شكراً
سيدي الرئيس
أيها الحضور الكريم السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته بداية يسعدني
أن أتقدم بالشكر والعرفان للإخوة
في دار البعث على هذه الدعوة وهذه
الاستضافة الكريمة، كما يشرفني أن
أبلغكم تحيات أخوانكم في المغرب،
ويسعدني ويشرفني أن أعبر عن تضامني
المطلق كمواطن مغربي أولاً ثم كمناضل
سياسي مع سورية في هذه الأيام العصيبة،
والتي نتابعها في المغرب ساعة بساعة،
ودقيقة بدقيقة، ويوماً بيوم.
وحقيقة أننا في المغرب نشعر بأننا
جزء لا يتجزأ من الوطن العربي عموماً،
لكن العلاقة مع سورية خاصة، وهي أن
دمائنا امتزجت مع إخواننا السوريين
في الجولان منذ بداية السبعينيات،
وبالتالي فكل مغربي فيه شيء من سورية،
وكل سوري أعتقد أن فيه شيئاً من المغرب،
وهذه المحطات علينا أن ندرسها ونذكّر
بها بعضنا بعض.
وأشكر الذين ساهموا في تنظيم هذه
الندوة، واختيارهم لهذا الموضوع لأنه
يطرح إشكالية في غاية في الأهمية
والخطورة.
هناك دواع وأسباب عدة تجعل من الحديث
عن الإصلاح السياسي في العالم العربي
حاجة ملحة، فلم يعد سرا أن الأنظمة
العربية تعيش في انفصام واضح عن شعوبها
بسبب حالة الانسداد السياسي وسيادة
حكم الغلبة والاستبداد، وهو ما يعني
أننا أمام أزمة معينة تتطلب الإصلاح.
وإذا أردنا في ضوء المعطيات التي
يكشف عليها الواقع أن نحاول تقييم
وضعية الأنظمة العربية من الناحية
الديمقراطية، فإن معظمها يعاني من
أزمة الشرعية السياسية.
والمقصود بأزمة الشرعية أن أنظمة
الحكم قائمة على قانون القوة والقهر
وشرعية الأمر الواقع، وليس على أساس
قوة القانون وشرعيته، واحترام الإرادة
الحرة للمواطنين.
فمعظم الأنظمة السياسية تعيش أزمة
مفاصلة وتناقض مع المبادئ الدستورية
الحديثة، ولا تؤمن بمفاهيم التداول
السلمي على السلطة والفصل بين السلطات
والاعتراف بسلطة القضاء واستقلاليته
عن السلطة التنفيذية، وحياد الجيش
وإبعاده عن السياسة، والالتزام بشرعة
حقوق الإنسان، وضمان الحريات الأساسية،
وضمان فعالية الجهاز التشريعي ومنحه
آليات مراقبة السلطة ومراقبة مسالك
المال العام.
إن مهمة الإصلاح السياسي في العالم
العربي تكمن في تحويل مصادر الشرعية
السياسية للأنظمة العربية إلى الشرعية
الديمقراطية والمؤسساتية، وتجاوز
أنواع الشرعيات الأخرى كالشرعية الثورية
أو الشرعية العائلية أو التاريخية
التي كانت تنادي بتأجيل الديمقراطية
السياسية بذريعة إعطاء الأسبقية لأهداف
وطنية وأخرى قومية، لاسيما بعدما
فشلت في تحقيق شعاراتها وتنزيلها
على أرض الواقع.
إن الفكرة الأساسية التي تدافع عنها
هذه الورقة هي أن هناك حقيقة واحدة
تفرض نفسها اليوم وهي الحاجة إلى
الديمقراطية بوصفها أرقى ما توصلت
إليه البشرية في مجال تنظيم السلطة
ومحاصرة الاستبداد ولا شيء يبرر تعليقها
أو وضعها تحت الرقابة والوصاية.
ولمناقشة هذه الفكرة نناقش فرضيتين
أساسيتين:
1- "الإصلاح السياسي والديمقراطي"
للأنظمة العربية نقطة مطروحة على
جدول أعمال الدول العظمى، وبالتالي
فهو مسألة حتمية تفرضها ضرورات الواقع
الراهن وإكراهات التحدي الخارجي،
رغم فشل مشاريع الإصلاح المفروضة
من الخارج إلى حد الساعة.
2- إمكانية الإصلاح السياسي رهينة
باعتماد منهجية الإصلاح من الداخل
بوساطة صيرورة ما يسمى اليوم في لغة
علم السياسة بـ " الانتقال الديمقراطي
".
مشروع الشرق الأوسط الكبير أو أطروحة
(الإصلاح من الخارج)
قامت الإدارة الأمريكية بطرح مشروع
" للإصلاح " في المنطقة العربية والإسلامية،
تقدمت به لأعضاء مجموعة الدول الصناعية
الثماني الكبرى، وقد انطوى المشروع
الذي أطلق عليه " مشروع الشرق الأوسط
الكبير " على الدعوة إلى إعادة تشكيل
منطقة الشرق الأوسط عبر الإصلاح السياسي
والاقتصادي والاجتماعي بما يكفل الحفاظ
على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية
ومصالح حلفائها، وتبنت المبادرة تشجيع
الديمقراطية والحكم الصالح، وبناء
مجتمع معرفي وتوسيع الفرص الاقتصادية.
وقد تعرض هذا المشروع لانتقادات حادة
وواسعة من قبل عدة أطراف عربية رسمية
وشعبية، وذلك لعدة اعتبارات أبرزها:
أنه يغفل دور الاحتلال الإسرائيلي
في تعطيل مشاريع الحرية والتنمية
في الوطن العربي، ثم لأنه تم تصميمه
دون أي استشارة للأنظمة العربية في
صياغته، وبالتالي فهو لم يرتب للعرب
أي دور جوهري في تحديد مساره مستقبلاً.
وبعد أن صدرت تحفظات عدة على الصياغة
الأولى من أطراف عربية وأوربية قامت
الولايات المتحدة بعقد مشاورات موسعة
مع حلفائها الأوربيين، ومع بعض القيادات
العربية، فكانت النتيجة هي طرح مشروع
معدل أطلق عليه اسم " مشروع الشرق
الأوسط الكبير " وضعت له أهداف أكثر
تواضعاً، وتم إقراره في مجموعة الدول
الثماني في حزيران / يونيو 2004.
وقد استجاب المشروع الجديد لمطلب
ضرورة الاجتهاد في حل الصراع العربي
الإسرائيلي وإعادة الأمن والسلام
للعراق، وذيلها بالقول " على ألا
تكون هذه الصراعات عائقاً في سبيل
الإصلاح ".
وشكل " منتدى المستقبل " وهي التسمية
التي أطلقت على الإطار الذي يجمع
الدول المنضوية تحت يافطة المشروع،
أهم ركن من أركان هذا المشروع لأنه
يعتبر المنبر التشاوري الرئيسي بين
الدول الأعضاء حول المشروع الأمريكي
للإصلاح السياسي (الديمقراطية، حكم
القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان)
والإصلاحات الاجتماعية والثقافية
(إصلاح وتطوير التعليم واحترام حقوق
المرأة وحرية التعبير) والإصلاحات
الاقتصادية( تشجيع التجارة والاستثمار
وتوسيع الفرص وتوفير الموارد المالية
ومحاربة الفساد).
ورغم إقرار المشروع بأن مبادرات الإصلاح
ينبغي أن تنبع من داخل المجتمعات
العربية تلبية لطموحات شعبها، فإن
هناك عدة تساؤلات حول الطريقة التي
تتولى بها الإدارة الأمريكية فرض
مقترحاتها.
غير أن دورته الأخيرة في البحرين
كشفت عن عدة ثغرات (رفض الدول العربية
للتمويل الأمريكي لمنظمات المجتمع
المدني) في بناء هذا المشروع, دفعت
الأمريكيين إلى تخفيض سقف طموحاتهم,
بعدما لم تحقق أي نتيجة ملموسة إلى
اليوم, مما يدفعنا إلى القول بأن
مستقبل هذا المشروع لن يكون أفضل
من مؤتمر الشرق الأوسط- الاقتصادي,
الذي انتهى بدوره إلى الفشل.
إن مبادرات " الإصلاح " القادمة من
الخارج لا تتوفر في نظرنا على احتمالات
النجاح, لأنها جاءت في ظل مناخ إقليمي
ودولي لا يوفر أية فرصة للثقة في
المشاريع الأمريكية المطروحة, خصوصا
مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي
الفلسطينية وللجولان السوري ومزارع
شبعا اللبنانية, وإمعانه في تقتيل
الشعب الفلسطيني وتدمير بناه التحتية.
كما أن الاحتلال الأمريكي للعراق
وتصاعد وتيرة المقاومة زاد من تعميق
الهوة بين الإدارة الأمريكية وأي
محاولة للتأثير في العالم العربي
وتوجيه دعوات الإصلاح من الخارج،
وهو ما حدا بالكونغرس الأمريكي إلى
تخصيص ميزانية مهمة لتحسين صورة الولايات
المتحدة الأمريكية في العالم العربي.
لكن تجدر الإشارة في هذا السياق إلى
أن ممارسات الاحتلال الصهيوني والتدخل
الأمريكي في العراق، والضغوطات الممارسة
على بلدان عربية وإسلامية أخرى، أتاح
للعديد من الأنظمة العربية فرصة للتذرع
بالخطر الداهم الآتي من الخارج وذلك
لتعطيل مشاريع الإصلاح الديمقراطي
أو تأجيلها.
كما أن ممارسات الاحتلال الصهيوني
والأمريكي فرضت على قوى الإصلاح العربية
في العديد من الأقطار تعديل جدول
أعمالها لتصبح أولوية مقاومة الاحتلال
على رأس جدول أعمالها، وذلك على حساب
النضال الديمقراطي والتقدم في مشاريع
الإصلاح السياسي والمؤسساتي.
بل إن الاحتلال الأمريكي للعراق ساهم
في تقوية وتعزيز مواقف القوى المتطرفة
التي تؤمن بالعنف سبيلاً للتغيير
السياسي ولا تتورع عن ارتكاب أعمال
إرهابية خطيرة، توفر فرصة هائلة لبعض
الأنظمة العربية لإضعاف مبادرات الإصلاح
الوليدة والتحلل من أي التزامات تروم
الإصلاح الديمقراطي من الداخل، بل
والذهاب بعيداً في التنسيق الأمني
مع الولايات المتحدة الأمريكية بدعوى
مكافحة الإرهاب.
وعلينا أن نتذكر في هذا السياق أن
الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة
الأمريكية لم تكن، إلى وقت قريب،
تعير أي اهتمام للانتهاكات الجسيمة
لحقوق الإنسان التي كانت تقع في بعض
البلدان العربية مادامت هذه البلدان
لا تهدد مصالح القوى العظمى المتمثلة
في النفط أساساً والحفاظ على أمن
إسرائيل. وقد ترتب على هذا الوضع
استفحال ظاهرة القمع السياسي وتعطيل
فرص التحول الديمقراطي في البلدان
العربية، بل ساهمت في كثير من الأحيان
في حماية أنظمة دكتاتورية، وعملت
على تنظيم انقلابات عسكرية في الكثير
من الدول.
وزادت أحداث 11 أيلول بعداً إضافياً
لهذا التوتر حين اختارت الإدارة الأمريكية
الحالية وكذا بعض البلدان الأوربية
التضييق على الحريات المدنية والسياسية
خاصة بالنسبة للعرب والمسلمين، في
سياق ما تسميه بمكافحة الإرهاب.
كما أدى لجوء بعض البلدان الغربية
إلى ممارسات قمعية وتمييزية، إلى
إضعاف موقف القوى المطالبة بالحرية
والحكم الصالح في البلدان العربية
في مواجهة سلطات لم تعد ممارستها
تختلف جذرياً عن النموذج الذي كان
يعد المثال للحرية والديمقراطية في
العالم، ودفع بالعديد من الدول إلى
التراجع عما اعتبر بوادر للانفتاح
السياسي. فلم يعد النموذج الأمريكي
وحتى الأوربي في العديد من الحالات
يضرب بالمجاراة والتقليد، وكشف عن
حضور هواجس الضبط والتحكم والسعي
لهندسة ديمقراطية على المقاس الأمريكي
بما يضمن المصالح الإستراتيجية لأمريكا
وحلفائها.
بوادر الانفتاح السياسي في العالم
العربي أو أطروحة (الإصلاح من الداخل)
حينما نستعرض الحالة السياسية في
العالم العربي نلاحظ أن أغلب الأنظمة
العربية تحاول نهج سياسة حذرة نحو
الانفتاح السياسي وخلق فرص معينة
لتجاوز حالة الاحتقان السياسي وأزمة
الشرعية السياسية التي تحدثنا عنها
في المقدمة.
ففي مصر مثلاً دعا الحزب الحاكم أحزاب
المعارضة المعترف بها إلى حوار حول
الإصلاح السياسي في نهاية سنة 2003،
وأفرجت السلطات عن المئات من المعتقلين
المحسوبين على التيار الإسلامي، ووافق
مجلس الشعب على مشروع إلغاء محاكم
أمن الدولة، وأعلن في يناير 2004
عن تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان،
ووعد رئيس الجمهورية في شباط/ فبراير
2004 عن نية التوجه نحو إلغاء عقوبة
الحبس في قضايا النشر، وشهدت البلاد
تنظيم انتخابات رئاسية تعددية لأول
مرة في تاريخها، كما عرفت تنظيم انتخابات
تشريعية تحت إشراف القضاء تميزت بالسماح
للإخوان المسلمين لأول مرة بخوض حملتهم
الانتخابية تحت شعار " الإسلام هو
الحل " والاعتراف بهم كقوة سياسية
معارضة رئيسية للبلاد وحصدهم لحوالي
88 مقعداً داخل مجلس الشعب.(طبعا
كانت هناك عدة خروقات رافقت الانتخابات
منذ البداية).
وفي السعودية أجريت انتخابات بلدية
لأول مرة في تاريخ البلد وأنشئت هيئة
للصحافيين ولجنة وطنية لحقوق الإنسان،
وتم إنشاء مركز الحوار الوطني، ونقل
التلفزيون الرسمي لأول مرة موجزاً
لجلسات مجلس الشورى.
وفي قطر تم الاستفتاء على دستور جديد
سيدخل حيز التنفيذ في نهاية هذه السنة،
وتأسست أول لجنة وطنية لحقوق الإنسان.
وفي البحرين صدر ميثاق جديد للجمعيات
السياسية، وفي سورية دعت القيادة
القطرية لحزب البعث الحاكم إلى الفصل
بين السلطة والحزب، ولأول مرة انتخب
رئيس مجلس الشعب من خارج قيادة الحزب.
وفي المغرب عرفت الانتخابات التشريعية
لسنة 2002 تقدما ملحوظا للتيار الإسلامي
بدخول 43 برلمانياً من حزب العدالة
والتنمية إلى البرلمان، يمثلون المعارضة
الرئيسية في البلد، كما سجل دخول
35 امرأة إلى مجلس النواب المغربي
وهي أعلى نسبة في العالم العربي،
كما تم تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة
للنظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق
الإنسان التي عرفها المغرب منذ الاستقلال
إلى سنة 1999، (أي سنة ولاية الملك
محمد السادس)، وقد أنهت أشغالها وأعلنت
عن نتائج أعمالها بعدما أعدت تقريراً
مفصلاً ضمنته العديد من التوصيات
والمقترحات للقطع مع الانتهاكات الجسيمة
لحقوق الإنسان وضمان عدم تكرار ما
حصل في السنوات السابقة، وهي مبادرة
فريدة في العالم العربي والإسلامي.
وفي الجزائر تم استفتاء الشعب على
قانون للمصالحة بعد عدة سنوات من
الاقتتال الداخلي، وتم إطلاق سراح
الكثير من المعتقلين السياسيين الإسلاميين
ومن بينهم زعماء الجبهة الإسلامية
للإنقاذ.
وفي السودان توقفت الحرب الأهلية
في الجنوب، وتم إقرار مشروع السلام
مع الجبهة الشعبية لتحرير السودان،
التي أصبحت جزءا من النظام الحاكم
بعد الاتفاق على اقتسام السلطة والثروة،
وتم تسجيل عودة الكثير من المعارضين
السياسيين إلى أرض الوطن.
لكن هذه الخطوات تظل خطوات محسوبة
تروم خلق نوع من التنفيس السياسي
أكثر منها مبادرات حقيقية مندرجة
في إطار مشاريع حقيقية للتحول الديمقراطي،
فبالموازاة مع هذه المبادرات نلاحظ
استمرار العديد من مظاهر الظلم والتعسف
في استخدام السلطة والتضييق على الحريات،
ومن أمثلة ذلك:
- استمرار ظاهرة الاعتقال بسبب الرأي،
والحبس دون محاكمة، والمعاملة السيئة
واللاإنسانية داخل السجون.
- استمرار ظاهرة التعذيب داخل مراكز
الاعتقال السرية وداخل مخافر الأجهزة
الأمنية بمختلف أنواعها، إلى درجة
إزهاق الروح، وقتل النفس التي خلق
الله بدون موجب حق.
- التضييق على حرية التعبير ومتابعة
الصحافيين وملاحقتهم والتضييق على
حقهم في الوصول إلى مصادر الخبر،
والتحكم في وسائل الإعلام.
- التضييق على نشطاء حقوق الإنسان
وتخويفهم وحرمانهم من عدة حقوق كالحق
في التنقل والسفر إلى الخارج وحقهم
في الوظائف العمومية وحقهم في التطبيب
كما وقع في أحد البلدان العربية.
- عودة ظاهرة الاختطافات والاعتقالات
التعسفية والحملات التنشيطية، وذلك
في سياق ما سمي بمحاربة الإرهاب.
- التقييد على الحق في تأسيس الجمعيات
والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني
العاملة في ميدان العمل الخيري والاجتماعي
التطوعي، خاصة في ميدان جمع التبرعات،
نزولاً عند الرغبة الأمريكية.
- حرمان المرأة في بعض الدول العربية
من حقها في المشاركة السياسية، ومن
حقها في ولوج العديد من الوظائف،
فضلا عن التهميش الاجتماعي والفقر
والأمية والحرمان من الحق في التعلم
والتربية في العديد من المناطق لاسيما
القروية منها.
إلى غير ذلك من الانتهاكات التي تعبر
عن أن مجمل المؤشرات التي قمنا برصدها
كمبادرات في اتجاه الإصلاح، ما هي
في الحقيقة إلا بوادر جنينية محسوبة،
بل يمكن اعتبارها بمثابة معالجات
سطحية تؤجل مشروع الإصلاح الديمقراطي
العميق الذي أصبح اليوم شرطاً في
النهضة، لا مناص من استجماع مقومات
تحقيقه والعمل على إنجازه، وهو ما
نقترح بعض معالمه في إطار ما يصطلح
عليه اليوم بـ " الانتقال الديمقراطي
".
الانتقال الديمقراطي وصفة العبور
للحرية والإصلاح في العالم العربي
يحاول " علم " الانتقال الديمقراطي
أن يقدم لنا اليوم وصفة سياسية للعبور
من مرحلة اللاديمقراطية (المطبوعة
بانغلاق النسق السياسي وإحكام قبضة
الدولة على جميع المؤسسات والتحكم
في التعددية السياسية إما عبر اعتماد
نظام الحزب الوحيد أو إلغاء الأحزاب
السياسية جملة وتفصيلا أو اعتماد
التعددية الحزبية المتحكم فيها، وانتهاك
الحقوق والحريات والتنكيل بالمعارضين،
وضبط حرية الصحافة..) إلى المرحلة
الديمقراطية (المطبوعة بانفتاح النظام
السياسي، وتحوله إلى دولة المؤسسات
التي تعلو على الأفراد وانتماءاتهم
العرقية والطائفية والدينية، وتكريس
الحقوق والحريات الأساسية، والإيمان
بالتداول السلمي على السلطة عبر صناديق
الاقتراع، واعتماد نظام الانتخابات
الحرة والنزيهة التي تعبر عن الإرادة
الحرة للمواطن).
إن الانتقال من وضع سابق (لا ديمقراطي)
إلى وضع لاحق (ديمقراطي)، يتطلب بالضرورة
زمناً سياسياً، هي التي يصطلح عليها
بمرحلة الانتقال، وهي مرحلة لها مستلزماتها
وشروطها ومقتضيات تدبيرها، حسب الظروف
والمعطيات المتوفرة في كل تجربة،
فما هي شروط تدبير هذه المرحلة ؟
وقبل ذلك ما هي السيناريوهات الممكنة
في ظل الظروف الراهنة؟
سيناريوهات الانتقال:
إن الانتقال إلى الديمقراطية ومن
تم إلى وضع سياسي شرعي في أقطار يستند
فيها الحكم على ممارسة القوة بكل
أشكالها يمكن أن يتم عن طريق ثلاثة
صيغ من الناحية العملية:
- للتحول من الحكم اللاديمقراطي إلى
الحكم الديمقراطي يمكن أن يتولى الحكام
أنفسهم القيام بعملية الانتقال، وفي
هذه الحالة يقومون بالتنازل عن السلطة
وعن امتيازاتهم (عن طيب خاطر)، وهذا
لم يسبق أن وقع وهو سيناريو مثالي
واستثنائي بكل المقاييس (وقع في بنين
لكنها تبقى تجربة فريدة في أفريقيا
لم تتحول إلى قاعدة).
- إجبار الحكام بوسيلة من الوسائل
على التنازل، وهذا يتطلب وجود قوى
ديمقراطية فاعلة في المجتمع قادرة
على فرض الديمقراطية على الدولة،
وقادرة على الحفاظ عليها والحيلولة
دون قيام نوع آخر من الحكم اللاديمقراطي،
لكن هذا السيناريو من الناحية العملية
يثير جملة من التخوفات والتساؤلات
خصوصا بعد تجربة الجزائر حيث تم إجهاض
المسلسل الديمقراطي بسبب تخوف عناصر
القوة ومراكز النفوذ على مصالحها
في حالة صعود التيار الإسلامي.
- السيناريو الثالث هو الانتقال الديمقراطي
الهادئ والمتدرج، الذي يقوم فيه جميع
الفاعلين السياسيين بالتوافق فيما
بينهم على أرضية ميثاق سياسي يضمن
التحول التدريجي إلى الديمقراطية
وتنازل الجهة المستبدة بالسلطة عن
مراكز نفوذها، وبالمقابل يسعى باقي
الفاعلين إلى إقرار عملية المصالحة
والتسامح مع الأنظمة فيما يتعلق بماضي
الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
وفق قواعد الإنصاف والمصالحة أو ما
يعرف اليوم بـ "العدالة الانتقالية"
والذي جرى تطبيقه في حوالي 30 دولة
من دول أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية
وإسبانيا والبرتغال وجنوب إفريقيا
وفي المغرب أيضا.
لكن ما هي المبادئ التأسيسية الكبرى
التي يمكن أن يرتكز عليها مشروع المصالحة
التاريخية والوطنية بين الأنظمة السياسية
العربية وشعوبها؟ أو لنقل ما هي شروط
الانتقال الديمقراطي؟
شروط الانتقال الديمقراطي ومضمونه:
إن الانتقال الديمقراطي الحقيقي يتطلب
مجموعة من الشروط التي ترتب التزامات
محددة تجاه جميع الأطراف المعنية
بعملية الإصلاح، وهي نفسها التي تعطي
لهذا الانتقال مضموناً معيناً تجعله
مستجيبا للمواصفات الديمقراطية المتعارف
عليها، ويمكن أن نجمل هذه الشروط
فيما يلي:
1- إقرار التعددية السياسية والإيمان
بالاختلاف السياسي والتسليم بإمكانية
وجود المعارضة السياسية من حيث المبدأ،
وطبعاً نقصد بالمعارضة: المعارضة
السلمية التي تنبذ العنف وتنضبط لقواعد
العملية الديمقراطية، ومبادئ القانون
والدستور المتفق حوله.
2- وضع آليات للتداول السلمي على
السلطة والقبول بشروط العملية الديمقراطية،
والالتزام بعدم استخدام الديمقراطية
ذريعة لاحتكار السلطة.
3- إصلاح الدساتير العربية لتحقيق
المقاصد التالية:
أ- عدم تأبيد السلطة السياسية وجعلها
سلطة مضبوطة بحيز زماني معقول.
ب- ترسيخ مبدأ المسؤولية على ممارسة
السلطة، فكل من يملك السلطة يخضع
للمراقبة والمحاسبة أمام القضاء وأمام
الأجهزة المنتخبة، وفي هذا الإطار
فإن رئاسة السلطة في البلدان العربية
لابد أن تكون رئاسة مقيدة بالقانون
ليعلو القانون فوق إرادة الأفراد،
ويتحقق ذلك في النظم الملكية بأن
تكون ملكيات دستورية برلمانية، تحتل
فيها الحكومة ورئيس الوزراء موقع
السلطة التنفيذية الفعلية، بينما
يحتفظ الملك بموقعه الرمزي كمرجع
للتحكيم مع بعض الصلاحيات ذات الطبيعة
الحساسة، بما يضمن التوازن السياسي
ويحقق التعايش المطلوب بين المؤسسات.
كما يتحقق هذا النموذج في الأنظمة
الجمهورية بالأخذ بنظام الجمهوريات
البرلمانية التي يتم فيها الفصل بين
السلطات وتكون إرادة الناخبين هي
الحاسمة في اختيار البرلمان والحكومة،
ويتم الفصل بين رئاسة الحزب ورئاسة
الجمهورية مباشرة بعد الانتخابات،
وفي جميع الأحوال تبقى السلطة والمسؤولية
لدى شخص منتخب في انتخابات حرة ونزيهة،
مع ترسيخ الفصل بين رمز السيادة وسلطة
الحكم.
ج- ضمان المساواة القانونية بين
الأفراد وبين التنظيمات السياسية
في الحقوق والواجبات والإمكانيات.
د- التنصيص الصريح على مبدأ استقلالية
القضاء (كمؤسسة) والاعتراف به كسلطة
مستقلة تماما عن السلطات الأخرى وتوفير
كافة الضمانات لاستقلال القضاة (كأفراد)،
ومن الطبيعي أن القضاء لن يلعب دوره
كاملا في ظل مناخ استبدادي يصادر
الحقوق والحريات ولا يعبأ بالقانون
ومؤسساته.وهذا يعني أن العمل على
استقلالية القضاء والتوجه نحو ترسيخ
الديمقراطية ينبغي أن يسيرا جنباً
إلى جنب وبإيقاع واحد.
4- الالتزام القانوني والدستوري باحترام
حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها
دولياً، بحيث أصبح من الواجب على
الدول العربية أن تبادر إلى المصادقة
على الاتفاقيات الدولية المكونة للقانون
الدولي لحقوق الإنسان ومن أهمها العهدان
الدوليان للحقوق المدنية والسياسية
والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
واتفاقية مناهضة التعذيب والانضمام
إلى المعاهدة الدولية للمصادقة على
القانون الأساسي للمحكمة الجنائية
الدولية إلى غير ذلك من الاتفاقيات
الدولية المعنية باحترام حقوق الإنسان.
ومن الناحية التشريعية ينبغي العمل
على مراجعة جميع القوانين وملاءمتها
مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان،
وكل هذه الإجراءات تصب في اتجاه تأمين
الحريات وحقوق الإنسان وحمايتها وتحصينها
من أي انزلاق.
5- إطلاق حريات التعبير والتنظيم
وتحرير الإعلام من قبضة الدولة وجعل
الفضاء السمعي البصري فضاء لممارسة
الحرية والحق في الاختلاف والتعبير
عن التعددية الفكرية والسياسية والثقافية
الموجودة في المجتمع.
6- الالتزام بتشكيل هيئة محايدة ومستقلة
لتنظيم الانتخابات تحت إشراف القضاء
تعطى لها جميع الصلاحيات لاتخاذ كل
الإجراءات المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وفي الختام
يمكن القول إن إقرار هذه الإصلاحات
رهين بتوفر شرط الإرادة السياسية
وإعطاء الأولوية للمصلحة على حساب
الأنانيات الضيقة والحسابات الحزبية
الصغيرة، والإيمان بأن الصخرة التي
تتحطم عليها جميع التدخلات والضغوطات
الخارجية والمؤامرات التي تحاك اليوم
ضد الأمة العربية والإسلامية، هو
تدشين مسار للمصالحة التاريخية بين
الأنظمة وشعوبها، والاستعداد للتنازل
عن جزء من السلطة والثروة لفائدة
الالتحام مع الشعوب، لأنها الوحيدة
القادرة اليوم على حماية وطنها من
التدخل الخارجي الذي أصبح جزءاً لا
يتجزأ من المعادلة السياسية في العالم
العربي لايمكن تجاهله.
ولتحقيق الإصلاح الديمقراطي المنشود
ينبغي أن تتضافر جهود الدولة والأحزاب
والنخب السياسية والمجتمع المدني
ومؤسسات القطاع الخاص قصد البحث عن
قواسم مشتركة بين الجميع للخروج من
حالة التجزئة والتشرذم التي تعوق
أي محاولة للتحول الديمقراطي في الوطن
العربي.