الشكر
الجزيل لدار البعث، ومديرها العام
على هذه الندوة والتي وإن جاءت متأخرة،
فإنها جيدة ولعلها تمثل مدخلاً إلى
عمل جديد نستطيع أن نكون من خلاله
بمستوى ما يحدث لنا جميعاً.
قضية الإرهاب إنما هي قضية راهنة،
بمعنى آخر لا أتحدث عن الإرهاب بعمومه،
وإنما أتحدث عن الإرهاب بوصفه الآن
مصطلحاً، أخذ يكتسب أبعاده وخصوصياته،
مع نشأة النظام العالمي الجديد، هذه
هي المرحلة الأولى، المرحلة الثانية،
ستتبلور مع بروز الحادي عشر من أيلول.
النظام العالمي الجديد أتى وقدّم
مبدأً أساسياً صاغته فلسفة ما بعد
الحداثة، بمعنى آخر هنا نضع يدنا
على علاقة وثيقة بين النظام العالمي
الجديد، وفلسفة ما بعد الحداثة، هذه
الفلسفة صاغت مسألة ذات أهمية كبرى
نعيش ذيولها المدوية الآن، وهي إننا
انتهينا من التاريخ القديم، من النظام
القديم ودخلنا عالماً جديداً، ومن
ثم هذا العالم الجديد بدأ يطرح فكرة
المابعديات، ما بعد التاريخ، ما بعد
السياسة، ما بعد الدولة، وكما هو
معروف، يأتي فوكوياما ليكرس هذا الموقف،
حينما يتحدث عن ذهاب التاريخ وما
بعده، يهمنا هنا التركيز على فكرة
أن النظام العالمي الجديد أتى وهو
يحتمل ظهور حالة جديدة من الإرهاب،
أما هذه الحالة الجديدة فتتأسس على
فكرة أن هذا النظام العالمي الجديد
أنهى العالم القديم، هنا ثنائية القديم
والجديد، الجديد يعني ضمن ما يعنيه
نهاية السياسة، نهاية المجتمع السياسي،
وبداية عالم جديد يتأسس على فعل قد
نطلق عليه - من خلال النشاطات التي
عشناها على مدى سنين - قد نطلق عليه
هذا المصطلح، الذي أصبح الآن واضحاً،
إنه مصطلح الإرهاب.
السياسة انتهت وأفسحت الطريق لفعل
آخر مختلف يتمثل في أن الدولة الكبرى
العظمى التي أخذت تمتلك الساحة الدولية،
أصبح لها الحق الكامل في أن تتصرف
وفق مصالحها، من هذه الزاوية نهاية
السياسة وبداية موقف جديد، نضع يدنا
على فكرة أخرى هي أن التعريف العريق
القديم الكلاسيكي لكلوزفيتز، النظري
العسكري الألماني الذي كان يقول إن
الحرب امتداد منطقي للسياسة، النظام
العالمي الجديد يحدث الآن شرخاً عميقاً
في هذه المقولة التي كانت صائبة في
حينه، لنرى أنفسنا أمام تهدم للسياسة،
وغياب لها وحضور مباشر للحرب، بحيث
إن حرباً تقود إلى حرب، وهذه تقود
إلى ثالثة، دون أن يكون هناك نمط
آخر بين الحربين، كنا نطلق عليه السياسة،
فالأساس المنهجي التاريخي لهذا الإرهاب
يتمثل في بروز النظام العالمي الجديد،
الأمر الثاني يتحدد في اليوم الذي
أتى فيه الحادي عشر من أيلول، في
هذا اليوم أخذ الإرهاب يتكرس بصيغة
مباشرة واضحة، كنا سابقاً تقريباً
أمام مبادئ أولية يُراد لها أن تفرض
نفسها على العالم، الآن مع الحادي
عشر من أيلول هذه السياسية، أو هذا
الموقف بدأ يأخذ صيغه الراهنة، الحادي
عشر من أيلول وضع العالم أمام ثنائية
مطلقة، وكلمة مطلقة، هنا، تعني أن
هذه الثنائية تقوم على طرفين إما
واحد منهما، وإما الآخر، فلا وجود
لطرف وحده مع الطرف الآخر، ومن ثم
فإن الحادي عشر من أيلول ينهي مفهوم
العلاقة، لم تعد هناك علاقة بين هذا
وذاك، وإنما أصبح هذا وحده الذي يمتلك
الوجود الوحيد والحقيقي، الحادي عشر
من أيلول إذاً أتى ليضع العالم أمام
هذه الفكرة الجديدة، إن العالم يقوم
على قدم واحدة، وهذا بطبيعة الحال
مخالف لطبائع الأشياء الاجتماعية،
والاقتصادية والسياسية، والإنسانية،
ويراد له أن يأخذ مداه الكامل.
إذاً الإرهاب المعني هنا هو مصطلح
تكوّن مع النظام العالمي الجديد،
واكتسب بنيته العملية مع الحادي عشر
من أيلول، ولذلك حديثنا هنا لا يقوم
على إرهاب ما قبل النظام العالمي
الجديد، وإن كان هذا الإرهاب موجوداً،
ولكنه كان ذا سمات مختلفة، حديثي
إذاً يتجه نحو هذا النمط من الإرهاب.
من هنا نلاحظ أن هذا الإرهاب أتى
ليقطف ثماراً موجودة في العالم، وهي
ثمارٌ في الحقيقة كانت من نتيجة الخراب
الذي أخذ يخترق قسماً كبيراً من المعمورة،
ومنها القسم الذي يتصل بالعالم العربي.
النظام العالمي الجديد لم يُحدث هذا
الاضطراب، وهذا الخراب في العالم،
هذا كان موجوداً، ولكنه سيصبح منطلقاً
لفعل جديد مؤسس على فكرة أن العالم
إنما هو عالم يقوم على إرهاب، وبالتالي
لا بد من مواجهته.
وإذا دققنا في مفهوم الإرهاب أكثر
نلاحظ أن كل المفاهيم التي كانت تنتمي
إلى العالم القديم، تحولت إلى نمط
من الإرهاب، القول بوجود دولة إرهاب،
القول بالسيادة إرهاب، القول بكل
الأنماط التي هيمنت قبل النظام العالمي
الجديد، أصبحت تمثل بالنسبة لهذا
الأخير إرهاباً، وبالتالي نلاحظ أن
رقعة الإرهاب اتسعت بشكل شامل وعميق
أمام النظام العالمي الجديد.
كان الإرهاب قبل النظام العالمي الجديد
محصوراً ببقعة بسيطة تلتحم فيها مجموعة
من القوى لتنتصر مجموعة منها على
أخرى، عسكرياً، أو بشكل آخر، الآن،
العالم كله تحول إلى رقعة واحدة لإنتاج
الإرهاب في نظر النظام العالمي الجديد،
لذلك نلاحظ أن المفاهيم التي قدمتها
العلوم السياسية والاستراتيجية سابقاً،
ومنها مفهوم السيادة والدولة، والوطنية،
والقومية، والمقاومة، والثقافة والخصوصية،
والهوية، كل هذا يتحول إلى خزان لا
ينفذ لإرهاب ينبغي أن يواجه، وبهذا
المعنى أوجدنا النظام العالمي الجديد
أمام حالة لم يوجد مثيل لها في التاريخ
السابق.
العالم القديم كله - هذا بتعبير النظام
العالمي الجديد - هو موضع إرهاب،
ومن ثم يحتاج إلى أن يواجه بكل الطرائق،
ولكن في مقدمتها الحرب، خصوصاً بعد
أن أخذت السياسة بمفهومها العمومي
تنحسر، ليحل محلها نمط واحد من التعامل
مع العالم وهو الحرب.
بهذا وذاك نلاحظ أن ما كان موجوداً
في العالم القديم، ومنه العالم العربي،
سيكرَّس ويسعَّر ويُجعل منه حالة
مفتوحة لاضطراب دائم، سأعطي نموذجاً
واحداً، الفساد الذي هيمن في معظم
العالم، ومن ضمنه العالم العربي،
هذا الفساد لم ينشأ مع النظام العالمي
الجديد وإن كان قد كُرّس كذلك من
قبل سابق النظام العالمي الجديد،
أي النظام الرأسمالي الاستعماري والإمبريالي،
الفساد، هذا الذي أخذ يجتاح المنطقة
في العالم ومنها منطقة الوطن العربي،
كان وما زال بمثابة استفزاز للنظام
العالمي الجديد، من أجل أن يجعل من
مقولة الإرهاب مقولة شمولية.
آتي بالمثال الذي أتي عليه، وهو الأصولية،
ظاهرة الأصولية: من الأشكال التي
اتبعتها الهجرة من الوطن، فالأصولية
هي في الحقيقة بالدرجة الأولى هي
حالة سياسية قبل أن تكون حالة دينية،
أو ثقافية، أو إيديولوجية، إنها حالة
سياسية مقترنة بحالة اقتصادية، وقد
عمت في أوساط من الشباب الذين أخذوا
يجتاحون العالم العربي دون أن يملكوا
حداً واحداً من الثلاثة التالية:
" العمل، الكرامة، العائلة "، هذه
الحدود المفتقدة جعلت جيوشاً من هؤلاء
الشباب يطمحون بالخروج إلى الخارج،
وهنا نشأ بالاعتبار السياسي النظري
نمط من أنماط الهجرة، مفهوم جديد
للهجرة، إنه نمط الهجرة باتجاهين،
باتجاه يؤدي إلى أبواب السفارات الأجنبية،
الأمريكية، الإنكليزية، الفرنسية،
ونمط آخر يؤدي إلى الهجرة إلى السماء.
أولئك الذين أخذوا يبحثون عن سعادتهم
خارج وطنهم، استطاع قسم منهم أن يذهب
ويحقق ما يريده بطريقة أو بأخرى،
لكن الإشكالية ظلت في نطاق من فضّل
الهجرة إلى السماء، حيث إننا سنضع
يدنا هنا على نمطين من الناس، واحد
اكتفى بأنه انعزل سليباً من كل الكرامة،
من كل الكفاية المادية، من كل الحرية،
قبل بذلك، وفريق آخر فضّل أن يواجه
هذا الطاغوت المتقدم من الخارج والداخل
فحمل السلاح.
إن الهجرة إلى السماء أنتجت هذين
النمطين من العمل، ويهمنا هنا الأمر
الثاني، من حمل السلاح قدم حالة هامة
للنظام العالمي الجديد، الذي بدأ
يستثمرها، نقول إن هذه الظاهرة نشأت
في الداخل، ولكنها سُعّرت من الخارج،
وبدأت تحمّل أكثر مما تحمله بأنها
الرهان الجديد لاختراق هذا العالم
العربي، والعوالم الأخرى.
ومن ثم فإن ظاهرة الإرهاب لها أصولها
ومرجعياتها الاجتماعية، والاقتصادية،
والسياسية، ولكنها بعد ذلك، بعد أن
تنفصل عن هذه المرجعيات انفصالاً
نسبياً، تأخذ لتبدو وكأنها حالة لا
علاقة لها بالواقع ذاته، هذا هو أحد
مخاطر الظاهرة الإرهابية، إنها تبدو
كأنها أصبحت منفصلة عن مرجعياتها،
لذلك لا نعرف من نحارب.
النظام العالمي الجديد اكتشف ذلك،
اكتشفه سوسيولوجياً واجتماعياً، واكتشفه
نظرياً، يهمنا في هذا وذاك أن نأتي
على فكرة أخيرة حاسمة: إن مواجهة
هذا الذي نتحدث عنه باسم حطام جديد
في العالم العربي، وفي معظم العالم،
إن مواجهة هذا الحطام لا بد أن تمرّ
على ثلاث مراحل:
أولاً- إعادة بناء الداخل، أي داخل،
من موقع رؤية جديدة ذات قدرة على
مواجهة الخارج، وهنا نضع يدنا على
فكرة جدلية الداخل والخارج، التي
بمقتضاها لا الخارج ولا أي فعل يأتي
من خارج الداخل يستطيع أن يصنع داخلاً
إن لم يستجيب هذا الداخل له.
ثانياً- إعادة بناء الداخل بصيغ محددة،
واضحة غير مغمغمة، إنها صيغ الديمقراطية
التي تعني على الأقل أمرين اثنين:
1-
إقرار غير مشروط بتعددية سياسية وحزبية
تامة. 2-
إقرار غير مشروط بمبدأ التداول السلمي
للسلطة.
ثالثاً- يتسم بضرورة العودة إلى من
نسميهم الشعوب، هذه القوة الهائلة
ما زالت موجودة، وإنما غيبت باسم
أنها تآكلت.. وهذا بالأصل ما آخّر
في بلورة النظام العالمي الجديد،
حين ألغى كذلك مقولة "الشعب"، مقولة
"الأمة"، اعتبرها منتمية إلى العالم
القديم، الآن ضمن المواجهة التاريخية
نجد أنفسنا مدعوين إلى إعادة بناء
مقولات اُعتقد أنها انتهت، إنها مقولة
الشعب، وبالتالي أقول إن مواجهة الإرهاب
الخارجي الأمريكي ـ الإسرائيلي، يجب
أن تُواجه كذلك من خلال مواجهة الاستبداد
الداخلي، لأن هذا وذاك، يلتحمان التحاماً
وظيفياً وسياسياً، مما يعني إن المقاومة
- وهذا ما أتى عليه الزميل الدكتور
- المقاومة لم تعد تعني مقاومة مسلحة
بقدر ما علينا الآن أن نأخذ بعين
الاعتبار المقولة التالية: إن المقاومة
المسلحة هي المجتمع المقاوم، المجتمع
المقاوم اقتصاداً، وسياسة، وإعلاماً،
وثقافةً، وكل ما يتصل بهذا الأمر،
وبهذا وذاك نجد أن مسألة الإرهاب
مسألة مركبة تحتاج إلى تحليل دقيق،
وحرية سياسية مفتوحة على كل الأطراف.
والشكر الجزيل