن تكون الإبادة البشرية
خياراً أمام الغزو الاستيطاني، لذا
فقد كان الطرد وسيلة اكتسبت "مشروعيتها"
بين الأمم، واستقت خبرتها من تجربة
التبادل السكاني التركي ـ اليوناني.
لهذا سوّغت الحركة الصهيونية أفعالها،
بتطبيق خيار الطرد خلال حرب فلسطين
(1947 ـ 1948) مستندة إلى تسويغٍ
سياسي، استند إلى أطروحة نقل السكان
العرب، مقابل جلب يهود البلدان العربية.
بمعنى آخر، إن النموذج الاستيطاني
الإسرائيلي، من حيث كونه نموذجاً
استيطانياً إٍجلائياً إحلالياً، تطلّب
أن يدفع سكان البلاد الأصليين، إلى
خارج الفضاء الجغرافي الفلسطيني،
لأن ثمة مهاجرون يهود، يفترض أن يحلّوا
مكانهم، فكان نموذج الطرد، وبدرجة
أقل الإبادة والقتل، هو الحالة المميّزة
للاستيطان الصهيوني في فلسطين إبان
حرب 1948. وسُمح لمن تبقّى من المواطنين
الفلسطينيين، أن يصبحوا"مواطنين"
إسرائيليين، حين أصبح الوضع الديمغرافي
راجحاً لصالح الإسرائيليين.
لكن الأمور تغيّرت بعد حرب 1967،
ولم يعد مفهوم الطرد أو التعبير الملّطف
له نقل السكان، مسموحاً به عالميا.
ولذلك وجدت إسرائيل نفسها أمام حالة
جديدة، تذكّر بالنموذج الاستيطاني،
في جنوب إفريقيا (عنصر استغلال السكان
الأصليين)، فقد كان الإسرائيليون
يجلبون العمال العرب من الضفة الغربية
وقطاع عزة للعمل أجراء لديهم في الصباح،
ويعمدون إلى إخراجهم مساءً.
وهذا لا يعني أن إسرائيل، كفت عن
كونها مشروعاً استيطانياً إحلالياً
عنصرياً، بعد حرب 1967، وأنها عدلت
عن طرد الفلسطينيين، وقضم أراضيهم،
وجلب مستوطنين يهود لزرعهم بدلاً
عنهم، بل على العكس، استطاعت إسرائيل
أن تنقل تجربة المستوطنات المقامة
على الأراضي المحتلة في عام 1948،
إلى الأراضي التي احتلت عام1967،
وأفلحت في استغلال اليد العاملة،
وفي جعل الضفة والقطاع سوقاً هاماً
لتصريف بضائعها ومنتجاتها.
ولم تقتصر الأمور على هذا الحد، فقد
اتخذ النموذج الاستيطاني الإسرائيلي،
شكلاً آخر من أشكال الغزو الاستيطاني،
وهو التطويق، فزرعت الضفة الغربية
وقطاع غزة بعشرات المستوطنات، وطوّقت
التجمعات الفلسطينية بالشوارع الالتفافية،
وُمزّق جسد الأراضي المحتلة إلى "كانتونات"
منعزلة عن بعضها، كأنها جلد الفهد
المرقط.
وبذلك يمكن القول إن الاستعمار الاستيطاني
في فلسطين، قد استخدم أنماط الغزو
الاستيطاني كافة، من الإبادة المحدودة
(المجازر) والطرد إلى الاستعباد والتطويق،
واتكأ على مفهوم "نفي المنفى" كمبرّر
أيديولوجي، معبّر عن ماهية الفكر
الصهيوني، التي نشأ عليها تعريف الصهيونية،
بهدف تغييب أصحاب البلد الأصليين
(الفلسطينيين).
- مدارس الفكر الصهيوني:
نلمس خلال مرحلة ما قبل إنشاء "الدولة"،
وجود تيارات وتباينات سياسية، لها
أبعادها الفكرية والأيديولوجية، ضمن
الحركة الصهيونية، حيث نشأت ثلاث
مدارس صهيونية( )، أولى هذه المدارس:
الصهيونية السياسية بأجنحتها التنقيحية
والعامة والراديكالية، وتعتبر هذه
المدرسة أن لا سبيل لحل "المسألة
اليهودية" إلا بأن يصبح اليهود شعباً،
يتم تجميعهم في وطن يهودي، تحت إشراف
دولي.
في حين نجد أن المدرسة الصهيونية
الأساسية الثانية: الصهيونية العمالية،
تنطلق من الإقرار بأن "المسألة اليهودية"
ليست مشكلة الديانة اليهودية، بقدر
ما هي مشكلة فائض سكاني يهودي، غير
قادر على الاندماج والذوبان، في المجتمعات
التي يعيش اليهود بين ظهرانيها، وأن
لا حل لمشكلة اليهود، إلا عن طريق
استيطان فلسطين بطريقة جماعية، وإقامة
دولة صهيونية عمالية.
أما المدرسة الثالثة، فقد ضمّت اتجاهين:
الصهيونية الدينية، والصهيونية الثقافية
أو الروحية. ويؤمن دعاة الصهيونية
الدينية، أن هدف الحركة الصهيونية،
من نشر الثقافة القومية العلمانية،
هو تصفية اليهودية. لكن تيار الصهيونية
الدينية، لم يكن له موقف واحد من
الحركة الصهيونية، ففي حين نجد أن
قسماً رفض الصهيونية، ثم ما لبث أن
ذاب في بوتقتها (أغودات إسرائيل)،
نجد قسماً آخر، رأى أن الصهيونية
السياسية، ستساهم في إحكام قبضة القيم
الدينية، على الوجدان اليهودي.
في حين اعتبرت الصهيونية الثقافية
أو الروحية، أن مشكلة اليهود ليست
هي معاداة السامية، أو عجزهم عن الاندماج
في المجتمعات التي يعيشون بينها،
وإنما هي فقدانهم الإحساس بالوحدة،
وعدم تمسكهم بقيمهم وتقاليدهم، فحل
"المسألة اليهودية" وفق منظور الصهيونية
الثقافية، يمكن من خلال إقامة مركز
روحي لليهود.
إذا وضعنا جانباً حالة التباين بين
أجنحة الحركة الصهيونية، نجد أنه
قد نتج عن ظهور الصهيونية السياسية
معارضة شديدة لها، سواء في أوساط
المتدينين اليهود، أو من يطلق عليهم
دعاة الحل الاشتراكي، فقد تصدّت جماعات
يهودية، بتعدّد مشاربها واتجاهاتها
الفكرية، للحل الصهيوني للمسألة اليهودية،
وتحدّد الرفض السياسي الفكري للصهيونية
السياسية على أكثر من تيار يمكن أن
نتلمس أهمها وهي: ( )
التيار الاندماجي: ينطلق (كما انطلقت
حركة التنوير اليهودية) من اعتبار
اليهود أقلية دينية، ينبغي عليها
أن تندمج كغيرها من الأقليات، في
النسيج المجتمعي، للدول التي يعيش
اليهود فيها، وقد تجسّد التعبير الديني
للتيار الاندماجي، في اليهودية الإصلاحية.
التيار الاشتراكي: ينطلق كسابقه (التيار
الاندماجي) من أرضية اعتبار اليهود
أقلية دينية، وأن ما يسري على كل
الأقليات يسري عليهم، لكنه يختلف
في آلية حل "المسألة اليهودية"، حيث
يعتبر أن حلّها سيكون عن طريق حل
المشاكل الاجتماعية والطبقية للمجتمع
كله. وأن جوهر الصهيونية، يكمن في
أنها ثورة مضادة، تحالفت مع القوى
الاستعمارية، من أجل السيطرة على
العالم العربي.
التيار الأرثوذكسي: عبّر هذا التيار
عن بغضه الشديد للصهيونية، لأنها
سعت لإحلال المفهوم"القومي" لليهود،
باعتباره عاملاً مركزياً في توحيدهم،
محل مفهوم الجماعة الدينية، التي
تلتزم تنفيذ الفرائض الدينية، وقد
عبّر الحاخام حاييم هليفي عن موقفه
بقوله: "بالنسبة إلى طائفة الصهيونيين
فقد تنظّمت الآن بقوة، وأعلنت أن
هدفها اقتلاع أسس ديانتنا… على شعب
إسرائيل ألا ينضم إلى مغامرة تهدّد
بتدمير الدين.." ويقول الحاخام غور:
"على اليهودي ألا ينضم إلى الأشرار
ـ أولئك هم الصهاينة."( ).
ويمكن القول أن التيار الأخير، تفرع
منه تيار أشدّ معاداة للصهيونية،
استند على حجة ثيولوجية، مفادها أن
"الصهيونية هي حركة مسيانية(خلاصية)
كاذبة تحاول تعجيل النهاية بوسائل
دنيوية، فخلاص اليهود بقدوم المسيا
وجمع الشتات… إلخ هو عملية سماوية
لا أرضية، ولا تتمّ ضمن حركة التاريخ
الفعلية، وإنما تأتي كنفي لحركة التاريخ
الواقعية." ( ) ويتبناها حالياً في
إسرائيل فقط "ناطوري كارتا" (حماة
الأسوار) و"أتباع ساطمر".
- "الصهيونية الجديدة":
من المفارقة في أن موقف التيار الأرثوذكسي
من الصهيونية، قد طرأ عليه تغييرات
ذات دلالة عميقة، باستثناء الموقف
المواظب لجماعة "ناطوري كارتا"، إذ
يمكن ملاحظة أن التيار الأرثوذكسي
ممثّلاً في حزب أغودات إسرائيل، قد
مَّر بسيرورة معقدة في آلية تعاطيه
مع الصهيونية وموقفه منها، "فمن الرفض
المطلق للصهيونية والدولة، إلى القبول
بالأمر الواقع أو "الاعتراف الواقعي"
بالدولة من دون منحها اعترافاً حقوقياً،
أي رفض الأساس الأيديولوجي للدولة
مع مؤسساتها في آن واحد"( ) إلى فرض
منطق جديد، تجلّى في محاولات تديين
السياسة في الدولة بعد حرب حزيران،
إذ فسّرت الحرب على أنها بداية الخلاص
الرباني (غوش إيمونيم) أو مقدمة له
(أوساط من أغودات إسرائيل).
غير أن النجاح الذي أصاب الصهيونية
غداة حرب حزيران 1967 لم يطّور من
المفاهيم "العلمانية" للصهيونية،
بل بات ميل الشارع الإسرائيلي إلى
التطرّف واضحاً، واتضح أن تلك الحرب
أحدثت آلية معينة للقوى الأصولية
اليهودية، في أن تطوّر من قواها ومفاهيمها
وأساطيرها، فنفحت الأساطير اليهودية،بنفحة
جديدة، وأحيت ما كان ساكناً وراكداً،
في الحياة الأيديولوجية الصهيونية،
الأمر الذي أدى إلى "تغيير وجهة السياسة
الإسرائيلية، من البراغماتية في اتجاه
الخلاص"( ).
لقد أحدثت حرب 1967 تغييرات كبيرة
في موقف التيار الديني عموماً، والأرثوذكسي
خصوصاً من مسألة الاعتراف بـ"دولة
إسرائيل"، وحدث تطابق بين "أرض إسرائيل"
كمفهوم ثيولوجي ـ ميتافيزيقي، وبين
"دولة إسرائيل" كمفهوم سياسي "علماني".(
) لكنه تطابق وظّف للتأكيد على البعد
الثيولوجي ـ الديني للدولة، وقد تجسّد
التعبير السياسي ـ التنظيمي له بتأسيس
حركة "غوش إيمونيم" رسمياً في 1974،
لكن تأسيس الحركة فعلياً جاء بعيد
حرب حزيران.
لقد طوّرت "غوش إيمونيم" من طروحاتها
الداعية إلى تطابق "أرض إسرائيل"
مع "دولة إسرائيل"، فكان هدفها الأساس
هو"بسط الحكم اليهودي على أرض إسرائيل
الكاملة"، وإحلال نظرتها الجذرية
الرؤيوية(الخلاصية) إلى مصير اليهود،
محل الصهيونية البراغماتية التي جعلها
مؤسسو إسرائيل "الرأي البديهي المشترك"،
في المجتمع الذي أوجدوه، فضلاً عن
تعجيل عملية الخلاص التاريخية العالمي،
التي يقوم "الشعب اليهودي" ودولة
إسرائيل فيها بدور مركزي( ).
وكان لفكر الحاخام ابراهام يتسحاق
كوك (1865 ـ 1935) الأثر الأكبر في
تبلّور الإطار الفكري والسياسي للغوش،
فضلاً عن الدور البارز، الذي أسهم
به ابنه تسفي يهودا كوك(1891 ـ 1982)
في صقل أيديولوجية الغوش.
فالصهيونية، بحسب كوك الابن، لها
دور مهم في عملية الخلاص، وهي "استجابة
لنداء الرب، بل هي الإرادة الإلهية
نفسها وقد تجسّدت على شكل حركة علمانية."
( ). واليهود ـ كما يعتقد كوك ـ "لهم
دور مهم يؤدونه في عملية الخلاص،
ولا حاجة بهم إلى أن يعتقدوا، أن
لما يفعلونه معنى إلهياً أو قيمة
خلاصية. والحركة الصهيونية بمجرد
الاستيطان في أرض إسرائيل، وحرث ترابها،
وتنمية إمكاناتها لاستيعاب أعداد
متزايدة من اليهود، تنفذ الخطة الإلهية.
وليست هذه الخطة لخلاص الشعب اليهودي
وحده، من خلال استعادته أرضه ومجيء
المسيح، بل لخلاص بقية الأمم أيضاً."(
).
لقد أعلى كوك الابن أهمية العمل في
"ايرتس يسرائيل" ورفعها إلى مرتبة
القداسة، ولعل منظوره للدور الوظيفي
الخلاصي للصهيونية، دفعه للتعاطي
مع اليهود العلمانيين، فهم مجرد أدوات
في يد الله لصنع الخلاص لشعبه.
لقد حدّد كوك ثلاث مراحل سياسية كبرى
لعملية الخلاص:"المرحلة الأولى المعبّر
عنها بعودة يهود الشتات[المنظمة تنظيماً
علمانياً في معظمها] إلى أرض إسرائيل،
وقد بدأت من "توبة الخوف"، الخوف
من الأذى الجسدي في الشتات. وأضحت
هذه المرحلة في طريقها إلى الاكتمال.
والمرحلة الثانية باتت ممكنة بفضل
التقاء الشعب اليهودي قلب يهودا والسامرة
التوراتية.
وهذه المرحلة محكومة بجدلية "إعادة
البناء القومي" القائمة بين شعب إسرائيل
وأرض إسرائيل. وهذه الجدلية تستلزم
ـ كما يقول كوك ـ"الاستيطان الكامل
في الأرض، وإحياء إسرائيل فيها…[و]
التحقّق الفعلي لكوننا قد ورثنا الأرض،
وكونها في حيازتنا لا في حيازة أية
أمة ولا في حال بوار".
أما المرحلة الثالثة والأخيرة في
عملية الخلاص، فسوف تستلزم "توبة
الحب" وفيها يدبّ النشاط في صحة اليهود
الروحية، بفضل احتكاكهم بكامل أرض
إسرائيل، فينوبون إلى الله ويلزمون
أوامره ونواهيه. وفي هذه المرحلة
يقترب الخلاص النهائي، بسرعة تتلاءم
طرداً، مع تزايد التزام الشعب اليهودي
بالفرائض الدينية"( ).
هنا نلمس بشكل واضح تجاوزاً إلغائياً
خلاصياً للفكر الصهيوني، فأيديولوجية"الغوش"
هي أيديولوجية "صهيونية جديدة" أو
ما بعد صهيونية، لم تنطلق من الأسس
الفكرية والأيديولوجية للصهيونية،
بل انطلقت من الإقرار بالتجسيد السياسي
للصهيونية السياسية، أي بحقيقة وجود
الدولة وتطابقها مع مفهوم "أرض إسرائيل".
فالمكان المحدد في وعيها هو "أرض
إسرائيل". وسعت_ متجاوزة الفكر الصهيوني
السياسي _ لبناء عمارة فكرية أيديولوجية
دينية أصولية، أو سلفية متطرفة تُحلّ
نظرتها الرؤيوية الخلاصية، محلّ الصهيونية.
فهذا الاتجاه شدَّد على "أرض إسرائيل
مقابل دولة إسرائيل، على اليهودية
مقابل الإسرائيلية، على الانتماء
الإثني مقابل الانتماء المدني."
إجمالاً، لا يمكن التقليل من التوجهات
الخلاصية التي طرحتها أيديولوجية
الغوش ، على الرغم من كون هذه الحركة
سياسياً قد اضمحلت لكن فكرها الأيديولوجي
قد نشط وازداد اتساعاً، فما يحدث
راهنا في إسرائيل من رفض ومعارضة
شبه مطلقة للانسحاب من القطاع وتفكيك
المستوطنات يصب في خانة تقديس الفكر
الخلاصي، وفي حالة التمازج بين الفكر
الصهيوني الجديد مع الصهيونية الكلاسيكية.
- ما بعد الصهيونية:
ربما يصح القول أن ما من ظاهرة داخل
إسرائيل أحدثت اهتماماً وجدلاً كما
فعلت"ما بعد الصهيونية"، ولعل المثير
في الموضوع أن حدود الاهتمام والنقاش
خرجت من إطارها الإسرائيلي الصهيوني،
و"تعولمت" وأصبحت قضية ثقافيةـ سياسية
تهم مجموعة كبيرة من المثقفين والسياسيين
والإعلاميين داخل إسرائيل وخارجها،
لكن هذه الظاهرة("ما بعد الصهيونية")
حملت في طياتها إشكالية تعريفها،
وتكمن هذه الإشكالية في كون المصطلح
يشير ظاهرياً إلى انحسار الأيديولوجيا
الصهيونية، أو إلى إنزياح لفكر أيديولوجي
آخر لم يتبلور بعد محتواه وأسسه النظرية،
ويمكن الإشارة إلى أن كلمة"بعد" تستمد
عمارتها الفكرية والبنائية من الخطاب
الفلسفي الغربي"الحداثة وما بعدها"،
بيد أني لا أجد هذه المقاربة صحيحة
على الإطلاق، ذلك لأن الخطاب الفلسفي
الغربي ونتاجه ما بعد الحداثة هو
خطاب يتناقض مع الحداثة وما قبلها،
في حين أن الخطاب الفلسفي لـ"ما بعد
الصهيونية"لم تتضح ماهيته، ولم يتبلور
بعد أنساقه المعرفية والابستمولوجية
والثقافية بشكل واضح، بحيث يغدو صحيحاً
القول أن"ما بعد الصهيونية" هي دعوة
لتجاوز الصهيونية انطلاقاً من مواقع
فكرية أيديولوجية نقيضة للفكر الأيديولوجي
الصهيوني. كذلك الحال لدى مناقشة
مصطلح"المؤرخين الجدد"، إذ هو الآخر
مصطلح إشكالي، فهو استعار مصطلحه
من "التاريخ الجديد" في أوروبا، لكن
الأخير كان حصيلة جهد مشترك بين عدة
فروع معرفية لوضع تاريخ الدبلوماسية
والنخبة ليس ضمن إطار نخبوي، بل ضمن
إطار إجتماعي، في حين أن"المؤرخين
الجدد" الإسرائيليين عالجوا السياسية
والتاريخ بتحليل نخبوي، وتمسكوا بالمنهج
الوضعي الذي صاغت على أساسه المدرسة
الكلاسيكية(المؤرخون القدامى) سردية
نشوء إسرائيل.
نقطة أخرى لا بد من الإشارة إليها،
وهي أن عمل"المؤرخين الجدد" انصب
على تفكيك السردية الرسمية لنشأة
إسرائيل، ومحاولة كتابة سردية منقحة،
بالمقابل نجد أن هذا الجهد التاريخي
التنقيحي حفًز علماء الاجتماع الانتقاديين
لتحليل الثقافة الصهيونية والاستيطان،
وعلى تقديم مقاربات جديدة في هذا
الإطار.
وغني عن البيان، التأكيد أن ثمة اصطفافات
ثلاث توزعت ضمنها وعلى ضفافها"ما
بعد الصهيونية":
الأول: يرى أن الصهيونية نجحت في
إقامة مشروعها إلى حد أنه لم يعد
لها لزوم.
الثاني: يدعو إلى ضرورة اعتراف الصهيونية
بالخطأ الذي اقترفته بحق الفلسطينيين،
دون إنكار شرعية الصهيونية.
أما التيار الثالث، فيعتبر أن الصهيونية
هي حركة كولونيالية ولدت بخطيئة استعمارية.
واقع الحال يشير إلى أن النقاش الذي
أحدثته اكتشافات"المؤرخين الجدد"قد
فتح المجال لرهط من السوسيولوجيين
الانتقاديين الإسرائيليين لتقديم
مقاربات تحمل في باطنها اختلافات
وتناقضات مع الفكر السوسيولوجي الكلاسيكي
السائد في إسرائيل. ففيما يخص الصراع
الفلسطيني ـ الإسرائيلي سعى "المؤرخون
الجدد" لتثبيت قضية أساسية اختلفوا
بها عن نظرائهم المؤرخين الكلاسيكيين،
وهي قضية طرد الفلسطينيين، ففي حين
تعزو السردية الرسمية، مسألة طرد
الفلسطينيين من ديارهم إلى تعليمات
تلقوها من قادتهم العرب، جاء نتاج
"المؤرخين الجدد" ليحمل إسرائيل مسؤولية
نشوء مشكلة اللاجئين، لكن علينا التأكيد،
وبعد القراءة المقارنة بين نتاج"المؤرخين
الجدد" والرواية الإسرائيلية لحرب
فلسطين1947ـ1948،أن "المؤرخين الجدد"،
وعلى رأسهم بني موريس، لم يسعوا عبر
كتاباتهم لصياغة سردية جديدة، ذلك
لأن إسرائيل لا يمكنها أن تمتلك أكثر
من سردية لنشأتها، بيد أن أبحاثهم
خدشت السردية الرسمية الإسرائيلية،
لكن عبر قراءة هذا التغيير ضمن سياقه
الإسرائيلي ـ الصهيوني، يمكن القول
أن ثمة تغيير قد طرأ، حتى وإن كان
طفيفاً، لكنه حدث، وأهميته تكمن أنه
جاء عبر نتاج جهد لرهط من المؤرخين،
وليس من سياسيين.
هذه القضية المركزية حفزت علماء الاجتماع
الإسرائيليين الانتقاديين على تقديم
وجهات نظر متناقضة مع المنظور السوسيولوجي
الكلاسيكي الإسرائيلي، واستندت بالأساس
على السياسة التمييزية التي مورست
بحق اليهود الشرقيين، فضلاً عن تشخيص
طبيعة وجوهر المشروع الصهيوني بأنه
مشروع كولونيالي استعماري.
الملاحظ أن الخطاب الفلسفي لـ"ما
بعد الصهيونية"يميل نحو تفكيك الأساطير
الصهيونية، بحيث لا تأخذ السرديات
المتشكّلة مرجعاً لها، بل تخضع كل
السردية الرسمية لمنهج تفكيكي، بهدف
صياغة"سردية"جديدة، فهو يسعى للكشف
عن المسكوت عنه في الرواية الرسمية،
سواء ما خصّ منها السكان الأصليين،
ودور مدرسة التأريخ الرسمية في تغييبهم،
إلى حدّ الإلغاء والنفي، مروراً بهيمنة
المجموعة الإشكنازية على الحياة السياسية
والاقتصادية والثقافية، وصولاً إلى
دورها في استئصال التاريخ العربي
من ذاكرة اليهود الشرقيين.
بيد أن هذا المنهج يعجز عن إعادة
التركيب، وفق الصيغة المنطقية لعملية
الفكفكة، ذلك لأنه سيجد ذاته أمام
خيارين لا ثالث لهما، فإما الاعتراف
بخطيئة إسرائيل، ما يعني تقويض لأسطورة
بناء الدولة، والدخول في فضاء التناقضات
البنيوية والسياسية للأيديولوجيا
الصهيونية، وإما إخراج الأيديولوجيا
الصهيونية من مأزقها التاريخي عبر
تنازل الفلسطينيين عن سرديتهم وروايتهم.
وهنا تغدو دعوات بعض"المؤرخين الجدد"
لكتابة تاريخ "مؤتلف" للصراع العربي
ـ الإسرائيلي أمراً مسوّغاً من وجهة
نظرهم، الأمر الذي يضع علامات استفهام
كبيرة حول الغاية من"ما بعد الصهيونية".
فهل تجسّد عبارة بنيامين بيت هالحمي
مأزقاً إسرائيلياً حقيقياً حين يقول:
إن" الإسرائيليين يعيشون أسرى لعنة
معينة. لعنة الخطيئة الأولى، ضدّ
السكان الأصليين العرب. كيف يمكن
نقاش إسرائيل دون ذكريات تشريد وطرد
غير اليهود؟ هذه الحقائق الأساسية
بالنسبة لإسرائيل، ولا يمكن فهم الواقع
الإسرائيلي دونها. الخطيئة الأولى
تأسر وتعذب الإسرائيليين، وتسمم كل
شيء وتلطخ كل إنسان، تسمم ذكراها
الدم وتهيمن على كل لحظة من الوجود."(6)
ولاشك أنها صرخة تعبر عن بؤس الفكر
الصهيوني.
إن مفكري"ما بعد الصهيونية" لم يبتكروا
منهجاً إبستمولوجياً جديداً، في المعالجة
التاريخية والاجتماعية والثقافية،
بقدر ما سعوا للكشف عن المستور، في
الراوية الرسمية لنشأة إسرائيل، إضافة
إلى تناولهم للسياسة الاجتماعية لحزب
"العمل"، والثقافة الصهيونية العبرية.
فسوسيولوجيا نقاش "المؤرخين الجدد"
أسهمت في تنشيط السوسيولوجيين الإسرائيليين
الانتقاديين، ما أدى إلى بروز ظاهرة"ما
بعد الصهيونية" باعتبارها تعبيراً
ثقافياً، عن مفاعيل تعتمل في القاع
الثقافي والأيديولوجي الإسرائيلي.
على العموم يمكننا القول أن"ما بعد
الصهيونية" هي عبارة عن توليفة ثقافية
أيديولوجية، لعدد من المقاربات الإسرائيلية
الجديدة، بشأن التاريخ والهوية، أطلقها
أوري رام، أستاذ علم الاجتماع. وباتت
قيد التداول منذ عام1993، وهي ظاهرة
غير متجانسة، تجمع تحت جناحيها خليط
من "أفكار عامة معادية للصهيونية
وإدراك ما بعد حداثي للواقع"، وهي
ذات أبعاد سياسية اجتماعية نتجت بفعل
الحراك الداخلي الإسرائيلي على غير
صعيد، اقتصادي، سياسي، ثقافي وأيديولوجي.
أطلق شرارتها رهط من "المؤرخين الجدد"
في الثمانينات، وكان أول من استخدم
المصطلح بني موريس، أستاذ التاريخ،
نتيجة إزاحة السرية عن الوثائق الخاصة
بحرب فلسطين 1947ـ 1948، فظهرت أبحاث
مخالفة لمدرسة التأريخ الكلاسيكي،
وطرحت مقاربات تتناقض مع الصورة التي
رسمها الجمهور الإسرائيلي لنفسه ولذاكرته
الجماعية، للماضي والحاضر في فلسطين،
وكانت هذه الأعمال تتحدّى الحقائق
الصهيونية البالغة القدسية، وتشكّك
في مدى صلاحيتها بالنسبة إلى الجيل
الحالي، ما أدى إلى توسيع حقل الدراسات
التاريخية إلى حقول معرفية أخرى،
كالحقل الاجتماعي والثقافي، وهو ما
أدى أيضاً، إلى نتائج مخالفة لما
هو معمول به ومتعارف عليه إسرائيلياً
من أسطورة"بوتقة الصهر"، وغيرها من
الأساطير المؤسسة لإسرائيل.
- تأملات في محنة الصهيونية:
دشّن إقامة إسرائيل، على أنقاض أجزاء
واسعة من مساحة فلسطين"الانتدابية"،
نجاحاً باهراً للحركة الصهيونية،
غير أنه وبالوقت عينه دشّن بداية
أزمة عميقة، عصفت بالحركة الصهيونية،
وهي أزمة بدأت معالمها تتّضح، مع
بروز الهوّة بين الآمال التي انعقدت
على الدولة العبرية، وبين ما أنجزته
هذه الدولة في الواقع.
في نظر الصهاينة الأوائل، كان على
الدولة أن تتحوّل إلى"وطن"، يتجمع
فيه كل يهود "الشتات"، ويعيشون فيه
في أمن واستقرار، وبالاعتماد على
قدراتهم الذاتية، كما كان عليها أن
تكون مركزاً، يعزّز وحدة "الشعب اليهودي"
ويحافظ على هويته المتميزة لكن تمسّك
الشعب الفلسطيني وتشبثه بأرضه، واستحالة
طمس الهوية الفلسطينية، واستمرار
مقاومته ضد المشروع الصهيوني، أفشل
مرتكزاً أساسياً، من مرتكزات الفكر
الصهيوني، الزاعم بأن أرض فلسطين
بلا شعب.
فالصهيونية سعت لتغييب فلسطين أرضاً
وشعباً، فحلّت"إيرتس يسرائيل" مكان
فلسطين، واليهود مكان الفلسطينيين،
في البنية الذهنية الصهيونية. إلا
أن استمرار المقاومة، والممانعة الفلسطينية
للمشروع الصهيوني أوصل الحركة الصهيونية،
إلى مأزق تاريخي عميق، اضطرت بسببه
أن تفاوض الفلسطينيين. وبغض النظر
عن الجدوى السياسية من عملية التسوية،
فإن ثمّة حقيقة هامة ينبغي الإقرار
بها، وهي أن الصهيونية في مأزق، ومأزقها
تجلّى باعترافها، وتفاوضها مع أصحاب
الأرض الأصليين، لكن الحركة الصهيونية،
من جانب آخر، حاولت أن تنتزع من الفلسطينيين،
شرعية وجودها، عبر الإقرار بحقيقة
الوجود الفلسطيني، بالمقابل أرادت
إسرائيل انتزاع الشرعية التاريخية
لوجودها من الفلسطينيين.
وصحيح أيضاً أن إسرائيل حققت نصراً
كبيراً بعدوانها على الدول العربية
في حزيران سنة 1967، لكن الصحيح أيضاً
أن تلك الحرب أعلنت بداية أزمة سياسية
ـ ثقافية عصفت بإسرائيل.
يصف دافيد غروسمان في معرض تعليقه
على حرب 1967، وما أحدثته من أزمة
عميقة داخل إسرائيل، فيقول: " الحالة
النفسية التي تسود البلاد أشبه بحالة
عائلة في أزمة، بل عائلة تعاني المرض،
وذلك بلا شك لأن الإسرائيليين، وفي
أعماق قلوبهم، يشعرون بأنهم منذ حرب
الأيام الستة، سجناء خطأ تاريخي متجذّر،
يستمر في الامتداد ومحاصرتهم بلا
انقطاع تقريباً"( ).
لقد واجهت القوات الإسرائيلية، على
الأراضي العربية المحتلة، في سنة
1967 المعضلة ذاتها التي سبق أن واجهتها
في سنة 1948، وهي أنها أرادت الأرض،
لا السكان، غير أن الخيارات المتاحة
لحل هذه المعضلة، ضاقت إلى حد بعيد،
ذلك لأن الطرد، لا الإبادة وحدها،
قد كفَّ عن أن يكون خياراً مقبولاً(
).
ومن بين مظاهر التعبير عن هذه الأزمة،
أيضاً، بعد حرب 1967، "استقطاب المشاعر
والآراء، بشأن المسائل الخطرة، التي
تواجه المجتمع الإسرائيلي".( ) إذ
انشطر الشارع السياسي الإسرائيلي،
إلى قسمين شبه متكافئين، أولهما يدعو
إلى تكامل الأرض(الطرح الجغرافي)
على حساب المسألة الديمغرافية، أي
الدعوّة إلى ضمّ الأراضي المحتلة،
ومن ثم يجري العمل لاحقاً على طرد
السكان، في حين دعا القسم الثاني
إلى تكامل الشعب(الطرح الديمغرافي)،
على حساب المسألة الجغرافية، أي عدم
ضمّ الأراضي المحتلة، وتحديداً المكتظة
بالسكان الفلسطينيين، خشية أن يؤثّر
ذلك على طبيعة الدولة، باعتبارها
"دولة يهودية".
هذا من جانب، أما الجانب الآخر، لمظاهر
الأزمة، التي نتجت عن حرب 1967، فنلاحظ
أن تطرّف الشارع الإسرائيلي، بدا
أكثر وضوحاً، وبات يعبّر عن مواقفه
السياسية، بشكل أكثر وضوحاً، مما
كان عليه الحال قبل حرب حزيران. وبالإطار
العام أحدثت تلك الحرب تغييراً في
وجهة السياسة الإسرائيلية، من البراغماتية
في اتجاه الخلاص.( ) وأضفى المتدينون
على الواقع الجديد، بعداً دينياً،
وأسبغوا عليه هالة من القداسة والقدسية،
فبات الحديث عن القدس و"حائط المبكى"
والخليل والمغارة الإبراهيمية يأسر
قلوبهم، ويسحر عقولهم. أما العلمانيون
فقد قومنوا أيديولوجيتهم، وأعطوا
الأماكن المحتلة الجديدة بعداً قومياً
أسطورياً. وكان بحقّ، صراع بين أيديولوجيتين،
تصارع كل منهما الأخرى، لفرض مفاهيمها
عليها.
إزاء جدل الصراع بين"المتدينين" و"العلمانيين"،
وبين أقطاب في التجمع الاستيطاني
بتياراته ومواقفه الأيديولوجية المختلفة،
وهنت الأسطورة الصهيونية الكلاسيكية،
وبرزت ثقافة "مدنية ظاهرياً، _ كما
يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي راز
كركوتسكين ـ منفصلة عن الأسطورة الصهيونية،
وهي ثقافة تطوّرت داخل عمليات الخصخصة
الاقتصادية والتقارب المتزايد في
الثقافة الأمريكية."( ) وما زاد من
حدّة الصراع بين الطرفين أن"العلمانيين"
اتّهموا بالتقصير فيما حدث لإسرائيل،
إثر حرب تشرين1973، وبات احتمال استمرارهم،
وقيادتهم لإسرائيل، طوال أربعين عاماً،
موضع جدل صاخب.
وبالفعل فإن حرب 1973، أحدثت صدمة
قوية جداً، على الإسرائيليين. وحينما
نتحدث عن تلك الحرب، وأثرها على إسرائيل،
وعلى الثقافة الإسرائيلية، ودورها
في تغيير مفاهيم ثابتة، ومستقرة لدى
الإسرائيليين، حين نتحدث عن ذلك كله،
ينبغي أن نؤكد أن تلك الحرب، أحدثت
انقطاعاً في الحلم الصهيوني، الصاعد
نحو تحقيق أهدافه، والباحث عن "الأمن
والأمان".
لقد أحدثت أزمة الفكر الصهيوني، شرخاً
عميقاً لدى الإسرائيليين، ولم يكن
هذا الشرخ آنياً، بل كان شرخاً عميقاً،
وأصبحت تلك الأزمة"أزمة فقدان الحلم
المساعد على العيش والأمل"( ). فلم
تعد المسألة بقاء الدولة فقط، بل
قدرة الإسرائيليين على البقاء، في
ظل الضغط النفسي والجسدي لصراع بلا
نهاية( ).
وبات الخوف من شبح الانهيار واندثار
الحلم، قائماً في الوجدان الإسرائيلي،
بعيد حرب 1973، فاستيقظت إسرائيل
من نشوة الانتصار في حرب 1967، وبدأ
الحلم ينهار، وشعر الإسرائيليون بفقدان
الثقة بالنفس "فالرؤيا الصهيونية
ـ كما يقول بنيامين بيت هالحمي ـ
وعدت بانتهاء التاريخ المأساوي لليهود
واتضح مع مرور الوقت أن الصهيونية
لم تفعل شيئاً من هذا القبيل، وأضحت
دولة إسرائيل فصلاً جديداً في التاريخ
الكارثي لليهود، وسط حرب بلا نهاية،
وطرق مسدودة تاريخياً."( ).
والأهم من ذلك أن حرب 1973، أحدثت
تمزقاً للنسيج الاجتماعي في إسرائيل،
فقد تفجرت الصراعات الاجتماعية والإثنية
بصورة لم تعهدها إسرائيل من قبل،
فسقطت أسطورة "بوتقة الصهر".
لقد زلزلت هذه الحرب إسرائيل من رأسها
حتى أخمص قدميها، بل كانت أسوأ تجربة
عاشتها الحركة الصهيونية، حتى اندلاع
الانتفاضة الفلسطينية في 1987، ذلك
لأنها أحدثت مفاعيل داخل الساحة الإسرائيلية،
إذ تلتها، أزمة سياسية، آلت إلى حدوث
انقلاب سياسي كبير، فتغيرت الحكومة
العمالية، بعد أربعة عقود، من سيطرتها
على المؤسسة السياسية العسكرية في
إسرائيل. وكانت إزاحة "العمل" عن
السلطة في إسرائيل سنة 1977، مفصلاً
تاريخياً في حياة الكيان الإسرائيلي،
لأنها أحدثت تفاعلات عميقة داخله،
وعلى غير صعيد، فما كان مسلّماً به،
طوال أربعين عاماً من حكم "العمل"،
أضحى موضع شك. وأتاحت سيطرة تكتل
الليكود على السلطة، بشكل غير مباشر،
مناقشة السياسة "العمالية"، فنشطت
حركة النقد، وتعمّق الاتجاه الاقتصادي
الرأسمالي، واتّجهت السياسة الاقتصادية
الليكودية نحو الخصخصة، وأنتجت أفكاراً
ورؤى تدافع عن سياستها الاقتصادية،
فيما تأثرت النخب الثقافية الإسرائيلية،بالمنظومات
المنهجية في الولايات المتحدة (ما
بعد الحداثة).
فأضحى رهط من المثقفين والكتاب والمؤرخين
الإسرائيليين، الذين لا تتعدّى أعمارهم
عمر "الدولة"، والذين نهلوا من جامعات
الولايات المتحدة والغرب عموماً،
وتأثّروا بالمدارس الفكرية الحداثية،
حملة راية البحث التاريخي "التنقيحي"
أو"التصحيحي". وسعوا عبر جملة من
المقاربات البحثية، لإثارة الكثير
من التساؤلات، سواء ما يتعلق منها
بماض الدولة وتاريخها وعلاقتها بالصراع
مع الفلسطينيين، أو ما يتعلق بالسياسة
التي انتهجها حزب العمل، تجاه اليهود
الشرقيين، وغيرها من القضايا، فتوصّل
هؤلاء إلى نتائج مخالفة، لمدرسة التاريخ
الكلاسيكي الإسرائيلية.
كذلك يمكن القول أن حرب 1973، أحدثت
ميلاً نحو البحث والتنقيب بين الانتجلنيسيا
الإسرائيلية، وذلك لأن استغلال مناحيم
بيغن الصريح لموضوع "الهولوكوست"،
من أجل تبرير صراعه ضدّ منظمة التحرير
الفلسطينية حرّض للبحث في موقف بن
ـ غوريون حيال اليهود الأوروبيين،
وبات أمرهم شأناً بحثياً من الطراز
الأول، والشغل الشاغل لجمهور عريض،
من المثقفين الإسرائيليين.
من هنا يتضح بجلاء عمق الأزمة الصهيونية،
وما أحدثته تلك الحرب (1973) وما
تلاها، من حالة حراك عميقة، داخل
البنية الثقافية والسياسية الإسرائيلية،
على بروز مفاهيم جديدة، عالجت الأوضاع
السياسية والثقافية والاقتصادية،
من منظور صهيوني مختلف عن المدرسة
الكلاسيكية الصهيونية. ذلك لأن الأخيرة
كانت تغلف خطابها السياسي والثقافي،
بالتغني بأمجاد الصهيونية، للتمويه
على الواقع المرّ، والأزمة العميقة
لإسرائيل، وللحركة الصهيونية. ولا
ريب أن هذه الأساليب الديماغوجية
كانت، وما زالت، إحدى الوسائل الفعّالة
في الخطاب الصهيوني المدافع عن الصهيونية.
ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة
،1982 تعمّقت الأزمة داخل إسرائيل،
ولأول مرة في تاريخها، أحدثت تلك
الأزمة، معارضة قوية طالت المؤسسة
السياسية ـ العسكرية لتصل إلى الجمهور
الإسرائيلي، وذلك بعد تكبّدت القوات
الإسرائيلية الغازية، خسائر بشرية
كبيرة، فضلاً عمّا حلّ بها، من انهيار
للروح القتالية لدى جيشها؛ عانت إسرائيل
من مأزق عميق في مفاهيمها السياسية،
إذ أزاحت تلك الحرب، الغشاوة عن مفاهيم
سياسية، كانت تعتمل في القاع الثقافي
الإسرائيلي، وتوجد مسوغات "أخلاقية"
للحرب.
إزاء هذا الوضع سعت المؤسسة السياسية
ـ العسكرية، لرصّ تيارات التجمع الاستيطاني،
مما يسمى يمين ويسار وراء رايتها،
الداعية لتغيير النسيج السياسي، في
الشرق الأوسط، والعمل على إيجاد معادلات
سياسية، مختلفة كل الاختلاف، عن مرحلة
ما قبل الاجتياح، بدا العمل العسكري
الإسرائيلي في الميدان ضعيفاً وهزيلاً،
رغم شراسته وهمجيته، وانتهى بنتائج
سلبية كبيرة، على الإسرائيليين أنفسهم،
فعلى الرغم من إبعاد قوات الثورة
الفلسطينية، عن الخطوط الحمراء الملتهبة،
إلا أن المعركة انتقلت إلى الداخل
الفلسطيني المحتل (الضفة والقطاع)،
فكانت الانتفاضة الفلسطينية .
لقد فتح ملف الاجتياح الإسرائيلي
للبنان (1982) داخل الكيان الإسرائيلي
ملف الحروب السابقة التي خاضتها وطرح
سؤالاً مركزياً: هل كانت الحرب عملاً
لا بد منه؟ وهل كانت حروب إسرائيل
السابقة، شرّاً لا بد منه؟ وهل كانت
إسرائيل في حروبها تلك عادلة؟ أو
هل تمتلك مشروعيتها؟
بالمقابل أحدثت الانتفاضة التي اندلعت
سنة 1987، صدمة قويّة للحركة الصهيونية،
فبعد عقود من تجاهلها، ومحاولتها
تغييب الوجود المادي والحضاري والسياسي
للشعب الفلسطيني، أعادت الانتفاضة
الفلسطينية، الصهيونية "إلى نقطة
الصفر في تاريخها"( ) حيث فرضت على
الإسرائيليين، كما يقول الكاتب الإسرائيلي
عمانوئيل سيفان، الاعتراف بالطبيعة
المواظبة للوطنية الفلسطينية( ).
فلم يسبق لإسرائيل أن نظرت إلى الفلسطينيين
الواقعين تحت نير احتلالها، كخطر
استراتيجي، بل كمعكر للمزاج فحسب،
لكن الانتفاضة غيّرت المفاهيم الإسرائيلية،
بصورة درامية، وأحدثت مفاجأة ما بعدها
مفاجأة، لدى المؤسسة السياسية ـ العسكرية
في إسرائيل، فلم يستطع الجيش وترسانته
العسكرية، وضع حدّ لها، ذلك لأنها
حرب "شعب على غرار أفضل الحركات الأخرى
المعادية للاستعمار." ( ).
لكن النقطة الأهم أن الانتفاضة، ويقظة
الغضب الفلسطيني ضد الاحتلال، دفعت
بعضاً من الانتلجنسيا الإسرائيلية،
لأن تتقبّل السرد المدروس والمبحوث
جيداً، عن تهجير اللاجئين الفلسطينيين
قسراً خلال 1947ـ 1948.
وكان طبيعياً أن ينشغل الباحثون الإسرائيليون
بالسؤال عن: متى وأين بدأ الخلل في
الحركة الصهيونية، ومصدر الخطأ تحديداً.
فبنيامين بيت هالحمي يقدّم مقاربة
للإجابة عن هذا التساؤل، يدعوه بنظرية
المرحلتين في تاريخ الصهيونية. والمرحلة
الأولى هي"مرحلة المثالية والنزعة
الإنسانية والاشتراكية." أما الثانية
فهي المرحلة التي تعيشها الحركة الصهيونية
راهناً، وهي مرحلة "غياب المثالية"(
). لكن السؤال الذي يتولّد عن التساؤل
الأول: متى انتهت المرحلة الأولى
كي تدشّن المرحلة الثانية سيرورتها؟
في الواقع ثمّة أكثر من توصيف إسرائيلي،
لنظرية المراحل في الأزمة الصهيونية،
أكثرها راديكالية، يعتبر أن الخلل
بدأ سنة 1948 مع إقامة الدولة، فيما
ترى"الصهيونية الليبرالية" أو "اليسارية"
بأن الخلل بدأ في عام 1967، فمع الاحتلال
الإسرائيلي للضفة والقطاع، انعطفت
إسرائيل، وبطريقة مأساوية نحو الأسوأ
في تاريخها.
فيما ينبثق من التيار"الليبرالي"
أو"اليساري" الصهيوني، رأي آخر، يفيد
بأن الخلل، قد بدأ لحظة فقدان حزب
"العمل"السلطة، وصعود"الليكود" إليها
في 1977، والبعض اعتبر ما حصل في
سنة 1982، بداية الخلل والتراجع عن
الصهيونية "المثالية".
لكن بنيامين بيت هالحمي يقدّم إسهاماً
نظرياً هاماً، في توصيفه لأزمة الصهيونية،
حين يؤكّد أن الحنين إلى الأيام الخوالي
(الصهيونية المثالية)، تحطّم على
صخرة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي
العربية في حرب 1967، تلك الحرب التي
عزّزت الإحساس لدى التيار "العمالي"
و"الليبرالي" في إسرائيل بأن عصر
البراءة ولّى، وغاب إلى غير رجعة،
وهو ما لا يؤسف عليه. وأن الطبيعة
الاستعمارية الكولونيالية للمشروع
الصهيوني ظهرت، بعد أن استطاعت حجبها
عن الرأي العام العالمي طوال مرحلة
ما قبل 1967.
يقول هالحمي: "بدت الأمور على ما
يرام بين عامي 48 و67، عندما كانت
الكولونيالية منتصرة تماماً، وكانت
حقيقتها محجوبة عن العيون. ومنذ ذلك
الوقت، طفت الطبيعة الاستعمارية،
التي لا يمكن إنكارها، للمشروع الصهيوني
إلى السطح.
ما تغيّر منذ سنة 1967 أن حقيقة الاستعمار،
أصبحت غير قابلة للتغطية، بينما كان
من الممكن حجب الصراع مع الفلسطينيين،
عن الوعي الإسرائيلي والغربي، بين
عامي 48 و67، وإحالة الفلسطينيين
إلى وضعية "اللاجئين". لكن حرب 1967،
غيّرت كل شئ، وأعادت طرح الموضوعات
الحقيقية. وأصبحت المجابهة مع السكان
الأصليين هي المشكلة الأساسية والوحيدة
مرة أخرى. وما يفقده الليبراليون
الإسرائيليون في إسرائيل ما قبل 67
هو الغياب المفترض للسكان الأصليين."(
).
واقع الحال يشير إلى أن محنة الصهيونية
برزت بشكل جلي بعد أن نبش "المؤرخون
الجدد" السردية الإسرائيلية الكلاسيكية
المتعلقة بنشأة الدولة، والإقرار
المبدئي بالظلم، الذي تعرّض له الشعب
الفلسطيني، ولا بد من الإشارة أن
هذا النبش جاء ضمن سياق عملية التسوية،
التي افتتحت بعيد المؤتمر الكرنفالي
في مدريد (1991)، وبدا كأنه يساهم
في المصالحة التاريخية بين الإسرائيليين
والفلسطينيين، وبالفعل يلاحظ أن الخطاب
الثقافي الأيديولوجي لـ "ما بعد الصهيونية"
تراوح بين الاعتراف بمأساة الشعب
الفلسطيني، وبين تحميل الحركة الصهيونية
المسؤولية. بيد أنه لم يستطع أن يحقّق
قفزة معرفية ـ سياسية ـ تاريخية،
وذلك بالاعتراف الصريح بأن الحركة
الصهيونية، خطّطت ودبّرت مسألة طرد
الفلسطينيين من وطنهم، ولعل تملّص"المؤرخين
الجدد" من اعتراف كهذا يشير إلى نفاق
أكاديمي.
من هنا يمكن أن ندرك، أن أحد الأهداف
المضمرة لـ" ما بعد الصهيونية" و"المؤرخين
الجدد"، ـ في ظل المناخ السياسي للتسوية،
والمصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين
ـ محاولة كتابة تاريخ مؤتلف، أو متوازن
للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. فما
دام لكلا الطرفين ـ كما يدعي "المؤرخون
الجدد" ـ سرديته الخاصة عن الحقيقة،
فلماذا لا يتم صياغة تاريخ مؤتلف
أو متوازن بين كلا السرديتين أو المرويتين.
ها هنا يتضح بجلاء، نفاق كتابة تاريخ
مؤتلف أو متوازن، ذلك لأن للحقيقة
سردية واحدة لصياغتها لا سرديتين.
إن الإدعاء بأن لكل طرف من طرفي الصراع
سرديته، ولا تستقيم التسوية السياسية
إلا باختلاق سردية تشكّل حلاً وسطاً
بينهما، ما هو إلا من قبيل التزييف
للتاريخ. فالمشكلة، من وجهة نظر بعض
"المؤرخين الجدد"، تكمن في اعتراف
كل من طرفي الصراع الفلسطيني والإسرائيلي،
بشرعية سردية الآخر.
لكن ما دام الأمر ليس بالسهل، إن
لم يكن مستحيلاً، فإنه من الممكن
أن يتنازل كلا الطرفين، عن بعض ثوابته
وقناعاته وتاريخه، بهدف تلفيق رؤية
جديدة، تتماشى وتتماهى مع المناخ
السياسي للمصالحة "التاريخية" بين
الإسرائيليين والفلسطينيين، وتضع
حداً لمأساة الصراع، بعد عقود طويلة
من صراع دامٍ.
إن فكرة التوازن والموضوعية، في كتابة
التاريخ هي فكرة خاطئة، إذ ليس هناك
أي توازن بين تاريخ الضحية وتاريخ
الجلاد، وليس ثمة نقطة وسط يلتقيان
فيها. فالطرف الأول (الفلسطينيون)
فقد وطنه، وشُرد من أرضه، والطرف
الثاني استلب أرضاً أسماها إسرائيل،
واستجلب يهوداً وأسبغ عليهم صفة الشعب،
وحملّهم الهوية الإسرائيلية.
إذاً ليس ثمة رواية موضوعية، في كتابة
التاريخ، وإنما هناك رواية حقيقية
للتاريخ. فالفلسطينيون دخلوا الماضي،
وأصبحوا غائبين، واليهود دخلوا الحاضر،
وأصبحوا حاضرين، فأية سردية موضوعية
لحالة تاريخية كهذه، يمكن أن تُكتب،
دون أن تسقط جوهر ما حدث، وما ألّم
بالشعب الفلسطيني.
ضمن هذا السياق، تصبّ كلمات أمنون
راز كركوتسكين حين يقول: "لم ينشأ
توجّه إسرائيل، إلى تسوية سلمية مع
الفلسطينيين، على أساس الرغبة في
إعادة النظر في الوعي بكليته، وإنما
على أساس المطالبة بقبول الشرط التاريخي
كاملاً، بالذات، وعملياً، فقد كان
قبول الفلسطينيين ليس فقط بالوجود
اليهودي، وإنما بالمفهوم التاريخي
لليهود، شرطاً للذهاب في مسار السلام.
فالغاية هي المحافظة على هذا الوعي."
( ).
لذا فإن كركوتسكين يؤكد على أهمية
العودة والرجوع إلى التاريخ، إذ بدون
عودة كهذه، لا يمكن التوصل إلى "مصالحة"،
لذلك فإن" دوري كمؤرخ ـ يقول كركوتسكين
ـ هو المشاركة في هذا النقاش."( ).
وفي سياق التحليل السوسيولوجي لمحنة
الصهيونية، والبحث عن مسبباتها، يقدم
غرشون شافير مقاربة هامة لنشأة ما
بعد الصهيونية، باعتبارها مظهرا من
مظاهر تفسخ الصهيونية كفكرة عقدية
. فهو يقرّ أن استخدام المنظور الكولونيالي،
لتفسير العلاقة بين المستعمِرين والمستعَمرين،
أمر هام وحيوي، وأن السعي المحموم
لـ"ما بعد الصهيونية" لتصفية"جزئية
للواقع الاستعماري الإسرائيلي للفلسطينيين"،
أمر حتّمته عدة العوامل، أهمها عجز
الإسرائيليين، عن قمع الانتفاضة الفلسطينية
في 1987، وعن سحق الآمال الوطنية
الفلسطينية التي أدت إلى اندلاعها،
وعوامل أخرى تتعلق بتغييرات إسرائيلية
داخلية، حفزّتها عوامل خارجية.
فمع التغيير الدراماتيكي الذي حدث
عام 1977، وسقوط سياسة"العمل" "الاشتراكية"،
وصعود"الليكود"، وسياسة الخصخصة،
تم بالفعل إضعاف سيطرة الدولة والهستدروت،
على الاقتصاد، لحساب المصالح التجارية
الخاصة.
بالمقابل صعدت شرائح اقتصادية إسرائيلية
جديدة، طالبت بالليبرالية الاقتصادية،
كذلك بدمج اقتصاد إسرائيل في الاقتصاد
والأسواق الإقليمية، إن أمكن، لكن
ما دام الصراع مستمر، وما دامت المنطقة
ساحة للحرب، والصراع الدامي، فإن
أبواب الشركات المتعددة الجنسيات،
أُوصدت بوجه إسرائيل، وكان صنع السلام
المفتاح السحري والطريقة المثلى،
للوصول إلى اقتصاد أكثر عالمية، فالدعوة
لتقليص تدخّل الدولة في الاقتصاد،
تنطوي، أيضاً، على "تفكيك إطار وميراث
الأنشطة الاستعمارية في الضفة والقطاع،
والمموّلة من الدولة، والتي كان ينظر
إليها بوصفها استمراراً لاستيطان
ما قبل سنة 1948."( ).
فنظر (شافير) إلى الصرح المؤسساتي،
الذي أوجدته حركة "العمل" على أنه
عائق، لا بد من إزاحته، أمام وعود
الرفاه والازدهار، وعلى نحو شبيه،
فإن" الروح الاستيطانية، والمؤسسات
الاجتماعية المنبثقة منها…أضحت شيئاً
من مخلفات الماضي، وعائقاً أمام المصالح
السياسية."( ). للشرائح الاقتصادية
والمهنية الجديدة، لذا، فإن تدهور
هذه الأيديولوجيات بالتدريج، والقلق
حيال الأساطير، التي حلّت محلّها،
والتوسّع البطيء، لكن المستمر، لخطاب
أكثر ليبرالية، نجم عنه التأريخ الجديد
ذاته، "كل ذلك كان له أثر في حمل
الدولة الإسرائيلية على الاعتدال
في معارضتها للوطنية الفلسطينية،
وعلى وضع علامة استفهام فوق الحكمة
الكامنة في التوسع الجغرافي.
وتحت تأثير هذه النخب، انتهت مرحلة
بناء الدولة بالنسبة إلى معظم الإسرائيليين.
وهكذا دخلت إسرائيل في واقع الأمر،
مرحلة ما بعد الصهيونية، حيث من الأرجح
أن ننظر إلى جميع القيم التقليدية
للمجتمع الاستعماري ـ ولا سيما الاستيطان
والخدمة العسكرية الطويلة الأمد ولربما
الهجرة أيضاً ـ بوصفها عوائق لا ضرورة
لها بالنسبة إلى أفراد في مجتمع لم
يعد يحيا تحت خطر الحرب."( ).
- نقد الصهيونية من الداخل:
يشكل التاريخ والبحث في السردية الإسرائيلية
لنشأة إسرائيل مجالا خصبا لقراءة
المنحى الذي ستؤول إليه الصهيونية،
بيد أن ثمة مجالا لا يقل خصوبة عنه،
وهو قراءة حالة الحراك الإسرائيلي
بين الإسرائيليين أنفسهم وعلى غير
صعيد اجتماعي ـ ثقافي، وسياسي ـ اقتصادي.
إذ من المعروف أن مبنى النقاش الذي
فجره تيار "ما بعد الصهيونية" أحدث
للإسرائيليين كسرا في السياق الثقافي
ـ التاريخي للصورة التي رسمتها المؤسسة
الأكاديمية لصناعة التاريخ. بالمقابل
أحدثت البنية الإثنية للمجتمع الإسرائيلي
إشكاليات عميقة، شككت في عدالة الصهيونية،
من منظور الإسرائيليين انفسهم، ولعل
قراءة التناقضات التي تعتمل في المجتمع
الإسرائيلي، ضمن منظور سوسيولوجي،
تفيد إلى حد بعيد في رسم المشاهد
المستقبلية للصهيونية، ذلك لأنني
لست ميالا لقراءة مستقبل الصهيونية،
ضمن منظور الصراع العربي ـ الإسرائيلي
فقط، على الرغم من أهميته، بيد أن
المعالجة سوف تتناول الموضوع ضمن
الإطار المجتمعي الثقافي الإسرائيلي
على وجه التحديد.
من وجهة نظرنا، لم يكن ثمة اكتشاف
تاريخي أو سوسيولوجي، سواء بالنسبة
للأحداث التاريخية، التي واكبت نشأة
إسرائيل، أو بالنسبة لطبيعة إسرائيل
وجوهر الصهيونية.
لكن لابد أن نؤكد على قضية مفصلية
هامة، وهي أن وضع الظاهرة ( "ما بعد
الصهيونية") ضمن سياقها الإسرائيلي
ـ الصهيوني، يعني أن ثمّة تغيير في
المنظور الإسرائيلي ـ الصهيوني نبع
من الداخل. فما سعت الرواية الرسمية
الصهيونية لتلفيقه بات صعباً أن يستمر.
ودرءاً لأية أوهام، قد تترتّب على
هذا الاستنتاج، ينبغي التأكيد على
أن التغيير الحاصل، لا يمّس البنية
الثقافية ـ السياسية الإسرائيلية
عامة، بقدر ما يعني، حصراً النخبة
المثقفة وتحديداً الأكاديمية منها.
أما إلى أين استطاع الإدراك المعرفي
للبحث التاريخي السوسيولوجي، في طبيعة
إسرائيل والصهيونية، أن يصل، فهذا
أمر آخر.
هذا الجدل وصل ذروته، بعد أن نشر
الأديب الإسرائيلي أهارون ميغد، المنتمي
قلباً وقالباً، إلى حزب العمل، مقالاً
في الملحق الأسبوعي لصحيفة هآرتس
(أهارون ميغد،غريزة الانتحار الإسرائيلية،
هآرتس10/6/1994) رثى فيه، ما آل إليه
مصير كثير من المقولات الصهيونية،
التي تربى عليها أجيال، مثل: "خلاص
الأرض"، و"احتلال العمل"، و"تجميع
الشتات"، و"الدفاع". تلك المقولات
أضحت، كما قال ميغد، "ضرباً من الرياء،
وذرّاً للرماد في العيون"، وأعلن
ميغد إزاء ذلك، رفضه للتيار التاريخي
الحديث، الذي أعلن أن "أغلب التعيينات
التي استقرت في وعينا، وتجاربنا المعاشة،
ليست أكثر من مجرد كذبة كبرى" ونعت
"المؤرخين الجدد" بأشد النعوت فظاظة
وغلظة، وشبّههم بموجة "تطيح رويداً
رويداً، بمناعات جسدنا وتثبط العزائم"(
).
في الواقع يمكن القول أن إنجاز"المؤرخين
الجدد"، فتح كل الملفات المحرّمة
دفعة واحدة، فبات البحث في تاريخ
الصهيونية والصراع العربي ـ الإسرائيلي
"شيء واحد". وضمن هذا السياق يؤكد
أمنون راز كركوتسكين، أن الغرض من
إسهام "المؤرخين الجدد"، هو العمل
على بلورة تاريخ جديد، بشأن المأساة
التي حلت بالفلسطينيين، ويعتبر أن"إقامة
إسرائيل وخراب فلسطين شيء واحد"(
)، لذا فإن كركوتسكين يقرّ بأن الاعتراف
بالظلم التاريخي، الذي لحق بالفلسطينيين،
أمر هام وضروري، في الوقت نفسه، لتغيير
نظرة الصهيونية للهوية اليهودية.
ولعله من الأهمية بمكان أن نقرأ الجدل
السوسيولوجي الذي تعيشه الصهيونية
على ايقاع الصراع مع الفلسطينيين،
وعلى خلفية الإشكاليات التي تعتمل
في النسيج الاجتماعي ـ السياسي الإسرائيلي:
o قضية طرد الفلسطينيين:
بالفعل لقد أعاد البحث التاريخي الجديد
لحرب 1948، إلى الأذهان ما لحق بالشعب
الفلسطيني
من ظلم وجور، ومن تدمير لبنيته التحتية
وتهجير وطرد لسكانه، فكانت إقامة
إسرائيل هي بحدّ ذاتها خراب لفلسطين.
فالسردية الرسمية أبداً لم تصوّر
الأمر على هذا النحو، بل حاولت تلفيق
الأحداث التاريخية، فطرحت مصطلح "الاستقلال"
عن البريطانيين، و"التحرير" أي التحرّر
من "ظلم الشتات"، و"نفي المنفى"،
ولم تأتِ على ذكر الفلسطينيين، في
هذه الحرب، إلا باعتبارهم عقبة كأداء
أمام"تحرر"اليهود و"استقلالهم". وأسبغت
عليهم نعوتاً وألفاظاً، تجرّد حركتهم
الوطنية من بعدها السياسي، فوصفت
التنظيمات السياسية بـ"العصابات"
و"اللصوص"، لكن البحث "التاريخي الجديد"
استطاع أن يقرأ الحدث السياسي، وتجلياته
العسكرية على أرض الواقع، ضمن منظور
مخالف للمدرسة الرسمية الإسرائيلية.
ففي حين تعزو السردية الرسمية، مسألة
طرد الفلسطينيين من ديارهم، إلى تركهم
أرضهم، بناء على تعليمات تلقّوها
من قادتهم العرب، وبأن بن ـ غوريون
لم يفكر قط بترحيل العرب، إلا عندما
طرحت لجنة "بيل" التقسيم كحل للثورة
الفلسطينية سنة 1936، جاء نتاج "المؤرخين
الجدد"، ليحمّل إسرائيل، مسؤولية
نشوء مشكلة اللاجئين، لكننا ضمن هذا
السياق لا نجد توليفة واحدة يعزف
عليها المؤرخون الجدد لهذه الواقعة،بل
ثمة تباينات، وثمة تراجعات حدثت،
بعد انطلاق انتفاضة الاقصى، وفشل
مفاوضات كامب ديفيد 2000، إذ لم تعد
التوصيفات التاريخية التي شككت في
السردية التاريخية لنشأة إسرائيل
هي ذاتها قبل الانتفاضة الفلسطينية،
إذ شهد المجتمع الإسرائيلي برمته
انزياحا نحو اليمين المتطرف، وبات
أي تشكيك في سردية نشأة إسرائيل،
هو هرطقة، يلزم محاسبة صاحبها أياً
يكن، فالمؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية
أصيبت بالجنون حينما فرضت الجامعات
البريطانية مقاطعة على جامعتي حيفا
وبار إيلان، على خلفية الاضطهاد الذي
عانى منه الطالب الذي أنجز بحثاً
تاريخيا هاما حول المجزرة التي حدثت
في الطنورة عام 1948، وأدت إلى سقوط
250 شخص قتلوا، وهم عزل. المفارقة
أن كاتس لم يستخدم مصطلح "مجزرة"،
في سياق بحثه، وإنما استخدم في سياق
العرض الذي كُتب حول بحثه في هارتس
في شباط 2000، فما كان من جنود لواء
اسكندروني القدماء، الذين ارتكبوا
المجزرة، إلا أن قدموا دعوى ضد كاتس
في محكمة العدل العليا، وجامعة حيفا
لم توافق، من جانبها على الدفاع عنه،
وقد تطوع المؤرخ الإسرائيلي إيلان
بابيه لنجدته، وهب للدفاع عنه، وما
زالت نفاعلات القضية تتوالى ضمن المشهد
الإسرائيلي راهناً. ما أود التأكيد
عليه أن رفض المؤسسة الأكاديمية لبحث
كاتس أرادت إيصال رسالة لكل من يحاول
أن يمس السردية الرسمية لنشأة إسرائيل
هو منبوذ ومحارب، كحال كاتس وبابيه.
o الجوهر الكولونيالي للصهيونية:
يعتبر أي حديث يصف المشروع الصهيوني،
وتجسيده الجزئي إسرائيل، بأنها حركة
كولونيالية، هو إقرار بأن الحركة
الصهيونية، أقامت مشروعها على أرضية
خراب فلسطين وتهجير الفلسطينيين وطردهم،
وهو ما يشكّل صورة نقيضة للصهيونية،
التي وسمت ذاتها بأنها"حركة تحرّر
قومي" تسعى لإقامة كيانها "القومي"،
فوق رقعة جغرافية لليهود (شعب بلا
أرض)، حددّت بفلسطين (أرض بلا شعب).
ووصف الصهيونية، بأنها حركة كولونيالية،
أمر منفر لدى "اليسار" و"اليمين"