الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني وضرورات وحدة الصف

مداخلة معتصم حمادة
رئيس تحرير مجلة " الحرية " الفلسطينية

أضم صوتي بداية إلى الأخوة زملائي ورفاقي الذين سبقوني في تقديم التهنئة لحزب البعث العربي الاشتراكي ولسورية للاحتفال بالحركة التصحيحية، والشكر للدار التي وفرت لنا هذه الفرصة لنقدم لوحة عن تباينات الرؤى الفلسطينية والحالة القائمة والإصرار رغم هذه التباينات على البحث عن النقاط المشتركة لأننا كما قال زملائي في مركب واحد، عندما يخسر طرف من الأطراف الفلسطينية كل الأطرف تدفع الثمن، بعيداً عن سياسة المناكفة في العلاقات الداخلية.
أنا اتفق مع عنوان هذا اللقاء، بقوة، بالتأكيد أن الحوار الوطني هو السبيل الوحيد للوصول إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية، في وقت تحتل فيه هذه الوحدة المركز المحوري في الحياة السياسية في الحالة الفلسطينية.
فالفلسطينيون يعيشون وضعية تعددية، سياسية وإيديولوجية، وجغرافية، لها انعكاساتها وتأثيراتها على مجمل حالتهم السياسية، ولا يمكن لمركب الحركة الوطنية الفلسطينية أن يبحر قدماً نحو مرفأ الأمان، إلا من خلال التعددية والتفاعل الإيجابي بين مكوناتها، وإن شطب أي من هذه المكونات سيعني تشويه الجسم الفلسطيني، وإضعافه، وإفساح المجال أمام الأعداء للنيل منه بأبسط الوسائل.
والفلسطينيون يعيشون في الوقت نفسه، أزمة سياسية طاحنة، تتمثل في الفشل الذريع، لمشروع أوسلو، والفشل بالمقابل، في التوحد على مشروع وطني بديل، بعناوينه، وشعاراته، وتفاصيله، وآليات تطبيقه.
كذلك يعيش الفلسطينيون أزمة تنظيمية على مختلف المستويات، فمنظمة التحرير الفلسطينية تشكو من شلل شامل عطل دورها وقدرتها على الحركة والفعل، والسلطة الفلسطينية تعيش هي الأخرى حالة من الشلل، بفعل وصول مشروعها الأساس(أوسلو) إلى الطريق المسدود، ووقوعها فريسة للفساد، عكس نفسه على أجهزتها الأمنية، وإدارتها الخدمية، واقتصادها، وجهازها القضائي.
وبات شعار إصلاح أوضاع السلطة وأوضاع منظمة التحرير الفلسطينية هو الشعار المركزي في المرحلة الراهنة، حتى إنه بات يطغى على غيره من الشعارات والمهام الأخرى، بما في ذلك مهمة مواصلة النضال ضد الاحتلال والاستيطان، وبناء مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، وشق الطريق أمام اللاجئين للعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948، ولا مبالغة في القول إن حالة الفساد التي هيمنت على أوضاع السلطة، وشلت طاقاتها، عكست نفسها على القدرة النضالية للشعب الفلسطيني، وعلى مجمل العملية الكفاحية في الميادين المختلفة: الدبلوماسية، والسياسية، والإعلامية، والجماهيرية، والقتالية.
لذلك، وأمام طبيعة الأزمة الطاحنة، وانسداد آفاق التغيير عبر أقنية المؤسسة الرسمية الفلسطينية (منظمة التحرير الفلسطينية + السلطة الفلسطينية) بات الحوار الوطني خارج هذه الأقنية، ضرورة وطنية ملحة، والسبيل الوحيد كما أسلفنا للبحث عن مخارج للأزمة الراهنة، فالبديل للحوار وصولاً للوحدة الوطنية وتجاوز الانقسام، هو الاقتتال الداخلي، والتناحر، مما يعمق الانقسام، ولا يوفر النصر لأي من الأطراف، فالاقتتال هو الطريق الأقصر والأسرع نحو الانتحار ووضع الخاتمة الحزينة لنضال الشعب الفلسطيني، وتدمير ما حققه من مكتسبات، لذلك استقبل انزلاق حماس وفتح إلى الصدام المسلح، في شوارع غزة، مؤخراً بردات فعل قوية من قبل الشارع الفلسطيني وقواه السياسية، كما أن قيادتي الحركتين، سرعان ما كانتا تتراجعان عن سياسة الاصطدام، وتدينان سياسة الاقتتال، مما يؤكد أن الحرب الأهلية ليست واردة في حساب أي من الأطراف الفلسطينية، وهذا واحد من الظواهر الإيجابية في الحالة الفلسطينية.
لن أستعرض التاريخ الطويل لجولات الحوار الوطني، التي عقدت في المناطق الفلسطينية، أو في العواصم العربية، لكني سأتوقف عند جولة الحوار الأخيرة، في رام الله وغزة، والتي نتج عنها في 27/6/2006 ما اصطلح على تسميته بوثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني.
علينا أن نلاحظ أن نقطة الانطلاق في الجولة المذكورة كانت تسليماً من حركتي فتح وحماس بأن الوضع الفلسطيني يعيش حالة من الشلل، بفعل حدة الاستقطاب الثنائي الذي تولد عن الانتخابات التشريعية مطلع هذا العام، فحكومة إسماعيل هنية، الواقعة خلف الحصار الدولي (ممثلاً باللجنة الرباعية + إسرائيل) فقدت القدرة على الوفاء بالتزاماتها نحو الفلسطينيين، بدوره وجد المجلس التشريعي نفسه ضحية نزاع حاد بين كتلتي فتح وحماس، وعاجزاً عن لعب دور الجهة المؤتمنة على سن القوانين، ومراقبة أعمال الحكومة، وتتويجها. بل تحول هذا المجلس إلى مصدر للتوتر في المجتمع الفلسطيني، بدلاً من أن يسن قوانين تستجيب لمصالح الناس، بما في ذلك إزالة مظاهر التوتر بين القوى والفئات الاجتماعية المختلفة.
من هنا جاءت المبادرة بالاستجابة لنداءات الحوار، من اللجنة السياسية في المجلس التشريعي، التي يترأسها عبد الله عبد الله، العضو في المجلس الثوري لحركة فتح، وقد تبناها المجلس، برئاسة الدكتور عبد العزيز دويك، أحد قادة حركة حماس، وأحالها للرئيس محمود عباس، لترجمتها ميدانياً.
وفي السياق نفسه، دعونا نلاحظ أن الجلوس إلى طاولة الحوار، لا يعني أن الأمور سوف تجد طريقها بالضرورة إلى الحل، فالحوار هو شكل من أشكال النزاع، لكن بأشكال مختلفة يحاول من خلالها، كل طرف أن يفرض رأيه على الطرف الآخر، وأن يمرر، في النتائج ما يخدم موقفه ورؤيته، لذلك شهدت المناطق الفلسطينية توتراً سياسياً، على خلفية المواقف المختلفة من وثيقة الأسرى التي اعتمدت أساساً للتوافق الوطني، وبعد تجاذبات دامت حوالي 32 يوماً، توصلت الأطراف الفلسطينية إلى الاتفاق على وثيقة الأسرى، بعد إدخال التعديلات اللازمة عليها، وبما يتقاطع مع مواقف الأطراف كافة.
لكنني أعتقد، انطلاقاً من مصير الوثيقة نفسها، وكيفية تعاطي حركتي فتح وحماس معها، أن ما تم الاتفاق عليه في 27/6/2006، كان توافقاً لغوياً أكثر مما هو توافق سياسي على برنامج عمل مشترك يستند إلى قناعة راسخة لدى الطرفين، فقد أوضحت الوقائع، أن كلاً من الطرفين خرج من جلسة التوقيع على الوثيقة، وما زال يتمسك ببرنامجه الخاص ورؤيته الخاصة، متجاهلاً أن ما تم التوصل إليه يفترض أن يكون ملزماً للجميع.
وبتقديري أن الطرفين، وجدا نفسيهما مرغمين على القبول بالوثيقة، لإدراكهما جيداً أن البديل هو الاقتتال في الشارع، مما سيلحق بالطرفين معاً خسائر فادحة بالأرواح وبالسمعة السياسية، ولا يستبعد أن ينفك ممن حولهما جزء كبير من التأييد الشعبي.
فتح، رغم التوقيع على الوثيقة، ما زالت تطمح بالعودة سريعاً إلى السلطة، واستعادة مجدها الذي خسرته في الانتخابات التشريعية القادمة، وترفض أن ترى في النتائج السياسية لهذه الانتخابات ما يجب أن تراه بوضوح، في إطار مراجعة نقدية صارمة يفترض أن تجريها على كل المستويات.
كذلك خرجت فتح، ممثلة بمحمود عباس عن الخط السياسي لوثيقة الوفاق الوطني في العديد من المواقف المفصلية، التي تؤكد أن أبو مازن ما زال يتمسك ببرنامجه الخاص به، والذي يفصله عن وثيقة الوفاق مسافات واسعة، إن في الموقف من المقاومة أو من قضية اللاجئين، أو العملية التفاوضية أو شروط التعامل مع المجتمع الدولي.
وحماس، بدورها، عملت على تعطيل وثيقة الوفاق الوطني، من خلال مماطلتها طويلاً في القبول بتشكيل حكومة جديدة، ورحيل حكومة إسماعيل هنية، ولن أغرق مجلسكم الكريم في التفاصيل، لكن ألفت نظركم إلى أن المباحثات لتشكيل هذه الحكومات ما زالت مستمرة لمدة تزيد على الأربعة أشهر، مما يؤكد طبيعة الأزمة السياسية التي تعيشها الحالة الفلسطينية ومدى هشاشة جدية الأطراف المعنية في الالتزام بما تخلص إليه جولات الحوار الوطني من نتائج.
وما نشهده من مباحثات ثنائية بين حماس وفتح، لتشكيل الحكومة الجديدة يدلل على أن الطرفين، رغم تباعدهما السياسي، يلتقيان عند تهميش الأطراف الفلسطينية الأخرى، كما يلتقيان في سلوك مشترك، هو محاولة الاستئثار بالقرار والاستفراد به، علماً أن تجاربهما المشتركة أكدت لهما أن استئثارين بالقرار، وأن استفرادين به، لا يصنعان وحدة وطنية، فالوحدة الوطنية تعني إشراك الجميع في النقاش والحوار وصولاً إلى قرار متوافق عليه من قبل الجميع، قوى سياسية وشخصيات وطنية وقطاعاً خاصاً، وفعاليات المجتمع المدني.
ما يجري الآن من مباحثات هي محاولة من الطرفين لاقتسام الكعكة وترك أجزاء منها للآخرين، على قاعدة التحاقهم بهما، ونعتقد أن مثل هذا الأسلوب، لا يقود إلى حل الأزمة، بقدر ما يؤسس لأزمة جديدة.
أليس غريباً ألا يطفو على سطح المباحثات وألا يتسرب منها، بشكل رئيسي سوى الاتفاق على رئيس الحكومة الجديدة وعلى حصة كل طرف من هذه الحكومة، وعلى توزيع الوزارات عليهما، علماً أن القضية السياسية هي التي تشكل رافعة الحكومة الجديدة، فالخلاف ليس على الأشخاص، كما نعرف جميعاً، بل هو على البرنامج السياسي، لذا من حقي كمراقب سياسي أن أتساءل لماذا يتم الكشف عن خلافاتها حول اسم رئيس الحكومة، وتوزع الوزارات وحصة كل طرف، ويتم التكتم على محددات البرنامج السياسي للحكومة القادمة.
ختاماً أقول إن الحوار الوطني هو في حد ذاته عملية كفاحية، يخضع في آليات، ومواضيعه لموازين القوى، وأعتقد أن الحد من سياسة هيمنة الثنائية القطبية، وأن تقويم آليات الحوار على قواعدها السليمة، يحتاج إلى إحداث توازن في موازين القوى من خلال بناء القطب الثالث، وتلك قضية تحتاج إلى نقاش من نوع آخر.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية