 |
لن
أتحدث بداية عن المناخ الاستثماري
بحضور قطبين مهمين جداً أحدهما يأخذ
جانب الدفاع والآخر فيها جانب الإدعاء،
لكنني أريد أن أنقل حديثاً تعلمته
من أهلي وعلمته لأولادي، حيث كان
يقول أبي دائماً "من لم يعترف بخطئه
لا يمكن أن يصحح"، أي نقطة الانطلاق
نحو الإصلاح هو الاعتراف بالخطأ.
النقطة الثانية: كان دائماً يردد
عليّ بيت شعر يقول:
ولم أرَ في عيوب الناس عيباً كنقص
القادرين على التمام
فالإنسان الذي يمكن أن يكون فوق،
لا يجوز أن يقبل دون الأعلى، ونحن
في سورية، حبانا الله، بمنح كبيرة
جداً لم نحسن الاستفادة منها، ففي
إحدى محاضراتي وبحوثي التي قدمتها
في ماليزيا بعنوان " الفرص الاستثمارية
في سورية " قلت: إن سورية ما زالت
بلداً بكراً في الاستثمار لم تكتشف
آفاقها في الاستثمار، والفرص الاستثمارية
في سورية لا تعدّ ولا تحصى، وعندما
نتعمق في الدراسة وفي التحليل، سنجد
أن إمكانية الربح في سورية أعلى من
أي اقتصاد في العالم، معدل الضريبة
بعد أن خفض في المرحلة الأخيرة هو
أدنى معدل على الأرباح في العالم..
بالطبع في العالم المتقدم - بالمتوسط
العالمي - لكن هناك بعض الدول قد
أعطاها الله مزايا كبيرة، ولا تريد
أن تأخذ ضريبة على الربح ولا ضرائب
نهائياً، لكن إذا أخذنا مؤشرات البنك
الدولي الذي قد لا يكون صديقاً كبيراً
لسورية يعطي مؤشرات إيجابية جداً،
ويبين أن هناك مزايا كبيرة، للمستثمر
في سورية منها ما له علاقة بالموارد،
وما له علاقة بقوة العمل، وما له
علاقة بالفرص الكبيرة، وتؤخذ بعض
المآخذ على المناخ الاستثماري, إذاً
علينا التمييز بين الفرص الاستثمارية
والمناخ الاستثماري.
المناخ الاستثماري يلعب فيه عامل
الإدارة دوراً كبيراً جداً، ونحن
من المؤسف جداً أن نقول إننا لم نرسخ
ثقافة العمل وثقافة التعاون بين القطاعين
العام والخاص، مررنا بمرحلة كانت
خطيرة على مستوى التطور الاقتصادي
في سورية، وخلقنا نزاعاً بين القطاعين
العام والخاص، وهما طرفان عمودان
أساسيان في الاقتصاد الوطني.
أريد أن أعبر عن شكري لمنظمي الندوة
لأنهم جمعوا قطبين إلى اليمين واليسار
(وأنا رجل محايد) قطبان يستطيعان
أن يدافعا عن وجهات نظرهما ويبقى
الحكم لكم، وأنا سألعب إذا أتيحت
لي الفرصة لإصدار الحكم، لكن أريد
أن أشير عندما نوقش القانون رقم 10
لعام 1991 جرت حادثة وكنت آنذاك في
مجلس الوزراء، يعرض رئيس مجلس الوزراء
أنه أمامنا قانون أقرته القيادة فتفضلوا
وناقشوه.
فتوقفت وقلت سيدي رئيس مجلس الوزراء،
كيف تطلب مني أنا كوزير في سورية،
أو عضو حزب البعث العربي الاشتراكي
أن أناقش قراراً أقرته القيادة، وأنا
وزير ملتزم بالدستور حيث الحزب قائد
الدولة والمجتمع، وأنا بعثي ملتزم
بنظام الحزب حيث الديمقراطية المركزية،
والسؤال الذي سألته (أما كان من الأفضل
لنا أن نجتمع ونعقد مؤتمراً وطنياً
لرجال الأعمال من أجل أن نسمع شكواهم
ونعرف آلامهم ثم نسعى إلى معالجتها،
هذا الكلام السليم).
لاحقاً عقدت مؤتمرات ومنها مؤتمر
في لندن حضره الطاقم الاقتصادي السوري
واستمع إلى شكاوي رجال الأعمال، ولكن
على ما يبدو لم يقرّ حتى الآن رجال
الأعمال إلا بالشكاية، فليس لديهم
مطالب، فهذا الأمر خطير جداً، على
مستوى المناخ الاستثماري في سورية،
لذلك أنا سأشير الآن فقط إلى المكونات
الرئيسة لمناخ الاستثمار كإشارة.
أولها الفرص الاستثمارية، وقلت إن
سورية ما زالت بكر بكل معنى الكلمات،
مستوى التصنيع لدينا ضعيف جداً والقيمة
المضافة في سورية محدودة جداً، الأراضي
الزراعية تستغل بصورة أفقية وليس
بصورة رأسية، والسياحة في سورية،
نبع ثرّ للثروات، السياحة الدينية،
السياحة المناخية، السياحة الحضارية
(التراث) تعاقبت على سورية عشرات
الحضارات والشعب السوري راكم هذا
الموروث الحضاري لدرجة أن أحد الفلاسفة
الغربيين يقول: " إن سورية مهد الحضارة
" كل مواطن في العالم له وطنان وطنه
الذي يقيم فيه وسورية الوطن الأساسي
في العالم كله، هذا التراث يقدر عالياً
جداً لو أحسنّا استخدامه إذاً تلك
النقطة الأولى (الفرص الاستثمارية)
غير محدودة على الإطلاق.
ثانيها معدلات الربح المتوقعة، لكل
مستثمر وهذا حق له أن يسعى لتحقيق
الربح، وبالتالي هو ليس مؤسسة خيرية
بل يريد أن يربح.. ومعدلات الربح
في سورية تعد من أعلى المعدلات في
العالم، شخص يستثمر مليون ل. س خلال
سنتين يربح 10 مليون، إذاً هذا دافع
كبير جداً من جهة المستثمرين، في
ندوة سيما عام 2000 قلت كيف يمكن
أن ندعو المستثمرين الأجانب لدخول
سورية وهم لا يرون إلا الاستثمارات
السورية تتجه باتجاه الخارج؟ هذا
أمر مستحيل، لأن أهل مكة أدرى بشعابها،
وما دمنا نحن لا نستثمر في سورية
إذاً هناك خلل معين، المطلوب من السادة
رجال الأعمال أن يطرحوا مواقع الخلل
لأن الإرادة السياسية في سورية وإرادة
الإدارة الاقتصادية وأنا أعرف أن
د. مصطفى العبد الله جيداً لتاريخ
طويل رغبتهم في حل المشكلات وصولاً
إلى الحل الأمثل.
السيد الرئيس عندما كان في الكويت
في زيارة رسمية في يوم من الأيام،
شكا له رجال الأعمال الكويتيين وقالوا
نحن نعاني من مشكلات في سورية، فقال
لهم أنا مرجعكم ومحاميكم.
هذا الكلام عندما يقدر من قبل الموظفين
الصغار وعندما يعرفون أن أي عرقلة
يضعونها في وجه الاستثمار كم هي جريمة
بحق البلد، وبحق الأمة العربية كلها،
لكن هم يضعون لأنه يبدو أن الحساب
لا يتم بالشكل الصحيح.
النقطة الثالثة هي معدلات الضريبة
المتدنية بصرف النظر عن معدل (أنا
لا أتكلم عن القانون) معدل الضريبة
على المؤسسات في سورية بالمتوسط 20.8
من الربح المتحقق، بينما في دول المنطقة
الجيران 35% وفي العالم المتقدم 45.5%.
إذا أخذنا فقط فرق الضريبة نعرف كم
يمكن أن تحقق معدل ربح أعلى، المشكلة
الأساسية أن هذا الكلام مأخوذ من
البنك الدولي (البنك الدولي ليس صديقاً
كثيراً) ولكنه هذا واقع.
رابع المكونات الأساسية هو الطلب
الكلي وسعة السوق، كلنا يعرف أن سورية
دخلها الوطني قليل، يبلغ حوالي 20-21
مليار دولار بالقيمة الاسمية، ولكن
إذا أخذنا بمكافئ القوة الشرائية،
وهو الطلب بالمكافئ يصل إلى 64 مليار
دولار. هذا الحلقة الأولى، أما الحلقة
الثانية فسورية داخل منطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى، حيث الناتج
المحلي في هذه الدول 17 الداخلة في
المنطقة حوالي 700 مليار دولار، أي
أكبر من أي بلد كبير. إذا أخذنا المرحلة
الثالثة وهي الأهم، أن سورية وقعت
عقد شراكة مع الاتحاد الأوروبي من
الدول الـ 25 وفي عقد الشراكة أعطيت
المنتجات السورية ميزة رائعة جداً
أنها أعفيت من الرسوم الجمركية خلال
المرحلة الانتقالية، حيث إن أي منتج
في سورية بعد تصديق الاتفاقية يمكن
تصديره دون أي رسوم جمركية ودون شرط
التعامل بالمثل.
الناتج المحلي الإجمالي في أوربا
أو الاتحاد الأوربي (25 دولة) هو
11 تريليون دولار، (11 ألف مليار
دولار) وبالتالي يعد الاقتصاد الأول
في العالم.
إذاً المجال مفسوح أمامنا إلى أبعد
الحدود، أضف إلى ذلك أن سورية قدمت
طلب انضمام لمنظمة التجارة العالمية
وتحرر اقتصادها تدريجياً، فهذه السوق
الداخلية والطلب، أرجو ألا تشكل أي
عبء عند الناس.
خامس المكونات هو توافر قوة العمل
المؤهلة وبتكلفة رخيصة، لماذا؟ الناس
تقول إن سورية أجورها مرتفعة لأن
إنتاجية العمل متدنية، وهذا الكلام
صحيح علمياً، لكن لماذا إنتاجية العمل
في سورية متدنية، لأن التجهيز التقني
والتقنيات المستخدمة في الورش السورية
متدنية، وبالتالي إنتاجية العمل ضعيفة،
لكن عندما يأتي الاستثمار بالرأسمال
المادي ويأتي الرأسمال المكثف للتقنيات
سوف ترتفع إنتاجية العمل كثيراً وبالتالي
يصبح أجر العامل السوري زهيداً جداً
إذا ما قارناه بالإنتاجية التي تتحقق
له.
الحرفيون هم مصدر كل تقدم صناعي في
العالم، وهم بطبيعتهم يتقنون العمل
بأيديهم، وعندما يتحولون إلى العمل
الآلي سيتقنون العمل على آلة أيضاً،
وبالتالي نحن لدينا حوالي 100 ألف
منشأة حرفية في سورية، بمجرد دخول
الصناعة الحديثة سيتحول هؤلاء الحرفيون
إلى عمال مؤهلين بمنتهى التأهيل،
وسوف يأخذون رواتب أعلى من الواقع،
ولكن تبقى أدنى بكثير من هذا الرقم.
سادس هذه المكونات هو الموارد الطبيعية،
عامل المناخ، سورية يمكن أن تكون
من بين الدول القليلة التي تتمايز
فيها أربعة فصول، الشتاء والصيف والربيع
والخريف، وبالتالي تصلح للسياحة في
الفصول الأربعة، وهذه مزية نستطيع
أن نطورها بالمزايا التنافسية.
عامل الطبيعة: سورية غنية جداً بمواردها
الباطنية، الدليل أن المركز الأمريكي
لدراسات الموارد يقول: الأرض السورية
غنية بمواردها الباطنية " نفط، فوسفات،
كروم، منغنيز، خامات الحديد، الملح
الصخري، الرخام، الجص، والمصادر الكهربائية
". إذاً كل عوامل النمو متاحة لدينا،
سواء لجهة الموارد الطبيعية أو التأهيل،
أما الأمر الأكثر أهمية هو الموروث
الحضاري السوري، أيضاً الدليل أن
السفارة الأمريكية التي تعد دراسات
عن الموارد في سورية تقول إن سورية
غنية جداً بتراثها الحضاري غير المنتفع
به.
لذلك ميزت بالموروث الحضاري بين شقين:
الشق الأول هو التمازج بين الحضارات
فوق أرض سورية (الحضارة الحثية، اليونانية،
الرومانية، الفينيقية) ثم تكللت كلها
بحضارة التسامح والحب وبالحضارة العربية
الإسلامية وهي تتفوق على كل حضارات
العالم من حيث التسامح، يكفي أن نعرف
أن المسيحي العربي أو المسلم العربي
يفتتح كلامه مع الناس بـ (السلام
عليكم) هو يريد أن يتعامل مع الناس
بود وبحضارة، ويكتشف جميع السائحين
مثل هذه الحقيقة بتعامل السوريين
معهم، هذا الموروث هو نتيجة ثقافات
وحضارات متوارثة بقيت في سورية وتوجت
بالحضارة العربية الإسلامية.
الشعب السوري واسع الانفتاح، يستقبل
الضيف بأهلاً وسهلاً ويودعه بالسلام
عليكم، وبالتالي هذه القيم نحتاجها
جميعاً، إذاً الشعب السوري شعب مضياف
يرحب بالسائحين وبالتالي يمكن الاستثمار
به.
أما الأكثر من ذلك أن سورية غنية
بموروثها الحضاري وآثارها العمرانية
والشواهد.
تعلمون أن البابا يوحنا بولس الثاني
زار سورية بقصد الحج واعتبر أن منطلق
المسيحية كان في سورية وجاء إلى موقع
بولس الرسول ليعرف أن سورية مركز
سياحي ديني مسيحي، لكن قداسة البابا
قد لا يهمه أن يعرف أن سورية مركز
سياحي إسلامي كبير جداً، ففي دمشق
عدد من قبور الصحابة، في دمشق قبر
السيدة زينب، وقبر السيدة رقية، في
دمشق تراث الكنائس والجوامع، ومن
أقدم الجوامع في العالم وبالتالي
هذا مركز كبير جداً أيضاً، لكن هنا
سأترك لزميليّ أن يتحدثوا.
هذا الغنى بالحضارة وبالمكونات يجب
ألا يخفى عنا بعض العيوب في المناخ
الاستثماري عندنا والتي يمكن تلافيها
دون أي استثمارات إضافية، لأن كل
هذه العيوب مرتبطة بالسلوك الإداري
لجهة الروتين وبعض ملامح الفساد وعدم
الشعور بالمسؤولية الوطنية هو عدم
الشعور بالمسؤولية تجاه الأسرة، لأن
الوطن هو مجموعة أسر وما لم أحسن
خدمة وطني يستحيل أن أخدم أسرتي،
لأن النفع العام عندما يأتي للبلد
تستفيد منه أسرتي، أما نفع أسرتي
لم يستفد منه البلد دائماً، وبالتالي
هذه المشكلات عليها مؤشرات كثيرة
يتم تداولها في العالم، ومؤسسات تقويم
المخاطر والتقويم المالي تنشرها دورياً
والبنك الدولي أيضاً ينشرها مما يجعل
الناس تخشى أو تخاف الدخول في المجال
الاستثماري.
نقطة أخيرة: يجب ألا ننسى أن حالة
عدم الاستقرار في الشرق الأوسط والعدوان
الصهيوني المستمر على سورية وتفاعل
الأمريكيين السلبي مع الإدعاءات الصهيونية
قد تشكل بعض العقبات في وجه من لا
يعرف سورية على حقيقتها.
مهمتنا نحن وأنتم وكل مواطن سوري
أن يغير هذه الصورة، والمسؤولية الأولى
تأتي على الطرفين، على الإدارة الاقتصادية
من جهة، وعلى رجال الأعمال من جهة
ثانية.
أنا أعتقد إذا أتيحت لي الفرصة سألعب
دور الحكم بين الجهتين آملاً أن نستطيع
أن نعطي إضاءات كافية عن الاستثمار
في سورية عن واقعه وعن آفاقه ومشكلاته
.. وشكراً.