المتأمل
للمشهد السياسي العربي الراهن يخرج
بنتيجة أساسية مفادها أن الأمة العربية
والإسلامية تعيش على إيقاع الصراع
بين أجندتين: الأولى هي أجندة الإرهاب
سواء ذلك الذي يمارس عليها من قبل
الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية أو
ذلك المزروع في قلبها متوسلاً بمظلة
إسلامية هي بريئة منه ومما يقوم به،
أما الأجندة الثانية فهي أجندة المقاومة
بمعانيها وقواها ومستوياتها المختلفة:
السياسية والثقافية والاجتماعية والجهادية
سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان
أو في غيرهم من بلادنا العربية والإسلامية.
* بين هاتين الأجندتين يتشكل المشهد
السياسي العربي الراهن، وفي ضوء تفاعلهما
وتطورهما يتشكل أيضاً مستقبله؛ وهو
الأمر الذي يحتاج إلى أكبر قدر من
التحليل والتأمل في الأجندتين: مفاهيم،
وقضايا، واقعاً ومستقبلاً فماذا عنهما؟
المحور الأول- تعريف الإرهاب:
لعل مفهوم الإرهاب من أكثر المفاهيم
التباساً في الفكر السياسي العالمي
المعاصر، والذي من كثرة سوء استخدامه
أضحى مفهوماً سيء السمعة، سيء المعنى،
ونحسبه لذلك يحتاج إلى إعادة تعريف
أو إعادة تحرير للمصطلح مجدداً في
ضوء المتغيرات السياسية التي ألمت
بالأمة خلال السنوات التالية لأحداث
11/9/2001.
في البداية إذا ما قدمنا تعريفاً
مبسطاً ومباشراً لهذا المفهوم الملتبس،
فإنه يعني [أي استخدام للعنف العشوائي
أو المنظم ضد أبرياء بهدف ترويعهم
ولتحقيق مآرب سياسية أو مصلحية]،
إلا أن التعريف الأشمل لهذا المفهوم
الذي أُسيء استخدامه حين انتقل إلى
حقل السياسة الدولية المعاصرة، يشي
بإشارات أعمق، وأعقد، خاصة عندما
يتصل بقضايانا العربية والإسلامية،
يمكننا حصرها في سؤالين رئيسين الأول:
ماذا نعني بالإرهاب أي ما هو التعريف
الأشمل له والثاني: ما هي الدوافع
الكامنة خلف الإرهاب. وفي الإجابة
عن السؤال الأول يمكننا حصرها في
العناصر الثلاثة التالية:
(1) الإرهاب من حيث طبيعته: فهناك
إرهاب سياسي، وهناك بنفس الدرجة إرهاب
عقائدي وهناك ثقافي وإرهاب اقتصادي
فإذا قصدنا بالإرهاب في أحد مستوياته:
استخدام العنف السياسي والتوسل به
لتحقيق (أهداف سياسية)، فإنه أيضاً
قد يستخدم (العنف الثقافي) لتحقيق
أهداف ثقافية أو اجتماعية، ومن قبيل
ذلك على سبيل المثال ما تمثله الحروب
الثقافية التي مورست ضد عالمنا العربي
والإسلامي خلال الآونة الأخيرة لوصم
كل ما يتصل بثقافتنا وهويتنا بأنه
إرهاب أو بأنها ثقافة " موت " لأنها
تبجل الاستشهاد في سبيل الوطن وضد
الاحتلال وتمجده؛ هذا الاتهام الإعلامي
والثقافي والإلحاح عليه يمثل في أحد
أوجهه إرهاباً ثقافياً منظماً ومقصوداً
ضد ثقافة أخرى لا يجوز، ولا يحق للآخر
وصمها بهكذا صفات دون تفحص لأسبابها
ومعانيها وقيمها، ونفس الأمر يقال
عما قامت به أمريكا تجاه ثقافات أمريكا
اللاتينية، والصين بل والهنود الحمر
أنفسهم.
(2) الإرهاب من حيث وسائله: فهناك
إرهاب فردي، وهناك إرهاب جماعي تقوم
به منظمات وهناك إرهاب دولة، الأول
نجده في حالات فردية داخل المجتمعات
نتيجة للشعور بالظلم أو الاضطهاد
أو كرد فعل للاستبداد الحاكم، أما
الثاني فتمارسه منظمات لها هياكلها
الحاكمة ولها أيديولوجياتها الموجهة،
وهذا النمط من المنظمات يشيع في غالب
عالمنا المعاصر بما في ذلك أوربا
وأمريكا ذاتها، وليس في بلادنا العربية
والإسلامية فحسب، أما الصنف الثالث
من الإرهاب (وهو إرهاب الدولة) فخير
مثال له هو حالة أمريكا تجاه العالم
وتحديداً حالتها الآن في العراق،
وحالة إسرائيل تجاه المنطقة وبخاصة
تجاه الشعب الفلسطيني.
(3) الإرهاب من حيث مجاله الجغرافي:
حيث نرصد في هذا الصدد نوعين من الإرهاب:
الأول محلي ومجاله، هو الدولة الموجود
بها التنظيم أو الجماعة الممارسة
للعنف، حتى لو ادعى تواصلاً مع غيره
من التنظيمات الإرهابية خارج نطاق
هذه الدولة، في هذا المجال أمامنا
نموذج قريب إلى الذاكرة وإلى الواقع،
ألا وهو تنظيم ما يسمى بـ " جند الشام
"، في سورية، بكل أحداثه ووقائعه
الأخيرة، والجماعة السلفية المجاهدة
في الجزائر أو بادرماينهوف الألمانية،
والنوع الثاني عالمي، حيث مجاله العالم
أجمع، ولقد شاهدنا نماذج له في الآونة
الأخيرة، فالبعض من المراقبين يدخل
(تنظيم القاعدة) في هذه الدائرة من
دوائر الإرهاب العالمي، وإن وصف إرهابه
بأنه رد فعل على إرهاب دولي آخر هو
(الإرهاب الأمريكي) الذي تمارسه الدولة
الأمريكية تجاه العالم أجمع.
دوافع الإرهاب
ثانياً: وإذا ما انتقلنا إلى السؤال
الرئيسي الثاني في رؤيتنا لقضية الإرهاب،
والمتصل بالدوافع أو الأسباب الكامنة
خلف نشوء الإرهاب ثم استمراره بعد
ذلك، فإنه يمكننا حصرها في أسباب
داخلية وأخرى خارجية، الأولى دائماً
يكون الاستبداد السياسي والشعور بالظلم
الاجتماعي هما العاملان الأساسيان
لنشوء الإرهاب واستمراره، وإذا ما
أضفنا إلى ذلك الفهم العقائدي أو
السياسي المغلوط للدين أو للعقيدة
السياسية وتصور أنها لا تتحقق إلا
بالعنف، فإن ذلك ينتج غلوّاً وإرهاباً
عادة ما تكون نتائجه عكسية وفي غير
صالح ممارسه، أما (الأسباب الخارجية)
التي تنشئ الإرهاب وتساعد على استمراره
فيأتي في مقدمتها صراع المصالح العالمية
وسياسات الهيمنة التي تمارسها دول
كبرى في مقدمتها إسرائيل وأمريكا،
والتي في سبيلها لتحقيق هذه الهيمنة
تمارس إرهاباً دولياً منظماً تجاه
أبرياء، ينتج بالتبعية إرهاباً مضاداً
له (ما حدث في 11/9/2001 كنموذج)
ولكنه ينتج أيضاً مقاومة مشروعة،
تعلم أين ومتى تضرب هذه الهيمنة (والنماذج
على ذلك عديدة يأتي في مقدمتها: المقاومة
العراقية والفلسطينية واللبنانية
والتي سنفصّلها لاحقاً)، وتأتي الحركات
العالمية المناهضة للعولمة باحتجاجاتها
السلمية.
بين أمريكا والإسلام:
* نخلص مما سبق إلى أن مفهوم (الإرهاب):
معنى ودافع، مفهوم معقد لا ينبغي
التعامل معه بسطحية أو باستسهال معرفي
أو سياسي، ولكي نزيد المعنى، إيضاحاً،
نود أن نؤكد في نهاية هذا المحور
من محاور هذه المداخلة على قضيتين
أساسيتين الأولى أننا نعتبر الولايات
المتحدة الأمريكية في سياساتها تجاه
العالم خلال تاريخها الحديث إجمالاً
وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001
بخاصة، هي خير مثال على ما نعنيه
بالإرهاب: مصطلحاً وطبيعة ووسائل
وحقائق التاريخ الإنساني منذ إبادة
الهنود الحمر حتى إبادة العراق الدولة،
مروراً بهيروشيما وناغازاكي وفيتنام
يؤكد ذلك، إلا أن الخطير في الأمر
أن التعريف الأمريكي للإرهاب ثم ممارسته
وترجمته له تجاه عالمنا المعاصر قد
أدى إلى زيادة الإرهاب في العالم
بدلاً من أن يقلله، وهنا نقدم أحدث
وثيقة أمريكية تؤكد ذلك والتي يتلخص
مضمونها في أنه بعد تبنيها تعريفاً
أوسع للإرهاب، رفعت الولايات المتحدة
تقديراتها الرسمية للهجمات الإرهابية
على مستوى العالم في عام 2004 إلى
3192 هجوماً بزيادة خمسة أضعاف مقارنة
بـ 650 هجوماً في عام 2003.
وأظهرت قاعدة بيانات تحليلية - نشرها
على الإنترنيت المركز القومي لمكافحة
الإرهاب في الولايات المتحدة - أن
الهجمات الإرهابية خلفت 6060 قتيلاً،
و16091 مصاباً، بالإضافة إلى احتجاز
6282 رهينة في شتى أنحاء العالم،
أي أن إجمالي الضحايا بلغ 28433 شخصاً.
وكان نصيب الشرق الأوسط ومنطقة الخليج
37% من إجمالي الهجمات الإرهابية،
مقابل 33% لمنطقة جنوب آسيا، في حين
وقع 27% من إجمالي الهجمات في العراق
وحده، بما يعادل 866 هجوماً خلّفت
2708 قتلى، و5711 مصاباً، و222 مخطوفاً،
ووقعت خمس هجمات إرهابية فقط في الولايات
المتحدة في 2004.
وبموجب التعريف الجديد، شملت الهجمات
الإرهابية أي عنف سياسي من جماعات
متطرفة ضد المدنيين وغير المقاتلين،
ومن بينهم عناصر الشرطة وكوادر الجيش
خارج ساحات القتال بهدف تغيير الحكومة
في أي دولة.
كما تم التخلي عن شرط أن يخلف الهجوم
ضرراً مادياً يقدر بعشرة آلاف دولار،
أو إصابات خطيرة، حيث شمل التعريف
الجديد للإرهاب أي اعتداء يؤدي إلى
إصابات، أو أضرار دون تحديد حجمها،
بما في ذلك الهجمات ضد القوات الأمريكية
في العراق.
أما القضية الثانية: فهي أنه نظراً
لما بات شائعاً (وهو في ظني غير صحيح)
على مستوى الصراع الدولي اليوم من
أن من يقوم بالإرهاب العشوائي هي
جماعات تلتحف براية الإسلام وترفعها
في وجه العالم وكان للدعاية الأمريكية
والإسرائيلية دوراً في ترويج ذلك،
وكان أيضاً للفهم الخاطئ لكلمة ومعنى
الجهاد لدى بعض الجماعات الإسلامية
دور في ذلك، نقول في هذا الصدد إن
الإسلام عقيدة وحضارة بريء من هكذا
أفعال، الإسلام الذي نعرفه يقرّ بـ
(المقاومة) ولكنه يرفض الإرهاب، يعلي
من راية الجهاد حين تنتهك الحرمات
ويُعتدي على الوطن أو العقيدة أو
الأمة، ولكنه لا يقتل الأبرياء لمجرد
الانتقام من حكوماتهم الظالمة أو
الكافرة، كما يروج من يرتكب أعمال
العنف والإرهاب العشوائي من تنظيمات
تنسب نفسها إلى الإسلام ظلماً وعدواناً،
وفي هذا المعنى يجمع العلماء التقاة
من شتى المذاهب والفرق على حرمة مثل
هذه الأعمال، وشذوذها لأنها تستهدف
بالأساس أبرياء، حرم الله قتلهم،
بل وساوى - سبحانه وتعالى - بين قتل
نفس واحدة منها " كمن قتل الناس جميعاً
" وأياً كانت التبريرات التي تساق
هنا فإن الحرمة واضحة وحججها قاطعة،
وفي هذا المعنى يؤكد الله سبحانه
وتعالى على عقد الأمان والسلامة حتى
للمشركين طالما لا يقاتلوننا فيقول
(وإن أحداً من المشركين استجارك فآجره
حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)
[التوبة: 6] وقوله تعالى: (وقاتلوا
في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا
تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)
[البقرة: 190].
* هاتان القضيتان من المهم دائماً
التأكيد عليهما عند قيامنا بأية مقاربة
مفاهيمية أو سياسية، لأن من يمارس
الإرهاب فعلاً (أمريكا ـ إسرائيل
وأتباعهما في الغرب والشرق) دائماً
ما يحتج علينا - وبجرأة لا يحسدون
عليها - بأن إسلامنا دين إرهابي،
وبأنهما دعاة حضارة وحوار وتسامح،
وهما أمران غير صحيحين بالمرة، والدلالة
على ذلك لا تحتاج إلى تكرار.
المحور الثاني- المقاومة:
* نأتي بعد ذلك إلى المفهوم الثاني
الذي يمثل الأجندة الثانية الحاكمة
لحال أمتنا في مواجهة الإرهاب المعولم،
إرهاب أمريكا والعرب والكيان الصهيوني،
ونقصد به (أجندة المقاومة)؛ وهو المفهوم
الذي تعمّد غالب الفقه السياسي الاستعماري
الغربي طيلة المائتي عام الماضية
من تاريخنا أن يسميه (إرهاباً)، في
تناول عنصري فج لحق الشعوب في الحرية
والاستقلال، وفي ثنائية أخلاقية شديدة
القبح حين يعتبر مقاومته للفاشية
وللنازية الهتلرية (مثلاً) مقاومة،
وحين يعتبر قضية إحراق اليهود في
أفران النازي؛ حقيقة وضحاياه من أنبل
المقاومين للنازية، ويستحقون هم وأحفادهم،
أن يظلوا مبتزين للعالم سارقين لدولة
بأكملها (فلسطين كمثال)، أما من يقاوم
الاحتلال العسكري الواضح والجلي في
فلسطين أو العراق، أو لبنان أو سورية،
فهو في عرفهم (إرهابي)، هذه (المقاومة)
كمفهوم تحتاج في تقديرنا - هي الأخرى
- إلى إعادة تعريف أمام هذا السيل
من الالتباسات المقصودة من قبل حكام
عالمنا المعاصر، والمهيمنين عليه؛
وبإيجاز نعتقد أن (المقاومة) هي:
فعل استنهاض ثقافي واجتماعي وسياسي
وعسكري ضد احتلال أو هيمنة أجنبية
على أرض الوطن، وتهدد ثقافته وهويته
ووجوده). المقاومة بهذه المعنى أعقد
وأعمق من مجرد العمل العسكري القتالي
المباشر وإن كان هذا العمل يمثل أحد
أبرز مستويات (المقاومة) ولكنه ليس
كل المستويات ولا كل الأبعاد لمفهوم
المقاومة، فبالنسبة لدور الديمقراطية
- على سبيل المثال - سوف نكتشف أن
الشعوب الحرة هي وحدها الشعوب القادرة
على المقاومة فالعبيد لا يقاتلون
والمستبد لا يقاوم، وأمامنا ثلاثة
أمثلة عربية حديثة تؤكد هذا المعنى:
المقاومة اللبنانية المجاهدة بقيادة
حزب الله والتي واجهت طيلة 18 عاماً
(1982-2000) الاحتلال الصهيوني للجنوب
اللبناني، والذي كان قد وصل إلى العاصمة
بيروت ذاتها؛ وكيف أن هذه المقاومة،
انطلقت ونمت وقويت في بيئة مواتية،
بيئة ديمقراطية رغم طائفيتها الدينية
(19 طائفة)، بيئة لم يكن يهيمن عليها
الرأي الواحد أو الحاكم والحزب الأوحد،
والتجربة الثانية: المقاومة الفلسطينية،
التي يعود سر بقائها وتجددها وحيويتها
الدائمة طيلة المائة عام الماضية
إلى عدم وجود الحاكم المستبد أو السلطة
المنفردة بالقرار حتى لو كان (قراراً
للمقاومة)، إن استمرار انتفاضات الشعب
الفلسطيني منذ العشرينات من القرن
الماضي لخير دليل على الديمقراطية
الحاكمة لبنية هذا الشعب ولنمط حياته،
التجربة الثالثة هي التجربة العراقية،
والتي إذا ما فصلنا بوضوح بين أعمال
العنف الأعمى ضد المدنيين الأبرياء
التي جرت طيلة الفترة التالية لسقوط
بغداد (أبريل 2003) وبين المقاومة
المسلحة أو المقاومة السياسية للاحتلال
ولأعوانه، وإذا ما تأملنا قوة وبسالة
هذه المقاومة ضد قوات الاحتلال وقارناها
بحال العراق إبان حكم صدام حسين،
وكيف أن العراق في عهده لم يقاوم
بنفس الكفاءة والقوة، لعلمنا أهمية
أن يكون الحاكم ونظامه ديمقراطياً
كي يستطيع أن يقاوم أو يصمد في وجه
المحتل وينتصر عليه.
* إذن المقاومة بهذا المعنى الذي
أشرنا إليه أضحت هي قدر هذه المنطقة
من العالم (المنطقة العربية)، تلك
المنطقة التي اختارتها واشنطن لتكون
ميداناً لضرب النار ولوحة للتدشين
على العالم في آن واحد، اختارتها
لتجرب فيها نموذجها الديمقراطي (الإرهابي
إن صح القول) الذي تريد تعميمه على
العالم بعد أن صاغه " ثلاثي المحافظون
الجدد ولوبي تجار السلاح واللوبي
اليهودي "، الذين يحكمون واشنطن الآن؛
هذا النموذج الذي يستخدم كلمات وتعبيرات
(الديمقراطية) و(الإصلاح) ليمرر من
خلالها سياسات الهيمنة وإعادة تشكيل
العالم مجدداً بعد أن يفككه عرقياً
وطائفياً وسياسياً؛ وبعد أن ينفذ
فيه فلسفته المسماة (بالفوضى الخلاقة)،
لا يصح في تقديرنا لمواجهته سوى (المقاومة
الخلاقة) وهنا تأتي أهمية التمييز
والتمايز بين المفهومين، وأهمية الإلحاح
العلمي والسياسي للفرز بينهما في
كل وقت وفي كل حين.
* إن مفهوم الإرهاب الذي راج في أدبيات
القوى العالمية المهيمنة إلى حد انتهاكها
لمواثيق الأمم المتحدة كي تمرر هي
مفاهيمها عن الإرهاب، أضحى يحتاج
بدوره إلى تحديد عالمي جديد، قد يكون
ذلك من خلال مؤتمر دولي توضح فيه
المعايير التي على أساسها يُسمى هذا
الفعل أو ذاك إرهاباً، ويسمى الآخر
مقاومة، وقد يكون ذلك من خلال القنوات
العالمية الراهنة التي تمثل ما تبقى
شرعياً من الشرعية الدولية أو العدالة
الدولية المنتهكة (مثل بعض المنظمات
المتفرعة عن الأمم المتحدة، وبعض
التجمعات العالمية الخارجة عن نطاق
السيطرة الأمريكية مثل تجمعات جنوب
شرق آسيا وتجمعات أمريكا اللاتينية
وحركات مناهضة العولمة، كل هذه الجهود
نحتاجها الآن لمواجهة هذا الابتذال
الشديد في توظيف المفهوم وفي سوء
استخدامه من قبل واشنطن وبعض عواصم
الهيمنة العالمية المعاصرة، وعلى
جامعتنا العربية ومنظمات المجتمع
المدني وحقوق الإنسان العربي على
تنوعها (وهي تزيد اليوم في الوطن
العربي عن ألف منظمة وجمعية) أن تبذل
جهوداً في هذا المجال، وأن تنسق مع
بعضها البعض لمواجهة التعريفات المبتذلة
وسيئة القصد لهذا المفهوم، والتي
تخلطه عمداً تارة بالإسلام، وتارة
بحركات المقاومة العربية المناضلة
ضد الاحتلال في العراق وفلسطين ولبنان.
* إن قدر الأمة العربية، بعد زلزال
العراق، وبعد أن صار (الإرهاب الأمريكي)
داخل البيت وليس خارجه، أن تعيش هذه
الأمة مستقطبة وموصولة بأجندتين متداخلتين
وتؤثر إحداهما في الأخرى، صعوداً
وهبوطاً، مداً وجزراً: أجندتي (الإرهاب)
و(المقاومة) ولا فكاك لهذه الأمة
من ذلك الاستقطاب إلا بتحديد قاطع
وصريح لخيارها الذي لا بديل له والذي
لا نحسبه يحتاج إلى تذكير: إنه خيار
المقاومة، وفي داخل هذا الخيار ومعه
فليتنافس المتنافسون، والله أعلم.