الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
البعث والمشروع القومي.. الأداء والدور المطلوب
نص محاضرة د.عبد الحافظ نعمان
عضو القيادة القومية
في ندوة دار البعث وموقع الحزب على الإنترنيت حول
البعث والمشروع القومي.. الأداء والدور المطلوب
11/4/2007
المشاريع الكبرى كالمشروع القومي العربي تصوغه إملاءات تاريخية قلقة لاسترداد وضع يمكن وصفه بالطبيعي للأمة، والذي يفسح المجال أمامها لامتلاك القدرات الكفيلة باكتساب موقعها اللائق بين أمم الأرض، ومن أجل ذلك تنشأ النخب الثقافية والتي توفر الضرورات السياسية والأيديولوجية للأحزاب والحركات الكبرى لمواجهة القصور والتدني في مستوى الوعي العربي والتحديات الإشكالية الراهنة، التي تحول دون تحقق الأهداف الكبرى للأمة.
تلك هي الرسالة التي حملها البعث منذ تأسيسه عام 1947 واستكماله الإيديولوجي عام 1952 كبعث عربي اشتراكي.
اليوم نحتفل بالعيد الستين لتأسيس الحزب وهي مسألة زمنية تستحق اهتمام الباحثين والمشتغلين في الشؤون الأيديولوجية والسياسية المعنية بقضايا الأمة وأوضاعها الراهنة، بهدف الوصول إلى الإجابات الناجعة للكثير من التساؤلات الشائكة والمستعصية التي تكتنف مسارات الأمة، الثقافية، الاجتماعية والسياسية، وليس أنسب مكاناً ولا مقاماً للبحث عن هذه الإجابات الكبرى من لحظة التاسيس ذاتها التي حملت معها بذور المرتسمات الأولى للمشروع القومي النهضوي للأمة، القائم على قراءة موضوعية للواقع وإعادة صياغة متجددة من منظور عصري متجاوز يعيد بناء الأمة وفق التصور القومي الوحدوي في دولة عربية واحدة وإنسان مؤمن بقضايا أمته الواحدة.
القول بالمشروع الكامل أو النظرية الكلية لمكونات هذا المشروع هو حالة من الغلو لا تمتلك ترف الإقرار به، والوعي الذي هيمن بجنوحه العاطفي على تفاصيل حركة الواقع المتغير سرعان ما واجهته الحقائق المتغيرة لهذا الواقع المنفلت من عقال الضبط والتنظيم، لعل في هذا ما يكشف طبيعة الافتراق بين الفكر والواقع الذي أكتنف مسيرة الحزب سيما بعد استلامه للسلطة في كل من العراق، وسورية وحظي بنفوذ واسع في العديد من الأقطار العربية، حيث كان للحزب تأثيره البارز على الأحداث التي شهدتها الساحات العربية حينذاك، اليمن، الأردن، الجزائر، ليبيا، أرتيريا..
سوف يتعذر الإحاطة بكل جوانب الخلل الذي تسلل إلى المواقع المتقدمة في الفكر البعثي، كما يصعب تحديد الأسباب التي وفرت الظروف اليمينية المتراجعة للنشاط الحزبي، أهي قبلية تكمن في المبررات الفكرية الثقافية الأولى للفكر القومي، ونعني بذلك، الوعي القومي البدئي في أواسط القرن التاسع عشر، وافتقار عناصر ذاك التيار إلى الفكر الناقد للأوضاع المجتمعية العربية السائدة بشقيها الإسلامي والمسيحي والنظرة العربية الشائكة والمتباينة لموقع الخلافة التركية في بنية البناء النهضوي الجديد (نقصد بذلك الصراع الذي دار بين مؤيدي التيار ضمن بوتقة الخلافة والذين فضلوا الانفصال عنها)، أم هي أسباب تعود إلى استلام الحزب للسلطة في مرحلة لاحقة والتي تجد تفسيراتها في إشكالية العلاقة بين الحزب والسلطة، وما ترتب عن ذلك من انشقاقات قادت إلى تفشي ظاهرة المحاور والانفلات الأيديولوجي، وهي قضية رغم الإقرار المستمر بوجودها، إلا أنها ما تزال عالقة دون حل يذكر، وهي من المهام التي يفترض في نظرنا أن تتصدر قائمة الأولويات الحزبية في تصويب المسار الحزبي.
وأياً تكن الأسباب أو المعطيات ذاتية أم موضوعية، يبقى البعث بكل ما يعتريه من قصور وضمور في مادته الثقافية، العنوان المتقدم للمشروع القومي العربي، سواء في بنيته التنظيمية المتجاوزة للجغرافيا الكولونيالية أو مضامينه الفكرية والتنظيمية.
وقد لعبت سورية وحزبها العظيم دوراً ريادياً في تأصيل وتعميم المضامين الفكرية والتنظيمية للمشروع القومي الذي لعب دوراً مركزياً في الحفاظ على تنامي قدراته الردعية من جهة وتحصين الداخل العربي من الاختراقات الخارجية الرامية إلى زعزعة ثقة المواطن بثقافته وقيمه وتاريخه. ولعل ما برهن على وثوقية وصدقية الموقف السوري وقيادته السياسية الحكيمة من الأحداث المتسارعة التي أحاقت بالوطن العربي من غزو العراق والسعي المستمر لإخراج الصراع العربي الإسرائيلي عن سياقه الصحيح عبر إدخاله في متاهات الحلول الكاذبة، واختراق الساحة اللبنانية التي تكاد تنذر بعودة الحرب الأهلية واقتراح حلول جائرة للمسألة السودانية لا تراعي البعد القومي فيها وغيرها من الأمور التي كان لسورية وحزبها الفضل في التصدي الجريء لهذه المخططات عبر قراءة دقيقة وموضوعية للأحداث مما أدى إلى افتضاح هذه المخططات وانكشاف النوايا الحقيقية وراء الحملات الدعائية الإرهابية التي مارستها الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني.
ولا نكشف سراً أن قلنا إن تعاظم المد المقاومي ورضوخ العدو الصهيوني لقوانين الواقع المتغير وانكسار الشوكة الصهيونية، التي يذهب الكثير إلى وصفها بالانكسار القاتل، إنما تعكس حقيقة العلاقة العضوية والبنيوية التي تربط سورية بمواقع النهوض القومي والتي تعزز بدورها من القدرات العربية في الوصول إلى غاياتها المشروعة.
كان الغرب يتهمنا دائماً بإلقاء اللوم على الآخر، (الغرب وإسرائيل) لتبرير عجزنا وتخلفنا في تفسير وضعنا القومي المتشرذم، وقد حظيت هذه الأفكار المستنسخة من التراث الاستشراقي للغرب والتي عرفت بعقدة المؤامرة باهتمام قطاع واسع من الباحثين القوميين والطارئين على الإشكالية القومية التي تكتفي بإعادة أوضاعنا القومية الراهنة إلى الاستعمار وامتداداته الداخلية، وعلى عكس ما كان عليه الحال مع رواد الفكر القومي، الذين كانوا يرون في الغرب منهلاً ثقافياً وأيديولوجياً لنشر دعواتهم القومية في مواجهة القوى الركودية في المجتمع، عمد البعض من المفكرين التقليديين إلى إلقاء تبعة تخلفنا على عاتق الغرب الاستعماري وقد استحوذ هذا النقاش على مساحة واسعة من الجدل الثقافي مع مطلع القرن العشرين واستمر حتى يومنا هذا دون توسيع البحث إلى ميادين ذاتية تتناول طبيعة ونوع التحديات التي كان يطرحها الآخر، ولوهلة أدرك العرب وخاصة مع تقدم التكنولوجيا واندفاعهم في الدخول إلى عصر التقانات الحديثة وافتقارهم إلى الوسائط والآليات العصرية في التعامل مع هذا الدفق الثقافي الواسع الذي أضحى يهدد كافة البنى والمنظومات الثقافية للأمة، كما برهنت التجارب الراهنة عجز الموروث الثقافي في الحد من الأضرار التي خلفها هذا الانتشار المعرفي للغرب على كافة البنى والمنظومات الثقافية والفكرية، وأصبحت الشخصية العربية مجرد حالة انبهار لا أكثر في تعاملها الغريزي مع هذه التقانات الوافدة.
ومع إقرارنا بالوجود المستمر لمبدأ المؤامرة وهي مسألة تكشف عنها الفصول المتتالية للمخططات الغربية تحت ذريعة الدفاع عن المصالح الغربية، والتي تشمل كل وسائل النهب المنظم للثروات العربية، ومصادرة الحقوق الجيوسياسية للعرب وصولاً إلى تطويع الأنظمة العربية لخدمة المصالح المباشرة للغرب على حساب الحقوق السيادية والمجتمعية ومبادئ حقوق الإنسان، لكن ذلك لا ينفي الدور الملتبس للمكونات الثقافية والمتسمة بقدر عال من الازدواجية والعجز في مخزونها التراثي وعجزها عن إنتاج قدرات مكافئة لمجابهة الأخطار الخارجية والحد من سيطرتها على مقاليد الأمة أكثر من ذلك ذهبت إلى حد تبنيها لحركات سلفية بذريعة الدفاع عن نفسها أمام المحاولات الراديكالية كما تصورها القوى الاستعمارية كما نلحظ عودة غير مبررة لانتهاج سياسات ازدواجية تؤدلج لعوالم افتراضية إقصائية للآخر وكأنه غير موجود، فبدلاً من التعامل الواعي مع المنتج الغربي، الذي أضحى يشكل الركيزة الأساسية في تعاملاتنا اليومية، يحل التعامل الشيزوفريني القائم على قاعدة الإقرار بوجوده ونفيه فكراً ومضموناً في أن معاً نمطاً من المألوف اليومي في علاقتنا المجتمعة مما يولد وضعاً اختلاليا في منظوماتنا المعرفية والثقافية، بحيث يُعرّض لغتنا الأم إلى استلاب دائم ومستمر تحت ضغط الانتشار الثقافي، وما يولده من مفاهيم ومفردات يتعذر على اللغة العربية استيعابها، والتعامل معها بشكل يقود إلى إغناء الاستضافات اللغوية لها، بالطبع هناك محاولات جادة لتشجيع الترجمة وإصدار الموسوعات وتمكين المطلعين على الثقافة الغربية من تجسير وتبيئة المفاهيم والمصطلحات عربياً بما يحافظ على سلامة المعنى والقصد، إلا أن ذلك يبقى قاصراً ما لم يترافق مع نهضة صناعية وعلمية تقوم على تشجيع البحث بشقيه الاجتماعي والعلمي وتوفير البيئة المناسبة لذلك.
المشروع القومي والتحديات الراهنة:
سال حبر كثير في توصيف المشهد القومي بين مدافع عن استمرارية المشروع وامتلاكه عناصر ومقومات القدرة على الصمود، وإن كان البحث والتفعيل لهذه القدرات ما يزال رهين عوامل لها امتدادها في العلاقة القلقة بين العرب وأنظمتهم الحاكمة، وبين تيار يستقوي بالاندفاعات غير المنضبطة للقوة الغربية، وخاصة القوة الأمريكية التي تجعل من أحداث الحادي عشر من أيلول ذريعة لإعادة رسم خارطة العالم والشرق الأوسط على وجه التحديد وفق منظور مسبق لعناصر ما تسمى بالمحافظين الجدد للمشروع الأمريكي في القرن الواحد والعشرين، يقوم هذا المشروع على قاعدتين، أولاً: الضربات الاستباقية Prexoplui strips وهي كما يدل المعنى إجهاض كل محاولة لأية حركة أو دولة ترى أو تشتم فيها الولايات المتحدة خطراً مستقبلياً على أمنها ومصالحها، ثانياً: الحرب على الإرهاب، وهي حالة تفترض وجود طرف آخر يُمارس وفق المنظور الأمريكي، إرهاباً على أراضي ومواطن الولايات المتحدة الأمريكية، والإرهاب هنا هو ليس ذاك الذي تكتفي الإدارة بمعالجته ضمن المؤسسات الأمنية المعنية بهكذا نشاط، ولكنه نشاط ناجم عن قوى وحركات سياسية عسكرية تحركها أيديولوجيات معادية تستهدف منظومة البنى القيمية للمجتمع الأمريكي كله..
في زمن الحرب الباردة كانت سياسات الاتحاد السوفييتي تحمل هذا المفهوم وتقدم المبرر للإدارة الأمريكية في التعامل مع السياسات الكليانية لهذا الآخر، لكن زوال الاتحاد السوفييتي وبالشكل والسرعة غير المتوقعين فرض على الإدارة الأمريكية اختراع عدو يحافظ على استمرار الآلة العسكرية وهي بالمناسبة أكثر القطاعات استهلاكاً للموازنة العامة، وهكذا تمكنت أمريكا من تصنيع هذا العدو الذي تطور فيما بعد من حفنة إرهابيين إلى دين متكامل بكل تفرعاته واشتقاقاته وقيمه تحت مسمى الإسلام الفاشي.
بمعنى أدق، تتعرض المنطقة لمشروع أمريكي تتكامل في أبعاده الجيوبوليتكي والاستراتيجي وأكثر خطورة الثقافي والقيمي، باختصار تفكيك المنطقة أرضاً وإنساناً وتاريخاً وديناً، كل شيء مستهدف على الأرض العربية، لكن ما يجدر الانتباه إليه هو الطبيعة المراوغة والمتسترة بشحنة عالية من المفردات والمصطلحات البراقة كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الصالح ومعالجة الاختلالات المجتمعية من منظور الليبرالية الغربية بهدف إقناع الناس بصوابية اهتماماتهم بالمنطقة وأوضاع الناس فيها، فهي لا تكتفي باحتلال الأرض تحت مسميات ومبررات كاذبة بحجة محاربة انتشار الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية فحسب بل وتلجأ حين ينكشف أمرها إلى الإدعاء بتغيير النظام بحجة تخليص الناس من أنظمتها الديكتاتورية لإفساح المجال أمام تمرير مشاركتها الديمقراطية والإنسانية الكاذبة، والعراق ولبنان وغيرها من الأقطار الأخرى خير أمثلة على ذلك.
هذه الآليات التي تسخرها الولايات المتحدة الأمريكية ومعها كل من إسرائيل والدول الأوربية السائرة في فلكها، لا تقتصر على عناصر القوة المشفوعة بمسوغات عالية من التقانات والمعارف العصرية ووسائل الدعاية المحكمة في فرض هيمنتها على المنطقة، بل وتلجأ إلى زعزعة ثقة الإنسان العربي بنفسه وكل ما يرتبط بها من سياسة وثقافة وتراث بحيث يصبح المشروع الأمريكي وكأنه مطلباً ضرورياً للتغيير، الهدف من ذلك هو ضرب ركائز القوة والمنعة في المجتمعات العربية وتعميم اليأس والإحباط لدى الإنسان العربي بحيث يسهل السيطرة عليه والتحكم بتوجهاته وقناعاته وتسخيره أداة مطواعة في بنية المشروع الأمريكي /الصهيوني للمنطقة.
الصراع إذاً وكما يتبدى أمام الباحث في الحد الأدنى من الوعي السياسي هو صراع بين مشروعين قومي عربي وآخر أمريكي/صهيوني، الأول يجسد في مقاومته لهذا المد الهمجي تمسكه بحقه في بناء مشروعه القومي، بعيداً عن الإملاءات والإكراهات الخارجية والأمريكية على وجه التحديد وصولاً إلى استرجاع حقوقه المغتصبة من قبل العدو الصهيوني واسترداد ثرواته المنتبهة من قبل القوى والمؤسسات الدولية على غير وجه حق وبالمقابل يقوم المشروع الأمريكي على طمس كامل للذاكرة العربية وإعادة إنتاج وصياغة الشخصية الكيانية العربية بما يخدم مصالح إسرائيل التوسعية الاستحواذية لثروات الأمة بحيث تطمئن مستقبلاً ألا ينازعها أحد عليها أو يساءلها حول كيفية ممارساتها لهاتين الطبيعتين التوسعية والاستحواذية.
وقد عرفت الساحة العربية أقلاماً وأصواتاً غير مسؤولة، ظنت لوهلة أن الحجج والبراهين التي حملتها أمواج الشط الغربي من القوة والإكراه ما يتعذر معها وجود قوة عربية تردع هذا المد الوحشي، وتكره هذه القوة على إعادة اعتباراتها وحساباتها المخدوعة، لكن سرعان ما بدأت تنكشف أبعاد المخططات الإمبريالية في المنطقة ومعها بدأت الصحوة العربية وإن كانت لا تزال دون المطلوب، إلا أنها أفاقت الشارع العربي من سباته الطويل وهو ما يعبر عنه أمريكياً بالسؤال التاريخي لماذا يكرهوننا؟ حالتي الكره والاحتقار للاحتلال الأمريكي للعراق وتآمره على لبنان وانحيازه الصارخ للعنف والتطرف الصهيونيين ضد الشعب الفلسطيني ومصادرة القرارات السيادية للعديد من الدول العربية ولدتا فهماً جديداً لدى الإنسان العربي في معالجة قضاياه وإشكالياته كما بدأت تتبلور على السطح نظرة تقيمية للعلاقات الملتبسة والقلقة بين المجتمع وأنظمته العربية والأسس التي تقوم عليها مشروعية هذه العلاقة. لا شك أن قدراً ملحوظاً من الإسهام الجماهيري العربي يشق طريقه نحو ترسيخ الحقوق المشروعة في صياغة القرارات الحياتية للإنسان العربي وهو ما نلحظه في المشاركة المتزايدة للنشاطات المجتمعية على الصعد السياسية والاقتصادية على حساب مساحات كانت حتى وقت قريب حكراً على الدولة وحدها، وهي من الأمور التي تؤشر إلى حيوية وفعالية الدور المطلوب من قبل الإنسان العربي في تقرير مصيره وانتهاج السياسات الملائمة لحياته.
المشروع القومي ما له وعليه:
كانت النتائج التي تمخضت عن الاحتلال الأمريكي للعراق والتغطيات الإعلامية والدعائية التي مهدت الطريق لهذا الاحتلال، وما ترتب عن ذلك من خراب ودمار على الصعد كافة أرضاً وإنساناً وقيماً، من البشاعة بحيث أضحى من المتعذر بمكان حصر هذه النتائج على العراق وحده، وأضحت تهدد أمن وسلامة الدول المجاورة ودول الإقليم الأخرى التي تتشارك مع الخصائص والمكونات المجتمعية والمعتقدية للشعب العراقي، فمع تنامي العنف المذهبي والتذرر الطائفي الناجم عن السياسة الاستعمارية التي لم تقم وزناً لمصالح الشعب العراقي وتطلعاته القومية في استعادة مكانته ضمن المنظومة الدولية، أدرك العرب شعوباً وأنظمة خطورة استفحال هذا العنف الطائفي وسهولة وصوله إلى مجتمعاتهم المكتسبة أساساً لهذه الخصائص الكامنة وراء هذا العنف الطائفي، وإذا كان الاحتلال الأمريكي للعراق والتدخلات السافرة في شؤون وأوضاع الأقطار العربية عاملاً مباشراً في انفجار ظاهرة العنف الطائفي، فإن إتباع الأنظمة العربية لسياسات تقلل من أهمية وخطورة هذه المسألة قد أسهمت وبشكل غير مباشر في توفير المناخ والأجواء المؤاتية لاحتمال بروز هذا العنف الأهوج في مجتمعاتها وهذا ما دفع بعض الأنظمة العربية إلى إدراك مخاطر وأبعاد هذه الأمور على أوضاعها الداخلية والشروع بالتعامل معها بجدية أكبر، وحسناً فعلت القمة العربية التاسعة عشر في تبنيها قرارات تستهدف معالجة الاختلالات التعليمية والثقافية في أجيال الناشئة العربية كي لا تجد هذه الأمراض المجتمعية موقعاً لها في جسم الأمة العربية. (يمكن الإشارة هنا أنها خطوة أيضاً في مواجهة العولمة).
لعل ما يدعو إلى التفاؤل هو وصول العديد من الأنظمة العربية إلى الاستنتاجات الموضوعية حول مستقبل المشروع الأمريكي في المنطقة والنتائج المدمرة لاحتلال العراق وعجزه الظاهر عن تقديم تصور أو حل للإشكالية اللبنانية الناجمة أساساً عن إدراج لبنان ضمن مخططه الأوسع واستخدامه ورقة لتحسين وضعه التفاوضي أمام قوى المنطقة، مما أنتج وضعاً مأساوياً يهدد بعودة الساحة اللبنانية لأوضاع الحرب الأهلية السابقة، وكذلك الحال بالنسبة للمسألة الفلسطينية القضية المركزية للأمة، حيث عمدت الإدارة الأمريكية إلى إعاقة إمكانيات الحل وتجنيب الشعب الفلسطيني ويلات الإرهاب الإسرائيلي اليومي والمستمر على كافة القطاعات رغم الدعوات والتحذيرات الدولية من تفاقم هذه الأوضاع على الأرض والشعب الفلسطيني، لكن دون جدوى، حيث يزداد تدهور هذه الأوضاع رغم الوحدة الوطنية التي يبديها الشعب الفلسطيني والتي يدفع ثمنها غالياً من أجل الحفاظ عليها.
كل هذه الأسباب وأخرى لا مجال للبحث فيها هنا، قادت العرب للتفكير ملياً بالمآل الذي يترقب المنطقة بأسرها، خاصة وأن زمن الركون للضمانة الأمريكية في حفظ أمن وسلامة المنطقة بدأ يعتريها الشكوك حول القدرة الفعلية على تقديم الحلول الناجعة لمآسي الأمة والتي بدورها تزداد تفاقماً مع التدخلات الأمريكية/الصهيونية، ومتى نظرنا إلى الصلف والغطرسة المتلازمة مع القرارات الأمريكية والقائمة على قاعدة القوة والقوة وحدها في حسم أوضاع المنطقة أدركنا المخاطر التي يمكن أن تتأتى من هكذا سلوك خاصة بعد أن وصلت الأمور إلى ذروتها في بحر الخليج العربي مع إيران والأزمات المتفاقمة في كل من لبنان وفلسطين والسودان والصومال.. كل ذلك لا ينبئ بخير وهذا حصراً ما دفع بالعرب إلى الشروع بانتهاج سياسات تعمد إلى نزع الفتيل عن الخلافات العربية / العربية، والركون إلى موقف عربي موحد يسترجع القدرة على المبادرة ويعيد إنتاج مفهوم حيوي لمعنى المصلحة القومية ضمن أولويات تحرص على استرداد الحقوق العربية من الاحتلالين الصهيوني والأمريكي، ويعزز ويرفع من مستويات التعاملات العربية/العربية في كافة المجالات.
فهل تعلم العرب من الدروس السابقة ومما يجري اليوم على الساحة العربية؟ في رأينا أن الإجابة على هكذا سؤال يتطلب قدراً من الإقرار بأهمية الابتعاد المتدرج عن المواقع المغامرة والمتغطرسة في جسم القرار الأمريكي، ونعني بذلك مجموعة المحافظين الجدد الذين يعنون بشؤون أمن وسلامة إسرائيل المستقبلية، حتى وإن كان ذلك على حساب المصلحة الأمريكية في المنطقة.. وهذا التوجه يحظى بدعم واسع في الأوساط الصهيونية وخاصة قوى الضغط اليهودي AIPAC ومعها الحركات المسيحية المتصهينة رغم تراجع العديد من هذه الحركات عن دعم الكيان الصهيوني، والشروع في البحث عن بدائل سلمية لحل الصراع العربي الصهيوني، غير أن هذا الابتعاد لن يجدي الأنظمة العربية نفعاً ما لم تتعزز العلاقات العربية/ العربية وما لم تقوم على قاعدة الاحترام المتبادل وتقديم المصلحة القومية العليا على كافة المصالح الفردية الضيقة والإقرار بوجوب المصارحة والمكاشفة نهجاً في تعزيز مفهوم التضامن العربي.
في تصوري أن العرب وخاصة بعد حرب تموز وما أفرزته الحرب من نتائج غير مألوفة في سياق الحروب العربية - الإسرائيلية أضحت تهدد اليوم الوجود الصهيوني برمته، وهذا ما ذهبت إليه تقديرات المخابرات المركزية الأمريكية المرسلة إلى لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأمريكي في شباط من عام 2007 والتي تشير إلى اعتقاد المخابرات المركزية الأمريكية بأن إسرائيل تفقد وضعها السابق منذ عام 1947-1948 الذي قامت عليه الدولة العبرية، ويتوقع التقرير ارتفاع هام في نسب الهجرة من إسرائيل إلى كل من أوربا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وانخفاض حاد في منسوب الهجرة إلى إسرائيل، كل هذه المؤشرات مترافقة مع السياسات المتخبطة للإدارة الأمريكية في البحث عن مخارج وحلول لأزمتها في العراق وموقفها المترجرج من مسألة الملف النووي الإيراني وأوضاع الإدارة المتردية في الداخل الأمريكي، كل ذلك لا يفسح هامشاً للتفاؤل عن قرب الوصول إلى حل يجنب المنطقة وشعوبها ويلات حروب ومغامرات قادمة، ولعل ما يثير القلق أكثر هو التصريح الذي أدلى به المندوب السابق للولايات المتحدة الأمريكية لدى هيئة الأمم المتحدة جون بولتون يوم 22 آذار/مارس 2007 عبر محطة الـ BBC من أن ثمة ضرورة لحرب أهلية في لبنان كي تتمكن كل من إدارة بوش وإسرائيل من تدمير قواعد حزب الله، ولم يكن بولتن ليخفي حقيقة مشاعره عندما صرح على محطة الـ BBC أنه شخصياً يرحب بالدورة القادمة ويقصد بها الحرب الأهلية في لبنان.
واقع الحال أن الإدارة الأمريكية، وبالرغم من النتائج الكارثية لسياساتها في المنطقة وإدراك العديد من الدول العربية وغير العربية خطورة استمرار هذه السياسات ليس على أوضاعها فحسب بل وعلى أمن وسلامة العالم الذي يمر اليوم بأحرج لحظاته خاصة فيما يتعلق الأمر بالأزمة الصامتة للطاقة في وقت يزيد فيه الطلب عليها ويشح فيه العرض لتلبية هذه الطلبات مما يولد وضعاً متفجراً في العلاقات الاقتصادية بين الدول الصناعية نفسها، فبالرغم من كل ذلك لا تدل المؤشرات الراهنة للإدارة الأمريكية على استيعابها أو إدراكها لحجم وأبعاد المخاطر التي تترقب المنطقة والعالم الأمر الذي يستدعي بالضرورة تحركاً عربياً كابحاً لهذه التوجهات المغامراتية للإدارة الأمريكية.
المشروع القومي والدور المطلوب:
لقد برهنت الأحداث وبما لا يدع مجالاً للشك، بأن الاعتماد على سياسة الاستقواء بالخارج ومعالجة القضايا العربية الداخلية من خلال استحضار حلول ومعالجات خارجية، فداحة هذه السياسات على أوضاعها القومية فكان طبيعياً أن تنحسر موجة الرهانات الخارجية وأن يراجع بعض الذين ركبوا أهوائهم في تعرضهم للفكر القومي بكل ما يمثله من حزب ودولة ومؤسسات وتاريخ ومع انحسار الغطرسة الأمريكية وانكشاف القوة الإسرائيلية على حقيقتها أمام إرادة المقاومة العربية والنتائج الكارثية التي خرجت بها إسرائيل من هذه الحرب بما فيها تهديد استمرارية الظاهرة الصهيونية على أرض فلسطين، كما سبق وأشرنا إليه، تسترجع الساحة العربية بعضاً من رشدها القومي لكن ذلك وحده لا يكفي، كما لا يكفي القول بضرورة صد العدوان ودحره دون الاهتمام بمعالجة عوامل التفكك والانحلال التي تنخر في مجتمعاتنا العربية والتي توفر مواد إغرائية للقوى الخارجية لمعاودة احتلالنا ونهب ثرواتنا من جديد.. تاريخنا مليء بالنماذج البطولية في دحر الأجنبي منذ معارك ذي قار وحطين ومعاركنا القومية للاستقلال من الاستعمار الأجنبي، لكنها بطولات سرعان ما تفقد زخمها ويتوقف استمرارها مع انشغالنا بقضايانا الوطنية والقطرية فبدلاً من اعتماد أهداف قومية متجاوزة لحدود هذه الإشكاليات نحو فضاءات أرحب وأهداف أكبر، تتحول هذه المنجزات على أهميتها بالنسبة للأقطار العربية، إلى مواضيع خلافية داخلية يكون لقوى الفرقة والتشرذم المجتمعي الدور الأساسي في إفراغ المنجزات من مضامينها القومية حيث تتحول إلى مجرد أدوات للصراعات الداخلية، الجزائر، اليمن الديمقراطي، السودان، ليبيا، وغيرها من الأقطار العربية التي فوتت فرص استثمار هذه المنجزات لخيرها وخير الأمة العربية أجمع..
المشروع القومي والدروس المستخلصة:
يمكن تشخيص الواقع العربي اليوم انطلاقاً من الدروس المستخلصة راهناً والناجمة عن الاحتلال الأمريكي للعراق وانكشاف المؤامرة الكبرى للمشروع الأمريكي/الصهيوني على المنطقة العربية وشعوبها –مشروع الشرق الأوسط الكبير- بالمحددات الأربع التالية:
أولاً: إدراك العرب والمسلمين مخاطر ظاهرة الولاءات والانتماءات الضيقة والمغلقة والتي تعكس غياب دور الدولة والقانون في ضمان وتوفير المرجعيات الأساسية للهوية المواطنية المتجاوزة للهويات الأهلية الطائفية منها والمذهبية، وقد برهنت الأحداث الأخيرة التي عصفت وما تزال بالمنطقة العربية مدى غياب وهشاشة الدور الذي تلعبه الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والمنابر والقوى القومية في الحد من تنامي سلطة القوى الأهلية الدينية والمذهبية في تنازعها للولاءات الفردية وتسخيرها لصالح معتقداتها الضيقة مما يهدد المجتمعات العربية بحالة من التشظي يفسح المجال أمام القوى الخارجية لتسخيرها لصالح مآربها الخاصة، وهذا ما نراه قائماً في العراق، وفي الصراع مع إيران، كما ونشهد بوادره في كل من لبنان وفلسطين والسودان ومواقع أخرى.
ثانياً: استرجاع العرب قدراً من ثقتهم بقدراتهم المقاومية، وامتلاك قطاع واسع من المثقفين العرب لغة ارتقائية أكثر موضوعية في توصيفهم للحالة العربية، إذ لم نعد نسمع تلك اللغة الارتدادية المنهزمة التي نشرت سمومها في الأوساط العربية حتى أنه صور للبعض امتلاكه أجندته الخاصة حول الامتيازات الزيفية وكأنه ناطق باسم قوات الاحتلال، هذه الأمور تراجعت اليوم بفضل الإنجاز البطولي لقدرات المقاومة في كل من العراق ولبنان وبدأت لغة جديدة وإن كانت إشكالية تجد طريقها إلى السطح.. مصادر هذه التحولات السيكولوجية والثقافية يرجع أساساً إلى النتائج الإيجابية التي خرجت بها المقاومة اللبنانية في حربها مع العدو الصهيوني في تموز 2006 والتي ما تزال تداعياتها الكارثية على العدو الصهيوني تنذر بالمزيد من الانهيارات والانكسارات على كافة الصعد الداخلية السياسية، والمجتمعية والعسكرية، إن منطق القوة الغاشمة التي تتبناه الدولة الأعظم، (منطق الصدمة والرعب) الذي استخدمته أمريكا في العراق، كما استخدمته إسرائيل في عدوانها على لبنان لم يعد كافياً لإرهاب الأمة وهو ما يدلل على إفلاس هذا النهج العدواني واهتراء منطق القوة الغاشمة.
ثالثاً: انكشاف المخطط الإمبريالي الهادف لزعزعة الأوضاع العربية وإعادة رسمها بما ينسجم والمصالح المستقبلية للكيان الصهيوني وإدراك العرب حقيقة النوايا الاستعمارية المبيتة وراء المسميات البراقة والوعود الكاذبة، ويعود الفضل في ذلك إلى صلابة الموقف السوري وقيادته الحكيمة في وجه المؤامرات التي بدأت تترنح وتفقد زخمها أمام الصمود المثالي للقدرات المقاومية لأبطال العراق، الذين برهنوا على شجاعة منعدمة النظير في دحرهم للاحتلال وعلى دورهم الريادي والتاريخي ليس في صون وحماية أمن وحدة العراق فحسب بل والأمة العربية قاطبة. لهؤلاء الأبطال تدين الأمة والعرب بسلامتها من شرور هذه المخططات مع أهمية التنويه إلى الحاجة الملحة إلى ضرورة البحث عن صيغ وحدوية تكفل وحدة العراق وقواه القومية من الانجرار وراء الطروحات التمزيقية والتي يروج لها الاستعمار وعملائه من الداخل العراقي.
رابعاً: اقتراب العرب وخاصة الأنظمة العربية التي أوغلت بعيداً في رهاناتها على القوة الأمريكية من الإحساس بضرورة وأهمية المراجعة الوطنية لهذه العلاقات غير المتوازنة وغير العقلانية وفي محاولة لضبطها على أسس تراعي مصالحها القومية كما وتعمل على تحديد الضوابط للعلاقات واسترجاع الحقوق السيادية والنهضوية وتجنب دولها وشعوبها ويلات ما قد ينجم عن استمرار لهذه العلاقات غير المتوازنة والمنضبطة خاصة بعد افتضاح هذه العلاقات أمام شعوبها العربية، وفقدانها الكثير من الصدقية والوثوقية الوطنية.
هذه المحددات التي يمكن اعتمادها ركائز في تفعيل المشروع القومي تتطلب قدراً كبيراً من الجهد المشترك للعمل على إخماد الحرائق التي أشعلتها الأطماع الأجنبية ورأب التصدعات التي أحدثتها في جسم الأمة وإعادة النظر في العلاقات العربية/العربية بواقعية وشفافية ومصداقية لإزالة سوء الفهم والابتعاد عن الاستقواء بالآخر (كما أسلفنا) وزيادة اللحمة بين جماهير الأمة العربية وأنظمتها بما يحقق قدراً من إنجاز تطلعاتها وآمالها في خلق تضامن عربي فعال يؤسس لعلاقات عربية/عربية أوثق ويعمق ويعزز المصالح القومية للأمة (وبمعنى أدق الانفتاح على الداخل القومي لامتلاك الجرأة لمواجهة الآخر والخروج من الأطر القطرية الضيقة)، والتصدي لكافة مخططاته ومشاريعه السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية