المتغيرات في العلاقات الدولية سياسياً واقتصادياً
نص مداخلة د.عماد فوزي شعيبي
صباحكم بخير، أشكر لكم حضوركم، واستمعتت كثيراً بما سمعته من الأستاذ البروفسور عصام الزعيم في الشق الاقتصادي، وهو ما لا طاقة لي به، أستميح رئيس الجلسة وهو صديق قديم، درسنا معاً في كلية الهندسة، وكان مشروع التخرج مناسباً لفرصة لقاء طويل بيننا.
العالم يتغير هذه طبيعة الأشياء، بمعنى أن الثابت الوحيد في السياسة هو المتغير، مياه النهر لا تسير في النهر نفسه مرتين، هذه طبيعة الأشياء، أي نظام عالمي في الدنيا لا بد له من نهاية حيث تبدأ منظومة جديدة، طالما أن التاريخ الحديث يرتبط بأوربا وكذا المعاصر يرتبط بأوربا والعالم، فإن الانتقال من منظومة دولية إلى منظومة دولية احتاج إلى حروب طويلة في أوربا، انتهت بمعاهدة " ويست فاليا " بعد ذلك احتاجت المنظومة الدولية لحروب نابليونية لكي يتم الانتقال بعد ذلك إلى سلم المئة عام، من عام 1813 إلى عام 1914.
بالانتقال من المنظومة التي أرسيت بعد الحروب القومية، إلى منظومة خرجت منها بروسيا لتظهر فيها روسيا ودول أخرى احتجنا للحرب العالمية الأولى، للقول لفرنسا وبريطانيا أنكما أصبحتما في الدرجة الثالثة والرابعة، احتجنا للحرب العالمية الثانية، عالم يتغير قامت الحرب الباردة وأتفق مع د.عصام الزعيم بأن المتحول الدولي بدأ مع سقوط الاتحاد السوفييتي، وأنا أقول أيضاً قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، مع سقوط جدار برلين، كان هذا مؤشراً إلى أن العالم قد تغير.
ولكن سقوط الاتحاد السوفييتي كان مفاجئاً للولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أنهم عملوا عليه، ولكن هذا التداعي السريع لم يكن في مقابله لدى الطرف الأمريكي استراتيجية بديلة، عادة سقوط المنظومات الدولية يفسح في المجال بشكل أو بآخر للطرف الذي يسعى لهذا السقوط بأن يكون قد وضع استراتيجية بديلة، الأمريكيون، لحسن الحظ أو لسوئه ليست مشكلة، لم يكونوا قد وضعوا بعد استراتيجية بديلة، احتاجوا ما بين سقوط جدار برلين إلى سقوط البرجين، إلى أكثر من عقد لكي يبنوا استراتيجيات بديلة، لكن في هذا الزمن المتقدم جداً تنبع أشياء متأخرة جداً، بمعنى أنه في الوقت الذي تقوم فيه الإمبراطورية الغربية عموماً على ثالوث مقدس هو: " مال ـ بضاعة ـ مال "، تحكمه أربع نظريات استراتيجية سياسية هي: الميكافيللية، والبراغماتية، والوظيفية، والأداتية، فجأة تنبع نظرية إيديولوجية تريد أن تقول للعالم بأننا سوف نحكمكم بلغة إيديولوجية، يعني: الإمبراطورية التي تحدثت عن تجاوز للإيديولوجية عبر البراغماتية والوظيفية والأداتية والميكافيللية، والتي لا تقوم السياسة أصلاً إلا بهذه القوائم الأربعة، شاء من شاء وأبى من أبى، هي التي أعادت إنتاج تصورها للعالم على أسس استراتيجية، وجد مجموعة دعيت بالمحافظين الجدد جمعيهم خريجو فلسفة، لسوء الحظ أو لحسنه لا أدري، وأنا أستاذ في قسم الفلسفة، وأنا أقول لكم سلفاً من أخطر ما يمكن أن يحدث في العالم أن يسلم فيلسوف مقاليد السياسة في العالم كله، وهذا يبدو أنه تردد كثيراً في لحظات مفصلية في العالم، وكان دائماً هنالك سقوط للإيديولوجية على مذبح السياسة ولكن الثمن يبدو أحياناً غالياً، هؤلاء جميعاً تتلمذوا على يد فيلسوف ألماني نمساوي هو ليو شتراوس، صاحب نظرية هو بالأصل متنور يميل إلى النازية، إلى النيتشاوية، وفي لحظة من اللحظات انقلب يسارياً، له رؤية أخلاقية، يحب كثيراً الفارابي ويأخذ منه فكرة أن الفلاسفة هم الذي يجب أن يحكموا، ويعتمد إلى حد كبير على منظومة أخلاقية في رؤيته للسياسة، ويعتبر بأن الميكافيللية والوظيفية والأداتية والبراغماتية دمرت الأخلاق، ولذلك يرسم منظومة أخلاقية من وجهة نظر معينة ترى بأن العالم يجب أن يحكم بغير هذه الطريقة، ولذلك المحافظون الجدد وهم تيار ليو شتراوس، ومن ثم آلان بلوم، هؤلاء بالأصل تروتسكيون، ماركسيون، استبدلوا فكرة الثورة المستمرة بالديمقراطية المستمرة، في هذه الحالة، في غياب منظومة متكاملة تستطيع أن تحكم رؤية ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لم يكن هنالك في الولايات المتحدة الأمريكية من البارزين غير المحافظين الجدد، قدموا مشروعاً متكاملاً سنة 1996، قدموه لكلينتون لم يقبل به، كانوا يتنقلون ما بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، هم براغماتيون وهم ضد البراغماتية، لاحظوا معي هم في العمل السياسي هم يمارسون البراغماتية، ليس لديهم أي انتماء، هم يتنقلون، يلعبون لعبة الاقتصاد جيداً، شركاء في شركة هالي بيرتون الشهيرة، ويلعبون لعبة بالانتقال ما بين مرحلتين، ما بين نظامين سياسيين في مقابل أن يصلوا، ووصلوا عن طريق الجمهوريين، احتاج الأمر إلى سقوط البرجين لكي يقولوا بأن ليس لكم إلا هذه النظرية، لأن حتى جورج بوش وهو لا ينتمي إليهم، في الولايات المتحدة الأمريكية يوجد ثلاث تيارات في الحزب الجمهوري: تيار التمامية المسيحية وينتمي إليه جون أسكروفت، وتيار المسيحية البروتستانتية المتشددة وينتمي إليه جورج بوش وكوندا ليزا رايس، وهو ليس المسيحية الصهيونية كما يتصور البعض، هناك خلل جدي في ما أسمعه وأقرأه من عمليات إلحاق هؤلاء بالصهيونية أو بالمسيحية المتصهينة، وهنالك تيار المحافظين الجدد وهو تيار علماني لا يؤمن بالله ولا بالأديان، وهو تيار ديك تشيني، رامسفيلد، جون وولفوفيتز؟.
هؤلاء لديهم نظرية، (أنا آسف مضطر أن أتوسع قليلاً)، تقول بأنهم في العمل السياسي، يجب أن يقسم مستويات العمل السياسي إلى ثلاثة أقسام: الفلاسفة يجب أن يبقوا بعيدين، يرسلون بعضاً منهم إلى السادة وهم السياسيون، الذين لا يجب أن يقال لهم الحقيقة، الحقيقة يجب أن تبقى عند الفلاسفة، نحرك عن طريقهم السياسيين لتحريك الرعاع (البوغابو كما يسمونهم)، وهم الشعب، وبالتالي جورج بوش من الأدوات لديهم، فهم يركبون على هذه الأداة.
الفلاسفة مخفيون، الفلاسفة هم من أمثال: فؤاد عجمي، أحد فلاسفتهم، برنارد لويس، أحد فلاسفتهم، هؤلاء يبقون في الظل، يرسلون بعضاً من المجموعات إلى الفعل السياسي، ويمارسون فعلاً ضاغطاً على هؤلاء لتحريك البوغابو (الشعب)، هذه الرؤية تنتقل إلى رؤيتهم للعالم، يقولون إن الولايات المتحدة الأمريكية قد أخطأت خطأً كبيراً عندما لم تمارس فعلاً أخلاقياً.
ما هو المشروع الأخلاقي؟ يقولون: يجب أن نوسع دائرة الديمقراطية، لأن الديمقراطية مشروع أخلاقي من ناحية، ومن ناحية ثانية يهيئ لنا فرصة السيطرة على الآخرين، مشروع برنارد لويس وفؤاد عجمي يتلخص بالتالي: الديمقراطية هو مفهوم أخلاقي، ولكن هذه الشعوب لا تستحق أن تحكم نفسها، لأنها مؤلفة وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط مؤلف من شظايا، هذه الشظايا لا تهيئ لتشكيل دول، هي مؤلفة من طوائف وعشائر وقبائل وملل ونحل و..الخ، ولذلك من المفيد أن نعيدها إلى حالة كرياتيف كايوس " Creative Chaos "، لاحظوا معي أنهم استخدموا Chaos ولم يستخدموا " ثيز أوردر this Error" في اللغة الإنكليزية كما في اللاتينية هو العماء، وليست الفوضى، وأنا أخطّئ ترجمة الفوضى الخلاقة، لأن الفوضى مكان مرتب أحدثت فيه فوضى، ويمكن استعادته، لكن العماء هو مكان ليس فيه إمكانية للتنظيم أصلاً، يعني أن فكرة الـ " كايوس " بالأصل تتأتى من أن هذه المنطقة بالأصل غير قابلة للتنظيم، ولذلك هم ينتقدون الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي لأنهما سمحا بخلق أنظمة طغاة في المنطقة، هذه الأنظمة وحدت ما لا يوحد، وخلقت نفساً وطنياً والحل هو بالقضاء على رؤوس هذه الأنظمة، فتبدأ حالة من العماء، هذا العماء الخلاق، تلاحظون أن السيد الرئيس بشار الأسد استخدم تعبيراً مفيداً في هذا المجال، قال: الفوضى العمياء، لكي لا يستخدم – ربما - تعبير العماء الذي لا يعرفه كل الناس، هو أراد أن يقارب المسألة فقال الفوضى العمياء، فعلاً هي عمياء بمعنى من المعاني لا يمكن أن ترى مجالاً للتنظيم.
وبالتالي يذهبون إلى حد أنهم يجب أن يتدخلوا في تنظيم هذه الدول، بتهديم أنظمتها ورؤوسها، فتبدأ حالة من العماء الخلاقة، تشتغل على مدى 10-15 سنة، يموت ويذهب أشخاص كثر، فتعود لتنظم نفسها وهؤلاء سيحتاجون إلى مرجعية، ويضربون مثلاً على ذلك بالمرجعية اللبنانية باعتبارها مثالاً للديمقراطية ويقولون في هذه الحالة بأن اللبنانيين يحتاجون بسبب الكرياتيف كايوس " Creative Chaos " العماء الخلاق لديهم إلى مرجعية، لماذا لا نفعل هذا الأمر في العراق، يصبح كل منهم يعود عبر الديمقراطية وهؤلاء مجموعة من البشر السخيفة التافهة التي تركض وراء الديمقراطية متصورة أن الديمقراطية أن تسب حكامها، فليسبوا حكامهم، (أنا أنقل لكم ما يكتبونه في أدبياتهم والتي في الحقيقة أنني أعمل عليها، والآن لدي أربع طلاب في الجامعة أشرف عليهم في رسائل الدكتوراه في المحافظين الجدد، اشتغل عليها يومياً منذ عام 2000)، هذه الشعوب تواقة إلى الحريات العامة، تخلط بين الديمقراطية والحريات العامة، نضحك عليها هذه شعوب تافهة، نقول لها ديمقراطية، يظنون أن الديمقراطية هي الحريات العامة، يأخذوا الحريات العامة، ما المشكلة؟ طالما أن زمام الأمور بأيدينا، الديمقراطية تفسح بالمجال أمام تداول السلطة، كل سوف يذهب إلى الانتخاب، من سينتخب، سينتخب طائفته وعشيرته لأن الانتماء الكينوني هو الأقوى من الانتماء الأفقي الذي يأتي نتيجة لوجود الدولة المركزية، وبالتالي نكون قد شظينا، (وعملنا fragment جديد) لهذه الدول، كل أصبح بحاجة لطائفته وعشيرته وقبيلته وبحاجة إلى مرجع، نحن نصبح هذا المرجع، وبالتالي نعيد تنظيم هذه الدول.
هذا يقتضي تغيير مجموعة من المفاهيم:
أولاً- مفهوم المقاومة يجب أن يتغير، يجب أن يستبدل بمفهوم الإرهاب، لأن كل عمل عسكري خارج إطار ما هو منتظم في العلاقات الدولية وما هو مسموح به هو بمثابة إرهاب.
ثانياً- مبدأ السيادة لم يعد مقبولاً، لأن مبدأ السيادة ليس مطلقاً، مبدأ السيادة تأتّى من مقاومة فرنسا للاحتلال النازي، ونتيجة تمدد الإمبراطورية النازية على حساب الدول، قلنا بمبدأ السيادة لكي نضبط العالم، الآن لم يعد هذا مطلوباً، نستبدله بمبدأ التدخل الإنساني.
ثالثاً- ما هي هذه القوانين الدولية؟ نحن لا نقبل لا المنظومة الدولية الحالية، ولا القوانين الدولية، لأن المنظومة الدولية نشأت نتاج الحرب العالمية الثانية، وهذه نقطة سليمة في العمل السياسي، لا يوجد منظومة دولية تقوم لاعتبارات أخلاقية، هي تأتي تعبيراً عن ميزان القوى، عمن ربح وخسر في آخر حرب، نحن أسقطنا الاتحاد السوفييتي وهذا يستدعي أن نغير المنظومة الدولية، ولذلك ممنوع أن نشارك في الدفع للأمم المتحدة، ممنوع أن يُتخذ قراراً بالفيتو، وتلاحظون أنه منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حتى ما قبل نحو سبعة أو ثمانية أشهر كان ممنوعاً على روسيا وفرنسا والصين استخدام الفيتو، مؤخراً استخدمت روسيا الفيتو وفيما بعد الصين من أجل موضوع تافه سخيف لدولة صغيرة في العالم، في هذه الفترة كان ممنوعاً على الدول العظمى استخدام الفيتو، لأن هذا الفيتو كان مسموحاً به فقط لأن هذه الدول خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة، أما بعد الحرب العالمية الثالثة وهي نهاية الحرب الباردة فلا داعي في هذه الحالة لهذا الفيتو، نحن نترك لكم الفيتو فقط كصورة ولكن ممنوع استخدامه، نلاحظ أنه لاعتبارات اقتصادية وسياسية وغير ذلك لم تستخدم هذه الدول الفيتو إلا مؤخراً، لكي تقول إن هذه المرحلة انتهت ونحن نريد أن نعود مرة أخرى دول عظمى، ولنا فيتو.
تم إحياء في هذه الحالة مبدأ القتل المستهدف، وهو قانون منع في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1973، بعد حرب فيتنام، وتم إحياؤه عام 2002، وهو السماح بمبدأ قتل السياسيين، أُنشئ على التوازي معه مجلس سياسات الدفاع وهو تابع للبنتاغون وبُدء بعمليات في العلن.
كيف نقود العالم؟ السؤال طرحه المحافظون الجدد، نقوم بمبدأ حل كل مشكلة على حدة، يعني المشكلة الفلسطينية بعيداً عن المشكلة السورية الإسرائيلية، نعمل أو نؤسس منظمات ومؤسسات دولية للحل، ممنوع إطلاق طلقة، وبالتالي ممنوع مبدأ الدفاع عن النفس، ممنوع مبدأ المقاومة، هذا غير مسموح، ثالثاً: عدم مساعدة من لا يساعد نفسه، طالما أنت لا تسير معي في الخط نفسه فأنت خارج المنظومة.
الإرهاب لا تبرره مظالم الشعوب، هنالك دول يجب أن توقف عند حدها، هي الدول المارقة، ما هو تعريفها؟ حكامها يضطهدون ويسرقون شعوبهم، هذا مبدأ أخلاقي يدغدغ مشاعر الناس، لا يحترمون القوانين الدولية ويهددون جيرانهم، هذا كان موجهاً لسورية والعراق، ثالثاً يؤيدون الإرهاب، هذا موجه لسورية ولإيران لأنهما تؤيدان حق المقاومة، رابعاً يكرهون أمريكا ومبادئها، ولأول مرة يوضع الأمر في إطار السرائر، حتى الاعتبار الوجداني أنت سوف تحاسب عليه.
أعطي هؤلاء (لكي لا أكثر طويلاً من الحديث) الفرصة منذ عام 2002، هذه أصبحت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي أعلنت في أيلول 2002 بعد سنة من سقوط البرجين، وبُدء بالعمل بها، والانتقال من أي نظام عالمي إلى نظام عالمي آخر أنت بحاجة في هذه الحالة إلى حقل عمليات عسكري للاستعراض، الأمريكيون يبحثون عن الأماكن الضعيفة، يضربون، يدخلون الحرب العالمية الأولى بعد أن تقارب على الانتهاء، يدخلون الحرب العالمية الثانية بعد أن يكون الجميع قد أنهك ويضربون اليابان عندما تطلب اليابان شروط الاستسلام، بحثوا عن حقل عمليات، حقل العمليات هو الإمبراطورية البريطانية السابقة الممتدة من أفغانستان مروراً بباكستان إلى إيران وإلى منطقة الشرق الأوسط، طرحوا فكرة الشرق الأوسط الكبير، فكرة الشرق الأوسط الكبير حقيقة ترجمة خاطئة، لأن المفهوم هو (broader medial east)، لم يقل (great medial east)، (Broader) تصحيح من (board)، أي هو اللوح، الشرق الأوسط المتجانس مثل اللوح، هو الموسع والمتشابه مع بعضه البعض، استخدام التعبير الدقيق لديهم باللغة الإنكليزية، (broader medial east)، كان يلزمهم فقط سورية ولبنان، لأنها محسوبة على الإمبراطورية الفرنسية السابقة، فكان بُدء بحقل العمليات في منطقة أفغانستان، تم الانتقال إلى العراق، كان المخطط أن يتم إخراج السوريين من لبنان، يُنتهى من الوضع في سورية يتم الانتقال إلى السعودية والجائزة الكبرى مصر حسب ما كان يقول ريتشارد بيرل.
حقل العمليات هذا كان حقل عمليات وظيفي، بمعنى أنهم يبحثون عن مكان ضعيف، وهذا الذي يمكن أن نستنتج منه لماذا من الصعب أن تضرب إيران، لو كان لديهم تصور لثانية بأن هناك سلاحاً كيميائياً لدى صدام حسين لم يكن ليحدث مثل هذا الضرب، كانوا يختارون مكاناً ضعيفاً لحقل عمليات ضعيف.
وبالتالي هذا كان يفتح لهم في المجال أمام استعراض القوة، الآن قاموا بهذا العمل، خرجت القوات السورية من لبنان، وبخروجها وحقق لهم الخطوة الثالثة في المشروع بعد أفغانستان والعراق، أصبح لبنان جاهزاً، الفرنسيون سلموا في الشهر الثاني من العام 2004، تخلت فرنسا عن مسؤوليتها في حلف شمال الأطلسي عن سورية ولبنان، أكمل (broader medial east) انتقل الأمريكيون من حقل الإمبراطورية البريطانية السابقة الممتد من العراق وصولاً إلى دارفور، أُكملت المعادلة بإضافة سورية ولبنان.
نحن أمام حرب العمليات لانتقال لنظام العالمي الجديد، لا أبالغ إذا قلت بأن السوريين دخلوا مكاسرة إرادات على المستوى الدولي، بالرغم من الحجم الصغير لسورية قياساً لكل الصراعات، كانوا يتصورون بأنه بكل سهولة بعملية القصف الإعلامي المتتالي، سورية سوف تتداعى، مع تورطهم في العراق وعدم القدرة على إنجاز سياسي بالمعنى الذي كانوا يريدونه في العراق، على الرغم من كل ما أنجز، أنا أقر بأنه أنجز جزء من العمليات المطلوبة، لم يعودوا قادرين على تنفيذ المخطط الإيديولوجي كله، نحن الآن أمام نقطة تحول، بدأ المحافظون الجدد ينكفئون، لم يبق منهم إلا اثنين أو ثلاثة، مع ذلك هم فاعلون ويضغطون باتجاه فرصة الربع ساعة الأخيرة، ولكن في الولايات المتحدة الأمريكية لا يوجد فرصة لهم الآن خاصة بعد سقوط الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس بشقيه، واحتمالات أن يسقطوا في الانتخابات الأخيرة، المحافظون الجدد تمت مواجهتهم بالمحافظين القدامى، جورج بوش الآب وبيكر، وأصبح واضحاً أن هناك مساع لتنفيذ خطة بيكر ـ هاملتون، ولكن بلغة بوشية، الإعلان شيء وتنفيذ شيء آخر، هذا مفهوم، الدول العظمى لا تلتف كما تلتف سيارة صغيرة، كما تلتف السوزوكي معها هامش مناورة صغير، فالقاطرة والمقطورة تحتاج إلى دائرة كبيرة وزمن أطول، وأحياناً تقوم ببعض الاستعراضات، هذا لا بد منه، نستطيع أن نفهمه ونتفهمه بالنسبة لدولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية.
إذاً نحن أمام متحول، أختم لأني قاربت على انتهاء وقتي، نحن أمام الربع ساعة الأخيرة في منظومة تبدل النظام العالمي، الروس ينبثقون كطائر الفينيق، الصين تنتظر فرصة، قد تكون بعد نحو 15 عاماً، الأمريكيون بدؤوا يتراجعون في المنطقة، واضح أن اللغة بدأت تختلف، يميلون إلى إظهار وكأنهم يريدون شيئاً من " أنابوليس "، وهو شيء سلمي، هو فقط مهرجان كرنفالي لإظهار وكأنهم أنجزوا إنجازاً عسكرياً يلحقونه بإنجاز سياسي، كما هو الحال في قاعدة كلاوزفيتش الشهيرة، الحرب امتداد للسياسة وإن بوسائل أخرى.
اليوم نحن على أعتاب متحول كبير، نحن في الربع ساعة الأخيرة، دون أن يكون في ذلك أدنى دعاية، بأن السوريين اليوم أوقفوا عجلة تقدم مشروع المحافظين الجدد، وأوقفوا عجلة تقدم مشروع الإمبراطورية الأمريكية الجديدة بأشكال مختلفة، بدعم للمقاومة، أنا أتفق مع السيد حسن نصر الله بأن حرب 2006 هي أوقفت عجلة، لكن حرب 2006 يعرفها الجميع والإسرائيليون يقولون ذلك لم تكن لتقوم لولا السوريين بشكل أو بآخر، ولا داعي للدخول في التفاصيل واللبيب من الإشارة يفهم.