يشكل
هذا العرض بمجمله مساهمة في الإجابة
عن أسئلة ثلاث، هي:
- هل إصلاح الواقع العربي ضرورة داخلية
أم استجابة لرغبة خارجية؟
- ما هي محاور الإصلاح المطلوب؟
- ثم ما هي شروط نجاحه؟
أولاً- هل إصلاح الواقع العربي ضرورة
داخلية أم استجابة لرغبة خارجية؟
ربما كانت مقولة الإصلاح من أكثر
المقولات التي تكررت في الخطاب السياسي
والإعلامي العربي أو الخطاب الخارجي
الموجه للمنطقتين العربية والإسلامية
في السنوات الأخيرة. فالدول العربية
تتحدث كل منها بطريقتها وعلى طريقتها
عن إصلاح صيغ العمل السياسي فيها
وإصلاح نظم التعليم لديها وإصلاح
اقتصادياتها، أما في الخارج فالدعوات
أيضاً كثيرة ومتنوعة كان الأشهر من
بينها مشروع الشرق الأوسط الكبير
الذي طرحته الولايات المتحدة الأمريكية
في العام الماضي ولقي مضمونه تعاطفاً
واضحاً من قبل الاتحاد الأوربي ودوله،
وإن كان للبعض منهم تحفظات تطال الشكل
دون الجوهر.
مشروع الشرق الأوسط الكبير هذا لا
زال ضبابياً إلى حد بعيد من الناحيتين
الجغرافية والسياسية. فحدود المشروع
من الناحية الجغرافية هلامية غير
محدودة المعالم، البعض يقول إنه يشمل
المجال الجغرافي الممتد من طنجة في
المغرب إلى جاكرتا في أندونيسيا والبعض
الآخر يكتفي بكراتشي في الباكستان
شرقاً؟
ومن الناحية السياسية يتمحور المشروع
حول مطالبة الدول المعنية بـ:
- إجراء إصلاح ديمقراطي يقوم على
التعددية السياسية وإمكانية تداول
السلطة سلمياً.
- احترام حقوق الإنسان كما أقرتها
المواثيق والأعراف الدولية.
- إصلاح أنظمة التعليم بما يساعد
على نشر ثقافة التعايش بين المذاهب
والمصالح أي بين الأنا والآخر.
- ضمان حقوق المرأة في المجتمع بما
في ذلك حقوقها كزوجة وشريكة في تكوين
الأسرة وتطوير دورها في الحياة العامة.
- اعتبار تلك الإصلاحات شرطاً ضرورياً
لتحقيق الدول العربية والإسلامية
مستويات أعلى من التنمية الاقتصادية
والاجتماعية.
وعندما تسأل دوائر القرار في الولايات
المتحدة الأمريكية عن أسباب هذا الغرام
المفاجئ بالمنطقتين (العربية والإسلامية)
وشعوبهما؟ وعن مبررات البوح به الآن؟
تكون الإجابة ليس في الأمر غرام مشاعر
أو هيام عواطف بل إن منطق الإصلاح
هذا أملته اعتبارات براغماتية (عملية)
ملخصها أن تدني مستويات الديمقراطية
وحقوق الإنسان قد أعاقا جهود تلك
الدول لتنمية اقتصادياتها وبالتالي
مجتمعاتها فانتشر الفقر وكثر الحرمان
وتكاثر المحرومون مادياً ومعنوياً.
هذا كله في مناخ تنحسر فيه ثقافة
التعايش مما صنع مزيجاً مشتعلاً دائماً
ومتفجراً أحياناً دخانه كراهية للغرب
ونمط حياته ولهيبه عنف (أو كما يسمونه
إرهاباً) يهز توازن مجتمعاتهم واستقرارها
ويهدد حضارتها؟
وقد عبر كولن باول وزير الخارجية
الأمريكي السابق بما يكفي من الوضوح
عن الفهم الأمريكي لدواعي الإصلاح
في العالم العربي عندما دعا في منتدى
المستقبل الذي عقد في الرباط (11/2004)
إلى مواجهة ما سماه اليأس والإحباط
الذي تشعر به شعوب المنطقة قائلاً:
" من أجل القضاء على المتطرفين المجرمين
الذين يحيطون بنا لا بد لنا أن نعمل
من أجل مواجهة أسباب اليأس والإحباط
التي يستغلها الإرهابيون ". كما أن
الرئيس الأمريكي بوش وعد في الفترة
نفسها بتطوير حربه على الإرهاب من
حرب بالسلاح إلى حرب بالأفكار موضحاً
أن الأفكار التي يعنيها هي أفكار
الإصلاح (ديمقراطية ـ حقوق الإنسان
ـ تسامح...)، الأمم المتحدة أيضاً
أعلنت مراراً وفي مناسبات عديدة بأن
الحقوق قبل الحدود عندما يتعلق الأمر
بنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
أما نحن فلنا منطق مختلف يرى بأننا
الأقدر على إصلاح ما أفسدته الحياة
فينا أو أفسدناه في حياتنا دون وصاية
الخارج أو تدخله. فالقبول بالوصاية
إقرار بعدم النضج وهذا بدوره جرح
للكبرياء الوطني، كما أن تدخل الخارج
أفسد ولم يصلح وعراق اليوم المثخن
بالجراح والمهدد بوحدته الوطنية شاهد
صدق على صواب هذا الرأي.
بالإضافة إلى ما سبق نرى بأن أهل
الخارج من أصحاب دعوات الإصلاح لا
مصداقية لهم فهم الذين دعموا ويدعمون
حرمان الفلسطينيين من حقهم التاريخي
في وطنهم وهم الذين احتلوا العراق
بذرائع واهية وحرموا العراقيين من
حقوقهم فوق أرضهم، وهم أيضاً الذين
يحاولون السيطرة على ثروات المنطقة
وحرمانها شعوباً ودولاً من حرية الخيار
والقرار ذلك كله هو الجواب على التساؤل
التقليدي في الولايات المتحدة بعد
أحداث 11 أيلول/سبتمبر/ 2001 لماذا
يكرهوننا؟ وهو الحرمان الأكبر الذي
أنتج ذلك المزيج المشتعل دائماً والمتفجرات
أحياناً.
لكن بعيداً عن دعوات الآخرين ولغة
الجدل معهم ومنطق الخلاف بيننا وبينهم
نعود إلى البدء لنسأل هل المنطقة
بحاجة إلى إصلاح؟ بيقين نقول نعم.
الإصلاح ضرورة لنا قبل أن يكون استجابة
لرغبات أو دعوات الآخرين، فالشواهد
على ذلك عديدة نستعرض بعضاً منها
في الإجابة عن السؤال الثاني.
ثانياً- محاور الإصلاح المطلوب؟
تواجه المنطقة جملة من الأزمات متداخلة
الأسباب والنتائج، منها:
1- سياسياً: يمكننا توصيف نوعين من
الأزمات، أزمات تواجه النظام الرسمي
العربي وأبرزها أزمة الشرعية وأزمات
تواجه المجتمعات العربية وأهمها أزمة
الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالنظام
الرسمي العربي بشرعيته السائدتين
الشرعية التقليدية في الأنظمة الملكية
والشرعية الثورية في معظم الأنظمة
الجمهورية مطالب بالتحول إلى شكل
ما من أشكال الشرعية الدستورية. فكلتا
الشرعيتين (التقليدية والثورية) وبالرغم
من اختلاف التسميات أسستا لعقد اجتماعي
قائم على الوصاية وبحكم تغير موازين
القوى في داخل بلدانها والتحولات
العالمية الكبرى خارج حدود سيادة
دولها معنيتان باستبدال عقد الوصاية
بعقد قائم على التراضي، وإلا اعتبرتا
خارجتين على العصر أو نشازاً في سياقه.
كذلك المجتمعات العربية بحكم التراكم
التاريخي لحركة الثقافة والتعليم
التي شهدتها وثورة الاتصالات والتواصل
مع الخارج التي تعيشها أضحت أكثر
ثقة بالنفس وأكثر نزوعاً لتأكيد حضورها
وانتزاع حقوقها.
بالمحصلة نجد أن كلا الطرفين الأنظمة
والمجتمعات هما جزء من الأزمة وجزء
من عملية الإصلاح، وإن اختلفت الدواعي
والأسباب.
2- اقتصادياً واجتماعياً: بلغ الناتج
المحلي الإجمالي لدول منظمة المؤتمر
الإسلامي الـ 53 أوائل القرن الحالي
نحو 1500 مليار دولار أمريكي، أي
ما يساوي تقريباً الناتج المحلي لفرنسا
(1431 مليار دولار و59.5 مليون نسمة
عام 2002) ويقل بنحو 484 مليار دولار
عن الناتج المحلي لدولة مثل ألمانيا
(1984 مليار دولار و82.8 مليون نسمة
عام 2002) علماً أن عدد سكان تلك
الدول يقارب المليار نسمة غالبيتهم
60% من الشباب دون سن الـ 25 وتملك
مصادر كبرى للمياه، كما تملك 71%
من احتياطي النفط و38% من احتياطي
الغاز في العالم.
أما الوطن العربي الذي تبلغ مساحته
14.2 مليون كم2 (10.2 من مساحة العالم)
ويبلغ عدد سكانه 300 مليون نسمة (4.6%
من سكان العالم) ويشكل احتياطه النفطي
59.3% من احتياطي العالم واحتياطه
من الغاز 30.5% من الاحتياطي العالمي
(بيانات عام 2003)، فأوضاعه قابلة
للعرض بإيجاز من خلال جملة من المؤشرات
أبرزها:
- تشير التقديرات إلى وجود 60 مليون
أمي (الفئة العمرية 15 سنة فأكثر)
في عام 2001 شكلوا نحو 39.2% من إجمالي
السكان البالغين، ومثلت الأميات من
النساء ثلثي هذا العدد.
- بلغ عدد العاطلين عن العمل حوالي
15 مليون في عام 2002 (14.6% من إجمالي
قوة العمل).
- تقدر نسبة الذين يعيشون تحت خط
الفقر (أقل من 1 دولار يومياً) بحوالي
(25-30%) من السكان وفي بعض الدول
أكثر من ذلك، في الوقت نفسه نجد طبقة
من الأغنياء بثروات تكاد تكون أسطورية.
فوفق دراسة أعدتها شركة ميريل لينش
المصرفية العالمية يوجد في دول مجلس
التعاون الخليجي الستة نحو 185000
شخص تزيد الثروة الشخصية لكل منهم
عن 1 مليون دولار أمريكي ويبلغ إجمالي
ثرواتهم الشخصية نحو 718 مليار دولار
(أي ما يقارب دخل الوطن العربي في
عام 2003 البالغ 723 مليار دولار)
ونحو 4.9 ضعف مديونيته الرسمية (147
مليار دولار) في العام نفسه.
- أواخر القرن الماضي ساهم الإنتاج
الزراعي العربي بنحو 1.5% من الإنتاج
الزراعي العالمي، والإنتاج الصناعي
بنحو 0.5% فقط من الإنتاج الصناعي
العالمي.
- بلغ حجم الصادرات السلعية العربية
(بما في ذلك النفط) 303 مليار دولار
أمريكي أي تزيد بحوالي 30 مليار دولار
فقط عن صادرات هولندا (41526 كم2
ونحو 16 مليون نسمة) بيانات عام 2003.
- قدر الناتج المحلي الإجمالي للملكة
العربية السعودية وهي أكبر الدول
العربية من حيث الناتج بحوالي 214
مليار دولار أمريكي في عام 2003،
أي يزيد بـ 4 مليار دولار أمريكي
فقط عن حجم مبيعات شركة اكسون موبيل
(للنفط) الأمريكية (210 مليار دولار
في عام 1999).
- تراجع ترتيب العديد من الدول العربية
على الصعيد العالمي، وفق مؤشر التنمية
البشرية خلال السنوات الماضية. فسورية
تراجعت من المرتبة 78 بين دول العالم
في عام 1994 إلى المرتبة 106 في عام
2003، والأردن من المرتبة 84 إلى
المرتبة 90، ومصر من المرتبة 109
إلى المرتبة 119 في العامين المذكورين.
بالإضافة إلى ذلك لا بد من الإشارة
في سياق الأزمات التي يعيشها الوضع
العربي إلى أزمة العلاقات (العربية
ـ العربية)، ومن أبرز تجلياتها الضعف
والتفتت. أدت هذه الأزمة إلى ازدياد
الخلل في موازين القوى بين العالم
العربي والخارج وساهمت في تعميق حالة
الارتهان العربي للقوى الفاعلة في
النظام العالمي السائد، كما خلقت
سباقاً محموماً بين معظم الأنظمة
العربية للبحث عن الخلاص القطري تعبيراً
عن اليأس من الخلاص القومي.
وما اتفاقيات السلام المنفردة مع
إسرائيل ومكاتب التمثيل التجاري الإسرائيلية
في بعض الدول العربية وإقامة المناطق
الصناعية الخاصة التي تحتوي السلع
المنتجة فيها على مكون إسرائيلي إلا
بعضاً من شواهد عديدة على صحة الاستنتاج
السابق، الإصلاح هنا يقتضي إرادة
سياسية للتضامن الحقيقي والفعال بين
الدول العربية تكون الأساس لتطوير
العمل العربي المشترك في كافة المجالات
على قاعدة تبادل المصالح واحترام
سيادة كل دولة.
ثالثاً- شروط نجاح الإصلاح؟
في هذا المجال تتعدد الآراء وتتباين
الاجتهادات، وبشكل عام يمكننا تمييز
نهجين:
أ- الإصلاح بالانقلاب على النظام
الرسمي العربي.
ب- الإصلاح بتطوير النظام الرسمي
العربي.
أصحاب النهج الانقلابي يفترضون أن
النظام الرسمي العربي هو خصم للإصلاح
وليس طرفاً فيه، وبالتالي فهو حالة
ميؤوس منها لا بد من إلغائها حتى
أن البعض منهم يذهب بعيداً فيدعو
للتعاون مع الخارج لتحقيق ذلك.
هذا النهج - وفق ما رأى- مغامر قصير
النظر يحتاج هو نفسه إلى الإصلاح،
والمبررات لذلك عديدة، منها:
- إن قوى الإصلاح في العالم العربي
أضعف من أن تنجز ما تدعو إليه منفردة،
كما أن الاستعانة بالخارج سيقودها
إلى الارتهان له ولمصالحه على حساب
المصالح الوطنية والقومية وسيفقد
الإصلاح تعاطف الرأي العام العربي
الذي يدين في غالبيته لأسباب نفسية
وأخرى عملية أي حضور للخارج أو ارتهان
لإرادته في عملية الإصلاح.
- غالبية قوى المعارضة العربية تسهب
في تفسير وتشخيص الواقع لكنها لا
تملك البديل المقنع، وبالتالي فهي
غير مؤهلة لإنجاز عملية الإصلاح.
- هنالك جملة من التناقضات المكبوتة
- ولو على درجات متفاوتة- في المجتمعات
العربية، منها: التناقض بين التيارات
العلمانية والتيارات الأصولية ـ التناقضات
الطبقية ـ التناقضات العرقية ـ التناقضات
المذهبية والطائفية.
إن دفع تلك المجتمعات بالعنف نحو
التغيير يثير هاجس انفجار تلك التناقضات
فرادى أو مجتمعة مما يفقدها (المجتمعات)
توازنها ويكسر استقرارها ويقودها
إلى الفوضى، والفوضى موعد مع مجهول؟
لتلك الأسباب وغيرها يبقى الإصلاح
بالتطوير أقل الخيارات كلفاً وتكاليف.
نهج التطوير يفترض أن النظام الرسمي
العربي والمجتمعات العربية شريكين
في الأزمة والإصلاح كما أشرنا سابقاً،
لكل دور وعلى كل واجب. طبيعة دور
كل طرف وحدود واجبه يُرسمان بالحوار،
وإن تعذر فبوسائل أخرى لكن سلمية
وتحت سقف الوطن ووفق ضوابط القانون.
تأسيساً على كل ما سبق أجد من الحكمة
تأكيد القول بأن الإصلاح ضرورة لنا
كعرب قبل أن يكون رغبة للآخرين في
الخارج مع التنبيه إلى أن السعي لتحقيق
الإصلاح بوسائل عنيفة خطر على المجتمعات
العربية بإصلاحها ومصلحيها، فإمام
المصلحين الرسول العربي الكريم (ص)
يقول: " إياكم والغلو في الدين فقد
هلك من قبلكم لغلوهم في الدين ".
إذا قبلنا بعدم جواز الغلو في الدين....
لنتفق على عدم جواز التطرف في الإصلاح.