اليسار الأوربي والموقف من الصراع العربي ـ الإسرائيلي
نص محاضرة السيد فرانسيسكو فروتوس
الأمين العام للحزب الشيوعي الأسباني
سأقدم محاضرة أحدد فيها بعض الأمور، وأضع النقاط على الحروف بشكل موجز، فمن الصعب جداً في محاضرة فيها ترجمة أن أطيل بالكلام وأن أتحدث كثيراً وأتوسع في الموضوع، بعد ذلك من خلال الحوار الذي سيتم بإمكاننا أن نتوسع في بعض النقاط.
في الشرق الأوسط تتحرر جميع الخيوط، طبعاً الحرب على العراق واحتلاله كانت بلا ريب حرباً فاشلة على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفي كل المجالات.
طبعاً في الشكل: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفاؤهما في هذه الحرب تراجع احترامهم وأفقدتهم الحرب مصداقيتهم أمام العالم.
وفي الحلقة الأخيرة من هذا السيناريو جاء الفشل الذريع الذي لاقته إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الأخيرة على لبنان.
وتأكيداً لكل هذه التفاعلات التي حدثت بالآونة الأخيرة، الحرب الاستباقية للولايات المتحدة الأمريكية وحربها ضد ما يسمى بالإرهاب، لاقت سياسة إدارة بوش فشلاً ذريعاً، وملامح هذا الفشل ظهرت في الانتخابات الأخيرة التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك جانب آخر من هذه المغامرة الكبيرة التي كانت فيها سوق قوى حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى مستنقع أفغانستان، حيث دخلت في هذا المستنقع، وليس لديهم الآن نظرة مستقبلية سياسية لحل هذه المشكلة، والخروج منها.
إن الأمور في منطقة الشرق الأوسط تتحرك، وفي الولايات المتحدة الأمريكية كذلك تتفاعل وتتحرك، وفي مناطق أخرى من العالم، على سبيل المثال في أمريكا اللاتينية، استطاعوا أن يجربوا كل الصيغ التي قدمها البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي إلى بلادهم، تجارب وصيغ قد أدت في بعض دول أمريكا اللاتينية إلى السقوط اقتصادياً، كالإفلاس، مثال على ذلك الأرجنتين وما حدث فيها.
كل الصيغ التي قدمتها الليبرالية الحديثة قد فشلت في أمريكا اللاتينية، وشعوب أمريكا اللاتينية حالياً تحاول أن تبحث عن صيغ جديدة وعن حلول وبدائل أخرى بعضها متواضع، وبعضها متوسط، وبعضها متطرف، هذه البدائل هي نتيجة لتاريخ كل واحد من هذه البلاد، البدائل التي يبحثون عنها لها هدف مضاعف، الهدف الأول هو استعادة ما يسمى باستقلالية القرار في كل بلد من هذه البلاد، والهدف الثاني هو إعادة توحيد القرار في أمريكا اللاتينية.
حالياً، أعذروني أتكلم عن أمريكا اللاتينية هنا وأنا موجود في سورية، لأن كل الأمور مرتبطة ببعضها، كل ما يجري في العالم مرتبط ببعضه.
على سبيل المثال التقرير الأخير لبيكر، بيكر كما تعلمون ليس له تاريخ ثوري، هو محافظ وأمريكي الأصل، وكان له نفوذ سياسي كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من ذلك فهو يترأس لجنة قد وصلت إلى بنود محددة.
أولاً: أحد البنود الواردة في هذا التقرير أنه ينتقد السياسة التي تنفذها إدارة بوش (الإدارة الأمريكية)، وأنا إذا اتيحت لي الفرصة لأقيم الرئيس بوش وسياسته، فإنني أقول بالدرجة الأولى إنه رئيس خطير، يشكل خطراً على العالم، ورئيس فاسد، ورئيس لا يمتلك القدرة والكفاءة على إدارة هذا البلد.
لا أعتقد، أو لا أعرف إذا كان الرئيس بوش أو إدارة بوش سوف تتغير كثيراً بعد الانتخابات الأخيرة التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية، أشك كثيراً في ذلك، أعتقد أنه سوف يتابع في سياسته وذلك من أجل الدفاع والمحافظة على مصالحه الشخصية ومصالح الشركات، ولكن من ناحية أخرى هناك تحرك لدى الشعب الأمريكي.
تقرير بيكر بالنسبة إلى العراق يطرح ما يلي:
أولاً: سحب القوات، المصالحة الوطنية، والمضي في الإجراءات التي من الممكن أن تعيد بناء دولة قد تم تدميرها بشكل كامل.
وأيضاً بالنسبة لموضوع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يأخذ حيزاً كبيراً وأهمية كبيرة في هذا التقرير.
ولذلك بما أنه يأخذ حيزاً واسعاً في هذا التقرير، أرى أنهم بدؤوا يفهمون في الولايات المتحدة الأمريكية، في أوربا، وفي معظم دول العالم، أنه يجب أن يشركوا كلاً من سورية وإيران، في حل هذا الصراع، الصراع العربي الإسرائيلي.
ولذلك فإن ما جاء أو ورد في هذا التقرير، أو التقرير بأكمله مرفوض من قبل الحكومة الإسرائيلية، من قبل الإدارات الأكثر تطرفاً في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبل بعض قادة الحكومة في لبنان، وعلى رأسهم السنيورة، ولكن على الرغم من كل هذا الرفض، فإن هذا التقرير يشكل خياراً مهماً جداً، للأخذ به بعين الاعتبار ساعة حل المشكلة القائمة أو الصراع القائم بين العرب وإسرائيل.
أنا أود أن أوضح أنني شيوعي إسباني، وأؤكد أنني لا أمتُّ بأي صلة للسيد بيكر، ولكنني أعترف وأقرّ بأن ما جاء في تقرير السيد بيكر مهم جداً لمواجهة هذه الحالة السياسية الخطيرة التي نعيشها.
بإيجاز أود أن أقول بأن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية هي موضع جدل حالياً من قبل كل العالم والشعوب، بسبب النتائج التي أدت إليها هذه السياسة، الليبرالية الحديثة قد فشلت، ومبدأ الحرب الوقائية قد أثبت فشله أيضاً، الحرب الوقائية لا تقضي على الإرهاب وإنما -على العكس- تخلق جواً ملائماً لزيادة الإرهاب في العالم، لا تحل المشكلة الفلسطينية، بل تؤدي إلى مزيد من أعمال القتل ضد الشعب الفلسطيني، مؤخراً قُتل ثلاثة أطفال أعمارهم 6 و7 و8 سنوات هم أحد أبناء ممثلي السلطة الفلسطينية، حماس وحزب الله يقوى موقفهما السياسي كل يوم، لأن الشعوب ترى أنهما خياران لمواجهة هذه الحالة السياسية.
كما قلنا سابقاً هذه الدول التي تدافع عن الديمقراطية، في الولايات المتحدة أو أوربا، عندما فازت حماس بالانتخابات الأخيرة، اعتبرت أن هذا الفوز ليس ديمقراطياً، وقامت بمحاصرة الأموال الفلسطينية، وفرض حصار على الشعب الفلسطيني، الأمر الذي زاد من معاناة الشعب الفلسطيني، ونقله إلى حالة من المعاناة كبيرة جداً لا يستطيع أي بشر أن يحتملها.
مجمل القول، نظرية الولايات المتحدة الأمريكية، نظرية " محور الشر " فشلت، وأعضاء محور الشر حسب ما ذكرت الولايات المتحدة الأمريكية برأينا مهمين جداً سياسياً لإيجاد حل لهذه الحالة السياسية المستعصية في الشرق الأوسط.
هناك مجموعة من الجرائم (الاغتيالات) التي تحصل حالياً في لبنان، وهي مثيرة للشك والجدل، كأنهم يعطون هذا شيئاً أو إحساساً بأن هناك يداً سوداء تقوم بهذه الأعمال من الخلف، محاولة اتهام سورية بهذه الأمور، لتمنعها من أن تقوم بدور سياسي على مستوى المنطقة.
وفق وجهة نظري فإن سورية مهمة جداً لأي حل سياسي في المنطقة، وهي أبداً ليس لها أي مصلحة في أي عملية اغتيال، أو أي سوء للحالة في هذه المنطقة، وبالنسبة للسياسة يمكن أن نتنبأ بالأحداث، ولكننا لا يمكن أن نتنبأ بشكل دائم،وبكل الأحداث التي يمكن أن تجري.
لأختم حديثي: دور الاتحاد الأوربي هو دور واضح جداً أنه دور خاضع لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، وللأسف، لا توجد سياسة جماعية خاصة بالاتحاد الأوربي، كلكم تعرفون أن أوربا قوة اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية وتكنولوجية، على جميع المجالات، ولكن على الرغم من ذلك ليس لديها سياسة جماعية مستقلة، وليس لديها المقدرة لتقول أن هذا هو الخيار السياسي الذي أنا أمثله أو أريده.
الحزب الشيوعي الأسباني يقدر ويرى بعين الاهتمام مبادرة السلام التي أطلقتها الحكومة الأسبانية مؤخراً، ونحن ندعم هذه المبادرة، وسوف ندعمها، على الرغم من أنها مبادرة متواضعة، ونعلم أنه حالياً لا تصل إلى المستوى الذي نطلبه، لكننا سوف ندعمها وندعم كل المبادرات في هذا الاتجاه.
سأتكلم عن موقف الحزب الشيوعي، وعن موقف اليسار الأوربي، اليسار الأوربي له تمثيل في البرلمان، حيث تشمل هذه الأحزاب، أحزاب شيوعية وأحزاب اشتراكية، ويشغل المركز الخامس بين هذه الأحزاب من حيث عدد النواب في البرلمان الأوربي، الحزب الشيوعي الأسباني، وحزب اليسار الأوربي، هما جزء من حزب اليسار الاشتراكي، ونحن ندعم مبادرة السلام التي أطلقت في أسبانيا، ونطالب بالدرجة الأولى إيقاف عقد الشراكة الموجود بين الاتحاد الأوربي وإسرائيل للضغط عليها لتغيير سياستها في المنطقة، وانسحاب إسرائيل الفوري من كل الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وفي لبنان وفي سورية، وبالتحديد الجولان السوري، وتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين وفق ما جاء في القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة، والقرارات الأخرى ذات الصلة، وتحرير جميع المعتقلين السياسيين، وأن تقام هناك طاولة للحوار حول شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية، علماً بأن البلد الوحيد الذي يحتوي على الأسلحة النووية معروف أنه إسرائيل (في الشرق الأوسط).
هذا موقف الحزب الشيوعي الأسباني وأحزاب اليسار الأوربي، وهذا برنامج عملنا السياسي، ونحاول من خلال تحريك الشارع في أوربا وفي أسبانيا أن نصل إلى تحقيق أهدافنا في هذا البرنامج، من الصعب تحريك هذه الأمور ولكننا نحن هنا موجودون ومعكم دائماً في هذا النضال.
شكراً جزيلاً لانتباهكم.