الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
الإعلام بين المهنية والتبعية
نص مداخلة د. مروان قبلان
 

لا يمكن فصل التبعية الإعلامية عن أنواع التبعية الأخرى التي تربط كما يقول ايمانويل والشتاين الأطراف إلى المركز، فالتبعية الإعلامية هي أحد أوجه التبعية الشاملة التي تشد الأطراف بقوة المركز وتجعلها معتمدة كلياً عليه. من جهة أخرى يوحي عنوان هذه الندوة أن المهنية والتبعية مفهومان متناقضان بشكل واضح، لكن الواقع أن المهنية ليست شرطاً لانتفاء التبعية، كما أن التبعية ليست شرطاً لانتفاء المهنية.. فجزء من الإعلام العربي يحاول إبراز هويته واستقلاليته، لكنه لا يفعل ذلك بشكل مهني، إنما يقدم نفسه بطريقة لا مهنية، ما يجعل تأثيره محدوداً وأحياناً شبه معدوم، وقد يؤدي في أحيان أخرى إلى عكس المطلوب. في حين أن هناك إعلاماً عربياً آخر تابع بشكل واضح، لكنه يستخدم أحدث الوسائل والأساليب التي تجعله فاعلاً ومؤثراً.
و بشكل عام لا يمكن القول إن هناك إعلاماً غير تابع، فالإعلام يعبر عن تبعيته الفكرية أو الاقتصادية (رأس المال) أو السياسية بشكل أو بآخر. وكل الإعلام تابع في نهاية المطاف، أقله في المجال التكنولوجي. فنحن لا ننتج التكنولوجيا، بل نستهلكها وهذا يؤثر على طريقة حياتنا كما يؤثر على قيمنا الفكرية والثقافية والاجتماعية. أما إذا كنا نقصد التبعية السياسية فالإعلام العربي شأنه شأن كل الإعلام في العالم، تابع إما للسلطة السياسية حيث يشكل بوقاً لها ولا يستطيع إلا أن يكون مدافعاً عنها بحق أو بغير حق، أو يخضع كما في حال الإعلام العربي الخاص إلى رأس المال الذي يحدد ما يجب له أن يقول وما لا يجب.
و إذا أخذنا مدخلات العملية الإعلامية وهي الكوادر الإعلامية والتكنولوجيا والخطاب الإعلامي، نجد أن الإعلام العربي جميعه في موقع التبعية بالنسبة للغرب المتطور. فجزء مهم من الكوادر الإعلامية العربية تتلقى تعليماً وخبرات غربية. أما الاعتماد على التكنولوجيا الغربية فيعتبر أوضح أشكال التبعية وأكثرها مباشرة. أما الخطاب الإعلامي العربي فلا يعدو في كثير من الأحيان ترجمة للمفاهيم الفكرية والثقافية والسياسية التي يبتكرها العرب ويسوقها على نطاق واسع. ويكفي للدلالة على ذلك تحليل بعض النصوص الإعلامية العربية حتى نجد أكثرها مترجم عن الإنكليزية (مثل الفوضى البناءة، عملية السلام، القانون الدولي......الخ). أما إذا شئنا الحديث عن المصادر، فرغم انخفاض تبعية الإعلام العربي في هذا المجال بسبب ظهور الفضائيات العربية التي أخذت تعتمد أكثر على مراسليها في موقع الحدث، مع ذلك ظلت وكالات الأنباء العالمية الخمس الكبرى تسيطر على جزء مهم من حجم مصادر المعلومات، وليس بينها وكالة أنباء عربية واحدة. وإذا اعتبرنا التقليد احد مظاهر التبعية فيكفي أن نقوم بجولة على الفضائيات العربية لنعرف حجم ارتباط الإعلام العربي بنظيره الغربي. إذ لا يوجد برنامج على الفضائيات إلا وله أصل في الإعلام الغربي بدءاً بالبرامج الحوارية إلى نشرات الأخبار إلى برامج التسلية إلى غيرها من المواد الإعلامية.
وبشكل عام يمكن تقسيم التبعية الإعلامية في العالم العربي إلى قسمين: التبعية للداخل (للسلطة السياسية) والتبعية للخارج والتي ذكرنا بعض وجوهها.
التبعية للداخل:
يتعرض الإعلام العربي إلى الكثير من النقد في هذا المجال، أغلبه محق، مثل تجاهله قضايا ذات حساسية معينة، أو غلبة الخطابات على البرامج الحوارية التلفزيونية، وغلبة الخطابات الإنشائية على مقالات الصحف أو تجاهلها لنقل أخبار داخلية حساسة... الخ. وهناك نقد لأولويات هذا الإعلام، التي تُعطي المساحة الرئيسة والواسعة للقضايا الهامشية من بين القضايا الملحة، في الوقت الذي تُترك القضايا الجدية والجوهرية والحاسمة في الهامش أو تحجب في الظلام، وهذا في نهاية المطاف يشكل نوعاً من أنواع التبعية للسلطة السياسية.
يعتقد بعض القائمين على الإعلام العربي الرسمي منه بشكل خاص أن عليه أن يقوم بتقديم الصورة الإيجابية للقضايا العربية والشخصية العربية، وأن يرسم الصورة الجذابة للعالم العربي في مواجهة الصورة النمطية السلبية والمشوهة التي يبثها الإعلام الغربي عن الإنسان والعالم العربيين. وينطلق هذا الاعتقاد من أن الإعلام يملك القدرة على صناعة الصورة وإعادة بنائها بشكل إيجابي وهو يفعل ذلك دفاعاً عن مصالحه وقضاياه وأصحابه، وبما أنه إعلام عربي ويعود إلى دولة بعينها، فعليه أن يخدم دعائياً سياسات وتوجهات هذه الدولة وموقفها من هذه القضايا.
ووفق هذا الطرح يصبح الإعلام بديلاً عن العمل الذي يتوجب على الدولة والمجتمع القيام به. وبدل أن يتابع المسؤولون مهماتهم في ميدان عملهم والإشراف على أعمالهم وتصحيح الخاطئ منها، يتحول كل العمل إلى عمل إعلامي، ويكون على المسؤول الاقتصادي أن يجلس في الاستديو أو يعطي لقاء لصحيفة، ليتحدث عن الصورة الوردية لاقتصاد البلد المزدهر، في الوقت الذي ينهار الوضع الاقتصادي فيها ويهبط إلى الحضيض.
لقد دفع واقع الإعلام الرسمي العربي المواطن العربي إلى أن يثق بكل وسائل الإعلام الأخرى، سوى وسائل إعلام بلده، التي يعتبرها أغلب المواطنين العرب وسائل إعلام مهمتها الترويج للسلطة السياسية وخدمة أغراضها. وليس أدل على ذلك، من لجوء المواطن العربي إلى وسائل الإعلام الخارجية للحصول على المعلومات والتحليل وهو ما يشكل مؤشراً بليغاً على مستوى ثقة المواطن العربي بإعلامه المحلي.
لم يختلف الوضع كثيراً مع انتشار البث الفضائي، وإن كان تحسّن على المستوى التقني، أما من حيث الجوهر وباستثناءات قليلة فقد حافظ الإعلام العربي على خصائصه الوظيفية القائمة على التمويه وإخفاء الحقائق.
أما على صعيد التبعية للخارج:
فإن الانقلاب العاصف لتقنيات الاتصال وانفجار القنبلة التلفزيونية الدولية ومحاولة الدول الصناعية الكبرى، المالكة لتقنيات الاتصالات فائقة التطور، إيصال البث التلفزيوني من الأقمار الصناعية مباشرة إلى البيوت - في جميع أنحاء العالم - دون الحاجة إلى المحطات الأرضية في ثلاث قارات متباعدة منذ أواخر القرن الماضي، أدى إلى عولمة الفضاء الإعلامي... بعد أن استطاعت احتكارات النشر الإعلامي، عولمة الصحف والإذاعات حتى منتصف القرن الماضي. فقد أنشأت الدول الكبرى المالكة للأقمار الصناعية ثلاثة مشاريع عملاقة في ثلاث قارات متباعدة لعولمة البث التلفزيوني من خلال إنشاء اليابان للنظام الدولي الأول للاتصالات المرئية ذي البث التلفزيوني المبتكر ومتعدد الاتجاهات. والمشروع التجاري الأمريكي الذي تطمح الشركات التجارية العابرة للقارات إلى إيصال إعلاناتها التجارية إلى مناطق واسعة من العالم من أجل اقتناص المستهلكين ولتصريف بضائعها ومن ثم إمطار بلدان العالم الثالث بالبرامج التي تهدد خصوصيات الأفراد والاستقلال الثقافي للدول. في حين يستطيع مركز التلفزيون العالمي الأوروبي إيصال البث التلفزيوني إلى شاشات التلفزة المنزلية والتقاط البرامج من محطات عالمية تفصل بينها مئات الآلاف من الأميال عن طريق القمر الصناعي الفرنسي ( تي. دي. في ) للبث التلفزيوني المباشر. وقد أدى تعاون هذه المشاريع الثلاثة الكبرى فيما بينها - إضافة إلى الاحتكارات الإعلامية المتكاملة لبيل غيتس الأمريكي وروبرت مردوخ الاسترالي وبرلسكوني الإيطالي وجاك لوك لاغادير الفرنسي وكونراد بلاك الألماني وغيرهم - إلى عولمة الإعلام من خلال تحويل الصحافة اليومية الوطنية إلى صحافة عالمية تطبع عن طريق الأقمار الصناعية في عواصم القارات الخمس، وتوزع في الوقت نفسه في جميع أنحاء العالم مع نشر- معظمها - مجاناً عن طريق الإنترنت، الذي أصبح ذاكرة العالم المعلوماتية مع تحول التلفزيون إلى راديو مرئي حيث أفرز التوجه نحو عولمة الإعلام ثلاثة مظاهر إعلامية - ثقافية على صعيد العالم:
1- إلغاء الحدود القائمة بين الدول بتحويلها إلى خطوط وهمية، مما أدى إلى فقدان الأنظمة المغلقة على نفسها، قدرتها على التحكّم بها والسيطرة عليها من جهة، ونشر ثقافة الكوكا كولا وإعلانات ومظاهر الحياة الغربية من أجل زرع قيم مجتمعاتها ( العنف والجنس والخيانة والعنصرية ) في بلدان العالم الثالث - ومنها بلادنا العربية - وقيام إعلامنا المتخلف بتقليدها ونشرها - بوعي أو بدونه - لتزييف وعي إنساننا مع قيام أنظمتنا بإساءة استعمال حرية الإعلام لحجب الحقائق عن المواطنين، فحدثت فجوة ثقافية كبيرة بين القيادة السياسية وبين الجماهير نتيجة عدم الثقة المتبادلة بينهما، فقام الإعلام المعادي - الذي يمثل الشخص الثالث - بالنفوذ بينهما، لبث سمومه من خلال خلطها ببعض الدسم.
2- ظهور تلفزيون الواقع ودمجه بالخيال العلمي لإنتاج المسلسلات والأفلام الناجحة والبرامج الخفيفة كالمنوعات ومسلسلات حرب النجوم وآل سمبسون وأفلام تيتانيك والمسلسلات العاطفية البرازيلية الطويلة والمسلسلات العائلية الألمانية والأفلام الوثائقية الأدبية والثقافية الفرنسية. وهي تلك البرامج والمسلسلات والأفلام التي تجاوزت حدود بلدانها المنتجة وفرضت نفسها على تلفزيونات العالم.
3- إنشاء بنوك المعلومات التي تعمل بالنظام المعلوماتي العالمي، والتي تعد ذاكرة العالم في عصر العولمة. وقد كانت صحيفة " النيويورك تايمز " سباقة لإنشاء بنك معلومات خاص بها عام 1972 بعد التطورات الهائلة في مجال تقنية الكومبيوتر، والذي وضع اللبنات الأساسية لإنشاء شبكة الانترنت بعد عام 1994. لقد حوَل الانترنيت العالم إلى قرية صغيرة لكنه تحول في الوقت نفسه إلى سلاح فعال دفع بأمريكا إلى قمة العالم اقتصاداً وتكنولوجيا ولغة حيث ثبت أن 88 % من معطيات الانترنيت هي باللغة الإنجليزية، مقابل 9 % بالألمانية و2 % بالفرنسية و1 % موزعة على كافة اللغات العالمية، وصارت أكثر من خمسمائة شركة متعددة الجنسيات تحكم اقتصاد العالم كله... إضافة إلى تحكم الولايات المتحدة بمواقع الانترنت الخارجية إلكترونياً مع إتاحة الحرية الكاملة لمواطنيها في استخدام الانترنت داخلياًً.
و هكذا فتحت ثورة الاتصالات صدرها الرحب ممهدة لقرن يسود فيه فراغ دولي برزت على أنقاضه هيمنة فكرية وسياسية واقتصادية, في توسع متزايد للفجوة التكنولوجية والمعرفية بين الشمال والجنوب.
والإعلام من بين مئات الأسلحة التي يستعملها "الاستعمار الجديد" ويسخرها لتحقيق أهدافه ومقاصده لدى " الأعداء-الأصدقاء ", وذلك راجع لكون دول العالم الثالث مجرد مستهلك لما ينتجه الغرب، وليس فاعلاً ومؤثراً. أمام هذا الكم الهائل من طرق انتقال المعلومة والخبر في سياق يبدو أكثر شفافية ووضوحاً يقف المواطن العربي موقف الحائر، فهو هارب من تسلط الدولة واحتكارها للثقافة والفن والإبداع برقابة تخل بأبسط مبادئ الحرية الفكرية، ليجد نفسه تحت رحمة " قوى خارجية " خلقت هذه المساحة الإعلامية الشاسعة -أو الحرة" كما يحلو لهم نعتها- لكي تمارس نوعاً جديداً من الحرب تم التخلي فيه عن أساليب الترويع والتخويف التقليدية لتحل محلها أساليب " الحنان الاستعماري ".
ولعل المتابع للفضاء السمعي-البصري الدولي سيستنتج أن الأفلام الهوليودية تغزو العالم - وخاصة العالم العربي لأنها تظهر العنف والجنس. ونجاحها في إخضاع المتفرج العربي يرجع بالأساس إلى ذاك الفراغ الإعلامي على المستوى الداخلي. فالمشاهد العربي الذي يفر من إعلام تقليدي على درجات عليا من الميوعة وتكرار المادة الإعلامية، يتلقفه النظام الإعلامي الجديد الذي يخفي تحت اسم الحرية والديمقراطية أهدافاً خبيثة تسعى إلى تغيير المفاهيم والقيم الاجتماعية للبلدان الأخرى، وعلى هذا الأساس أقيمت فضائية " الحرة " وقبلها إذاعة " سوا " حاملتين في جعبتهما خطاباً إمبريالياً حاولتا وتحاولان من خلاله حذف قاموسنا السياسي والإتيان بآخر، فراحتا تسميان الاحتلال الأمريكي في العراق بـ" التحرير ", والمقاومة بـ" الإرهاب ", وما إلى ذلك من اتهامات فارغة.
إن دور الدولة الوطنية وتحكمها في الإعلام وكل تبعاته قد تلاشى تماماً في بيئة لا نملك فيها أبسط آليات الصد والدفاع عن قيمنا ومعتقداتنا في الوقت الذي يزدادا فيه "الآخر القوي" قوة أمام عدم تواجد تخطيط إعلامي جدي في وطننا العربي.
ماهية الإعلام المنشود في ظل الرؤية الاستشرافية للمستقبل وتحديات العولمة الإعلامية:
يتجه النظام الإعلامي الدولي الجديد اتجاهاً اقتصادياً بحتاً كأداة للتسويق التجاري والسياسي نتيجة تخلي المؤسسات الإعلامية في الدول المهيمنة - عن وظائفها الرئيسية:و هي تقديم الأخبار بصدق وموضوعية والنقد بشفافية مع إساءة استعمال الصورة لأغراض الدعاية السياسية. فقد لوحظ أن الشبكات الأمريكية قد تصرفت - خلال الحرب على العراق - مثل شبكات التلفاز التي تديرها الدولة أكثر من تصرفها كإعلام حر وناقد. وإن قلة قليلة من الصحافيين فقط هي التي عبّرت عن غضبها من تخلي المؤسسات الإعلامية عن دورها. وهذا يعني أن ثمة تماهٍ اليوم بين الإعلام الأمريكي وإعلامنا العربي المتخلف عن ركب العصر - مع ملاحظة الفارق لأن هامش الحرية في الولايات المتحدة أوسع بكثير منه في عالمنا العربي في إطار القوانين المرعية.
مع ذلك فقد أدى تطور وسائل الإعلام والأداء الإعلامي في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة ودخولها في مجال الإعلام الفضائي من خلال إنشاء عشرات القنوات الفضائية إلى نشوء بعض ملامح نظام إعلامي عربي جديد يتماهى أحياناً مع النظام الإعلامي السابق أو يتميز عنه بالجديد التالي:
1- إنه إعلام غير مدون تتشكل ملامحه حاليا ضمن الممارسة اليومية للعملية الإعلامية، ليس من خلال تلبية الحاجات النفسية والاجتماعية للمواطنين وفق مستجدات العصر وتداعياتها أو تفاعلاتها وطنياً وقومياً ودولياً، وإنما انطلاقاً من رغبات القابضين على السلطة وممولي تلك القنوات دون اهتمام أو التزام بأخلاقيات المهن الإعلامية إلا ما ندر. ومن هنا فإن خطابه الإعلامي يحمل الكثير من بذور الشك في نواياه - لدى المتلقين - وعدم الاطمئنان إلى أهدافه والقائمين عليه على الصعيدين الرسمي والثقافي.
2- أصبح النظام الإعلامي الجديد خارج إطار الرقابة الرسمية لأن معظم برامجه وكذلك نشرات إخباره حية ومباشرة وانسيابية عابرة للحدود. غير أن الرقابة الذاتية التي يمارسها بعض معدي البرامج وبعض المشاركين فيها ممالأة للممولين أو مراعاة لبلد البث والنشر، تعد أشد وطأة وأكثر تأثيراً - في أحيان كثيرة - من الرقابة الرسمية أو المفروضة، لأن الرقابة الذاتية تشتط أحياناً في معاييرها الذاتية خوفاً من فقدان الامتيازات أو العقوبة أو الحرمان أو إهدار الكرامة.
3- يعد الإعلام سلاحاً ذا حدين، فهو من جهة مصدر للتنوير والتحديث وسلطة تغيير ديموقراطي في البلاد التي تؤمن بالتعددية وحقوق الإنسان واحترام الرأي الآخر، لكنه من جهة أخرى قد يصبح أداة للتخلف والتطرف وإشاعة الأوهام ومحرضاً للفوضى والتطرف في بلدان أخرى، ما يجعل التحول إلى إعلام مهني يتسم بالتسامح والنظرة الإنسانية في علاقتنا مع الآخر ضرورة ملحة وحيوية.
4- إن الأداء الإعلامي عملية ونظريات وأنظمة انعكاس للميراث الثقافي للأمم ولتراكم التقاليد الديمقراطية والمفاهيم والقيم الحضارية بأبعادها الإنسانية واحترامها للرأي الآخر، لهذا فإن الاستبداد الداخلي والخارجي المتسلط على المواطن في الأقطار العربية يؤدي إلى هندسة شخصيته وفق قوالب فكرية جاهزة بعيداً عن الموضوعية والحياد ( إما أن تكون معي أو ضدي ) مع تضخيم الذات أو العصبية القبلية دون نقد أو تقويم ودون إعمال الفكر للخلق والإبداع. فجاء أداء الخطاب الإعلامي العربي تبريرياً لأعمال القابضين على السلطة بدل أن يكون تحليلياً وناقداً. كما تقاعس ذلك الخطاب - في معظمه - عن أداء دوره في إخلاص ونزاهة مع تزيينه للأوهام بدل الحقائق مما أدى إلى تغييب وعي الجماهير نتيجة عدم اهتمامه بإنتاج الآراء في إطارها الصحيح وطنياً، وعدم إدراك حقائق العصر ومفاهيمه ومعطياته محلياً وقومياً ودولياً. ومن هنا فإننا بحاجة إلى صحوة تنويرية من خلال مواجهة حقائق العصر والتصدي لها بالبحث والنقد والتحليل بشجاعة وعقلانية، وذلك من خلال التخلي عن ثقافة الإنشاء وأساليب الخطابة الرنانة التي تطبع الخطاب الإعلامي العربي المعاصر لتعبئة الجماهير.
5- أدى نمو اقتصاديات الإعلام في العالم العربي بعد إنشاء مدن الإعلام العربية في دبي والقاهرة وعمان ولبنان والمغرب التي أصبحت مراكز لإلكترونيات الاتصالات ومأوى لشركات الإنتاج الإعلامية إلى نشوء صناعة الاتصالات، التي أضحت جزءاً من النظام الإعلامي العربي الجديد مسايرة لاتجاهات الإعلام الدولي الحديث.
6- يأخذ النظام الإعلامي العربي الجديد بالأسلوب التجاري في إدارة وتمويل وسائل الإعلام بعد أن شاركت الرساميل ورجال الأعمال والمؤسسات العربية في إنشاء معظم تلك الوسائل مثل قناة الجزيرة القطرية التي يبلغ رأسمالها حوالي 100مليون دولار وقناة الحياة LBC -حوالي 40 مليون دولار وقناة المستقبل اللبنانية مع صحيفتها 23 مليون دولار.
7- استطاعت الفضائيات العربية في النظام الإعلامي العربي الجديد رفع سقف الحريات العامة في الوطن العربي، وساهمت في دفع عجلة التطور الديمقراطي إلى الأمام ولكن معظم وسائل الإعلام لا تزال تحت تأثير نفوذ الجهات الممولة ومؤسسات الإعلان التي ترسم لها حدود المسموح والممنوع. غير أن ذلك النفوذ لم يتطور بعد إلى حد احتكار الأداء الإعلامي كما حدث في الغرب أو السيطرة الشخصية على معظم تلك الوسائل مثل مردوخ الأسترالي الذي يمتلك ثلث الصحافة البريطانية، وبرلسكوني الإيطالي الذي يمتلك معظم وسائل الإعلام الإيطالية.
8- أخذت بعض الفضائيات العربية بما لها من إمكانيات مادية وقدرة على الإبداع وشجاعة في طرح القضايا، بأسلوب المنافسة الحرة في النظام الإعلامي الجديد. وذلك من أجل تقديم المعلومات الدقيقة والمتابعة الجادة والمستمرة والمتجددة ( قناة أبو ظبي ) أو في الوصول إلى الحدث ونقل الأحداث مصورة من مواقعها وتحليل خلفياتها ( قناة الجزيرة ) بحيث إنها استطاعت أن تبز مثيلاتها الأجنبية في هذا المجال لاسيما خلال الحرب في أفغانستان والعراق.
9- رغم أن الإعلام الرسمي العربي متخلف عن مواكبة روح العصر ولم يستطع أن يجاري القرن الحادي والعشرين سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فإن النظام الإعلامي العربي الجديد بدأ يساير منطق عصر الإلكترونيات والإنترنت بحيث أصبحت معظم القنوات الفضائية العربية برلمانات شعبية تطرح القضايا الرئيسية التي تشغل بال الرأي العام العربي على بساط البحث والمناقشة وبذلك فقد تحولت تلك الفضائيات إلى مؤسسات فكرية - سياسية سابقة للواقع الإعلامي العربي الرسمي القائم في الأقطار العربية.
10- يتمتع النظام الإعلامي الجديد بالجماهيرية الواسعة بعد أن استطاع تقديم الخطاب الإعلامي بأنماطه المختلفة بأسلوب جديد لم تألفه وسائل الإعلام العربية الرسمية مثل اعتماد المراسلين في معظم عواصم العالم لبحث قضايا الساعة أو لنقل الأحداث من مواقعها. وقد ساعد ذلك على توسيع دائرة المنتفعين والمتابعين في الأقطار العربية والبلاد الأجنبية لاسيما وأن معظم خدماتها تقدم مجاناً، إضافة إلى سهولة الحصول على تقنيات الاتصالات نتيجة رخص أثمانها بحيث باتت في متناول الجميع.
كل ذلك إضافة إلى تراكم الخبرة الإعلامية والممارسة الديمقراطية وارتفاع سقف الحريات في بلادنا سيفتح آفاقا رحبة أمام الإعلام العربي ويجعله أقل تبعية للسلطة السياسية أو للفضاء الدولي المعولم.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية