الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 

"التكنولوجيا النووية السلمية بين حق الامتلاك ومخاطر التسييس"

نص مداخلة د.عبد الحافظ نعمان

 

المراجعات المبكرة للتاريخ الأمريكي في موضوع العلاقات الدولية لا يخرج كثيراً عن المألوف الراهن للسياسة الأمريكية، وخاصة فيما يتعلق بمفهوم المصلحة الوطنية " National interest " الذي يحدد خيارات وأولويات الإدارة الأمريكية، وهو مفهوم إشكالي يقع على تخوم مبدأين نقيضين، يتعذر التوفيق بينهما، وقد حكما تاريخ الدولة الأمريكية منذ نشأتها وحتى اليوم.
المبدأ الأول: مثالي طهري يؤسس لمنظومة القيم والأفكار التي تشكل في مجموعها القاعدة التعاقدية لدولة نموذجية ديمقراطية، تعمل على إشباع الحاجات المواطنية للإنسان الأمريكي من جهة، وتثمن قيم العدالة والمساواة والإخاء المتضمنة في الدستور الأمريكي وإعلان الاستقلال على كافة شعوب الأرض.
المبدأ الثاني: مبدأ براغماتي نفعي يُخضع النص الدستوري وامتداداته القانونيه لتفسيرات نفعية محضه تصل أحياناً حد الإضرار بالمصلحة الأمريكية ذاتها، وغالباً ما يتلطى هذا المبدأ بثقافة مستمدة من شعارات وتسميات ترد في مضامين المبدأ الأول.
وإذا استثنينا حقبة التأسيس لما بعد الاستقلال التي اتسمت بغلبة الروح الحيادية كما ورد في " خطاب الوداع " لجورج واشنطن، وعدم القبول بتحالفات دائمة مع أي جزء من العالم الأجنبي، لا نجد اتساقاً في مضامين المبدأين، خاصة متى استعرضنا التطلعات الإمبراطورية المبكرة للدولة الأمريكية والمتمثلة في احتلالها للعديد من دول الجوار الأمريكي: " كوبا، السلفادور، هاييتي، الفلبين, بنما وهاواي " التي ضمتها إلى أملاكها في الباسفيك.
على صعيد الإدارة والمجتمع، تأخذ حالة التنافر بين المبدأين، أشكالاً حادة في التعبير عن حضورهما القلق مما يدفع بالسياسة إلى اقتراف ما لا يجيزه الدستور والقانون، وأمثلة ذلك كثيرة حيث يتموضع كل منهما في مواجهة الآخر، ونلحظ ذلك في الخمسينات من القرن الماضي فيما يعرف بالحقبة المكارثية وانفلات العنف اليميني ضد الأقليات السوداء في الستينيات، وأخيراً " قانون الوطنية Patriotic Act " الذي يضع المجتمع الأمريكي بأكمله تحت الرقابة الاستخباراتية بحجة محاربة الإرهاب.
وتكتسب الدولة جراء ذلك خصائص الدولة المارقة والمنفلتة من عقال ضوابطها الأخلاقية والقانونية، يتم ذلك تحت مبرر المصلحة الوطنية وفق المحددات التي تضعها قوى التأثير المتنفذة على السياسة الأمريكية، وتحديداً قوى الضغط الاجتماعي والاقتصادي وعلى رأسها اللوبي الصهيوني.
في استعراض سريع لمفهوم المصلحة الوطنية والمسارات التي حكمت التحولات الجيوسياسية للدولة الأمريكية في شقيها الداخلي والخارجي تبرز محطات خمس أساسية في تحديدها لهذا المفهوم، والذي يشكل المبدأ الناظم للسياسيين في تعريف أولويات المصالح الجيوبوليتيكية للدولة.
أولاً: خطاب الوداع لجورج واشنطن " Farewell Address ": الذي اتسم بغلبة الروح الحيادية وعدم القبول بتحالفات دائمة مع أي جزء من العالم الأجنبي، وإن كان يقر بتحالفات مؤقتة تفرضها ظروف خاصة بالدولة..كان يعكس هذا المبدأ رغبة أمريكا في إبقاء الصراع الأوربي خارج حدود أمريكا، ودون الانحياز إلى أي طرف.
ثانياً- مبدأ مونرو عام 1823 "Monroe Doctrine ": والذي تمحور حول إبعاد الصراع الأوربي عن القارة الأمريكية، ومكن أمريكا من حرية الحركة والتمدد جنوباً حتى بحر الكاريبي وأمريكا الوسطى.
ثالثاً- إعلان المصير " Manifest Destiny ": ظهر عام 1839 معززاً لكل من المبدأين السابقين، لكن الهدف الأساسي كان ينصب على سياسة التوسع نحو غرب القارة الأمريكية. في هذه الحقبة شهد العالم ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية كما هي اليوم، وفيها جرى شراء ولاية لويزيانا من فرنسا، واستحوذت على فلوريدا من إسبانيا، وفي الأربعينيات من القرن التاسع عشر أضافت إلى ممتلكاتها كلاً من تكساس، كاليفورنيا، نيومكسيكو، أريزونا، كولورادو، أورجن، وواشنطن، وفي عام 1867 قامت الولايات المتحدة بشراء آلاسكا من روسيا..
وقد كان للحرب الأهلية التي اندلعت في الستينيات من ذاك القرن أثرها في تهديد هذا الإعلان عبر المحاولات الأوربية والفرنسية على وجه الخصوص في التدخل لصالح القوات الكونفدرالية غير أن ذلك لم يكتب له النجاح.
رابعاً- مبدأ الاحتواء "Containment ": برز هذا المبدأ في مواجهة تنامي القوة السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية، وقد كان الهدف منه احتواء توسع النفوذ السوفييتي إلى المناطق التي تدخل ضمن المجالات الحيوية للسياسة الأمريكية، أقاليم أوربا الغربية، الشرق الأوسط وشرق آسيا.. وبالرغم من غياب استخدام القوة في هذا المبدأ إلا أن ذلك لم يمنع أمريكا من التلويح باستخدام القوة النووية، كما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية وكذلك الحال في مذكرة الأمن الوطني الأمريكي للرئيس ريغان الرقم NSDD 75 لعام 1983 الذي أشار صراحة إلى ضرورة الإطاحة بالنظام السوفييتي وإن بوسائل لا ترقى إلى مستوى استخدام القوة مباشرة..
خامساً- مبدأ الضربة الاستباقية " Preemption ": والذي يقوم على قاعدة تحديد العدو واستباق ضربه كي لا يتمكن من تنفيذ أهدافه، نشأ هذا المبدأ بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، ويعتبر تحولاً متجاوزاً لكل المبادئ السابقة، حيث يمنح الحق, وبعيداً عن الشرعية الدولية للولايات المتحدة الأمريكية أن تتصرف بالقانون الدولي وفق رغبات وتقديرات تحددها هي، وقد أقُر هذا المبدأ بعد سنة من أحداث 11 أيلول تحت اسم " استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية ".. في ظل تعاطف دولي حال دون نقد أو مساءلة الحقوق التي اكتسبتها أمريكا جراء إعلانها هذا المبدأ القائم على قاعدة إما معنا أو ضدنا..
لكن ما يميز هذا المبدأ عن سوابقه ويجعل منه مسألة خلاف لا على صعيد السياسة الداخلية الأمريكية فحسب، بل ويثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الدولية، هو البعد الجيوبولوتيكي/الثقافي الذي يعتمد عليه في تجسيد هذا المبدأ، وطبيعة وحجم التغيرات التي تفرضها ضرورة تحققه على الدول والمجتمعات الأخرى، فهي لا تشتمل على مجرد الهيمنة السياسية فحسب بل وتذهب إلى قضايا تدخل في صلب المعتقد والثقافة المجتمعية للناس، بكل ما يعني ذلك من قيم الولاء والانتماء ومستقرات التاريخ في الذاكرة القومية للشعوب وخاصة الروحية منها، وبذلك لم يعد مبدأ الضربات الاستباقية مبدأً ينحصر في حماية أمن وسلامة الدولة الأمريكية كما نلحظ في المبادئ السابقة، بل توسع ليدخل في صلب الخاص من قيم ومعتقدات الشعوب الأخرى انطلاقاً من اعتماد القوة والحيلة وشراء الذمم. كما أن خصوصية المجتمعات المستهدفة وطرق تعبيرها عن تطلعاتها وبناء علاقاتها وأفكارها، لا تخضع للمعايير المألوفة في الثقافة الغربية والتي تشكل أمريكا الجناح الغربي منه، وهو أمر ما زال يثير الكثير من الغموض والاستعصاء لدى الدوائر المعنية بالشأن الشرقي ولا سيما المجتمعات الإسلامية، فبدلاً من بذل الجهد في اعتماد الحوار ونشر قيم التفاهم والإقناع كما تدعيه الطروحات الديمقراطية, تلجأ أمريكا إلى وسائل نمطية مكتسبة من التابو الصهيوني الذي يمنهج المجتمعات العربية إعلامياً بصوره مشوهة ومنتقصة. وهذا ما يدفع بالولايات المتحدة في تعاملها مع العرب والمسلمين, إلى تبني سياسات عنجهية فارضة، لا تقبل الحوار أو المساءلة.
إن ما يجري اليوم في العراق وأفغانستان وما يخطط له في إيران ليس إلا امتداداً طبيعي لهذا النهج الإشكالي في مكونات هذا المبدأ الشاذ الخارج على كل القيم والأعراف الدولية.
مجدداً نقول إن إشكالية هذا المفهوم تكمن في التجاذبات التي تحدثها التفسيرات المتباينة لمعانيه ضمن الأوساط السياسية والقانونية الأمريكية، فكما تميل القوى المتطرفة واليمينية والمتمثلة أساساً في قوى الضغط ـ العسكرية والنفطية، والمخدرات واللوبي الصهيوني بكل تفرعاته إلى تفسير المفهوم وفق مآربها ومصالحها الضيقة، متذرعة بمبدأ البراغماتية الواقعية، تسعى القوى الديمقراطية والمنظمات الإنسانية إلى تغليب المبادئ والحقوق الإنسانية التي تكفل قدراً من التعامل المتكافئ مع الدول والمجتمعات الأخرى مع تفهم أكبر لاختلاف الثقافات ومراعاة حاجاتها الوطنية والإنسانية.
وهذا ما يفسر إلى حد كبير تنامي قوى الاعتراض السياسي في الداخل الأمريكي لنهج الإدارة الراهنة وتدني شعبية الرئيس بوش، وقد شجع ذلك بروز دراسات جريئة وصريحة لشخصيات أكاديمية مرموقة تكشف عن الاختلالات القائمة في بنية النظام والانحرافات الخطرة في سياساتها الخارجية وتحديداً التحالف المدمر للولايات المتحدة الأمريكية مع الكيان الصهيوني.. الدراسة التي نشرتها وسائل الإعلام الأوربية والأمريكية عن العالمين الأكاديميين جون ميرشيمر وستيفن والت عن جامعة هارفرد تدل بوضوح عن مكامن الضعف والارتباك في السياسة الخارجية، وخاصة الشرق أوسطية والناجم أساساً عن التبعية المفرطة لرغبات الكيان الصهيوني، بحيث تبدو الصورة وكأن الولايات المتحدة الأمريكية إنما تنفذ الأجنذة الإسرائيلية في المنطقة دون اعتبار للمصالح الحيوية الأمريكية التي تشهد تدنٍ غير مألوف.
أكثر من ذلك يذهب البرفسور والت في كتابه " تدجين القوة الأمريكية Taming American Power " مطالبة الإدارة الأمريكية بضرورة لجم القوة الإسرائيلية وفرض العقوبات عليها ودفعها للامتثال إلى الشرعية الدولية، شرطاً في استرداد أمريكا لهيبتها وسمعتها الدوليتين..
البدايات:
يجمع المؤرخون بأن الأوضاع العسكرية للقوات اليابانية في نهاية الحرب العالمية الثانية لم تكن في وضع يمكنها من مواصلة الحرب، وأن قرار الاستسلام قد تمت الموافقة عليه من قبل إمبراطور اليابان، لكن أمريكا التي بيتت لأمر آخر لم تقبل بهذا الاستسلام، بعد ذلك بأسبوعين ألقت الطائرات الأمريكية قنابلها النووية على كل من هيروشيما وناغازاكي، كان ضحية هذا الهجوم عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من الجرحى المشوهين وذاكرة كارثية يصعب على البشرية نسيانها..
وبذلك تكون أمريكا راعية النظام الدولي اليوم، أول دولة ديمقراطية تخرق القوانين الدولية باستخدامها السلاح النووي..
كانت الفاجعة الإنسانية من الشمول بحيث يتعذر وصفها، ونتيجة لذلك أجمع العلماء والساسة بضرورة إخراج هذا السلاح من دائرة الاستخدام واعتباره آلية دبلوماسية لتعزيز الأمن والاستقرار العالميين.. وقد دعت هذه التوجهات إلى ضرورة إحداث ضوابط وموانع قانونية وسياسية وأخلاقية تحول دون استخدام هذا السلاح أو حتى مجرد التفكير في استخدامه لحل النزاعات الدولية، مع استثناءات صريحة واضحة بحق الدول في الاستخدامات السلمية للمعارف النووية وفق شروط تضمنتها اتفاقية حظر الانتشار النووي "Non Proliferation Treaty "، التي استحدثت في الأول من شهر تموز من عام 1968 وفي الحادي عشر من أيار/مايو لعام 1995 بحسب المادة العاشرة منها تقرر أن يتم العمل بموجب نصوص هذه الاتفاقية إلى ما لا نهاية، وقد تموضعت هذه الاتفاقية في المنظمة الدولية للطاقة الذرية IAEA التي أنشئت عام 1957.
ما يهمنا من هذه الاتفاقية هي المادتين الرابعة والسادسة اللتين يدور حولهما الجدال..
أولاً: المادة الرابعة ببنديها الأول والثاني، حيث ينص البند الأول على أن ليس هناك ما يمكن اعتباره مساساً بالحقوق السيادية لأطراف المعاهدة في تطوير البحوث، وإنتاجاً واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية دون تحيز، وانسجاماً مع نصوص كل من المادة الأولى والثانية من الاتفاقية.
ثانياً: على كافة الأطراف في الاتفاقية أن تسهل وتمتلك حق الإسهام بأوسع قدر ممكن من تبادل المعدات والمواد والمعلومات الفنية والعلمية للاستخدام النووي في الأغراض السلمية. وعلى أطراف الاتفاقية الذين يمكنهم وضعهم من ذلك أن يتعاونوا في الإسهام فرادى وجماعات مع الدول الأخرى أو المنظمات الدولية لتوسيع وتطوير المجالات التطبيقية للطاقة النووية للأغراض السلمية، خاصة في أراضي الدول غير النووية الأعضاء في هذه الاتفاقية، مع الأخذ بعين الاعتبار حاجات المناطق النامية في العالم.
المادة السادسة: تنص على التزام الدول الأعضاء بمواصلة المفاوضات بنية صادقة حول الوسائل الفاعلة المتعلقة بوقف سباق التسلح النووي، وبأقرب وقت ممكن لنزع السلاح النووي والوصول إلى اتفاقية عامة لنزع كامل للسلاح في ظل رقابة دولية صارمة وفاعلة.
المشروع النووي الإيراني.. بين الأمس واليوم...
تعتبر إيران من الدول المبكرة في التوقيع على هذه الاتفاقية، والتزاماً بالبند الرابع منها حصلت إيران على قدر من المعارف النووية عبر أطراف أخرى من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا، وقد أنشأت مراكز بحوث متقدمة في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، ساعدها على ذلك إرسالها الآلاف من الدراسين في مجالات الطاقة.. كان ذلك في زمن حكم الشاه الصديق التابع لكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، والذي استرجع عرشه عبر انقلاب على الرئيس مصدق دبرته المخابرات المركزية الأمريكية عام 1953.
فمنذ مطلع الستينيات من القرن الماضي والتاريخ الأوربي حافل بالعديد من النشاطات النووية لصالح إيران الشاه سواء من حيث التزود بالمعدات والمنشآت النووية أو المعارف والخبرات، من خلال اتفاقيات ثنائية بين إيران الشاه والولايات المتحدة الأمريكية.
فقد قامت الولايات المتحدة بتزويد إيران " بمركز طهران للبحوث النووية (TNRC) " والذي تديره منظمة إيران للطاقة النووية (AEOI) بطاقة تصل خمسة ميجاوات بقدرة إنتاجية تعادل 600 غرام سنوياً من البلوتونيوم, لكن ذلك لم يحد من طموح الشاه في الحصول وبأقرب وقت ممكن على 23,000 ميجاوات، وقد عزز هذا الطموح باقتراح أمريكا بناء 23 مفاعلاً نووياً، إلى جانب قيام إيران بشراء حصص في مناجم اليورانيوم في كل من بارسنج, ناميبيا والمجموعة الأوربية لتخصيب اليورانيوم في فرنسا, وقد توسع هذا التعاون بعد عدوان حزيران، ليشمل العديد من الدول الأوربية، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، وإيطاليا، وقاد ذلك إلى التوسع في بناء المفاعلات النووية بحسب التوصيات الغربية لتغطية الحاجة الكهربائية لإيران، مما أدى إلى ارتفاع الإنتاج الطاقي ضمن الخطة التوسعية لمفاعل " بو شهر " النووي، وبدون الدخول في تفاصيل العلاقات الثنائية بين إيران والدول العربية، يمكن القول بأن الدول الغربية كانت على اطلاع كامل بالأنشطة النووية الإيرانية حينذاك، والتي كانت تهدف إلى امتلاك " دورة الوقود النووي الكاملة " Closed Nuclear Fuel Cycle " مما يمكن إيران من التحول إلى إنتاج الأسلحة النووية دون حاجتها إلى مساعدة خارجة،.. كان يجري ذلك دون اعتراض من الغرب وتحت سمعه وبصره.
أكثر من ذلك أقدمت إيران على شراء الكعكة الصفراء " Yellow Cake " من جنوب أفريقيا بعقد وصل 700 مليون دولار، والذي يسمح باستخراج البولوتونيوم من الفيول المستنفذ عبر استخدامها الوسائط الكيماوية، وبحسب الدكتور أكبر اعتماد، رئيس منظمة الطاقة الإيرانية حينذاك، فإن الاستخدام الوحيد للبلوتونيوم كان بهدف تصنيع القنبلة النووية، ((انظر مقال اعتماد، إيران والسياسة الأوربية لحظر الانتشار النووي، مطبعة جامعة أكسفورد عام 1987 صفحة 9)).
ومع اكتشاف الوثائق السرية للعلاقة الإيرانية ـ الإسرائيلية (في عهد الشاه) تتوضح حقيقة الأبعاد الخفية للمشروع النووي الإيراني، حيث تشير هذه الوثائق إلى عمق التعاون مع إسرائيل التي كانت تخطط لتزويد إيران بصواريخ إسرائيلية معدلة من نوع جيريكو ـ أرض ـ أرض يمكن تحميلها صواريخ نووية، وهذا ما تذهب إليه الاستخبارات الغربية من علمها بهذه المخططات التي كانت تشتمل أيضاً على تصاميم الأسلحة المتطورة، واستخراج للبلوتونيوم وأبحاث في تخصيب الليزر، وبطبيعة الحال لم تكن تلك الأسلحة لتستهدف أمريكا أو الكيان الصهيوني، ولو لم تقم الثورة الإيرانية الإسلامية في وقتها المناسب لكانت المنطقة والأمة الإسلامية بأكملها تستظل اليوم بالمنظومة النووية لكل من إيران الشاه والعدو الصهيوني.
وقد انتهى هذا التآمر الغربي ـ الإسرائيلي بقيام الثورة الإسلامية، التي عانت من حربها الظالمة مع عراق صدام، التي طالت آثارها لتصيب البنية النووية الإيرانية بالكثير من الدمار, كما واجهت العداء الغربي الذي تنصل عن كل التزاماته القانونية والأخلاقية ولم يلتزم بأي من تعهداته التي سبق الالتزام بها في عملية تطوير برامجها النووية وفق معاهدة حظر الانتشار النووي رغم دفع أثمانها مسبقاً، وما تزال هذه القضايا عالقة في المحاكم الدولية.
يقول السيد محمد ساهمي في دراسته المنشورة حول برنامج إيران النووي " Iran's Nuclear Program " بأن إيران لدى استعادتها لنشاطها النووي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، منحت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الفرصة للإسهام معها في تطوير وبناء المفاعلات النووية في إيران، مما كان سيمكنهم من السيطرة الفاعلة على المفاعلات الإيرانية ومنتجاتها، لكنهم أي الدول الغربية، كانوا يرفضون ذلك باستمرار.
في التاسع من شباط 2003 أعلنت إيران عن برنامجها النووي في مفاعل ناتانز ومواقع أخرى بهدف تخصيب اليورانيوم للاستخدامات السلمية، مما أثار حفيظة الغرب وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة.. هنا يبرز النفاق وسياسة المعايير المزدوجة بأسمى تجلياتها في السياسة الغربية التي عانينا منها الكثير، لكن ذلك كله لم يعد ليثني الدول والمجتمعات المحرومة من الوصول إلى غاياتها الشرعية والقانونية مهما كان الثمن.
تجدر الإشارة هنا إلى اتفاقية التعاون النووي مع الهند والتي بموجبها تقوم الولايات المتحدة بتزويد الهند بحاجتها من الوقود النووي للاستخدام المزدوج سلمياً وعسكرياً, علما بأن الهند كباكستان وإسرائيل لم توقع على اتفاقية حظر السلاح النووي وهي في الوقت ذاته مالكة لهذا السلاح.
وهكذا فقد تغير كل شيء مع قيام الثورة الإسلامية في إيران وانتهاجها سياسة وطنية وإسلامية مناوئة لكل من أمريكا وإسرائيل ووقوفها إلى جانب الحق العربي في الصراع مع إسرائيل، وأصبحت إيران وفق المعايير الغربية دولة مارقة في نظر الغرب، سرعان ما أدرجت ضمن دول " محور الشر " إلى جانب كل من كوريا الشمالية والعراق وبطبيعة الحال سورية..
وإذا استثنينا مسألة النفط وقيام إيران بإعادة تنظيم إنتاجها في الأيام الأولى لقيام الثورة.. فقد حافظت إيران على التزاماتها النفطية وفق مخصصات منظمة أوبك وبدون إرباك لأسواق النفط العالمية التي توفر لأمريكا حاجتها من النفط، وحاجة مخزونها الاستراتيجي، تبقى " المسألة الإسرائيلية " وحاجتها الأمنية، الهاجس الذي يجهد السياسة الخارجية الأمريكية على توفيره وحمايته تحت مبرر محاربتها للإرهاب، ويقصد بذلك كل ما يهدد ويحد من هذه التطلعات الإسرائيلية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كما يندرج ضمن هذه القاعدة مصادرة وكبح القدرات الإقليمية عربية كانت أم إسلامية، بحيث لا تشكل في المدى المنظور خطراً على التطلعات الهيمنية والتوسعية للكيان الصهيوني، لهذا لم يعد خاف على أحد سر الحملة الشعواء التي تمارسها أمريكا على إيران بهدف استعداء العالم عليها تحت حجج وذرائع واهية وغير قانونية وأخلاقية.
بيت القصيد هو أن تبقى المنطقة خانعة خاضعة للكيان الصهيوني الذي يمارس عدوانه المستمر على الأرض الفلسطينية، والعربية دون رادع أو واعز.. هذا الكيان الذي يملك ترسانة هائلة من السلاح النووي، إلى جانب مخزون أكبر من أسلحة الدمار الشامل، لا يخضع لأي من الضوابط والمحددات الدولية، فهو صدّر سلاحاً نووياً إلى دول أخرى كالدولة العنصرية في جنوب أفريقيا سابقاً، ضارباً عرض الحائط بكل الاتفاقات والمواثيق الدولية المانعة لذلك، وعلى مرأى ومسمع من دول العالم، كما بيتت النية وعن سبق إصرار على استخدام هذا السلاح، كما حصل في عام 1973..
في عددها لشهري كانون الثاني ـ شباط 2003، ترصد مجلة السياسة الخارجية الأمريكية حتى تاريخه 95 قراراً للأمم المتحدة تدين إسرائيل على أعمالها العدوانية في حق الشعب الفلسطيني والعرب، منها 42 قراراً صادراً عن مجلس الأمن استخدمت فيها أمريكا حق الفيتو لمنعه من محاسبة إسرائيل... كما أن إسرائيل لم تنفذ أي من هذه القرارات.
الموقف الأمريكي بين النفط وإسرائيل:
كُتب الكثير عن الإمبراطورية الصاعدة (الولايات المتحدة الأمريكية)، وخاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 واحتلالها للعراق، ونظّر الكثيرون وغالبيتهم من قوى النفوذ الصهيوني أو ما يسمون بالمحافظين الجدد، عن انبلاج القرن الأمريكي الجديد، يقصدون القرن الحادي والعشرين، الذي سيشهد ميلاد التشكيلات الدولية الجديدة وفق المتخيّل الأمريكي الذي لا يضمن حق القوة الأمريكية في التعبير عن ذاتها الإمبراطورية فحسب، بل ويجيز لها حق التصرف بالموارد والقدرات الطبيعية للشعوب الأخرى، وحق التدخل في شؤونها الثقافية والروحية ضمن مخطط جهنمي يقضي بإعادة رسم الخارطة الجيوبولوتيكية لهذه الدول، وفق منظورها البراغماتي أو ما يعرف عندنا بالشرق الأوسط الكبير.
وعندنا سال حبر كثير في توصيف الضرورة الإنقاذية لأمريكا في تخليص العراق من حالة الفوضى والإنفلات الأمني واسترداد وضعها الطبيعي ضمن الدول الديمقراطية الرائدة في المنطقة، وتحدث الإعلام العربي المنبهر ببهرجات المفردات الفانتازية، من نشر القيم الديمقراطية وتغيير الأنظمة وبناء الأمم، وكله " كلام يبقى في حدود الكلام ".
الحقيقة, من المنظور الأمريكي تكمن في الخطر المزدوج الذي تشكله إيران النووية إزاء مصلحتها القومية، سواء لناحية إسرائيل أو لناحية النفط، لكن ما يجعل الأمر أكثر خطورة من المنظور الأمريكي هو وجود دولة نفطية نووية في الثالوث النفطي الذي تكابد أمريكا من أجل السيطرة عليه وحرمان غيرها من الوصول إليه.. وهذا ما ترمي إليه السياسة الأمريكية من وراء تهديداتها ومغرياتها بحرف إيران عن مواصلة برنامجها النووي..
في 26 نيسان/أبريل 2006 أبلغت أمريكا إيران موافقتها بيع إسرائيل قنابل نووية قادرة على اختراق التحصينات النووية الإيرانية لدفع إيران للرضوخ والقبول بالحل الأوربي، ((انظر مقال السيد بنجمين فالن Benjamin Phelan بعنوان " الحقائق المطمورة Buried Truths " المنشورة في مجلة هاربر في ديسمبر 2004)).
بطبيعة الحال هذا لا يسقط العامل الإسرائيلي الذي يدخل على الأقل حتى الآن, ضمن المكونات الاستراتيجية للمصلحة القومية الأمريكية، لكن في الوقت ذاته، لا يسقط اعتباره عاملاً مزعجاً في تحديد أولويات المصلحة الأمريكية، ثمة أخبار يتناقلها بعض الدبلوماسيين تشير إلى أن مرض شارون الذي هدد بقصف إيران إن لم تقم أمريكا بذلك, كان هدية قيمة للإدارة الأمريكية خاصة في هذا الظرف الصعب وبعض هذا البعض من الدبلوماسيين يشير إلى أصابع أمريكية وراء هذا المرض، ولعل ما تنشره الدوائر الأكاديمية والسياسية والعسكرية - آخرها الدراسة المشتركة التي سبق الإشارة إليها لكل من البروفسور ميرشيمر عن جامعة شيكاغو والبروفسور ستيفن والت - دلالتها الواضحة بامتلاء الكأس لحليف يسعى الخيّرون للتخلص منه.
قد يذهب البعض إلى القول بأن أمريكا نفسها كانت الدولة الأولى التي شجعت إيران على المضي قدماً في برنامجها النووي, ليس فقط لاستدرار الطاقة الكهربائية، كما كان يجري الحديث, بل وفي صناعة الأسلحة التي يدخل ضمنها السلاح النووي وهو ما تكشفه الوثائق السرية التي أشرنا إليه آنفاً، لكن ذلك زمن كان فيه الشاه ركناً أساسياً في منظومة مبدأ الاحتواء " Containment " الأمريكي في مواجهة توسع النفوذ السوفييتي، أما إيران اليوم فهي العدو الأول لأمريكا وإسرائيل، ليس هذا فحسب، فأمريكا الغارقة في الوحول العراقية مع تدهور ملحوظ في شعبية سياساتها الخارجية سواء على الصعيد الأمريكي نفسه أو العالمي وارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة بسبب هذه السياسات، لا تبدو قادرة على احتواء الآثار والتداعيات التي قد تنجم عن مواجهة حادة مع إيران.
كما أن مواجهة مجهولة الأبعاد والنتائج سوف تؤدي حتما إلى تفاقم الأوضاع في منطقة الخليج، التي يخرج منها 27 مليون برميل نفط يومياً إلى أسواق النفط العالمية، إضافة إلى الإشعاعات النووية التي يستحيل احتواءها بحسب تقديرات الخبراء النوويين.
ليس في ما تسعى إليه إيران من امتلاكها للمعارف النووية خروجاً عن المسموح به ضمن نصوص معاهدة حظر الانتشار النووي، كما أن ليس هناك ما يشير حقيقة إلى نوايا إيرانية جادة لتحويل هذه المعارف إلى المجال العسكري النووي، باستثناء ما تذهب إليه الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها من إشاعة الأخبار المغرضة عن قيام إيران بتخصيب عالٍ لليورانيوم، وعن امتلاكها للدورة النووية الكاملة، فليس هناك ما يشير حقيقة إلى وثوقية هذه الأنباء التي تدخل ضمن الحرب الإعلامية النفسية والتي تجيدها الولايات المتحدة الأمريكية...
في الحقيقة لم يحظ موضوع قط باهتمام العالم كاهتمامه بغزو أمريكا للعراق, ليس لأن أمريكا ولأول مرة في تاريخ الشرعة الدولية, تقدم على خرق المعاهدات والمواثيق التي كانت هي وراء إحداثها, بل لأنها, بادعاءاتها الكاذبة, كللت بالعار جبين الآباء الأُول الذين أرادوا لأمريكا أن تكون منارة الديمقراطية والعدالة والمساواة بين بني البشر، فالقوة مهما تعاظمت لا تصنع الحق.
القصد من كل ذلك هو قدر عالٍ من الضغط الدولي يثني إيران عن مساعيها النووية السلمية، وفي حال فشل هذا الضغط، يصبح مشروعاً للولايات المتحدة الأمريكية أن تمارس حقها المشروع في الدفاع عن النفس، وفقاً للمادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بحق الأعضاء في استخدام القوة ضد طرف آخر دفاعاً عن النفس لكن ذلك مشروط بأحد أمرين: إما موافقة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أو أن يكون الاعتداء واقعاً لا محالة بحيث لا يحتمل دعوة المجلس للاجتماع Imminent، وفي هذه الحالة يكون قرار مجلس الأمن لاحقاً لاستخدام القوة دفاعاً عن النفس.
كما يجدر التنويه إلى المادة الحادية والخمسين من الميثاق، والتي تمنح الأعضاء الحق الفردي والجماعي في الدفاع عن النفس في حالة التعرض لاعتداء وشيك " imminent " وهي حالة لا تنطبق على إيران، وفي كلتا المادتين فلا يبدو أن ثمة إجماعاً بين القانونيين والسياسيين على صوابية ما يذهب إليه الموقف الأمريكي من استخدام لهاتين المادتين في الاعتداء على إيران.
الأزمة والخيارات:
إذا أخذنا بعين الاعتبار الأوضاع السابقة والمواقف الصريحة والمعلنة لكل من الصين وروسيا في مجلس الأمن مع ازدياد المعارضة الأمريكية الداخلية لسياسة بوش الخارجية وتدني شعبيته إلى حدود غير مسبوقة حتى في أوساط الحزب الجمهوري، فإن ذلك كله يضع أمريكا أمام خيارين لا ثالث لهما وكلا الخيارين يؤثران سلباً على فعالية ونجاعة مبدأ الضربة الوقائية في تجسيد المصلحة القومية.
ففي حالة الإقدام على ضرب إيران مباشرة من قبل أمريكا وحدها أو بالتنسيق مع إسرائيل، فلا يمكن لأحد أن يتنبأ بتبعات ونتائج هذه المغامرة سواء المباشرة منها وغير المباشرة، خاصة وإن النموذج العراقي ما يزال ماثلاً للعيان، فأمريكا تستطيع أن تبدأ الحرب لكنها حتماً لا تعرف كيف تنهيها، وهي حرب لن تعود بالخير على السلام والأمن الدوليين، كما أن انعكاساتها الاقتصادية والسياسية على أمريكا وحلفائها سوف تقود إلى قطيعة لن ينحصر أثرها على المنطقة فحسب، بل وسيشمل العالم الإسلامي وقوى الخير في العالم أجمع.
واستطراداً فإن إقدام أمريكا على هذه المغامرة سوف يجعل من امتلاك السلاح النووي ضرورة شرعية للدول الأخرى في الدفاع عن مصالحها إزاء الخطر الأمريكي.
أما في حال انتهاج الخيار الثاني وهو الانسحاب والبحث عن بدائل أخرى لحل النزاع، فثمة منظورين لهذا الاحتمال:
الأول: ويدعو إلى إمكانية التعايش مع إيران النووية عبر ضوابط وأسس تحول دون تهديدها للسلام والأمن العالميين، وهذا ما تجنح إليه الكثير من الدول الأوربية وغير الأوربية، خاصة وأن دولاً كاليابان وألمانيا والبرازيل تملك هذه المعارف وتمارسها سلمياً.
الثاني: ويقضي بالعودة إلى احترام حق الشعوب في العيش بحرية وسلام، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام حقوقها السيادية وفق الشرعية الدولية، والالتزام بتنفيذ رغبتها في إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة منزوعة من الأسلحة النووية وكافة أشكال أسلحة الدمار الشامل، وبخاصة الترسانة النووية الإسرائيلية..
لكن هذا الخيار وإن كان وارداً في المتصور الأمريكي إلى جانب خيارين آخرين يتمثلان في:
1- محاولة الإجهاز على النظام من الداخل، وهذا ما تذهب إليه بعض الأطراف الإيرانية المعارضة في الخارج.
2- ممارسة الضغوط الدولية على الدول التي تزود إيران بحاجتها النووية كروسيا والصين لإيقاف إمداداتها، فإن هذا الخيار وإن بدا منطقياً, فإنه لا يقبل التعايش مع جوهر الموقف الأمريكي المتحيز للدولة الصهيونية وحقها في استمرار نهجها العدواني على الأمتين العربية والإسلامية، ولكي يكون لهذا الخيار صدقيته، فعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تبدأ بإلزام إسرائيل بتنفيذ كافة القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والمتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني والدول العربية الأخرى المعنية بهذا الصراع، وهو وحده المؤشر الحقيقي والصادق للنوايا الأمريكية في تجنيب العالم نتائج كارثية لا طاقة له بها..
نعرف أن إسرائيل ما تزال تحكم الخناق على الإدارة الأمريكية وتعمل جاهدة على إغلاق نوافذ الانفراج للأزمة، وإذا ترك النفط جانباً, فالقضية برمتها إسرائيلية بامتياز، وهي أي إسرائيل في وصولها إلى غاياتها لا تعير أهمية للنتائج التي قد تترتب على أمريكا والعالم، وهذا هو ما تؤكده الشواهد والدلالات لناحية استخفافها بل واحتقارها للشرعية الدولية وكل ما يصدر عنها من قرارات، كما لا تعير أهمية لحرمة علاقاتها مع أمريكا نفسها التي تمارس التجسس ضدها والمتاجرة بأسرارها العسكرية مع دول أخرى دون رادع أو وازع أخلاقي، إذ ما تزال المحاكم الأمريكية تنظر في العديد من القضايا التي تمس الأمن القومي من قبل المنظمات الصهيونية في أمريكا " AIPAC " والأدوار المشبوهة للسفارة الإسرائيلية في واشنطن.
فهل نشهد قريباً بزوغ مفهوم عقلاني جديد لمبدأ المصلحة القومية بعيداً عن الارتهان القسري للمصلحة الإسرائيلية.. هذا أمر على القوى الديمقراطية والقوى المحبة للسلام بحثه وتصويبه، لأن حجم الخسارة التي ستمنى بها أمريكا يتجاوز حجم الفوائد الإرضائية لإسرائيل، ففي الرؤية البراغماتية للأمور لا يستثنى شيء عن مقاييس الربح والخسارة بما فيها الولاءات الدينية.
يتحدث الكاتب الصحفي ليون هادار في مقالة بعنوان " هل القلم أقوى من السيف " المنشورة على صفحة " Antiwar.com "، ويقصد بالقلم الرسالة التي وجهها الرئيس أحمدي نجاد إلى الرئيس بوش، في مطلع أيار 2006 يشير السيد هادار إلى وجود اتصالات سرية بين دبلوماسيين أمريكيين وإيرانيين لحلحلة الأزمة، ويؤكد بأن نتائج غير متوقعة سوف تظهر قريباً إلى السطح، خاصة في ظل ما يتوضح مؤخراً من أن حظوظ الإدارة الأمريكية في الحصول على قرار من مجلس الأمن بمعاقبة إيران تكاد تصل إلى الصفر، وليس هناك من خيار أمام أمريكا إلا أن تستمر بالحفاظ على الوضع الراهن " Status quo " أو فتح قنوات حوار مع إيران، كما حصل مع السوفييت أيام كيندي والصين أيام نيكسون، ويذهب الكاتب إلى القول: ما علينا سوى أن ننتظر غياب أحد الدبلوماسيين الأمريكيين لنعرف أن الحوار قد بدأ..
العرب والبرنامج النووي الإيراني:
تتفرد سورية بموقف عربي متميز في تعاملها مع الأزمة الراهنة, وقد تجسد هذا الموقف في العديد من التصريحات واللقاءات التي تمت بين الجانبين العربي والإيراني، وتم التعبير عنه أيضاً في المحافل الدولية والإقليمية، وهي مع حق امتلاك إيران للمعارف النووية بهدف استخدامها للأغراض السلمية وفق ما تنص عليه المادة الرابعة من معاهدة حظر الانتشار النووي، التي تعتبر سورية مع الدول العربية الأخرى من الأعضاء الموقعين عليها..
وترى سورية في الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران لحرفها عن مواصلة جهودها السلمية في الاستخدامات النووية، استمراراً لسياسة الابتزاز والهيمنة والكيل بمكيالين..
ففي الوقت الذي تغض فيه الطرف عن المخزون النووي لإسرائيل وعن الانتهاكات النووية غير القابلة للرقابة والضغط الدوليين وتهديد البنية الشرق أوسطية بالتلوث النووي، وإصرارها على عدم التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي... مع كل هذه الخروقات الإسرائيلية لا يبدو أن الإدارة الأمريكية بوارد طرح الإشكالية الإسرائيلية كمخرج لتنفيس الأزمة النووية في المنطقة..
ولقد دعت سورية منذ الثمانينيات، المجتمع الدولي إلى ضرورة إعلان منطقة الشرق الأوسط، منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، غير أن ذلك الجهد كان يقابل دوماً بآذان صماء من قبل المجتمع الدولي، وكذلك الحال مع الأصوات العربية الأخرى مصر والأردن اللتين دعتا إلى إلزام إسرائيل بالتوقيع على الاتفاقية الدولية شرطا لقبولهما بالاتفاقية، إلا أنهما اضطرتا للانسحاب تحت ضغط الغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
لكن أن تسعى إيران أو أية دولة عربية للحصول على المعارف النووية وبشكل قانوني، فذلك أمر يثير الكثير من الهلع والخوف لدى إسرائيل وبالتالي أمريكا، التي تقيم الدنيا ولا تقعدها..
في تصريح ينم عن سطحية الرئيس بوش حول الخبرات النووية الإيرانية يقول علينا ألا نسمح لإيران الحصول على السلاح النووي، بل وحتى المعرفة النووية، بمعنى آخر أن تبقى إيران والأمة العربية دون الوصول إلى هذه الحقول المعرفية، التي يجب أن تبقى حكراً على إسرائيل في المنطقة.
لم يكن الرئيس بوش يتحدث عبطاً حين عبر عن معارضته الشديده لامتلاك إيران وضمناً العرب, لهذه المعارف المتقدمة، فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والموجهة إسرائيلياً تمارس هذا النهج العدواني والذي تكلل باحتلالها للعراق، فهي لم تكتف بتدميره فحسب بل وتقتل علماءه وكل ما يمت إلى هذا الأمر بصلة، مراكز أبحاث، جامعات أو حتى مصادر عادية للمعرفة ".
عربياً..
المشهد العربي راهناً: لا يشجع على القول ببروز موقف موحد، فالدول التي تجاور إيران ما تزال تعيش هاجس الضغط الأمريكي من جهة، وهاجس خلافاتها الشكلية من جهة أخرى في ظل وضع إيراني جديد لم تتبلور أبعاده ولا طبيعة العلاقات المستقبلية الناظمة لهذا الوضع، وفي الوقت ذاته تتخوف من نتائج اندلاع مواجهة عسكرية تكون المنطقة كلها من ضمن ضحاياه.
ثمة حاجة لاقتراب الجوار والخروج بموقف عملي يضع مصالح المنطقة والأمتين العربية والإسلامية فوق كل اعتبار, وبدون ذلك فستبقى المنطقة رهينة الابتزاز المشترك لكل من أمريكا وإسرائيل.
فبحسب التقديرات الصادرة عن مركزي إدارة الأزمات في جامعة أكسفورد ومجموعة الأزمات الدولية " ICG " فإن الاستهداف الأمريكي نووياً لإيران سوف يعرض الجناح العربي للخليج برمته بما فيه السعودية إلى تسرب الإشعاعات النووية الذي يتعذر التنبؤ بفترة زمنية محددة لإزالة آثاره، كما ستشكل العمليات العسكرية تهديداً مباشراً للإنتاج النفطي مع احتمال كبير لقيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، مما يعني حرمان العالم من 27 مليون برميل يومياً، يأتي هذا في وقت يعيش فيه العالم أزمة نفطية قاسية سعراً وإنتاجاً خاصة متى أدركنا حقيقة الخلل المتزايد بين قوى العرض المتناقص والطلب المتزايد على النفط، مما يعني بالضرورة اشتمال الأزمة على العالم أجمع، لإدراك الأزمة النفطية أو ما يعرف بالذروة النفطية، "Peak Oil " يتوجب الاطلاع على كتاب جيمس هاورد كونستلر, "The long Emergency " الذي يحض على ضرورة الشروع بالبحث عن البدائل الطاقية من الآن خاصة وأن الزمن المتبقي للاستنفاذ الكامل للنفط لا يتجاوز الخمسين عاماً.
وأخيراً,
ثمة حاجة عربية لاستدراك سريع تؤسس لموقف عربي جامع مما يجري من تجاذبات حول المسألة الإيرانية، يعمل على دعم وإسناد الموقف التفاوضي لإيران في نزاعها غير العادل مع الغرب وإسرائيل تحديداً، والعرب بوقوفهم إلى جانب إيران إنما يؤسسون لحقهم المستقبلي في امتلاك المعارف النووية للاستخدامات السلمية وهي حاجة تمليها القراءات المستقبلية لأوضاع الطاقة النفطية المتراجعة وحتمية البحث عن البدائل الطاقية الأخرى.. إن التخاذل العربي في دعم الموقف الإيراني سوف يرتب سابقة تجعل من المتعذر على العرب امتلاكهم لهذه المعارف كما ويشرعن الخرق القانوني في المنطقة بتفرد إسرائيل وحدها دون غيرها ليس في حق استملاكها للسلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل فحسب، بل وحقها في استخدامها متى شاءت وأينما تشاء.
لهذا تكون نصرة العرب لإيران هي نصرتهم لأنفسهم، كما لا يغيب عن العرب حقيقة أن إيران بإقدامها على ممارسة هذا الحق إنما تدفع بالعرب وبكل القوى الخيرة في العالم للبحث الجاد في طرق معالجة أزمة الانتشار النووي، والنظر في التعامل معها بشكل عادل ومسؤول من قبل الأطراف النووية وخاصة الغربية منها، سواء من حيث التزاماتها بالمادة السادسة التي تنص صراحة على " التزام الدول الأعضاء بمواصلة المفاوضات بنية صادقة حول الوسائل الفاعلة المتعلقة بوقف سباق التسلح النووي، وبأقرب وقت ممكن لنزع السلاح النووي والوصول إلى اتفاقية عامة لنزع كامل للسلاح في ظل رقابة دولية صارمة وفاعلة " أو تغافلها عن الدعوات الملحة لشعوب الشرق الأوسط لإخلائه من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، والتزام إسرائيل بالتوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي، وقبولها بالإجراءات الرقابية والإشرافية على أنشطتها النووية.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية