الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
نحو بلورة استراتيجية عربية موحدة لمواجهة تهويد القدس ومحاولات هدم الأقصى
نص مداخلة د.سهيل زكار
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل الصلة بين السماء والكعبة المشرفة والمسجد النبوي المسجد الأقصى، فهذا ما أفهمه من أن هناك إسراء ثم معراج، إسراء من مكة، ثم تعريج إلى السماء، والحمد لله الذي وهبنا عمر بن الخطاب فيما مضى ليحرر القدس، ووهبنا أيضاً صلاح الدين ليحررها من جديد، ثم حتى الخوارزمية ليحرروها مرة جديدة بعد ما تسلمها الكامل الأيوبي، وننتظر أن يمنحنا الله تعالى قائداً أو قيادة جديدة لتحرير هذه المدينة.
هذا الموضوع مهم جداً، وأملي كبير ألا نتذكره في المناسبات، عندما يدخل شارون نعمل انتفاضة ونتذكر القدس، والآن عند عمليات الحفر بباب حي المغاربة، أيضاً نتذكر الموضوع، أنا منذ سنوات طوال طالبت خاصة عدداً من إخواننا الفلسطينيين أن نعمل على الأقل وذلك أضعف الإيمان مؤسسة نسميها " أصدقاء القدس " أو " أصدقاء المسجد الأقصى "، ولكن حتى الآن، قالوا نحن مهتمون بهذا الموضوع، لكن أن ينوي الإنسان شيئاً وأن ينفذه في عالمنا الحالي أمر آخر.
من المؤسف أنه في إسرائيل الآن أعداد كبيرة من مراكز الدراسات والبحث، وهناك إنفاق أموال بلا حدود، أما نحن في كل الوطن العربي ليس لدينا مركز ولو صغير للدراسات الإسرائيلية خاصة الدراسات التاريخية، في دمشق مركز الأرض وهو نوع من أنواع المتابعة اليومية، في القاهرة مركز الدراسات الشرقية لكن هذا يعمل على استحياء بسبب العلاقات بين النظام المصري والكيان الصهيوني، أما فيما عدا ذلك لا يوجد لدينا، ولا أدري لماذا هذا التقصير حتى اليوم.
مع ذلك الموضوع مهم، أنا شخصياً عملت به وما زلت أعمل، أصدرت مجموعة طبعت بمستشارة الجماهيرية الليبية من ستة أجزاء تحت عنوان " القدس في التاريخ "، والآن بصدد إن شاء الله خلال هذا الصيف أبدأ بمشروع أكبر اسمه " موسوعة القدس "، ستكون على الأقل في حدود عشرة مجلدات وما لا يقل عن 5000 صفحة، ولربما لن أفي بالموضوع، لكن هذه قدرة الفرد.
بداية يتساءل الإنسان ما هي المراحل أو الحقب التاريخية التي مرت بها القدس؟ من حيث المبدأ دائماً نتعامل بأن تاريخ الوطن العربي مرّ فيه القدس بمرحلتين أو بطورين رئيسين، طور ما قبل الإسلام، وطور ما بعد قيام الإسلام، الطور ما قبل الإسلام مهم جداً، ويتساءل الإنسان عن مصادر هذا الطور، حتى الآن في الكيان الصهيوني تختلف الأمور بين باحث وآخر ومكان وآخر، لكن الاعتماد كل الاعتماد بشكل مباشر أو اتفاقي على محتويات أسفار العهد القديم الإخبارية، مع أن المادة الإخبارية في العهد القديم رُفضت وما زالت مرفوضة منذ أكثر من قرنين، إنما هذا الأمر مستمر حتى الآن، ومع الأسف، مع غياب المؤسسات البحثية لدينا، هناك مؤسسات، وبدمشق بالذات ينفق عليها من كيانات مشبوهة أو من جهات مشبوهة، تعمل على تسويق الفكر التوراتي، وفي كثير من الأحيان تزيّن النصوص، وأذكر أن آخر كتاب قرأته حول هذا الموضوع، كتاب مترجم حول القدس في العصر الحديدي، كنت على اطلاع من قبل حول محتوياته، فوجئت لدى البحث حول رسائل تل العمارنة، أن كلمة " يورشليم " أقحمت بالنص مع أني قرأت رسائل تل العمارنة أكثر من مرة، وليس هناك ذكر لمدينة " يورشليم أو أورشليم "، أو غير ذلك.
المصادر غير ما ورد في أسفار العهد القديم، هي نتائج الحفريات الأثرية وهي الأكثر أهمية، والحفريات الأثرية بدأت في منطقة القدس وفي فلسطين منذ أكثر من قرنين، وحتى الساعة لم تعط أية نتائج تتطابق ولا نسبة -أقل من 1 أو أقل من 0- مع مواد العهد القديم، ونذكر على سبيل المثال أن بمواد العهد القديم يقال بأن القدس هي مدينة داوود، واحتفل منذ مدة بأنها أصبحت عاصمة داوود، الحقيقة إذا قلنا أو قبلنا بأن داوود وجد حوالي ألف قبل الميلاد، القدس لم تكن موجودة في هذا التاريخ، ويرجح من خلال المعطيات الأثرية إنها وجدت ربما في القرن السابع قبل الميلاد وقد يوالي الإنسان إذا قال إنها وجدت حوالي 800 قبل الميلاد، إنما كل المعطيات تدلل على أن هذه المدينة لم تتأسس إلا حوالي القرن السابع قبل الميلاد أو السادس، كان هناك في جانب من جوانب القدس، مصاطب ولربما مركز دفاعي أو حصن أو مركز مراقبة على الطرقات، إنما لم يكن هناك مدينة.
وفي جميع المراحل التاريخية عندما يعمل الإنسان مطابقة ما بين المكتشفات الأثرية وما بين ما ورد في العهد القديم يجد تعارضاً كلياً، بالإضافة للمكتشفات الأثرية، لدينا ما اكتشف من آثار مصرية وبابلية، وكل بلاد الشام، وما اكتشف فيما يتعلق بالأناضول، خاصة ما يرتبط بالحضارة الحثية أو الحيثية، وبعض الأمور المتعلقة بجزيرة قبرص، ولربما أيضاً جزيرة كريت إلى حد ما.
هم بغيابنا، وغياب العقل الباحث والناقد، أقدموا على تزييف عدد كبير من النصوص، وأول ما اعتمدوا على ما يسمى بنصوص اللعنة، وقالوا بأن في نصوص اللعنة، دعوني أوضح ما هو المقصود بنصوص اللعنة: المصريون القدماء آمنوا بأنه إذا كتبت أسماء الأعداء على قطع فخارية ثم حطمت هذه الأسماء مع اللعنات، يمكن أن تؤثر أو يكون لها أثر السحر، وفعالية ضد الخصوم، ولحد الآن هذه العادة موجودة في مصر وموجودة بريفنا، أنا كثيراً ما كنت أسمع بإنسان غير مرغوب بزيارته ويغضب لدى المغادرة " الآن أريد أن أكسر وراءك جرة "، حتى الآن هذه الأمور موجودة، فقد تم العثور على قطع كثيرة من بقايا القطع أو الفخاريات المكسرة، ووقفوا عند كلمة " أأُ شامم "، وقالوا هي " أورشليم "، هذا كلام مرفوض، بسبب المعطيات الأثرية واللغوية، " أأُ شامم "، المقصود فيها بلاد الشام، وبلاد الشام هي كانت دوماً مصدر خطر على مصر والهكسوس يكون من بلاد الشام، وحتى عبر التاريخ دائماً أهل الشام تدخلوا في مصر وتدخلوا لعمليات الإنقاذ، مثلاً عندما أراد عموري الأول الملك اللاتيني للقدس، احتلال القاهرة ووضع حامية عسكرية على باب الفسطاط وباب القاهرة، تدخل نور الدين، وأنقذ مصر وأنقذ القضية ككل.
مرة أخرى هناك ما يسمى بنقش " مرنبتاح "، أنا شخصياً حصلت على صورة لهذا النقش وأعدنا قراءته، وقالوا إنه ورد فيه كلمة " يزريل "، والحقيقة تبين أن هناك تزييفاً ودمجاً بالمسميات ونشرت ذلك، ثم كما أشرت لرسائل تل العمارنة.
كل المعطيات تبين أنه لم يكن هناك لا موسى ولا داوود ولا يوسف ولا يعقوب لهم علاقة بفلسطين، وسيبقى موضوع البحث الجغرافي له آفاق أخرى تختلف تمام الاختلاف، إنما الذي يحدث الآن أننا نواجه حركة استعمارية استيطانية هي امتداد لما أسميه أنا عادة الحروب الصليبية، وهذه الحركة مزودة بمواد العهد القديم التي تم إحياؤها بشكل فعال وكبير جداً بعد الحركة التي قادها لوثر في الغرب، وبعد ما يجري الآن في كل أنحاء الغرب، ولاسيما في الولايات المتحدة، وتستهدف هذه الحركة كما حدث خلال قرني الحروب الصليبية تحويل فلسطين، لا بل المنطقة كلها إلى " أوترا مير " دعوني استخدم الاصطلاح اللاتيني، أي وطن لاتيني فيما وراء البحار ، والآن محاولات التهويد تدخل في هذا الإطار، وتهدف في البداية إلى تغيير هوية القدس عن طريق الاستيطان والتهجير وإزالة المعالم التاريخية والأثرية لفرض واقع جديد، وهذا حدث خلال الحروب الصليبية، كانت هناك عمليات استيطان كبيرة جداً، وكثير من المناطق تحولت إلى مناطق لاتينية، خلال قرنين الهجرات من أوربا لم تتوقف، إنما معركة حطين وفتح القدس عام 1187م و583 للهجرة دمرت عملية الاستيطان الأولى، ثم عملية الاستيطان الثانية وهي الأخطر دمرتها عملية تحرير عكا عام 1291، من قبل الأشرف خليل بن قلاوون، وأنا بتصوري عندما نمتلك الإرادة والقدرات البحثية المؤسساتية الهادفة سيكون المصير أيضاً العملية الاستيطانية الإخفاق والزوال، عدا عن أمثلة الحروب الصليبية، لدينا أمثلة كثيرة في الوطن العربي، الجزائر جعلت قطعة من فرنسا وصارت الجزائر مستوطنة فرنسية، عندما صمم شعبنا العربي في الجزائر أزال كل هذه الأوهام، والشيء نفسه ينطبق على ليبيا، بل أكثر على مناطق أخرى، ونحن عندما نمتلك وضوح الرؤية والهدف الذي لا يمكن الابتعاد عنه يمكن أو لا بد للمشروع الصهيوني من أن ينال الإخفاق لكن مرة أخرى لا يتأتى إلا بعمل علمي مترادف مع العمل الاقتصادي والعسكري والسياسي.
وهنا أضرب مثلاً عندما تسلم نور الدين محمود السلطة في حلب عام 1146، فكر بتحرير القدس فكان أن وضع برنامجاً شبه متكامل، هذا البرنامج الذي وضعه، أولاً: توحيد المجتمع ومحاربة دول الطوائف، ثانياً: القيام بنهضة ثقافية حقيقية والإنفاق بشكل سخي على المؤسسات التعليمية وعلى العلماء، نحن الحمد الله على الورق نقوم بخدمات ولكن بالفعل لا يوجد لا خدمات تعليمية ولا بحث علمي، ولا يحمد على الضراء سوى الله تعالى، وأيضاً نظم العدل، وبدأ بتنمية الجيش ومنعه من القيام بأي مهمة سوى التدرب والانصراف نحو عملية التحرير المقبلة، وبلغ في الوثوق بأن عملية التحرير ستكون البرنامج سيطبق إلى حد أنه أمر بصنع منبر لتخطب عليه خطبة الجمعة الأولى في التحرير، وهذا المنبر حمله صلاح الدين بعد وفاة نور الدين، وقد أحرق عام 1969 والآن أعيد نموذج عنه إلى القدس، وهل القضية من باب الصدفة أنه بعد إعادة المنبر الجديد إلى القدس تمت عملية باب المغاربة، أنا لا أعتقد، لا أؤمن بالصدف من هذا القبيل.
الحقيقة المشروع الصهيوني ككل، ومشروع تهويد القدس مرتبط بإرادتنا إما نحن الآن في صراع إرادات إما أن تبلغ إرادة أمة 300 مليون يردفها مليارا مسلم ويردفها أعداد لا تحصى من المسيحيين الشرفاء في العالم، أو أن نهزم جميعاً كما نحن الآن على يد العصابات الصهيونية، وحتى الساعة أنا أقر إقراراً علمياً بأن الانتصارات في الجانب الصهيوني كبيرة جداً، لا سيما في تنفيذ ما أسميه الآن بمشروع " مارينو سانتو " الذي قدمه للباباوية سنة 1326 بكتابه " الأسرار "، أي بعزل مصر عن الأمة العربية، هذا حتى الآن يسري وتحولت مصر مع الأسف من رأس حربة للتحرير إلى " سمسار " للمصالح الإسرائيلية، وبقي الأمر متعلقاً ببلاد الشام، نحن هنا في هذه البلاد إذا زدنا من التماسك، وأعدنا إحياء خطط نور الدين مع المعطيات العصرية لربما ليس فقط يكتب لنا البقاء وإنما لربما نتمكن من إنقاذ مصر كما أنقذها نور الدين من قبل، لاسيما وأن الشعب العربي في مصر يتحفز لإلغاء كامب ديفيد، ولإعادة الدور الطليعي لمصر التي لا يستغنى عنها.
أنا أقر مرة أخرى بالتقصير، حتى بالتقصير في هذا البلد، التقصير الإعلامي وعلى مستوى الصحف، وعلى مستوى التلفزيون والإذاعة، بدون شك كلنا نعلم أن " عائلة أو أسرة 5 أو 6 أو 7 نجوم " تحتل بمشاغلنا الإعلامية، على سبيل المثال وليس الحصر، بهمومنا أضعاف مضاعفة ما يحتله الوجود القومي والوجود الاجتماعي والحضاري ليس فقط لبلاد الشام وإنما لكل الأمة العربية بجميع الجوانب.
وأتساءل في كثير من الأحيان لماذا لا نخصص بالصحيفة القومية " البعث " صفحة بالأسبوع، أنا لا أطالب كل يوم، أو صفحة بالشهر، لدراسة تتعلق بجانب من جوانب القدس التاريخية أو غير ذلك، لماذا لا نفعل ذلك، ويخيل لي أن عدد القراء سيكون أكثر بكثير من ما يقبل على بعض الصفحات المملوءة، ويأسف الإنسان لخسارة الورق والحبر، لنكن صريحين، ولماذا لا يخصص مثلاً بالفضائيات برامج تتعلق بالقدس، نحن الآن، هل أكرر أو أردد مع شكسبير " to be or not to be "، أم أردد قبل ذلك أن امرأ القيس عندما جاءه مقتل أبوه حجر، وكان يلعب بالنرد، توقف الذي كان يلعب معه، فقال له " لا تقف اليوم خمر وغداً أمر "، أما آن لهذه الأمة أن تدخل إلى وقت الأمر، وتنتهي من الانفعالات، أما الزبد فيذهب زفارا، أما ما يدفع الناس فينفث في الأرض، والقضية قضية وجود وورسالة، اللهم قد بلغت على قصر هذا الوقت، ولا شك أن كل واحد منا يقصر بحق القدس سيحاسب يوم الله تعالى على هذا التقصير، ولن يشفع للإنسان مهما كانت مرتبته إلا عمله، نحن نذكر صلاح الدين ونتفاخر به، ربما أقل من تفاخر الغربيين به، على الرغم من أنه هو هزم الغرب في حطين، أصحاب الحق عندما ينتصرون ينالون الاحترام، أما المساومون والسماسرة لا احترام لهم.
كنت اقرأ منذ مدة صحيفة " ديلافيرا " وهي إيطالية، بأن رئيس أكبر دولة عربية ذهب ليستقبله الرئيس بوش، فوجده مشغولاً بمزرعته، والرئيس بوش كان يزور حظيرة الخنازير، فاستقبله وهو مشغول برعاية الخنازير، أما لهذه الأمة من كرامة، أين المرأة الهاشمية التي صاحت " وا معتصماه " لكن من لا مشاعر له، أو الأموات ربما لا يسمعون النداء، أنا آسف لهذا الكلام لكن هي الحقيقة، والحقائق في كثير من الأحيان مواجهتها مواجهة مرة وقاسية، لكننا نريد أن نبقى، نريد أن نعيش، نحن بحاجة لأنفسنا لأن نعيش، والعالم أجمع بحاجة للرسالة التي حملتها بلاد الشام عندما تسلمت الشام راية الإسلام، حملتها إلى الصين وإلى الهند وإلى جنوب فرنسا، وقبل ذلك رسالة السيد المسيح عليه السلام لم تنتشر لا من القدس ولا من الجليل، وإنما انتشرت من دمشق، فأملي كبير والغصة في نفسي أن دمشق مرة أخرى ستتحمل المسؤولية التاريخية. شكراً والسلام عليكم.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية