في البداية اسمحوا لي أن أشكر إدارة دار البعث، على هذه الندوة، لإتاحة الفرصة للمشاركة فيها، والسيد مدير بالجلسة تذكرينا بالحد المخصص لكل مداخل وهو15 دقيقة، لذلك سأحاول خلال 15 دقيقة أن أتوقف عند أهم مفاصل رؤانا في مسألة الوضع في المنطقة والوضع في السياسة الإمبريالية والصهيونية في منطقتنا.
أنا أريد أن أنطلق من المفاهيم الاقتصادية، لأني من أنصار الرؤى التي تقول بأن السياسة هي تعبير مكثف عن الاقتصاد، فحتى لو كما تفضل الأخوة المحاضرون قبلي، أن هناك طغمة صهيونية توصلت إلى مفاصل مهمة في الإدارة الأمريكية في البنتاغون، وفي مجلس الأمن القومي، في إدارة نائب الرئيس، ولكن لم يمكنهم أن يقوموا بهذه المغامرة الكبرى ما لم يقوموا بإقناع النخبة الحاكمة الأمريكية بفائدة هذه المغامرة.
وتعلموا أن هؤلاء المنظرين الأساسيين (المحافظين الجدد)، وهم أصلهم من حركة التروتسكيين، هؤلاء أطلقوا عليهم تسمية العدوانيين المدنيين، فليس من بينهم من خدم العسكرية، وهم يقودون البنتاغون، ويقودون السياسة العسكرية العدوانية الأمريكية، ولكن كيف استطاعوا أن يقنعوا النخبة الحاكمة الأمريكية، أي الاحتكارات الأمريكية بضرورة خوض مثل هذه المغامرة، من المعروف أن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي جرى انتعاش معين بالاقتصاد في المراكز الإمبريالية على أساس نهب الغنيمة، وجرى تقاسم بين الاحتكارات الأمريكية والاحتكارات الأوربية الغربية حول نسب الغنيمة، واتفقوا حول حصص في روسيا، حصص في أوربا الشرقية، بعد خلاف اتفقوا حول حصص في دول البلطيق في البلقان، ولكن بقي كل واحد مترصد للآخر، حرب الخليج 1990-1991 أعطت للأمريكيين تفوقاً كبيراً لأنهم سيطروا على إمداد منافسيهم المستقبليين الكامنة في أوربا الغربية، اليابان، الصين، موارد الطاقة الأساسية، كلنا يعرف أنه بعد سنة 1991 توزيع النفط الخليجي، نفط العرب، أصبح بيد أمريكا، وحتى البعض الذي يطرح الهجوم الأمريكي على العراق كان من أجل التالي: من أجل النفط ليس صحيحاً، لأنه في ظل الحكم العراقي السابق كان بحدود 70% من النفط العراقي يوزع بواسطة الاحتكارات البترولية الأمريكية، ولكن هناك محيط آخر، منبع آخر كبير للنفط هو بحر قزوين، شماله أذربيجان، وجزء من روسيا، وشرقاً جمهوريات آسيا الوسطى، وجنوباً إيران، واقتنعت الاحتكارات الأمريكية من أجل سيطرتها الكاملة على العالم، لا بد من السيطرة على المنبع الثاني للنفط، والذي هو محيط بحر قزوين بعد سيطرتها على نفط العرب في 1990-1991، هكذا كان دافع كبير من أجل بدء الهجوم الثاني الأمريكي على العراق، وهناك ثلاثة عوامل اقتصادية لعبت دوراً خلال فترة الانتعاش الذي جاء من حرب العراق الأولى، والعائدات السخية إلى الحكام العرب من الولايات المتحدة الأمريكية مقابل النفقات الحربية في تحرير الكويت، ونهب دول أوربا الشرقية أعطت اندفاعاً سريعاً ولكن قصير المدى، وبدأت تظهر عوامل التأزم مجدداً في عام 1997 أزمة النمور الآسيوية، الأزمة الأرجنتينية، أزمة 1998 انهيار كبير في روسيا الاتحادية، 1999-2000 بدأ شيء يؤثر مباشرة على وضع الولايات المتحدة الأمريكية وتتذكروا جميعاً انهيار المؤشر الذي كان يقال عنه أنه لا ينهار قوي كقوة أمريكا مثل أبراج التجارة، (التي انهارت)، بدأ ينهار بشكل كبير وهذا كان مؤشر كبير على تأزم الوضع الاقتصادي الأمريكي، لذلك الطغمة الحاكمة في أمريكا وليس فقط المحافظين الجدد، اقتنعوا أنهم من أجل خروج الولايات المتحدة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي من الأزمة الدورية المتفاقمة والأزمة الاقتصادية الهيكلية المتعمقة لا بد من إحداث ضربة عسكرية خارجية وحرب خفيفة من أجل الاقتصاد، ومسألة الهجوم لبدء هذه الحرب كما تفضل الزملاء صحيح، صاغهم الصهاينة، والمفكرون الجدد والمحافظون الجدد. وهذا ما يقول حوله الباحث الأمريكي اليساري مايكل تشودفكسي إن الحرب في الشرق الأوسط هي جزء من الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الموضوعة للسيطرة على العالم، في أيلول عام 2000 أي قبل عدة أشهر من تسلم جورج بوش الابن سدة الرئاسة الأمريكية، وقبل سنة تماماً من أحداث أيلول 2001 وضع مشروع القرن الأمريكي الجديد، وضع برنامج السيطرة العالمية تحت شعار إعادة القدرات الدفاعية الأمريكية، وPNEC هو المركز الأساسي للمحافظين الجدد، وهو الذي يؤثر تأثيراً مباشراً على قيادة الهيكلية العسكرية الأمريكية، ومرتبط بشكل وثيق مع مجلس العلاقات الدولية في وضع السياسة العسكرية الأمريكية، وقد أشار PNEC بشكل واضح إلى المناطق التي يجب احتلالها في عام 1970، وقد دعا PNEC بشكل واضح إلى إنشاء شبكة للقواعد العسكرية الأمريكية في آسيا الوسطى والشرق الأوسط من أجل تأمين السيطرة الاقتصادية على العالم بأسره، قامعة لأي منافس ممكن، ولأي بديل حيوي للمفهوم الأمريكي للسوق الحرة (حرية السوق) فإذاً هذا هو الهدف، سيطرة على المنبع الثاني، شعار الديمقراطية ولكن بمفهوم الديمقراطية، حرية السوق أي حرية تغلغل الرساميل الأمريكية، السيطرة على بحر قزوين كان لا بد لها من جسر، حرب أفغانستان أعطتهم رأس الجسر ولكن استوعبوا سريعاً بأنه لا يمكنهم السيطرة التامة على محيط بحر قزوين إلا بإسقاط النظام الإيراني السيطرة على إيران، كيف يمكن ذلك؟ يريدون مدخلاً، رأوه في العراق، واخترعوا كل القصص (أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة تماماً) وكشفوا أن النظام العراقي يهدد كل قيم الديمقراطية الخ، ليجدوا حجة لضرب العراق، العراق بالنسبة لهم ليس هدف بحد ذاته كان محطة عبور، الضربة الأساسية شرقاً نحو إيران والسيطرة على بحر قزوين، حينئذ يتم فرض السيطرة تماماً، والضربة الثانوية (وأتكلم عنها مع عزة نفسي كسوري) ولكن كانت الخطة في الدرجة الثانية موجهة نحو سورية من أجل إحلال مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد، هنا فعلاً الهدف يكون صهيونياً تماماً، وليس له علاقة مباشرة بأهداف الإدارة الأهداف الأمريكية، ولكن أيادي الصهاينة هي التي ترسمه، من أجل تكوين مركز إمبريالي رابع في العالم تديره إسرائيل الصهيونية بمباركة أمريكية.
وهذا مخطط فعلاً فشل، وفشل بسبب العامل غير المحسوب له حساب، وهو المقاومة الوطنية للشعب العراقي، النزهة والاستقبال بالورود تحولت إلى كارثة بالنسبة للإمبريالية الأمريكية، خسائر بشرية جسيمة، وهي أكثر مما يعلن عنها، لأن الجيش من المرتزقة التابعين لغرين كارد هؤلاء لا يحسبونهم من الخسائر الفعلية، وخسائر مادية هائلة كما تفضل الزملاء قبلي، كل غنائم البترول العراقي لا تغطيها، فإذاً الولايات المتحدة الأمريكية وقعت في أزمة هيكلية كبيرة جداً، زادت أزمتها، ولم تعد الحرب نزهة عسكرية، أصبحت حرب استنزاف كبيرة بالنسبة لقدراتها، وكما يشير باحثون أمريكيون أن هناك عاملان يؤثران بشكل سلبي جداً على الولايات المتحدة الأمريكية العامل الأول: العجز المتزايد في الميزان التجاري الناتج عن زيادة أسعار النفط، وهذا ليس صحيحاً أبداً، فالأمريكان هم من يرفعوا أسعار النفط، وإنما ترتفع موضوعياً بسبب الأزمة، ووضع الحرب الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار المحروقات، يجوز أن هناك مضاربة ؟؟ هذا إدارته رابحة، ولكن بشكل عام كان هناك ضرر كبير على الوضع التنافسي للاقتصاد الأمريكي، فهو يعتمد على استيراد النفط، وشيء آخر زيادة العجز في الميزانية الأمريكية (الميزانية العامة الأمريكية) لذلك الوضع الأمريكي متخلل، بالرغم من أنهم يتحدثون في السراب، بالرغم من أن تطور الاقتصاد الأمريكي في عام 2005 شهد 3.4% من التطور، ولكن هذا التطور أتى بفضل أن الهند والصين فتحوا أسواقهم بشكل كبير لإدارة التوظيفات الأمريكية، والذي حدد التطور شركات المضاربة الأمريكية، ولكن شركات التأجير الأمريكية الثلاثي الكبير كلها على باب الأزمة، وعلى باب الانهيار، فإذاً وضع الأمريكي على حافة الانهيار، والمحللين الاقتصاديين الأمريكيين يقولون إنه من الممكن أن نستفيد من الوضع التنافسي حالياً ولكن صار هناك حرب مع إيران، وهذا يعني انهيار كامل للاقتصاد الأمريكي، فالنخبة الحاكمة الأمريكية أصبحت تنتبه لمصالحها بشكل جدي جداً، لا تغفر حالياً للمحافظين الجدد التروتسكيين، ويسمونهم بأنهم ليسوا بالمحافظين الأصليين، أنتم لا تحافظون على مصالحنا كما يجب، لذلك بدأت هذه الفضائح واحدة وراء الأخرى، مثل فضيحة البنك الدولي، إلا أن بوش أعطى تعليماته بكشف العميل.. الخ، فإذاً بقيت الطغمة الحاكمة الأمريكية تضع الأساس لتوجيه ضربة إلى الخدم الذين لم ينفذوا مهمتهم كما يجب.
بالنسبة لي كوطني في هذه المنطقة يهمني، أولاً: إثبات لكل متردد بأن أمريكا ليست كلية القدرة، والعراق أثبت، والمحللون الأمريكيون يكتبون بأنفسهم عن أنهم كانوا يقولون بأن العرب بدون تنظيم، وقد أثبتوا أنهم ذو تنظيم عالي متقن، ما كان لدينا وهم ثاني، وأثبتوا أنهم ذو تنظيم متقن جداً، وهزم الجيش الأمريكي، وباعترافهم.
إذاً الأقوال التي كانت تقول: أخفضوا رؤوسهم للعاصفة، الشعب العراقي أثبت أنه يمكنه استقبال هذه العاصفة وقوفاً وتحطيمها، هذه قضية مهمة جداً.
ثانياً: أنه كما نحن نتصدى للمشاريع السياسية الأمريكية يجب أن نتصدى للوصفات الاقتصادية المفروضة علينا.
قالوا لماذا استبدلوا غارنر ببريمر، غارنر كان ينوي تشكيل حكومة من عملاء، ماذا (كيفما كان يأتي بهم) فقالوا له أين تذهب؟ إذا أردت أن تشكل حكومة حتى من أعتى العملاء، لن يوافقوا على القوانين الإمبريالية الاستثنائية لخصخصة كل العراق، وطرحه للبيع إلى الأجانب، لذلك استبدلوه ببريمر (وأصدر مراسيمه) ولم يكن هناك أي عراقي حتى لو كان عميلاً مباشراً يستطيع أن يوقع عليها، عملياً طرح العراق كله للبيع، حالياً يقولون إنه حتى لو هزمونا عسكرياً فلدينا مواقع اقتصادية كبيرة جداً لهذا الاحتكارات، والشعب العراقي يتصف ببطولته للتصدي للعدوان من أجل إعادة إعمار بلاده، فإذاً الاحتلال العسكري جلب معه الخراب الاقتصادي ليس فقط بالقنابل، ولكن من خلال ضرب الهيكلية الاقتصادية الوطنية للعراق، الذي كان يمكن أن يشكل دور بروسيا العرب لو لم يكن هناك سياسة فإذاً المهمة الثانية التصدي للمشاريع الاقتصادية، فالاقتصاد والسياسة يكملوا بعضهم. وشكراً