أسعدتم
صباحاً، واسمحوا لي بداية أن أعبر
باسم الجمهور عن شكرنا الجزيل لدار
البعث لما تقوم به من ندوات في غاية
الأهمية، وتحاول أن تسلط الضوء على
كثير من القضايا ذات الطبيعة الراهنة،
أو الإشكالية.
ضمن برنامج دار البعث في هذا الإطار
نلتقي اليوم لنناقش موضوعاً على غاية
كبيرة من الحساسية والأهمية والراهنية
ألا وهو موضوع الإصلاح العربي.
الإصلاح العربي بين ضرورات الداخل
وضغوطات الخارج.
طبعاً هذا الموضوع ليس جديداً، لقد
نوقش منذ سنوات عديدة بشكل واسع في
ندوات كثيرة وملتقيات عديدة، في حلقات
بحث كثيرة وعقدت من أجله مجموعة من
الملتقيات الخاصة، وأصبح اليوم تقريباً
الموضوع المحوري الذي كلما اجتمع
مثقفان أو أكثر، يتحدثان عن هذا الموضوع،
يتفقان أو يختلفان حول هذه المسألة
شديدة الأهمية.
كما أسمح لنفسي باسمكم أيضاً أن أرحب
بالسادة الذين يجب ألا نقول عنهم
ضيوفاً لأنهم في بلدهم، في سورية،
الشقيقين من المغرب:
الأستاذ: المقرئ الإدريسي أبو زيد
عضو الأمانة العامة لحزب العدالة
والتنمية في المغرب، وهو نائب برلماني
وأستاذ اللسانيات في جامعة الحسن
الثاني.
الأستاذ الدكتور: عبد العلي حامي
الدين عضو المجلس الوطني لحزب العدالة
والتنمية في المغرب، أستاذ القانون
الدستوري في جامعة طنجة.
الأستاذ الدكتور: محمد سماق معاون
وزير الصناعة، وهو معروف لديكم جميعاً.
أخوتي الأعزاء: أيضاً أحاول أن أستغل
هذا المنبر لأتحدث بدقيقتين أقل أو
أكثر عن مسألة الإصلاح.
مسألة الإصلاح هي ليست مسألة حديثة،
كما يعتقد البعض أو أنها وليدة التسعينيات
أو اليوم أو بعد أن طرحها السيد بوش
وطرحت في مشروع الشرق الأوسط الكبير،
هكذا يتخيل البعض ويكتب بعض المثقفين
بأنها مسألة جديدة ومستجدة.
مسألة الإصلاح كما نعلم جميعاً هي
مسألة متداولة على نطاق واسع في المنطقة
العربية منذ القرن التاسع عشر، وتعلمون
جميعاً بأن هناك كثيراً من الكتاب
والمفكرين المعروفين في الوطن العربي
تعرضوا لهذه المسألة إما مباشرة أو
بصورة غير مباشرة، والكل منّا يتذكر
ما كتبه رفاعة الطهطاوي، وطه حسين،
وما كتبه علي عبد الرازق في الإسلام
وأصول الحكم، وما كتبه أيضاً عبد
الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد
وأم القرى، وما كتبه الإمام محمد
عبده، وما كتبه جمال الدين الأفغاني،
ومن بلاد المغرب العربي خير الدين
التونسي، والثعالبي، وعبد الحميد
بن باديس، هذه الأسماء الكثيرة كلها
كتبت في الإصلاح بطريقة أو بأخرى،
إما الإصلاح الديني، أو الاجتماعي،
أو السياسي.
ثم ظهرت مجموعة من الأحزاب في هذه
النقطة سواء كانت على أسس ليبرالية،
أو على أسس تحررية، أو على أسس اجتماعية،
كلها تأثرت بمسألة الإصلاح ونادت
بالإصلاح، ثم ظهرت الحركات السياسية
المعروفة منذ الخمسينيات إلى اليوم.
إذاً مسألة الإصلاح ليست جديدة وليست
مستجدة، كما يتوهم البعض وكما يخيل
إليهم، وهناك دراسات ومؤلفات كثيرة
وأبحاث عديدة حول هذا الموضوع، تناولته
من الوجهة التاريخية، أو الفلسفية،
أو السياسية، لا نريد أن نتوقف عندها
طويلاً.
هناك اليوم بعد أن طرح موضوع الإصلاح
بقوة في التسعينيات بشكل خاص، ظهرت
مجموعة من المسائل التي يمكن أن نلمح
إليها تلميحاً دون التوقف عندها بشكل
مطول.
أحد المفكرين العرب يقول هناك أزعومتان
حول الإصلاح السياسي العربي، أحد
أزعومتي الإصلاح العربي تقول: إن
مجتمعاتنا اختبرت مثيلاتها في السابق،
وإنها دعوى هدفها التفلت من الضغوط
الخارجية حتى إذا ما أجبرت النظم
العربية على إجراء إصلاحات سياسية
فإنها لن تكون إصلاحات عميقة وجوهرية،
وإنما تحسينات خارجية.
الأزعومة الثانية وفق هذا الباحث:
أن الإصلاح السياسي هو مسألة خارجية
وبالتالي نحن يجب أن نبتعد عنها.
وهناك رأي ثالث يقول بأن الإصلاح
السياسي هو مطلب داخلي وإلحاح داخلي
وحالة داخلية، وهناك محاولة للاستفادة
من هذا المطلب الداخلي بضغوط خارجية،
ولكن لا يعني ذلك بأننا يجب أن نوقف
الإصلاح تحت عنوان أن الإصلاح مطلب
خارجي.
الإصلاح مطلوب سواء أكان سياسياً،
أو اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو ثقافياً،
أو تربوياً، أو أخلاقياً، أو قيمياً،
وبالوقت نفسه علينا ألا نبخل بما
يطرح خارجياً في هذا المجال.
وهناك عدة محاولات لطرح مسألة الإصلاح
بشكل رسمي، مؤتمر برشلونة 1995، طرح
هذه المسألة، مؤتمر الشراكة، ثم طرح
بشكل واضح وقوي جداً من خلال مشروع
ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير
الذي طرحه الرئيس الأمريكي بوش، ثم
عدّل المشروع من خلال لقاء الدول
الثماني الأوربية وأمريكا، وأدخلوا
عليه تعديلين أساسيين:
التعديل الأول: يقول إن الإصلاح يجب
ألا يفرض من الخارج.
التعديل الثاني: قالوا بأنه يجب أن
نأخذ بالحسبان القضية الفلسطينية
لأنها تشكل عاملاً مهماً.
الآن الولايات المتحدة الأمريكية
وكثير من الدول الغربية تربط مسألة
الإرهاب بالإصلاح، وتقول بأنه طالما
أن مجموعة الدول العربية والإسلامية
لا توجد فيها ديمقراطيات، وبالتالي
هي تفرز الإرهاب بشكل طبيعي، ولا
أريد أن أتحدث مطولاً حول مفهوم مشروع
الشرق الأوسط الكبير الذي بني على
أساس تقريري التنمية الإنسانية العربية
في عامي 2002 و2003، وكان هناك إلحاح
وبشكل خاص على أن هناك نقصاً في المعرفة،
وفي الحرية، وعدم تمكين المرأة، وقد
قال بأنه يجب أن تصبح المعرفة شاملة،
والحرية كاملة، وأن تمكن المرأة بشكل
كامل وواسع.
هذان التقريران بنيا على كتابات مجموعة
من المثقفين العرب ومجموعة من الاختصاصيين
العرب، ثم تحولا كما قلنا إلى مادة
نقاشية طويلة، وهناك طبعاً مؤتمر
الإسكندرية للإصلاح، الذي سمعتم به
جميعاً، وما نجم عنه من وثيقة سميت
بوثيقة الإسكندرية، ثم مؤتمر صنعاء
في اليمن، ولاحقاً جرت مؤتمرات في
المغرب وفي البحرين، وكلها تدور ضمن
هذا الإطار.
الأنظمة الرسمية العربية صراحة أخذت
الموضوع بتخوف شديد ومبالغ فيه، وبعضها
نسب الموضوع إلى الضغوط الخارجية
مئة بالمئة، وبعضها أخذ موقفاً وسطياً
ولكن بشكل عام كان موقفاً سلبياً
من مسألة الإصلاح.
بهذه النقاط البسيطة والسريعة، أردت
أن أقدم لهذا الموضوع الهام جداً
والذي اعتقد بأننا سنستفيد من الأساتذة
الكبار من خلال المناقشة والحوار.
بداية نستمع للأستاذ الدكتور عبد
العلي حامي الدين وهو عضو المجلس
الوطني لحزب العدالة والتنمية في
المغرب، يحمل دكتوراه في العلوم السياسية
والقانون الدستوري، له مؤلفات عديدة
من أبرزها: الدستور المغربي ورهان
موازين القوى، وله تحت الطبع: إرهاصات
الدولة الدستورية الحديثة في المغرب،
وله إضافة إلى ذلك مجموعة من الدراسات
والمقالات في المجلات والدوريات والصحف
المغربية، موضوعه اليوم سيتركز حول
إشكالية الإصلاح السياسي في العالم
العربي.