الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 

الخطة الخمسية العاشرة ودورها في التمهيد لاقتصاد السوق الاجتماعي

نص مداخلة أ. عبد الله الدردري

 

سأتحدث ببعض العموميات، ببعض المفاهيم، ثم ندخل بحوار مع بعضنا البعض، لأنني أريد أن أسمع منكم كما أريد أن تسمعوا مني، ونريد أن يكون هناك تبادلٌ للأفكار والحوار، لسنا أساتذة وتلاميذ، وإنما زملاء نحاول أن نتلمس فيما بيننا أفضل الآليات للانطلاق في هذا البرنامج الوطني الذي أقره المؤتمر القطري العاشر للحزب، وإذا اتفقنا على هذه القاعدة الثانية لحوارنا هذا اليوم العمل فسننطلق إن شاء الله.
أولاً: خيار اقتصاد السوق الاجتماعي هو خيار اتخذه حزب البعث العربي الاشتراكي، والحكومة حسب الدستور في سورية تنفذ التوجهات السياسية والسياسات الاقتصادية التي يقرها الحزب، من هنا فإن الحكومة الآن ومنذ حزيران 2005 تعمل على ترجمة هذا الخيار الواضح على شكل سياسات وبرامج واستراتيجيات، ومشاريع وخطط تبلورت بشكل عام في الخطة الخمسية العاشرة، وأيضاً يتم بلورتها الآن بشكل تفصيلي ببرنامج قصير المدى للإصلاح الاقتصادي سوف يعلن عنه قبل نهاية هذا العام، لكن أؤكد أن هذا البرنامج ليس فيه كلمة من خارج الخطة الخمسية، لكن الخطة الخمسية على مدى خمس سنوات، برنامج الإصلاح الاقتصادي هو محاولة لإفراد العناوين الاقتصادية الرئيسية في برنامج تنفيذي لمدة سنتين مع جدول زمني تفصيلي لدرجة أنه تفصيلي على مدى أشهر وربما أسابيع خلال هاتين السنتين مع مؤشرات واضحة للأداء والمتابعة والتنفيذ.
رغم أن الخطة الخمسية العاشرة تحدثت بوضوح عن اقتصاد السوق الاجتماعي، ومفهومه في هذه الخطة، ورغم أن المؤتمر القطري العاشر للحزب وضع 16 توصية في الشق الاقتصادي، ترجمت في الصفحة الأولى وعلى الصفحة الثانية من مقدمة الخطة الخمسية العاشرة، ترجمت بعنوان كيفية ترجمة مفاهيم المؤتمر القطري العاشر في الخطة الخمسية العاشرة، وكيفية ترجمة 16 التوصية في الشق الاقتصادي إلى سياسات وبرامج، وهذا هو تقاسم العمل المنطقي ما بين القيادة السياسية التي تضع التوجهات العامة وتضع السياسات العامة، وما بين السلطة التنفيذية التي تترجم هذه السياسات إلى برامج ومشاريع وغيرها.
لكن اسمحوا لي في البداية أن أعرج قليلاً على تعريف اقتصاد السوق الاجتماعي، وهذه القضية صراحة لا نهاية لها ولا حدود لها، إذا كان البعض يرغب في تبسيط الأمور، ونكتب تعريفاً من ثلاثة أسطر عن اقتصاد السوق الاجتماعي لا نحن ولا من هم أقدر منا في هذا الموضوع يملكون تعريفاً مختصراً مريحاً للذهن لاقتصاد السوق الاجتماعي.
وفي الواقع، في المسائل الاقتصادية برمتها، نحن لا نمتلك إجابات سهلة ومباشرة وبسيطة كما يطالبنا الكثير من الناس، فأرجو أن لا تتوقعوا منا أن تكون أجوبتنا سهلة مبسطة ومباشرة، هذا غير موجود، لا في علم الاقتصاد كعلم، ولا في السياسات الاقتصادية كسياسات تنفيذية، فنحن لا نمتلك تعريفاً مختصراً لاقتصاد السوق الاجتماعي.
اقتصاد السوق الاجتماعي هو خلاصة، أو تراكم خبرات تاريخية، بشروط مختلفة عن بعضها تماماً، منذ أيام كان لدينا في سورية خبير عالمي في هذا الموضوع، خبير ألماني، من أساتذة اقتصاد السوق الاجتماعي في العالم، ومع ذلك تحدث لمدة ساعة والكثير ممن سمعوه قالوا لم يأت بشيء جديد، كل ما قاله نعرفه، وطبيعي أنه لن يأتي بشيء جديد، لأننا في الحوار الاقتصادي إما أن نتحدث بعموميات يفهمها عامة الناس، وإما أن ندخل في تفاصيل معقدة لا يفهمها إلا الاختصاصيون جداً، ولا يوجد حل وسط.
سأحاول مع علمي الكامل بأن الأخوة الموجودين اليوم ليسوا مختصين في علم الاقتصاد كعلم، وسأحاول أن أتحدث بجمل مبسطة نوعاً ما في علم الاقتصاد، لأن أي تعمق يتطلب سبورة ومعادلات رياضية والآن معقدة لدرجة أنها تحتاج للحواسيب.
فأنا أقول لكم مثلاً أن أبسط نموذج رياضي تم تطويره في سورية للاقتصاد السوري فيه حوالي 300 معادلة رياضية، فأنا لا أستطيع في محاضرة أمام غير مختصين أن أشرح 300 معادلة رياضية، والعلاقات الرياضية بين العناصر الاقتصادية، فأكون أظلم نفسي أولاً، وأظلم الموجودين.
إذاً سنحاول أن أجيب أو نشرح بشكل عام ولغة عمومية.
اقتصاد السوق الاجتماعي هو نتاج تجربة ولدت في مكانين في العالم، الأول: أنها تجربة ولدت في رحم الاقتصاد الرأسمالي، اقتصاد السوق الاجتماعي هو اقتصاد السوق بالأساس، واقتصاد رأسمالي يعتمد الاقتصاد الحر، ويعتمد العرض والطلب والسعر كمؤشر لتوزيع الموارد الاقتصادية، ويؤمن بأن السعر والعرض والطلب أي آليات السوق هي الأداة الأكفأ لتوزيع الموارد الاقتصادية في الاقتصاد، لماذا ظهرت قضية الاجتماعي، ظهرت على شكلين مختلفين، الشكل الأول في اقتصاد السوق في الدول الأنغلو ساكسونية ـ الولايات المتحدة ـ بريطانيا ـ أستراليا، نيوزيلندا هذه الدول الأنغلو ساكسونية حالة خاصة لأنها طورت اقتصاد السوق الاجتماعي منذ بدايات اقتصاد السوق لدينا، هذه الدول التي تؤمن فلسفياً وسياسياً بأن اقتصاد السوق هو أكفأ أداة سياسية واجتماعية لتحقيق أفضل توزيع للموارد وللقوى، والثروات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.
إذاً اقتصاد السوق وشقه الاجتماعي في الدول الأنغلو ساكسونية نجم بعض تجارب طويلة من اقتصاد السوق، وكل التشوهات التي نجمت عنه، وحالات اللاعدالة التي نجمت عنه، لكن الدول الأنغلو ساكسونية الولايات المتحدة وبريطانيا طورت فيما بعد أنظمة حزم أمان اجتماعي تحاول أن تخفف من الآثار السلبية لاقتصاد السوق على الفئات الأضعف في المجتمع، لكنها لم تلغ إيمانها المطلق، بأن آليات السوق هي الأكثر كفاءة لتحقيق أفضل توزيع للثروات، وبالتالي نجد أن مؤسسات اقتصاد السوق الاجتماعي في الولايات المتحدة ضعيفة جداً، فأضعف حزم أمان اجتماعي (يعني صناديق تقاعد ونظام تأمين صحي) هي في الولايات المتحدة، في بريطانيا، طور البريطانيون ما يسمى " دولة الرفاه الاجتماعي " إدراكاً منهم لحالات الفقر واللاعدالة واللاتوازن في توزيع الدخل التي نجمت عن التطبيق المطلق لليد الخفية لآدم سميث في اقتصاد السوق، وطوروا دولة الرفاه الاجتماعي التي ظهرت وترجمت بشكل فعال، بشكل نظام تعويض البطالة، ونظام الضمان الصحي، الذي كان سائداً في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مرحلة التاتشرية، وأيضاً انعكس نظام الرفاه الاجتماعي ببرامج شبه الاشتراكية لحزب العمال البريطاني، بما في ذلك تأميم الكثير من الموارد الاقتصادية، في الاقتصاد البريطاني الذي بقي اقتصاد سوق، وهنا نقطة تؤكد أنه لا علاقة شديدة ما بين الملكية وما بين تطبيق آي آليات اقتصادية نريد في اقتصاد ما، وسنعرج بسرعة على هذه القضية.
نحن يمكن أن يكون لدينا ملكية عامة عبر جميع قطاعات الاقتصاد، لكنه يعمل بآليات السوق، لكن تجربة بريطانيا في اقتصاد الرفاه الاجتماعي واجهت مشاكل عنيفة جداً وكادت أن تؤدي إلى انهيارات اقتصادية واجتماعية في نهاية السبعينيات، وكان العلاج - حسب رأي الشعب البريطاني - هو في مرحلة التاتشرية، أي العودة إلى جذور اقتصاد السوق وهو الإيمان المطلق بأن اقتصاد السوق أي آلية العرض والطلب والسعر، والتدخل الأقل للدولة واستخدمت آنذاك تاتشر تعبيراً مشهوراً اسمه (إعادة ضب أو لف الدولة) وخصصت كل المؤسسات الاقتصادية في بريطانيا، وأطلقت العنان لاقتصاد السوق بمعناه المطلق، وبدأت التراجع في نظام الرعاية الصحية البريطاني الذي كانت تتميز به بريطانيا، وبدأ التراجع عن نظام الرعاية الصحية، ومن يعرف بريطانيا في الثمانينيات (وقد قدر لي أن أدرس في بريطانيا خلال هذه الفترة) فنظام الرعاية الصحي البريطاني أصبح من العبء، بأنه كاد يهدد بانهيار مالي كامل في بريطانيا، وضع الرعاية الصحي كاد أن يهدد بانهيار بريطانيا اقتصادياً انهياراً كاملاً في نهاية السبعينيات.
هذا أحد جوانب وباختصار الجانب الأنغلو ساكسوني أي الإيمان المطلق بأن اقتصاد السوق آليات العرض والطلب والسعر هي أكفأ آليات توزيع الثروة وتوزيع القوة بين فئات المجتمع، وهناك شق سياسي لأي نظام اقتصادي، وهذا شيء نعلمه جميعاً، هذه التجربة الأمريكية، وهناك الآن في الولايات المتحدة كما تعلمون، هذا الخلاف ما بين الحزب الديمقراطي الذي يؤمن باقتصاد السوق الاجتماعي، أي بضرورة وجود اقتصاد سوق، الديمقراطيون في أمريكا لا يؤمنون بمركزية الدولة نهائياً، ويؤمنون اقتصاد السوق تماماً، لكنهم يؤمنون أيضاً بضرورة وجود بعد اجتماعي هام، وضرورة وجود حزم أمان اجتماعي على شكل نظام ضمان صحي وعلى شكل نظام بطالة ، وغيرها من الأمور، يقابلهم في الجانب الآخر الجمهوريون الذين هم أقرب إلى المحافظين في بريطانيا والذين لا يؤمنون بتدخل الدولة في الاقتصاد، وإن كانت التجارب العملية، (ومن يحلل تاريخ الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة) نجد بكل وضوح بأنه لا الجمهوريين احترموا أيديولوجيتهم الكاملة لأنهم تدخلوا وأقاموا حزم أمان اجتماعي إدراكاً منهم بأن غياب حزم الأمان الاجتماعي يؤدي إلى انهيار نظامهم السياسي، ولا الديمقراطيين وصلوا في البعد الاجتماعي لاقتصاد السوق إلى ما كانوا يدعونه قبل الانتخابات دائماً، وتخلوا في كثير من الأحيان عن هذه المفاهيم.
نظام السوق الاجتماعي في أوربا يختلف عن الأنغلو ساكسون، منذ اليوم الأول ولأسباب تاريخية لا أستطيع أن أسردها اليوم، في أوربا ما يسمى أوربا القارية (أوربا ما عدا بريطانيا) كان هناك إيمان مطلق بأن البعد الاجتماعي يجب ألا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، أي أننا يجب أن نحقق توازناً ما بين كفاءة السوق وما بين العدالة الاجتماعية، ومنه ما نراه في الدول الاسكندنافية حيث هيمنة النظام الاجتماعي، عدالة التوزيع، حزم أمان اجتماعية مكثفة وقوية جداً، وما نراه في فرنسا ما يسمى النموذج الاجتماعي الفرنسي والذي يعاني من مشكلات وصراعات عنيفة شهدنا آخرها في الإضرابات الطلابية والعمالية، كلها إرهاصات وجود أزمة في النموذج الاجتماعي الفرنسي، الفرنسيون الذين لا يؤيدون هذا النموذج الاجتماعي يقولون لقد سبقنا الأنغلو ساكسون وأخذ مثالاً إيرلندا التي استطاعت أن تكون أول وأسرع نمو معدل، لأنها تخلت عن هذا النموذج الاجتماعي، بينما يقول آخرون إن فرنسا بتقاليدها الراسخة تؤمن بالبعد الاجتماعي للتنمية، وبالتالي لا بد من دور اجتماعي للدولة يوازن النتائج السلبية لاقتصاد السوق، هذا الشيء موجود في فرنسا، في ألمانيا ومعظم دول أوربا الغربية، وخاصة في إسكندنافيا، إذاً هناك نموذج قوي تاريخي لاقتصاد السوق الاجتماعي، ينبع أساساً من الفكر البسماركي في ألمانيا، وبسمارك وفكره حول دور الدولة، نظام التقاعد، نظام التأمين الصحي، كلها انبثقت في مرحلة بسمارك في ألمانيا، وأيضاً نتيجة الثورة الفرنسية وفكر العدالة الاجتماعية وغيرها، التي تبنت هذا الموضوع.
هناك نظام سوق اجتماعي ثالث، أتى من خلفية مختلفة من نظام آسيوي، أتى من خلفية دولة مركزية قوية جداً، كالصين، فيتنام، تايلاند، حتى الدول التي آمنت باقتصاد السوق، (سنغافورا) اقتصاد دولة قوي جداً، وكان للدولة هيمنة قوية جداً عليه، ومن هذه الاقتصادات المركزية الشديدة، اتجهوا يميناً نحو اقتصاد السوق الاجتماعي، بينما الغرب يؤمن أساساً باقتصاد السوق ونظريته الاقتصادية أساساً هي اقتصاد سوق حر ومطلق، اتجه يساراً نوعاً ما - إذا كان هذا التعبير صحيحاً لكن فقط للتبسيط وتذليل هذا الموضوع - اتجهت يساراً لكي يطوروا نظماً اجتماعياً تحقق العدالة، اتجهت هذه الأنظمة الآسيوية يميناً، وابتعدت عن الاقتصاد الاشتراكي المركزي الشديد الذي شهدته الصين وفيتنام، وأيضاً اقتصاد الدولة الشديد وإن لم يكن اقتصاداً اشتراكياً في دول آسيا الأخرى لتصل إلى نموذج من اقتصاد السوق الاجتماعي يوازن بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية.
لدينا نحن في سورية في كل هذا الخضم التاريخي الطويل المعقد المتوزع جغرافياً المتنوع تاريخياً، نحن في سورية وبعد تحليل معمق للواقع الاقتصادي الاجتماعي السوري، اقتصاد السوق الاجتماعي السوري يؤمن باقتصاد السوق، يعني إضافة كلمة اجتماعي على اقتصاد السوق لا يلغي اقتصاد السوق، وإلا قلنا اقتصاد اجتماعي، هذا القرار السياسي أتينا لنناقشه، اقتصاد السوق الاجتماعي هو أولاً اقتصاد سوق، يعني يؤمن بكفاءة آليات السوق في التوزيع الأفضل للموارد الاقتصادية، لكنه يدرك في الوقت نفسه بأن هناك ما يسمى حالات إخفاق السوق، لأن السوق ليس كما يقول الغربيون سوق الأنغلو ساكسون، يعالج نفسه بنفسه ويعالج حتى حالات عدم العدالة الاجتماعية، لا السوق لوحده لا يعالج نفسه بنفسه ولا يعالج حالات عدم العدالة الاجتماعية، إذاً اقتصاد السوق الاجتماعي السوري، نعم هناك إيمان بضرورة قيام اقتصاد سوق يعتمد التوزيع الأفضل للموارد عن طريق آلية السعر والعرض والطلب، والدخول والخروج الحر للفاعلين الاقتصاديين إلى العملية الاقتصادية، لكن هناك أيضاً قناعة مطلقة بأن السوق لا يعالج المشكلة الاجتماعية، وأن السوق بالحالة التنموية الراهنة سيؤدي إلى مزيد من اللاعدالة في التوزيع، يأتي البعد الاجتماعي ليتجسد في عدة مظاهر، أولاً بأن هناك دور للدولة للتدخل في حالات أخرى، كيف سيتم دور الدولة؟ في حالة السوق نفسه، ثانياً أن اقتصاد السوق حتى لو كان يعمل بكفاءة مطلقة لا يقابله في الوقت نفسه عدالة في توزيع البنية التحتية، عدالة في توفير التعليم، عدالة في توفير الصحة، عدالة في تأمين الطاقة الكهربائية، عدالة في توفير الصرف الصحي ومياه الشرب، عدالة في توزيع المراكز الثقافية، عدالة في توفير كل هذه الخدمات الاجتماعية التي نتحدث عنها، سيؤدي بنا إلى عدم تساوٍ في الفرص.
يجب القول بأن هناك بعدين لاقتصاد السوق الاجتماعي، البعد الأول يقول: إن اقتصاد السوق لوحده لا يضمن كفاءة مطلقة، لذلك نحن لسنا من المؤمنين بأنه لو ترك اقتصاد السوق لوحده دون تدخل للدولة فإن اقتصاد السوق سوف يعالج نفسه بنفسه، نحن لسنا من المؤمنين بذلك، نحن نؤمن باقتصاد السوق كفكرة أساسية من أن العرض والطلب ومؤشر السعر هو أكفأ أداة لتوزيع الموارد الاقتصادية، لكن هناك حالات خطيرة من إخفاق السوق لا يمكن أن يعالجها السوق أتوماتيكياً، فلا بد من تدخل الدولة لمعالجتها، هذا أولاً. وثانياً: وحتى لو كان السوق يعمل بكفاءة مطلقة ودون تدخل للدولة، فإن غياب العدالة في تأمين الخدمات الاجتماعية مجاناً في جانبي الصحة والتعليم وبأسعار مقبولة في باقي الخدمات سيؤدي إلى اختلال خطير في المساواة في الفرص بين المواطنين للاستفادة من النمو الذي سينجم عن اقتصاد السوق.
اقتصاد السوق الاجتماعي وهذا ما يختلف به ربما عن اقتصاد السوق الاشتراكي، لا نسعى نحو المساواة في الدخول، لأن المساواة في الدخول حالة فوضاوية لم تتحقق عبر التاريخ، وهي غير قابلة للاستدانة، المهم أن نحقق المساواة في الفرص، أن يكون أمام جميع المواطنين الفرصة لاكتساب ثمار النمو الحاصل على اقتصاد السوق، وكيف يمكن مواطن مقيم في أقاصي الريف أن يغتنم فرصة النمو الناشئة عن اقتصاد السوق، هي بأن تؤمن له الدولة البنية التحتية، والطرقات والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية، على الأقل الرعاية الصحية الأولية، والكهرباء بأسعار مقبولة والطاقة والاتصالات، والصرف الصحي ومياه الشرب، والرعاية الاجتماعية، والخدمات الثقافية التي تسمح لكل إنسان في سورية بأن يكون متساوياً مع أي إنسان آخر في الفرصة، بأن يستفيد من النمو الناجم عن اقتصاد السوق، لأنه لا يمكن أن ننكر بأن النمو الذي يحققه اقتصاد السوق هو أعلى من أي نمو يحققه أي نظام اقتصادي آخر.
أنا أعتقد بأن هذين البعدين في اقتصاد السوق الاجتماعي في سورية واضحين ولا يحتاجا إلى كثير من التفسيرات والتأويلات.
الآن، السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو لم نرَ شيئاً، وكل ما نراه هو مشكلات؟
أولاً: يجب أن ندرك بأننا في السنة الأولى لعملية انتقالية ستطول لسنوات، لن تقل عن 10-15 سنة، عندما اتخذ القرار السياسي بالانتقال إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، لا يوجد قرار سياسي بأنه يجب في صباح الغد أن نصبح اقتصاد سوق اجتماعي، نحن اليوم لسنا اقتصاد سوق اجتماعي، الخطة الخمسية العاشرة مهمتها الرئيسية أن تضع اللبنة المؤسساتية التشريعية السياساتية والبنية التحتية الفيزيائية التي تسمح بنجاح عملية الانتقال إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، أي نحن اليوم لسنا في اقتصاد السوق الاجتماعي، فتقييم المرحلة الحالية يجب ألا نقول بأننا جربنا اقتصاد السوق الاجتماعي وفشل ولاحظوا الأسعار، هذا خطأ تاريخي قاتل، فنحن لم نبدأ باقتصاد السوق الاجتماعي، فالطريق طويلة جداً، فقضية الغلاء وغيرها تعالج بالإدارة الاقتصادية اليومية، نحن نتحدث عن هذه الحكومة التي كلفها المؤتمر القطري العاشر للحزب في بدء الانتقال إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، متى بدأ هذا القرار؟ فنحن ما زلنا في السنة الأولى لعملية انتقالية طويلة، لكن أنا أقول إننا لو لم نتخذ هذا القرار، واستمرينا على سياساتنا الاقتصادية السابقة التي كانت موازية لمرحلة سابقة، ولم تعد مؤاتية لمرحلة لاحقة، وهذه سنة الكون، لكانت سورية دخلت في أزمة اختلالات مالية واقتصادية هيكلية خطيرة، لسنا بقادرين على مواجهتها، ما لم نتخذ هذا القرار الآن، ونواجه مفاعليها بعد 5 إلى 10 سنوات، أرجو أن يكون هذا الأمر واضحاً، قرار التحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي لم يكن ترفاً فكرياً، ولم يكن استجابة لضغوط خارجية لتغيير اسم اقتصادنا، هذا خطأ شديد، القيادة حللت الواقع الاقتصادي والاجتماعي والتنموي السوري منذ 1990 حتى 2004 واستنتجت بكل وضوح بأن الاستمرار في السياسات التي كانت، أو حتى الاستمرار في غياب السياسات التي سادت في تلك المرحلة، كان سيؤدي بنا إلى حالة اقتصادية وبالتالي اجتماعية لا قبل لنا في معالجتها فيما لو لم نعالجها الآن.
إذاً قرار الانتقال إلى اقتصاد السوق الاجتماعي هو قرار واعٍ، ناجم عن تحليل علمي ومسؤولية عالية جداً أظهرتها قيادة هذا البلد لضمان مستقبل أبناء هذا البلد، وإلا بصراحة كان يمكننا القول بأن ندفن رأسنا في الرمال وليتحمل الجيل القادم المسؤولية، هذا لا نقبله نحن، كحكومة، وبالتأكيد القيادة السياسية لن تقبله، لأنها قيادة تتحمل مسؤوليتها ولأننا حكومة نتحمل مسؤوليتنا.
ما هي متطلبات إنشاء اقتصاد السوق الاجتماعي؟ ماذا يعني اقتصاد السوق الاجتماعي عملياً على أرض الواقع؟
أولاً: وقبل كل شيء إزالة الاحتكارات وإقامة المنافسة، إن لم تتم إزالة الاحتكارات وإقامة منافسة حقيقية في السوق لا يوجد اقتصاد سوق، يوجد لدي فوضى اقتصادية يتحكم بها عدد قليل من المحتكرين، نحن نريد أن نبتعد عن هذه الحالة لا أن نسعى إليها، وما لم ننجز عملية التحول فإن الأسعار لا يمكن أن نضبطها لأنها تبقى أسعار احتكارية.
أهم مكون من مكونات اقتصاد السوق الاجتماعي حتى ببعده الاجتماعي هو قانون المنافسة، وآليات ضبط المنافسة، ومنع الممارسات الاحتكارية، أولاً وأخيراً، وصدور قانون المنافسة ووجود آلية أو هيئة أو مؤسسة ناظمة لعملية المنافسة ومنع الاحتكار هي الضمانة الأولى بأن السعر سيكون تنافسياً وليس ريعياً، وبأن المواطن يدفع أفضل ثمن ممكن لأحسن نوعية ممكنة، وهذه المهمة الأولى للدولة في اقتصاد السوق الاجتماعي.
ثانياً: توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، أي فتح الباب واسعاً للمشاركة الاقتصادية، وزيادة عدد الفاعلين العاملين الاقتصاديين بأكبر عدد ممكن، وهذا يتطلب ترسيخ المفاهيم الاقتصادية، أي حرية الدخول والخروج من الاقتصاد، وتوفر المعلومات عن الحالة الاقتصادية للجميع على قدر المساواة.
ماذا سنفعل نحن في الخطة الخمسية العاشرة لنرسخ اقتصاد السوق الاجتماعي؟ لنبنيه، وأؤكد أننا نحن في السنة الأولى لعملية التحول وعملياً في الأشهر الست الأولى من الخطة الخمسية التي ستقوم بالتحول.
أولاً: إقامة المنظومة التشريعية لاقتصاد السوق، لأن المنظومة التشريعية التي تحكم اقتصاد السوق ليست منظومة تشريعية لاقتصاد سوق، فنحن بحاجة إلى قانون المنافسة، وقانون شركات جديد، وقانون استثمار جديد، وقانون ضريبة جديد، وقانون قيمة مضافة، وقانون منع الاحتكار، وقانون منع الإغراق ومكافحة الممارسات الضارة بالتجارة الخارجية، ونحن بحاجة إلى تعديل جميع تشريعاتنا وقوانينا لتتجانس مع حماية الملكية الفكرية ومتطلبات منظمة التجارة العالمية، ومتطلبات منطقة التجارة العربية الحرة، والشراكة السورية الأوربية، وكل التزاماتنا باتفاقيات التجارة الحرة الثنائية.
إذاً نحن نتحدث عن إطار تشريعي مختلف تماماً، وبالتالي سيصدر خلال الأسابيع أو الأشهر والسنوات القادمة، هذا الإطار التشريعي الذي يحكم عملية اقتصاد السوق، يعني لم يعد بالإمكان أن يكون لدينا احتكارات لقطاع معين، وبالتالي يجب أن ينفتح الاقتصاد السوري ليسمح لجميع الفاعلين الاقتصاديين على أن يمارسوا النشاط الاقتصادي في جميع النشاطات.
مثال: نحن ملتزمون بأن نؤمن الطاقة الكهربائية لكل المواطنين في سورية، هذا يعني حسب معدلات الطلب الحالية محطة كهربائية جديدة طاقتها 500 ميغا واط سنوياً، بما أن إمكانيات الدولة لن تسمح لها بأن تؤمن محطة طاقة سنوية، لا بد أن نفسح المجال للقطاع الخاص لمساعدتنا في هذا الموضوع، ويصبح شريكاً لنا في هذا الموضوع، (وآليات الشراكة سنتحدث عنها).
ما هي الظروف التي تسمح بأن يدخل القطاع الخاص في عملية إنتاج الطاقة الكهربائية؟ لا بد لنا من قانون يسمح بهذا الشيء، لا بد لنا من آليات تضمن بأن المواطن تصله الطاقة الكهربائية بأحسن سعر وبأحسن كفاءة، ولا بد لنا من قانون يسمح بوجود منافسة يضمن للمستثمر الخاص بأن هناك منافسة عادلة بينه وبين مقدم الخدمة في القطاع العام، وإلا من سيقدم على استثمار 750 مليون دولار لبناء محطة طاقة كهربائية، وهو غير متيقن من أن المنافسة بينه وما بين مقدم الخدمة في القطاع العام منافسة شريفة ومتساوية، إذاًَ إطار تشريعي كامل.
ثانياً: إطار مؤسساتي كامل، ماذا نقصد بالإطار المؤسساتي؟ نحن سابقاً كنا نتولى إدارة الأسعار عبر دوريات التموين وفشلت التجربة، فلا أحد يستطيع أن يقول لي بأن تجربة السيطرة التموينية على الأسعار تجربة ناجحة، إضافة إلى إنه عندما كان الاقتصاد السوري منغلق نوعاً ما، وهو لم يكن مغلقاً بشكل كامل نهائياً، لكن منغلق نوعاً ما واعتمدنا سياسة إحلال الواردات لسنوات طويلة، ربما كان يمكن لسياسة التسعير الإداري أن تنجح، لكن اليوم لدينا الاقتصاد مفتوح، وكل شيء يسمح باستيراده، فكيف ستسيطر على الأسعار، بالدوريات التموينية؟ إذاً نحن بحاجة إلى جهاز ناظم للمنافسة، هو الذي يمنع الممارسات الاحتكارية التي تؤدي إلى أن الأسعار تكون أعلى من قيمتها الاقتصادية الحقيقية التنافسية، هناك سعر تنافسي لأي سلعة، وهذا السعر التنافسي يفرضه العرض والطلب وهامش الربح المقبول، أما الأرباح الريعية الناجمة عن الاحتكارات فهذا غير مقبول، لكن ما هو الجهاز؟ الجهاز المؤسسي هو ما يسمى المرفق الناظم للمنافسة، حتى الكلمات جديدة فما هو المرفق الناظم للمنافسة، حتى التعابير جديدة، أسماء المؤسسات التي ستسمعون بها خلال السنوات المقبلة كلها جديدة، المرفق الناظم للمنافسة في قطاع الاتصالات، لأنه في عام 2008 سيدخل ثالث مخدم للخليوي في سورية، وسيقدم القطاع الخاص عدداً كبيراً من خدمات الاتصالات في سورية، فمن سينظم المنافسة بين الجهات المخدمة والمقدمة للخدمة، لا بد لنا من مرفق ناظم للمنافسة. إذاً وعلى ذلك قس، هناك العشرات من المؤسسات التي ستظهر والعشرات من المؤسسات التي ستختفي، لأننا نتحول إلى اقتصاد سوق اجتماعي قوانينه ومؤسساته، وبالتالي كوادره والمهارات المطلوبة لإدارته مختلفة عن القوانين والتشريعات والمؤسسات والمهارات التي كانت مطلوبة لإدارة الاقتصاد في المرحلة السابقة، إذاً خلال السنوات الخمس المقبلة سنبدأ بالتشريعات وبالتوازي بالمؤسسات.
ثالثاً: البنية التحتية: لا بد من تطويرها بشكل جذري لتحقق هدفين، اقتصادي لأن البنية التحتية السورية اليوم وهو شيء إيجابي قد وصلت إلى أقصى ما تستطيع أن تصل إليه، فمرافقنا فيها من النشاط بحيث لم تعد تستطع أن تحتمل مزيداً من التجارة سوى بتوسيع هذه المرافق، وربما إقامة مرافق جديدة، والشيء نفسه ينطبق على أتوستراداتنا، وعلى السكك الحديدية السورية، وعلى كل البنية التحتية، بما فيها الطاقة والاتصالات، اليوم أي زيادة في حجم التجارة ونحن نخطط لزيادة 15% سنوياً في الصادرات، أي زيادة في حجم التجارة تتطلب بنية تحتية غير الموجودة حالياً، إذاً لغرض اقتصادي لا بد لنا من أن نطور البنية التحتية.
لكن هناك غرض اجتماعي ذكرناه في البداية، لن نقبل بأن تصل ثمار النمو الاقتصادي لجزر منعزلة من النمو في سورية، لذلك لا بد أن تصل البنية التحتية إلى كل قرية في سورية، من معايير التنمية البشرية ليس فقط كم تحصل على سعرات حرارية من الغذاء؟ من معايير التنمية البشرية كم تبعد قريتك عن طريق رئيسي، وكم تبعد عن أقرب مركز صحي، وكم تبعد عن أقرب مكان تتم فيه ولادة امرأة تحت رعاية صحية، وكم تبعد عن أقرب مركز للطاقة الكهربائية، وكم تبعد عن أقرب مركز للهاتف؟ هذه إضافة إلى عشرات المؤشرات الأخرى، هي معيار نجاحنا في إيصال البنية التحتية إلى كل مواطن في سورية، لأن المواطن ربما يكون في أقاصي الريف السوري شخص مبدع، لكن ما لم نصل إليه في البنية التحتية لن نستطيع أن نكتشف هذه الفرصة الكامنة، التي كان يستطيع بها هذا الشخص لو لم نصل إليه بالكهرباء والإنترنيت والاتصالات والطرق والصحة والتعليم، كيف يمكن أن نعمم فوائد اقتصاد السوق؟
إذاً خلال السنوات الخمس في الخطة الخمسية هناك تأهيل شامل للبنية التحتية السورية لتحقيق هذين الغرضين الاقتصادي والاجتماعي.
لدينا هدف رابع أساسي، هو الخدمات الاجتماعية، وأركز هنا على التعليم والصحة، لماذا التعليم والصحة؟ مرة أخرى توجهنا نحو التنمية الإنسانية، أي أن يكون الإنسان محور التنمية في سورية أولاً ليس جديداً " الإنسان غاية الحياة ومنطلق الحياة " أليس هذا شعارنا! وهو قديم ومن أيام الحركة التصحيحية، فالتركيز على محورية الإنسان في التنمية ليس جديداً في سورية، كل ما هو جديد هو آليات التركيز على الإنسان في التنمية في سورية، لماذا التعليم والصحة؟ قد يرى البعض بأن هذا سيكون على حساب النمو الاقتصادي، دعوني أقول نقطتين في هذا الموضوع، إذا كان التعليم والصحة على حساب النمو الاقتصادي ففي المرحلة القصيرة والمتوسطة لا بأس بذلك، الاقتصاد علم المفاضلات، إذا كان أمامي كصانع قرار اقتصادي خيارين نمو سريع لكن صحة وتعليم ضعيف، أو نمو أقل سرعة لكن صحة وتعليم أفضل، فالخيار في اقتصاد السوق الاجتماعي السوري هو صحة وتعليم أفضل، إذاً هذا خيار اجتماعي، لكن دعوني أقول بصراحة إنه خيار اقتصادي على المدى المتوسط والبعيد، بل أكثر من ذلك هو خيار " اقتصادوي " أي اقتصادي ضيق، أي نظرة اقتصادية ضيقة بحتة، كيف؟ المؤشرات الاقتصادية في سورية تقول بأن هناك تراجعاً في ما يسمى بإنتاجية مجمل عوامل الإنتاج، التي هي في نهاية المطاف إنتاجية اليد العاملة، والرأس المال المادي، والرأس المال المؤسساتي والعلمي، ومن يقرأ النظريات الاقتصادية الحديثة يرى بأن هناك هذا البعد الذي يُعبر عنه بإنتاجية عوامل الإنتاج، هذا البعد الذي لم يكن يركز عليه كثيراً في الماضي لأننا كنا نركز على كم رأس المال البشري؟ وكم رأس المال المادي؟ أصبحنا ننحو أكثر فأكثر، في النظريات الاقتصادية - مثل سولو - في الفترة الأخيرة، إلى أهمية هذا البعد المعبر عنه بإنتاجية عوامل الإنتاج، أساساً رأس المال البشري، وبأن تنافسية الدول فيما بينها، لا في مواردها البشرية ولا مواردها المادية، ولا حتى في موقعها الجغرافي، بل في رأسمالها البشري، واليابان أهم دليل على ذلك. إذاً التركيز على الصحة والتعليم لرفع نوعية رأس المال البشري السوري هو هدف اقتصادي وليس فقط هدفاً اجتماعياً، ليس ترفاً اجتماعياً، وأن الحكومة تحب المواطن فتمنحه تعليماً وصحة أكثر، لا، من وجهة نظر اقتصادية أنانية بحتة، أنا من مصلحتي أن أحسن من المستوى التعليمي والصحي للمواطن إضافة إلى كون التعليم والصحة من حقوق الإنسان ونحن مسؤوليتنا أن نضمن هذه الحقوق للمواطن السوري.
هذه الأبعاد الأربعة واضحة في ذهننا، نعرف إلى أين نتجه، لا يمكن أن أقدم لكم تعريفاً من ثلاثة أسطر لاقتصاد السوق الاجتماعي، أنا قدمت الآن محاولة لتبسيط واختصار، هو كمفهوم واضح لكن ترجمته على شكل سياسات وبرامج موضوع معقد وليس بالسهل.
النقطة الأخيرة التي أريد أن أقولها وتتعلق بدور الدولة، وهناك لبس ومثار حديث حول انسحاب الدولة، في اقتصاد السوق الاجتماعي، الدولة هي المحرك الرئيسي للاقتصاد، لكن يجب أن نميز ما بين الدولة كصانع سياسات، وما بين الدولة كمالك لبعض وسائل الإنتاج، في المرحلة الماضية كان دور الدولة كمالك لوسائل الإنتاج تتدخل في الاقتصاد هو الدور الرئيسي، وللأسف كان في كثير من الأحيان على حساب دورها الحقيقي، وهو الدولة المحركة للاقتصاد عبر إداراتها في السياسات الاقتصادية، في المرحلة المقبلة: اقتصاد السوق الاجتماعي للدولة دور أكبر وأخطر وأهم بكثير وأوسع من المرحلة الماضية، وهو أنها تمسك بزمام أمور السياسات الاقتصادية، النفطية والمالية، والاستثمارية والتجارة الخارجية، أليست هذه كلها سياسات هي التي تحرك الاقتصاد وتمسك الدولة بزمام أمورها؟ هذا لا ينفي أن يكون للدولة دور آخر وهو التدخل المباشر في السوق عند حالات إخفاق السوق، وهذا قائم، عن طريق مثلاً المؤسسة الاستهلاكية لتوفير سلع متوفرة في السوق، لكن السؤال هل هذه المؤسسة الاستهلاكية بحالتنا اليوم هي التي ستكون الذراع القوي للدولة للدخول في السوق؟ إذاً حتى لو أردنا أن يكون للدولة دور تدخلي في آليات السوق لا بد لنا من مؤسسات تعمل بعقلية السوق، لكي نتدخل بكفاءة في هذا الاقتصاد، (هذا أولاً).
ثانياً: لا يوجد في البرنامج لا من قريب ولا من بعيد برنامج لبيع الأصول الرأسمالية للدولة، أو ما يسمى بالخصخصة، لأنه يجب أن نكون واضحين في مفهوم الخصخصة، فالخصخصة هي بيع الأصول الرأسمالية التي تملكها الدولة إلى القطاع الخاص، (الأصول الرأسمالية تعني الأرض والآلات والمصانع، وسائل الإنتاج) لا يوجد هناك في الخطة ولا في برنامج الانتقال إلى اقتصاد السوق الاجتماعي بيع هذه الأصول، وهذا ناجم عن سببين، السبب الأول فكري أيديولوجي: نحن متمسكون ببقاء وجود القطاع العام لأنه يعبر عن فكر اقتصادي وسياسي في هذا البلد، لا بأس، هذا شيء محترم، ويجب أن نحترمه، وهذا نظامنا السياسي، لكن أيضاً هناك سبب آخر لو أتينا اليوم، ولو قررنا ببيع كل القطاع العام، فما هو ثمن هذا القطاع؟ لا شيء! فهل هناك عاقل يرمي بثروات استثمرنا فيها مليارات من مال المواطنين وعرقهم ودمهم بكل بساطة، لا يوجد أي داع أصلاً، لو كانت سورية دولة مدينة، وترزح تحت أعباء ديون خارجية كبيرة، وفرض عليها صندوق النقد الدولي برنامجاً للإصلاح الهيكلي، يعتمد أساساً على بيع أصول الدولة الرأسمالية، لمواجهة حالة عجز الموازنة، في هذه الحالة الأمر لا بد منه، (مجبر آخاك لا بطل) ولكن الوضع ليس كذلك، فنحن إذاً إما غير مضطرين ولا نرى ضرورة لذلك، الحكومة ترى وتوجيه المؤتمر القطري واضح، تطوير القطاع العام، تحسين أدائه، والأهم من ذلك يجب أن نفكر كيف يمكن لهذه الأصول الرأسمالية أن تشكل نواة شركات أكبر وأوسع، يتشارك فيها كل المواطنين السوريين، ونحن الآن نفكر في هذا الموضوع جدياً، لكن هناك فرق في طرح الأسهم كبيع، وبين طرح الأسهم كتوسع، (فبيع الأصول الرأسمالية كالشركة الخماسية " وهناك فرق بين الشركات المؤممة والشركات التي أسسناها شيء آخر فبيع هذه الشركة يسمى خصخصة " هذا أمر غير مقبول نهائياً)، لكن إذا كنا نملك شركة رأسمالية تقدر بـ 100 مليون دولار وهي تحتاج إلى 50 مليون دولار للتوسع لكي يصبح رأسمالها 150 مليون دولار، ما الذي يضيرنا بأن يمتلك المواطن السوري 50 مليون دولار الإضافية لكي تتوسع هذه الشركة، هذه فقط أحد الأفكار التي نفكر بها.
نحن الآن كما ذكرت في بداية العملية الانتقالية، أخطر ما يمكن أن يواجهنا اليوم هو التردد، أن نتردد في السير قدماً بهذا البرنامج، على أساس أننا لا نرى إلا النتائج السلبية لهذا الأمر، وأنا أختلف مع من لا يرى إلا السلبيات، لأن الأداء الاقتصادي السوري اليوم بجميع المؤشرات وشئنا أم أبينا، وأعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، هو أفضل بكثير من الأداء الاقتصادي السوري عما سبق، بمؤشرات النمو، والبطالة، والفقر، والإنتاجية، والصادرات، والواردات، والاستثمار، والتضخم، وكل المؤشرات الاقتصادية الكلية والمؤشرات الاجتماعية، ومؤشرات التعليم الأساسي، وتعليم الإناث، الصحة الأولية، ووفيات الأطفال، ووفيات الأمهات المرتبطة بالولادة، وغيرها من الأمور، كل المؤشرات السورية اليوم أفضل بكثير من عام 2000 وفي كثير من الأحيان أفضل بكثير مما خطط له أن يكون عام 2005، لذلك هذا الحديث المستمر عن سوء وتدهور الحالة، ويجب إيقاف البرنامج الإصلاحي الذي سبب في تدهور الأوضاع، هذا الأمر لا علمياً ليس صحيحاً ولا سياسياً مقبول، ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً منطقي، وغير صحيح على البتة، أنا لا أنكر بأن سورية تواجه صعوبات وتحديات هائلة، البطالة، والفقر، وضرورة تحقيق معدلات نمو أعلى، وتراجع في عدالة توزيع الدخل خلال الـ 15 سنة الماضية، هذا واقع، لكن القول بأنه لم يأتينا من الاقتصاد الجديد إلا السلبيات، فيجب إيقاف هذا البرنامج، هو أخطر ما يمكن أن نواجهه الآن، لأن البرنامج ما زال في بداياته، ولم تظهر نتائج هذا البرنامج بعد، فكيف نحكم على برنامج الإصلاح الاقتصادي وعلى اقتصاد السوق الاجتماعي؟ وهذا البرنامج ما زال في سنته الأولى، هذا لا يعني ألا نحكم على أدائنا أبداً، هذا شيء ثاني، نحن مسائلين من قبل الناس، لكن أرجو ألا يحكم على البرنامج من خلال مؤشرات اليوم والتي أؤكد في كل المقاييس هي أفضل بكثير مما كان عليه الحال عام 2000، لنأخذ بالاعتبار فقط أن عام 2000 كان معدل النمو الاقتصادي في سورية /-1/، عام 2005 معدل النمو /4.5%/ فهل يستطيع أحد أن يقول لي بأن الحالة اليوم أسوأ من الحالة عام 2000.
كل ما حاولت أن أقدمه اليوم هو أن أقدم تصور سورية والحكومة حول اقتصاد السوق الاجتماعي، أريد أولاً: أنه تصور في ذهن الحكومة واضح، وثانياً: أنه تصور متفق عليه في الحكومة، وليس هناك نهائياً أية فروقات ضمن الحكومة حول هذا التصور، لأننا دولة مؤسسات ولسنا دولة أفراد، يجب أن تكونوا على قناعة بذلك، فهو ليس تصور فلان من الناس، وإنما تصور جماعي للقيادة السياسية والحكومة مجتمعة، وأؤكد مرة أخرى وثانية وعاشرة نحن في السنة الأولى لبرنامج طويل يحتاج إلى جهد وتضافر جهود وإقدام وشجاعة وعدم تردد، أخطر ما يمكن أن يواجه هذا البرنامج هو التردد.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية