القوة
الاقتصادية لأي بلد هي الأساس المادي
لكل أنواع القوى الأخرى، سواء كانت
[ثقافية ـ اجتماعية ـ اقتصادية ـ
عسكرية... الخ]. وعلى أساسها تتحدد
القوة التفاوضية في مجتمع دولي يعتمد
لغة القوة كمدخل لحل كل مشاكله. باستخدام
منطق القوة لا قوة المنطق. وتشويه
لكل القيم حتى مفهوم المصطلحات: حقوق
الإنسان ـ ديمقراطية ـ إرهاب ـ عدالة
... الخ ".
من هنا نرى ضرورة التركيز على زيادة
قوتنا الاقتصادية التي جوهرها ومؤشرها
ومعيارها القوة الإنتاجية، وما هو
متاح لنا اليوم قد لا يكون متاحاً
في الغد والمستقبل.
وقوتنا الإنتاجية سواء كانت [سلعية
أو خدمية] يتوقف على زيادة معدلات
إنتاجية العمل، وهنا نتفق مع ما قاله
بول كندي في كتابه الاستعداد للقرن
الواحد والعشرين ( )[إن بلداً يتخلف
نمو إنتاجيته 1% عن بلدان أخرى لقرن
من الزمن ـ يمكن أن يتحول كما تحولت
بريطانيا من القائد الصناعي غير المتنازع
عليه إلى بلد متوسط القوة الاقتصادية].
إذاً إن الضعف الاقتصادي هو أشبه
بضعف كعب آخيل.. وآخيل هو شخصية في
ملحمة الإلياذة لـ " هوميروس " حيث
إن أمه عمدته بالنار، ثم أمسكته بعقبيه
وغطسته بالماء فأصبح ممتنعاً عن الموت
إلا إذا أصيب بكعبيه.
إن نظرتنا التحليلية للاقتصاد السوري،
يجب أن تنطلق من مقارنة نتائج استغلال
إمكاناتنا المتاحة وبين ما يجب أن
تكون عليه، والتوجه نحو استغلالها
الاستغلال الأمثل من خلال زيادة معدل
الكفاءة الإنتاجية الذي يعبر عن النسبة
الكائنة بين الإيرادات والنفقات وزيادة
العائد الاستثماري المعبر عن العلاقة
بين إجمالي الاستثمارات والناتج الإجمالي،
والسعي لزيادة القيمة المضافة أي
تعظيم الفارق بين (قيمة الإنتاج الإجمالي
ومستلزمات الإنتاج اللازمة لذلك).
وهذا يتطلب منا ضرورة الاستفادة من
تجارب الآخرين، وعدم إعادة اختراع
الدولاب مرة ثانية، وخاصة تلك الدول
المقاربة لنا في ظروفها أو إمكانية
الاستفادة من خبراتها أو تشابه التحديات..
الخ. ولذلك سأركز على التجربة الصينية،
فهم يؤمنون بتدخل الدولة في الحياة
الاقتصادية ويعتمدون اقتصاد السوق
الاجتماعي، وبدأوا بتطبيق الخطة الخمسية
الحادية عشرة حيث إن الخطة الخمسية
العاشرة عندهم (2001-2005) وفي جوهرها
مشابهة لخطتنا الخمسية العاشرة (2006-2010).
إن مقاربتي للتجربة الصينية رغم أهميتها
لا يعني تطبيقها كاملة عندنا، لأنه
لا يمكن نقل تجربة بلد إلى بلد آخر،
بل يجب تحليلها للاسترشاد بها مع
مراعاة ظروفنا الخاصة.
فقد طرحت الخطة الصينية مجموعة أهداف
منها: المحافظة على معدل النمو ـ
تنشيط وتفعيل الهياكل الإنتاجية ـ
مضاعفة الدخل الوطني لعام 2010 بالمقارنة
مع عام 2000 ـ تطوير وإكمال نظام
الضمان الاجتماعي ـ تقوية المنافسة
في الاقتصاد الدولي ـ استكمال سياسة
الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ عام 1978
ـ الاستمرار في تحقيق معدلات نمو
مرتفعة تراكمية وسنوية ـ تشجيع الاستثمارات
الصينية في الداخل والسعي لجذب الاستثمارات
الأجنبية ـ التوسع في المناطق الحرة
وقيام مناطق كاملة لذلك كإقليم شنغهاي
... إلخ.
وكانت النتائج أن الصين اختارت طريقتها
الخاصة في إدارة اقتصادها، حيث ربطت
المسؤولية بكمية الإنتاج السلعي،
وابتدأ الإصلاح بالريف قبل المدينة
ومن الزراعة إلى الصناعة، وتم الفصل
بين القطاع الإنتاجي والسياسات الإيديولوجية،
وأعطي صنّاع القرار الاقتصادي مزيداً
من الحرية وترافق مع الانفتاح الاقتصادي
الحذر وتم الجمع بين آليات السوق
(عرض ـ طلب ـ منافسة)، وأهداف النظام
الاشتراكي (العدالة الاجتماعية) مع
التركيز على تدخل الدول في الحياة
الاقتصادية حتى في الاستثمارات وبالتالي
تمّ اختيار عدة مدن كقاعدة للمشروعات
المشتركة بين الصين والأجانب( ).
فزاد الدخل القومي الصيني من (1070
مليار دولار عام 2000) إلى (1649
مليار دولار عام 2004)( ) واعتمدت
الصين سياسة تخفيض التعرفة الجمركية
لزيادة صادراتها مع التوجه نحو ترسيخ
سياسة الاستثمارات الكبيرة للاستفادة
من وفورات الحجم الكبير، ورفضت تعويم
عملتها رغم الضغوطات الأمريكية في
هذا المجال، ولذلك أكدّ رئيس البنك
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قائلاً:
" إن استمرار شراء الصين للدولار
يؤدي إلى زيادة مفرطة في انتعاش القاعدة
النقدية للصين ويساعدها بتحقيق النمو
الاقتصادي الكبير ". وفي المجال الزراعي
زادت مساهمتها في الناتج الوطني بمقدار
3.5% وكان نصيب الفرد من الحبوب 400
كغ وتجاوز المؤشر المتوسط الاستهلاكي
العالمي لعام 2003 ( )، واعتمدت الصين
على خمس مراحل للتخطيط متداخلة مع
بعضها البعض وتنفذ بالتوازي والتقاطع
وهي:
1- التخطيط الشامل للتنمية في المدن
والأرياف.
2- التنمية الشاملة في مختلف المناطق.
3- التخطيط الشامل للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية.
4- التخطيط الشامل بين الإنسان والطبيعة.
5- التخطيط الشامل بالانفتاح على
الخارج.
وبدأت الصين تخطط بشكل واقعي منذ
عام 1953، إلا أن برنامج الإصلاح
الاقتصادي بدأ عام 1978، بمعدل نمو
سنوي 8.5% ووصلت قيمة الصادرات إلى
800 مليار دولار عام 2003.
إن الإصلاح الاقتصادي الصيني بدأ
بالريف لتأمين قاعدة انطلاق صحيحة
ومحاولة استثمار الموارد الزراعية
عندهم، فتم توزيع الأراضي على الفلاحين
وتم تطبيق مفهوم "المسؤولية العائلية
عن الإنتاج " وسمح للفلاحين بإنشاء
المؤسسات الاقتصادية ومحاسبتهم على
الإنتاج. في عام 1984 انتقل الإصلاح
من الريف إلى المدينة، وفي عام 1992
تم اعتماد مبدأ اقتصاد السوق، وفي
عام 1993 دخل الإصلاح الاقتصادي المرحلة
الثانية وهو إصلاح القطاع العام الصناعي،
وفي عام 2003 تم اعتماد مبدأ "اقتصاد
السوق الاشتراكي"، واعتماد مبدأ "ضرورة
تحقيق معدلات النمو المرتفعة أفقياً
وعمودياً".. وما يميز الخطط الصينية
واقعيتها وارتباطها ببرنامج زمني
محدد وابتعادها عن الضبابية والبلاغة
الكلامية واللغة الخطابية.
وقد وضعت الصين ثلاث خطوات أساسية
لتطوير اقتصادها وهي:
1- مضاعفة ناتجها القومي مرتين عمّا
كان عليه عام 1980 وتحقق هذا في نهاية
الثمانينات.
2- زيادة الناتج القومي 4 مرات حتى
نهاية القرن العشرين، وتحقق هذا في
عام 1995.
3- التوجه نحو زيادة معدل نصيب الفرد
من الدخل القومي وزيادة الرفاه الاقتصادي.
وهذا ما انعكس بزيادة مباشرة على
متوسط دخل الفرد ووصل إلى 1000 دولار
سنوياً. واحتلت المركز الأول بإنتاج
كل من [الفولاذ ـ الفحم ـ الإسمنت
ـ الأسمدة الكيميائية والزراعية والتلفزيونات].
إذاً نلاحظ الربط المنطقي ما بين
قطاع الزراعة وقطاع الصناعة، بحيث
أن كلاً منهما يكمل الآخر، ومخرجات
كل منهما مدخلات للآخر. وتخطط الصين
الآن لتكون أكبر مركز سياحي في العالم
في عام 2020( ).
إذاً إن سر النجاح الاقتصادي يكمن
داخل المجتمع وليس خارجه، وهذا ما
يتجلى بشعارهم [انهضوا يا من ترفضوا
أن تكونوا عبيداً ـ من دمنا من لحمنا
نبني سوراً عظيماً]. ويساعدهم في
ذلك استقرارهم السياسي وتركيزهم على
أولوية الاقتصاد وربط الازدهار الاقتصادي
بالازدهار الاجتماعي، ومن باب المقارنة
بين [الصين والهند] المتشابهتين بعدد
السكان والمساحة مع الإشارة إلى أن
الهند حصلت على استقلالها قبل الصين
بـ 2 سنة فالصين استطاعت أن تنقل
400 مليون شخص من تحت خط الفقر إلى
مصاف الطبقة المتوسطة. وحققت معدلات
نمو منذ عام 1979 بين (7-12%)، بينما
الهند 5.6%، واستطاعت تجاوز شبح البطالة،
بينما تعاني منها الهند حيث ينضم
سنوياً إلى سوق العمل /35 مليون طالب
عمل/ والبطالة عندهم /75/ مليون شخص.
وأدت الخصخصة إلى إلغاء 4.5 مليون
وظيفة أي ما يقارب 15% من القوة العاملة
في القطاع العام. فالعبرة إذاً ليست
في طبيعة الملكية، بل في كيفية إدارة
الملكية، فالليبرالية الاقتصادية
والخصخصة ليست حلاً سحرياً للمشاكل
الاقتصادية، بل الموضوع يحتاج إلى
(إدارة وإرادة) أي إدارة عقلانية
وإرادة فاعلة للتغيير نحو الأفضل.
وإن المنتجات الصينية تجتاح الأسواق
العالمية وأسواقنا المحلية، ففي النصف
الأول من عام 2004 استوردت سورية
بحدود 8% من إجمالي مستورداتها من
الصين( )، بينما كانت الصادرات السورية
إلى الصين متواضعة، فالألبسة الصينية
تغزو أسواقنا وصادراتنا تكاد تكون
معدومة، علماً أن 25% من مجمل اليد
العاملة السورية تعمل في الألبسة.
واستطاعت الصين مع بداية عام 2005
وبعد إلغاء نظام الحصص أن تهدد الصناعة
الأمريكية والأوربية، وهذا ما أطلق
عليه (طوفان الإنتاج الصيني في مجال
النسيج). وبالتالي اضطرت أمريكا لتشكيل
لجنة لدراسة مقدار (الأثر السلبي
للصادرات الصينية على الاقتصاد الأمريكي)
لأن الصين تستحوذ على 70% من السوق
الأمريكية، وإن الصادرات الصينية
تهدد أكثر من نصف مليون عامل أمريكي
وإغلاق أكثر من 1300 مصنع أمريكي.
أما الاتحاد الأوربي فقد شكل لجنة
(إنذار مبكر) لمراقبة الصادرات النسيجية
الصينية، وخاصة أن المنتجات الصينية
زادت بمقدار 25% وانخفضت الأسعار
بنسبة 36%، لكن عندنا رفعنا أسعار
الغزول بمقدار 6% أي بين 5-10 ل.س
لكل كيلو غرام واحد بحجة ارتفاع أسعار
القطن عالمياً، مما انعكس سلباً على
التسويق وأدى إلى تراكم المخازين
التي تحولت إلى عبء حقيقي على الإنتاج،
لأن الغاية من الإنتاج هي التسويق.
وإذا أردنا أن نحلل الاقتصاد السوري
بكامل قطاعاته، وبناتجه الإجمالي
البالغ بحدود /21/ مليار دولار، فإننا
نجد ضعف هذا الناتج إذا ما قورن مع
لبنان (17 مليار دولار) أو الأردن
(16) مليار دولار أو تونس (40) مليار
دولار. ونلاحظ إمكانات كثيرة عندنا
لم نستغلها بالشكل الأمثل وقناعتنا
أن من أهم عناصر الضعف هو عدم وجود
الرؤية الاستراتيجية والمناخ غير
الجاذب للاستثمارات وضعف هيكلية المنشآت
الإنتاجية مما انعكس سلباً على القدرة
التنافسية، وضعف في معدلات النمو،
حيث بلغت في السنوات الخمس الأخيرة
كما يلي وبالأسعار الثابتة:
| 2004 |
2003 |
2002 |
2001 |
2000 |
العام |
| 1.7 |
1.3 |
4.1 |
3.6 |
0.6 |
معدل النمو % |
ولكن
بقي متوسط دخل الفرد من الناتج القومي
بحدود 1100 دولار سنوياً، حيث كان
في عام 2000 مقدار 55389 ل.س وعام
2004 مقدار 64483 ل.س( )، أما الاستثمارات
فقد تراجعت نسبتها إلى إجمالي الناتج
الإجمالي عما كانت عليه عام 1985
وبلغت معدلاتها كما يلي:
| 2003 |
2000 |
1995 |
1990 |
1985 |
العام |
| 22.25 |
17 |
22 |
19.52 |
33.16 |
معدل الاستثمار
% |
وإذا كان التطور يأتي من البحث العلمي
فإن سورية كغيرها من البلاد العربية
لم تعط هذا الموضوع أهمية وبمقارنة
مع إسرائيل التي تخصص 2.4% من ناتجها
القومي، كانت ما تخصصه البلاد العربية
كما يلي:
| سورية |
مصر |
تونس |
الأردن |
الكويت |
الإمارات |
البلد |
| 0.2 |
0.2 |
0.2 |
0.3 |
0.2 |
0.6 |
مخصصات البحث
العلمي % |
أما
في المجال الزراعي فإننا نملك كل
مقومات الانطلاق. فنحن ننتج بحدود
5 مليون طن حبوب ـ مليون طن قطن ـ
3.5 مليون طن خضار وفواكه، ولدينا
بحدود 16 مليون رأس بقر و18 مليون
رأس غنم وعندنا 70 مليون شجرة زيتون..
إلخ، وإذا ما استثمرت هذه الثروة
فإننا نكون قادرين على بناء صناعة
قوية قادرة على امتصاص البطالة وخلق
القيمة المضافة وتحقيق الربحية وتأسيس
الاكتفاء الذاتي، وتصدير القسم الفائض
منها.
وباعتبارنا من الدول النامية فإنه
مطلوب منا تفعيل معدلات التنمية عن
طريق الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة،
ونقترح أن نبدأ من الصناعة لأنها
تطور القطاعات الأخرى دون إهمال الزراعة
والخدمات، ولهذا نحن بأمس الحاجة
إلى (الصناعة التصنيعية) وخاصة في
ظل ظروفنا الحالية ولسنا بحاجة إلى
التكنولوجية المعلبة، أي استيراد
خطوط إنتاج متكاملة أو آلات منفردة.
فالاعتماد على استيراد المشاريع الجاهزة
يعمق الهوة التكنولوجية، كما أن قطاع
الصناعة يتشابك بعلاقات أفقية وعمودية
مع كل القطاعات الأخرى. وإن تفعيل
النشاط التصنيعي يؤدي إلى تنويع النشاط
الاقتصادي، لكن يشترط التوجه نحو
تطوير القوى الإنتاجية، لأن استخدام
وسائل إنتاج متخلفة تؤدي إلى تجديد
التخلف بطريقة عصرية.
من أهم ما نعانيه الآن هو سيطرة التجارة
على الصناعة، وبرأينا العكس يجب أن
يكون، لأن الصناعة المتطورة تخلق
تجارة متطورة والعكس غير صحيح، بسبب
أن الإنتاج هو نقطة الانطلاق في الدورة
الاقتصادية، وأن استهلاك السلع (المادية
والخدمية) يتطلب إنتاجها أولاً. لذلك
فمستوى التطور التجاري يتوقف على
مستوى التطور الصناعي، ومقدار التخلف
في الصناعة يتناسب طرداً مع مدى عطالة
الموارد الطبيعية والبشرية والمالية
وهذا يتناسب مع عدم استغلالها ومع
درجة التخلف الصناعي. ومدخلنا للخروج
من هذه الإشكالية هو:
1- ضرورة الاستفادة الكاملة من القاعدة
العلمية الموجودة.
2- السعي لتأمين البنية الأساسية
الحديثة من مدن صناعية ومرافئ وطرق.
3- استغلال الميزة النسبية الموجودة
عندنا.
4- الاستفادة من الأسواق العالمية
وتخصصها.
5- اعتماد التقنية الحديثة والمناسبة.
ونظراً لأهمية الصناعة في الاقتصاد
الوطني، فقد خصصت اليابان 85% من
قروضها إلى القطاعات الإنتاجية و15%
إلى القطاعات الأخرى. فلذلك نعتقد
أن الاستثمار الصناعي عندنا أهم من
الاستثمار العقاري رغم أهميته، كما
أننا بأمس الحاجة إلى تدخل الدولة
في الحياة الاقتصادية، وتحولها من
دولة وصائية إلى دولة تنموية ذات
برامج محددة زمنياً ووفق مؤشرات واضحة
بعيدة عن التعميم والضبابية، وهذا
ما اتبعته ماليزيا في بداية نهضتها
الاقتصادية، ومن ثم انتقلت إلى الخطوة
الثانية (بالتوجه نحو التصدير) واشترطت
أن تصدر أي شركة جديدة أكثر من 50%
من إنتاجها السنوي، بينما عندنا لا
تزال شركات القطاع العام تعمل بعقلية
الستينيات كما أكد أحد الخبراء الأوربيون.
إن الدور الملقى على عاتق الدولة
حالياً كبير جداً، لأن الدولة القوية
هي التي تولد في أحضانها الأسواق
القوية وتكون قادرة على إنجاز التنمية
الشاملة وصياغة قرارها الوطني المستقل.
ودورها يكون من خلال توجيه (السياسة
النقدية والمالية والتجارية والاستثمارية)
واستخدام هذه الأدوات بشكل أفضل مع
امتلاكها لقطاع حكومي قوي. فالعبرة
ليست في كبر القطاع العام وإنما في
قوته.
وعلى سبيل المثال: توقع السيد عبد
الله الدردري بأن معدلات البطالة
ستصل إلى 18% إذا استمرت مؤشرات النمو
وفق المعدلات التالية، ونحن نحتاج
إلى معدل نمو 7% وهذا يحتاج إلى 53%
من الناتج المحلي الإجمالي على شكل
استثمارات وزيادة عدد الجامعيين من
وسطي اليد العاملة حيث تشكل الآن
7% ونسبة الابتدائي 66%( ). لذلك
نرى أنه من غير المناسب التوجه نحو
عدم الاستثمار في القطاع العام، وخاصة
في ظل تراجع استثمارات القطاع الخاص
الداخلي والخارجي، بل يجب التوسع
الاستثماري في كل القطاعات.
كما أننا لا نزال نعاني من ضعف القيمة
المضافة، وبالتالي تدني قيمة الصادرات،
فإن وسطي سعر طن واحد مستوردات هو
32 ألف ل.س والصادرات 8 آلاف ل.س(
)، لأننا نصدر قطن ـ حبوب ـ نفط خام،
أي مواد أولية تشكل 75% من إجمالي
صادراتنا ونستورد كومبيوترات وقطع
غيار.. إلخ.
إن تحقيق الانطلاقة الاقتصادية يتطلب
وجود إدارة اقتصادية تعرف ماذا تريد
وكيف تفعل استغلال الموارد المتاحة،
فعلى صعيد القطاع العام إننا نقترح
ضرورة تطبيق وتفعيل قرار القيادة
القطرية رقم 82 لعام 2000 والذي حدد
طرق أداء القطاع العام الصناعي وفق
المبادئ التالية:
1- مبدأ الإدارة الاقتصادية.
2- الاستقلال المالي وعدم ربط القطاع
العام بخزينة الدولة عن طريق فائض
الموازنة والسيولة.
3- تطبيق مبدأ فصل الإدارة عن الملكية.
4- الاستعانة بشركات إدارية داخلية
وخارجية.
5- إخضاع القطاع العام لقانون أحكام
التجارة.
6- تحديد العلاقة مع وزارة المالية.
7- وزارة الصناعة هي الجهة الوحيدة
المخولة والمشرفة على الشركات الصناعية.
لكن ما نراه على أرض الواقع هو زيادة
البعد بين المواقع الإدارية من خلال
النتائج المحققة وبين المطلوب منها
بدليل تراكم المخازين الكبيرة سلسلة
الخسائر المتزايدة وتراجع الإنتاجية
والقدرة التنافسية وزيادة التكاليف..
إلخ. ونجد تفسير ذلك في القاعدة الإدارية
التي تقول: " كلما انخفضت كفاءة المسؤول
الإداري كلما اضطر إلى اختيار مرؤوسين
أقل كفاءة ".
فعلى صعيد منتجاتنا نعاني من تضخيم
التكاليف بعوامل لا تمت للعملية الإنتاجية
بصلة، ومعروف أن التكلفة ككرة الثلج
كلما تدحرجت كلما كبرت، إننا بأمس
الحاجة إلى تفعيل الأحزمة الناقلة
ما بين مواقع القرار وبين المراكز
الاقتصادية، وأن تغيير طبيعة إدارة
القطاع العام بحيث يخرج من الإدارة
الوصائية من خلال تنفيذ الأوامر الصادرة
من الأعلى وبأن يعمل وفق اقتصاد السوق.
وحسناً فعلت القيادة القطرية باعتمادها
اقتصاد السوق الاجتماعي، حيث حددت
هوية اقتصادنا بأنه يعمل وفق آلية
السوق المنضبطة، دون إطلاق العنان
لآلية السوق العمياء. وأن تكون الأهداف
الاجتماعية في مقدمة طموحاتنا، وكما
قال السيد الرئيس: " إن الازدهار
الاقتصادي كلمة واضحة لها محوران
أساسيان هما زيادة فرص العمل ورفع
مستوى المعيشة للمواطنين، وبدون الازدهار
الاجتماعي فإن أشكال الازدهار الأخرى
تكون مؤقتة أو كاذبة أو وهمية "،
مع الإشارة إلى أن جوهر اقتصاد السوق
الاجتماعي تختلف من بلد إلى آخر فهناك
[النموذج الياباني ـ الألماني ـ الاسكندنافي
ـ الصيني]. ويجب أن نراعي أن اقتصاد
السوق يجب أن يراعي التفاعل القائم
بينها [سوق العمل ـ سوق الرساميل
ـ سوق السلع] ولقد أكدت الخطة الخمسية
العاشرة بأن من أهم أهدافها هي: [رفع
مستوى المعيشة ومكافحة البطالة](
).
إذاً لا بد لنا من التحول نحو الربح
والربحية، لأن أي خسارة في أي موقع
هو أشبه بالسرطان الذي يتفشى في جسم
المنشأة حتى ينهيها. ولا سيما في
ظل التحديات التي نواجهها سواء كانت
تحديات داخلية أم إقليمية أم خارجية.
وأن تعتمد سياسة التغيير الدائم في
الإنتاج لأن الإنتاج النمطي يفقدنا
مواقعنا التسويقية. لأنه كما يقولون
لكل داء دواء ما عدا داء الحاجات
فالحاجة تلد حاجة أخرى، يجب أن نتأقلم
مع التغييرات لكن بشكل إيجابي.
أيها الزملاء: أعرف أن لغة الاقتصاد
لغة مملة لذلك سأنهي مداخلتي بمقطع
للشاعر الكبير نزار قباني:
فكرت في تطبيع علاقاتنا العاطفية
ـ قبل أن يصل المقاولون والمتعهدون
وتجار الشنطة ومندوب صندوق النقد
الدولي وممثلو الغات وقائد حلف الناتو
ورئيس مجلس إدارة النظام العالمي
الجديد وعندئذ يكون كل شيء جاهز للتوقيع
على شهادة وفاة التاريخ العربي بالسكتة
القلبية.