م.بسام جبر
سؤال للدكتور عصام الزعيم:
أولاً- ما آفاق منظمة شنغهاي، كمنظمة تنافسية تعيد التوازن الاستراتيجي وأحادية القطب؟
ثانياً- ما سر انخفاض الدولار؟ هل هو لعبة أمريكية بامتياز؟ أم أن المقاومة العراقية الباسلة هي التي جسدت الفوارق أو المفارقات في الاقتصاد الأمريكي؟ ما سر ارتفاع وتصاعد اليورو مقابل الدولار فيما الأمور تؤول إلى الولايات المتحدة؟
فيما يتعلق بالسيد الدكتور عماد فوزي شعيبي أقول:
أولاً- إذا كانت بعيداً عن أي لهجة خطابية إذا كان فلاسفة الغرب الأمريكي التكساسي بهذا المستوى الأخلاقي المتدهور فإن للمقاومة أيضاً فلاسفتها، ما آفاق انتصار المقاومة وفق معطيات العدوان على لبنان؟
ثانياً- هل نستطيع القول إن مؤتمر أنابوليس قد ولد ميتاً وشكراً.
أ.محمد علي حبش:
شكراً للسيدين المحاضرين، السؤال موجه للدكتور عصام الزعيم، تحدثت عن المتغيرات الدولية وما تقوم به الدول الكبرى في صنع هذه المتغيرات، لكن أود أن تبين لنا ما هو موقع العرب على خارطة هذه المتغيرات لطالما أنهم - وتحدثت في حديثك عن أن المستقبل لمن يمتلك الطاقة؟ - لطالما أن العرب يمتلكون الطاقة وما هي البدائل للبترول في المستقبل؟
السؤال الثاني موجه للدكتور عماد فوزي شعيبي: لطالما أن المفكرين أو الفلاسفة الأمريكيين هم من يخطط لصنع المتغيرات أيضاً فأين هم المفكرون والفلاسفة العرب من صناعة متغيرات أو الفعل في المستقببل؟ وشكراً.
د.م.بشار عباس:
الحقيقة هو مجرد تعليق، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لم يكن هنالك استراتيجية أمريكية، والحقيقة أن وضع أمريكا بخاصة بعد تعويم الدولار في بداية السبعينيات كان يشبه وضع بريطانيا بين الحربين العالميتين، فقدت قدرتها على قيادة الاقتصاد العالمي، ولكنها لم تستقل من هذه المهمة، وعوضت عن قوتها الاقتصادية بالقوة العسكرية.
الآن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي برز مشروعان، مشروع كلينتون ـ آل غور، وهو تعويض عن عدم القدرة في قيادة اقتصاد العالم من خلال الارتفاع بالاقتصاد الأمريكي إلى مستوى أن يكون اقتصاداً تكنولوجياً يصدر التكنولوجيا للعالم، وبالتالي يحافظ على الموقع القيادي، والمشروع الآخر وهو مشروع المحافظين الجدد وبداية صياغته كانت حتى قبل كلينتون، أي استراتيجية الأمن القومي التي أعلنها بوش في عام 2002 قبل احتلال العراق، كانت بشكل أو بآخر بداية صياغتها في نهاية عهد بوش الأب، كان هنالك اختلاف بين مشروعين، أمريكا كان لديها طريقان للمحافظة على قيادة العالم، وشكراً.
أ.داوود أبو شقرا (وكالة سانا):
شكراً للمحاضرين على هذا الشرح الشيق، الذي يحمل الكثير من النقاط التي قد تحتاج إلى توسع، وربما الوقت يظلم دائماً هذا التوسع في إظهار ما يظله الكثير من المشكلات القائمة، إن كانت اقتصادية وهي روح السياسة، أم سياسة بما تطرحه الفلسفات المعاصرة.
د.عصام الزعيم: عودتنا دائماً على هذه النظرة العامة التحليلية للاقتصاد، ولكن، السؤال هل اقتصاد الوطن العربي يحاكي من خلال المفهوم الذي طرحته ما يسير في العالم الآن.
هل لدينا الآن وعي لما يدور، ونخطط للعمل وفق ما يجري الآن في العالم، لجسر هذه الهوة بين ما يجري وما نخطط له.
د.عماد فوزي شعيبي: أنا شخصياً أتمنى أن أشاركك كل هذا الأمل الجميل في ما ذهبت إليه، لكن هل سياسة الانتظار أو سياسة رد الفعل أو حافة الهاوية هي مجدية أيضاً في اللحاق بركب الأحداث، وهل الفلاسفة سيلعبون دوراً سياسياً في منطقتنا وهل يمكن لنا أن نعترف أو نراجع أخطاءنا في رسم سياساتنا المستقبلية، وشكراً.
تعقيب د.عصام الزعيم:
أود أن أشكر الأخوة الذين تفضلوا بالسؤال والتعقيب.
فيما يخص السؤال عن منظمة شنغهاي، أقامت روسيا والصين هذه المنظمة في عام 2001، وكان الهدف منها التنسيق في العلاقات المتبادلة وتنظيم التعامل مع الدول القائمة في آسيا وآسيا الوسطى خصوصاً، في هذا الإطار كانت قضية الحدود هي المشاكل التي تواجه روسيا والصين، وقد أمكن التوصل إلى اتفاق عام 2001 ثم تلاه اتفاق مكمل في العام 2006، وبذلك حُلّت مشكلة الحدود تماماً بين روسيا والصين، وهذا الأمر عامل هام جداً في تطبيع العلاقات، وتأكيد القدرة على تطويرها، حيث إن قضية الحدود إحدى القضايا الخلافية في العلاقة السوفييتية الصينية خلال فترة الحرب الباردة، ومنظمة شنغهاي لها علاقة بالتأكيد بالتوسع الأمريكي الكبير في القوقاز والقفقاس وفي منطقة بحر قزوين، حيث أقامت الولايات المتحدة عدداً من القواعد العسكرية وراحت تتوسع فيها، وهناك شعور بالتهديد من الحركات الإسلامية المتطرفة ضد الصينيين والروس، وهذا واضح في بيانات قمة شنغهاي، فبيانات قمة شنغهاي تشير إلى خطر الإرهاب والتطرف، وهذان العاملان جمعا بين العملاقين أيضاً، ولكن هناك أيضاً كما ذكرت في حديثي في البداية عامل النفط والغاز، فالصين وروسيا تلتقيان الآن جداً في هذا الإطار، ولذلك فأنا أعتقد أن منظمة شنغهاي هي اليوم أقوى مما كانت في بداياتها، كانت هيئة للحوار أول ما نشأت، وأصبحت أكثر فأكثر تتخذ صفة المنظمة، وبالطبع فإن مستقبل هذه المنظمة لا يمكن أن يكون مستقلاً عن العلاقة الصينية الأمريكية مثلاً، أو العلاقة الروسية الأمريكية، ولكن بصفة عامة فإن هناك الآن إطار للتعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا يختلف عن حالة التوتر والنزاع بينهما خلال الحرب الباردة.
الموضوع الآخر موضوع تصاعد اليورو: الولايات المتحدة بلد يعيش أساساً من الاستهلاك، الاقتصاد الأمريكي يعمل بمحرك الاستهلاك، ويعمل لمحرك الاقتراض، فما يميز الاقتصاد الأمريكي هو أولاً: الاقتراض الشديد والاستدانة الشديدة للمواطنين الأمريكيين من البنوك الأمريكية، والمسألة الثانية أن الاستهلاك هو الذي يحرك النمو وليس الإنتاج في الولايات المتحدة.
بالمقابل فإن انخفاض سعر الدولار يؤدي إلى تخفيض الديون الأمريكية، وتخفيض العجز الأمريكي مقابل اليورو ومقابل اليوان ومقابل العملات الأوربية الأخرى.
بالنسبة إلى انخفاض قيمة الدولار يؤدي أيضاً إلى جانب تخفيض قيمة الصادرات الأمريكية ويشجع على الاستثمار، لأن الولايات المتحدة تستقطب الآن استثمارات واسعة أوربية ويابانية وأخرى في بلادها، وهذه الاستثمارات من شأنها أن تنشّط الاقتصاد الأمريكي، وتفعل التصدير الأمريكي، وتخفيض الدولار مقابل اليورو يشكل تهديداً تجارياً كبيراً للاتحاد الأوربي وعاملاً رادعاً لمنتجات أوربية عن دخول السوق الأمريكية.
فالولايات المتحدة تستفيد استفادة كبرى من انخفاض سعر الدولار مقابل اليورو، فهي تستطيع بذلك كما ذكرت أولاً أن تعوض عن صعوبة التراكم الداخلي بسبب التوجه الاستهلاكي الكبير في السوق الأمريكية، ثانياً أن تصدر بأسعار تنافسية إلى الأسواق الدولية، ثالثاً تخفض من عجزها التجاري والمالي.
فيما يخص السؤال المتعلق بموقع العرب، أعتقد أنه من الخطأ أن نعتقد بأن الطاقة ستقرر المستقبل العالمي والعربي، هو الطاقة جانب مهم ولكن في الأجل القصير والمتوسط، للطاقة شأن كبير جداً، ومن لا يرى هذه الأهمية ستميل إلى التضاؤل لاحقاً، لماذا؟ لأن الثورة التكنولوجية جارية بشكل فعال جداً، ونحن الآن ندخل المرحلة الجديدة من الثورة التكنولوجية وما يسمى بثورة التكنولوجية الجزيئية أو النانو تكنولوجيا، وهي ثورة تفوق بخطواتها ونتائجها كل ما عرفناه حتى الآن من الثورة الإلكترونية وثورة التقانة الحيوية بشكلها الحالي.
هذا التطور التكنولوجي سيهمش الاقتصادات العربية وسيهمش القطاعات المعتمدة على الطاقة في الولايات المتحدة نفسها وفي الدول الغربية.
أعتقد أن هناك ضرورة للتعامل مع الدول الكبرى أولاً: والعلاقات بينها من منظور أن هناك قطاعات اقتصادية تعتمد بشدة على الطاقة، وهذه المجموعات تريد أن تعالج مشكلاتها أولاً، وهناك قطاعات أخرى ليست معنية إلا بصورة ثانوية بمسألة الطاقة، والنزاع في المصالح قائم بينهما، وما يميز الإدارة الأمريكية حالياً وخصوصاً منذ حرب أفغانستان هو هيمنة الجناح النفطي في المؤسسة الأمريكية الحاكمة.
فمثلاً في حالة أفغانستان، ونحن نشرنا دراسة لباحث تركي جاد عن هذه المسألة، كانت هناك مفاوضات بين شركة " شيبرون " وبشكل خاص السيدة كوندا ليزارايس، وعائلة بن لادن والرئاسة الأمريكية قبل حرب أفغانستان، من أجل ترتيبات خاصة باستثمار الغاز في أفغانستان.
أيضاً العراق، الأمر أكثر من واضح أشار د.عماد إلى شركة هالي بيرتون وقد أصبح هذا الأمر شائعاً، أن المصالح المرتبطة بهالي بيرتون لها نفوذ كبير جداً بالدولة الأمريكية، وهناك شركات أخرى ليست بالضرورة نفطية، كما نعلم، لها تأثير في أمريكا، ولذلك فإن المستقبل العالمي والعربي ليس محكوماً بالطاقة وحدها، ولكن فيما يخص الوطن العربي فإن الاستراتيجية الأمريكية الآن تمكنت وقد أفلحت في التحكم بمصادر هامة بديلة عن النفط العربي.
الاحتياطات العربية لها شأن حاسم، الخليج العربي تحديداً يبقى هو المصدر الأساس الاحتياطي حيث يشكل 60% تقريباً من احتياطي النفط العالمي، فهو إذا في المستقبل المتوسط سيتعزز شأنه ولا يضعف، وفيما يخص الغاز الأخبار أيضاً لصالح الوطن العربي، حيث إن قطر تحتوي على ثاني احتياط غاز في العالم، بعد روسيا وتنافس إيران تقريباً، أو تأتي بعدها، وهناك توجهات لتطوير موارد غازية هامة في الإمارات العربية المتحدة، وفي المملكة العربية السعودية إلى جانب العراق، لذلك الآفاق ستؤكد أهمية العالم في الوطن العربي من ناحية الغاز إلى جانب النفط.
لكن الولايات المتحدة أصبح لها مصادر إمداد غاز في إفريقيا، أشرت إليها من خلال الحديث، وأصبح لديها مصادر إمداد هامة في بحر قزوين، وفي أمريكا اللاتينية، وفي المكسيك، وفي فنزويلا، والإكوادور وكولومبيا ودول أمريكية لاتينية أخرى، لكن هناك أيضاً التغيرات، البرازيل تتحول إلى قوة نفطية، وربما تنضم إلى أوبك، إذن، هناك احتمالات لأن تبقى منظمة أوبك أكثر، وهذا سيؤثر على القوة العربية ويعززها أيضاً، إذا استطاع العرب أن يحسنوا التحاور والتعاون مع الأطراف المعنية.
مستقبل الطاقة يؤكد بأن النفط والغاز سيبقيان مهيمنان خلال العقدين القادمين على الأقل، ولكن من المهم جداً أن نلاحظ أن الانتقال إلى أسعار عالية جداً من النفط، بالرغم من أن الأسعار الحقيقية لا تتجاوز الأسعار الحقيقية في عام 1981 حالياً، إلا أن هذا الارتفاع في الأسعار سيعزز مجهود التحول إلى الطاقات الجديدة، والتحول إلى الطاقات الجديدة، أعتقد أن أهم مصدر الآن هو الطاقة النووية، وهناك كما تلاحظون اهتمام كبير بالطاقة النووية، ولكن الطاقة الشمسية حدثت تطورات تكنولوجية جديدة، كانت التكنولوجيا المعتمدة أساساً للاستفادة من الطاقة الشمسية في الدول المتطورة، هي تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية، أو ما يعرف بالخلايا الكهروضوئية، ولكن الآن طورت تقانات جديدة ولا سيما تقانات الاعتماد على الهدروجين مصدراً للطاقة، وخلايا الوقود وهذا يغير في المعطيات الطاقاوية.
من الصعب الآن أن نبحث في هذه القضايا ولكن أعتقد أن الوطن العربي يواجه تحديات تتجاوز مسألة الطاقة، أولاً الفوائد المالية العربية الآن موضوع يحتاج إلى حل، ووقفة طويلة، هناك تدفق كبير في عوائد النفط في البلاد العربية وخاصة في الدول الخليجية، تقوم بهدر جزء كبير منها، الطبقات الحاكمة في الخليج من خلال ردم الخليج، المباني العالية والمضاربات العقارية، وهناك الجانب الآخر لم يكن موجوداً من قبل وهو المضاربة المالية (البورصات والأسواق المالية)، ولذلك فإننا نرى أنه من المفيد الاهتمام بهذه المسائل إلا أن تدفق الأموال الخليجية زاد كثيراً إلى الدول العربية، وفي هذا الإطار يمكن التوقف عند ظاهرة أساسية وهي أن هذه الأموال تميل إلى القطاعات العقارية، وأن هذا التوجه سلبي من منظور التنمية، وأن سورية وغيرها من الدول العربية المعنية بحاجة لأن تلاحظ هذه الظاهرة، وألا تقع فيها، وهي قد وقعت فيها حتى الآن، ومن الضروري تجاوز هذه الظاهرة لتوجيه التدفقات المالية إلى قطاعات محركة للنمو فعلاً، ومعززة للقوة الاقتصادية ولفرص العمل.
أخيراً، هناك توجهات كبيرة للأموال العربية إلى آسيا، وهذا الأمر لم يكن موجوداً بالماضي، تصبح الدول العربية أكثر فأكثر خليجياً مرتبطة بآسيا وقد أقامت علاقات قوية للغاية، لم أتحدث عنها خلال التقديم في البداية، ولكن لم تكن هناك علاقات قوية بين السعودية والصين، والسعودية وروسيا مثلما هي اليوم، والأمر نفسه يصح على الإمارات العربية المتحدة والأرقام التبادلية هائلة، ولكن أيضاً هناك تدفقات أموال كبيرة من دول الخليج إلى الدول الآسيوية، لكن الخاسر في هذه العملية حتى الآن هو الوطن العربي، حيث إن الأموال العربية لا تتدفق إلى الصناعات العربية ولا إلى العلم والتكنولوجيا وليس هناك من أي تخصيص استراتيجي للتكامل الاقتصادي العربي.
وبالنسبة للهواتف النقالة، في مصر تستهلك 22 مليون نقال، ونحن لدينا كم نقال الآن 4 ملايين أو أكثر، فالمشكلة هي أننا نستهلك تكنولوجيا ولا ننتجها، كانت لدينا شركة " ألكاتيل " في سورية قبل حوالي 20 عاماً، وتنازعنا معها وخرجت من سورية وهي اليوم إحدى أكبر شركات العالم في إنتاج الهاتف النقال، وهي شريكة استراتيجية لإيران، وإيران تنتج النقال بالتعاون التكنولوجي والاستثماري مع شركة " ألكاتيل " الفرنسية.
السؤال الأخير ربما هل نعمل اقتصادياً وفق ما يجري في العالم، أولاً نحن لسنا ملمين بما يجري في العالم، نحن ليست لدينا مراصد نتابع من خلالها ما يجري في العالم، ولأن اندماجنا في الاقتصاد العالمي اندماج متقلب وهامشي حتى الآن، فهو يتم من خلال المادة الأولية، النفط أساساً، لذلك نحن لسنا في قلب عملية العولمة، نحن لسنا كأمريكا اللاتينية، أمريكا اللاتينية في قلب عملية العولمة، دخلتها الشركات متعددة الجنسية، دخلتها التكنولوجيات الجديدة منذ السنوات الثمانين، نحن حديثو العهد في العولمة، والآن نضيف إلى النفط الأسواق المالية، وبالتالي فإن موقعنا لا يساعدنا على أن ندرك ما يحدث في العالم، ومن ناحية أخرى فإننا نتجه إلى الاستثمارات غير الإنتاجية، ننتج الاستثمارات العقارية والاستثمارات السياحية ولا نتجه إلى الاستثمارات العلمية والتكنولوجية، وليست لدينا استراتيجيات صناعية، لا على الصعيد الوطني ولا على الصعيد العربي، وبالتالي فإننا مهددون حقاً بأن نفقد أكثر فأكثر مواقعنا في العالم العربي، وفي الوقت الحالي فإن كل دولة عربية تزداد اندماجاً بالاقتصاد الدولي بصورة منفردة، وتتعزز التجزئة الاقتصادية العربية، وتزداد الأواصر شدة بين الفئات الحاكمة في الدول العربية القطرية والمصالح الأجنبية.
إن علاقة الدول العربية بالعالم الخارجي بصورة مباشرة، العلاقة الثنائية أو ما أسميها العلاقة الشاقولية هي أشد عمقاً وأشد تأثيراً مما كانت عليه قبل نهاية الحرب الباردة، وأعتقد أن هذا التوجه يحتاج إلى عمل مضاد وأن العمل المضاد هزيل حالياً ولسنا نتأمل كثيراً، ونرجو أن نكون مخطئين من القدرة الاقتصادية العربية القادمة، لأن الفكر العربي لا يعمل في هذا المضمار ولا يقدم مواد كافية ومهمة، وليست هناك تحركات لدى القوى السياسية العربية باتجاه العمل الاقتصادي العربي، خلافاً لما كان يجري في سنوات الستين كانت المنظمات العربية السياسية والأحزاب معنية بالعمل الاقتصادي العربي، وتهتم بالعمل الاقتصادي العربي، وتبدي رأيها وتضغط من أجله، ولكن هذا لم يعد قائماً اليوم وهذا جزء من تراجع العمل السياسي العربي، ولذلك أجد أننا لسنا في وضع نحسد عليه في هذا المضمار، وشكراً.
تعقيب د.عماد فوزي شعيبي:
نعم مؤتمر " أنابوليس " ولد ميتاً، بكلمة، ولكن الميت أيضاً يستخدم للتشريح لأخذ بعض الأعضاء، يمكن استخدام أي شيء نظرية وظيفية، البعض قد يسأل لماذا نذهب إلى أنابوليس، أنا أقول بكلمة، طالما أنك تجلس على الطاولة فأنت أصبحت طرفاً، وبالتالي أنت تبعد إمكانية استهدافك، تكسب الوقت، (سأتحدث بعد قليل عن سياسة الانتظار وكسب الوقت وسياسة حافة الهاوية)، أيضاً أنت في هذه الحالة تبعد شبح الحرب الاستباقية، ترد الأمريكيين إلى مواقع سياسية تتعامل معهم بلغة السياسة الواقعية، تفرض عليهم آليات هم الآن يسيرون بها، ويضطرون للسير بها، وبالتالي هذا بحد ذاته إنجاز من ميت، جيد أنا أراه ممتازاً، على الأقل نكسب السنة الأخيرة من حكم بوش، نحن ثابت من لعبة قضم الوقت وربح الزمن، أعتقد أن هذا مناسب خاصة بعد أن انتزعنا منهم موضوع إدراج الجولان، وهذا بحد ذاته تراجعاً على المستوى الإيديولوجي إلى المستوى السياسي.
أين هم المفكرون العرب، لا أريد أن أقيم بكائية، ولكن أنا تجاوزت الأربعين، الأحلام الكبيرة انطوت، ولدي رؤية أكثر واقعية، ذلك إن الإنسان يصنع خيراً منه ثم يموت كما يقول نيتشة، أنا لست متصوراً لإمكانية وجود بطل أسطوري يستطيع أن يفعل شيئاً، المفكرون العرب شاهدون، متأملون، بكائيون، يمارسون كل هذه الأفعال، وأعتقد أنه كما تكونوا يولى عليكم، فلسفياً وفكرياً وبأشكال مختلفة.
في السياق العام لا توجد فلسفة بريئة، كل فلسفة تعبر عن المرحلة التي يمر بها العالم، وعلى هذا الأساس، أنا لا أميل إلى دور كبير للمثقفين والمفكرين، عموماً والعرب خصوصاً، خصوصاً أن العرب هم على هامش هذا المشروع.
نحن على مستوى الثقافة ننقسم إلى أقسام عدة، إما متأملون، نفكر وتظهر معنا أفكار جديدة فنطرحها، أو ناقدون بمعنى " النق "، أي رؤية نصف الكأس الفارغ والبكاء عليه والبناء على نصف الكأس المليء، أو امتثاليون لدرجة أننا لا نرى إلا نصف الكأس المليء ونعتبر أن الكأس كله مليئاً، هذا أيضاً نوع من أنواع الامتثالية التي هي لغة أخرى للمثقفين.
أنا أرى المثقفين، مثقفي سلطة، والمثقفين الخارجين عن هذا كلهم في المصب نفسه، بعضهم يرى نصف الكأس الفارغ فقط، والبعض لا يرى إلا النصف المليء، وهنا مأزق، وأنا أعتقد بأن الثقافة هنا ليست في مجال الفعل هي في مجال الشاهد، وكلاهما شاهد زور، المثقف الذي لا يرى إلا نصف الكأس الفارغ هو شاهد زور، والذي لا يرى إلا نصف الكأس المليء هو شاهد زور، هذه رؤيتي، ولكن هذا ليس فيه لا تشاؤم ولا تفاؤل، لأنني سمعت سؤالاً عن الأمل، الأمل ليس مفردة سياسية، في العمل السياسي لا يوجد لا تفاؤل ولا تشاؤم، هذا خارج إطار مفردات العمل السياسي.
في التقييم إذا أردنا أن نرى نصف الكأس الفارغ نقول يذهب منا الزمن، يضيع منا الوقت، نعاني كثيراً.. الخ، في الوجه الثاني وجه الكأس المليء، نحن نكسب إمكانية الاستمرار في ظروف صعبة، نكسب إمكانية تحقيق إنجازات، حيث ميزان القوى ليس من مصلحتنا، لها وجهان، ما هو مقياس هذين الوجهين، لم نعد بميزان الشوالات، نحن نعمل بميزان الذهب، والفوارق بالديزيمات والغرامات وأجزاء من الغرام، لكن ما الذي يضمن الاستمرارية؟ يضمن الاستمرارية عمق الإنجاز على الوجه الآخر لهذا الكأس؟؟
أنا أقرأ قراءة العالم، العالم الذي يقرأ بعقل بارد لا يريد لا أن ينحاز إلى هذا ولا يقف ضد هذا، وبالتالي هل سيلعب الفلاسفة دوراً في منطقتنا للحاق بالركب، لم أر في حياتي كلها، أن هنالك فلسفة تصنع مشاريع، جان جاك روسو عندما تحدث عن مشروعه كان يتحدث عن نموذج جميل، يريد أن ينقله إلى فرنسا، نحن لدينا تصور واهم نقلته إلينا (وعذراً من الدكتور عصام) أجواء الماركسية، بأن الفكر يصنع واقعاً مع أن الماركسية هي التي تقف ضد المشروع المثالي الذي يتصور بأن العالم يُصنع على مقياس الفكر.
أنا شخصياً أرى بأن دور الفلاسفة هو دور شاهد ومحفز لا أكثر ولا أقل، لأن العالم يسير بلغة مختلفة عن لغة الفلاسفة.
هل سنراجع أخطاءنا في رسم سياستنا المستقبلية؟ هذا السؤال متروك لحكم المتغيرات، إن طبيعة الأشياء، أن تراجع السياسات، ولكن في صلب هذا السؤال، وهذا ليس اتهاماً بطبيعة الأحوال، فمن حق البشر في أن تفكر بطريقة مختلفة.
السياسة السورية في هذه المرحلة تلاقي نجاحات، أنا أراها تلاقي نجاحات، أنا أرى كما يرى البعض الجوانب الأخرى، ولكن أنا أتعامل ليس بالمفرد، وأنا أتعامل بالجملة، أنا لا أريد أن أقف عند المفردات، لأنني إذا وقفت عند المفردات في ظل ميزان قوى صعب، وهجمة على المنطقة، ووجود دولة عظمى أصبحت في العراق، ضمن معاملات القوى، في هذه الحالة أنت مضطر، إذا كان العالم كله تعرض لاهتزاز أنت أحياناً لكي تفهم ما يجري في العالم تضطر إلى تصريح وتصريح وتصريح، وأحياناً إلى الصمت.
أنا أرى أنه من المناسب أن ننظر إلى النتائج، بهذه الحالة نرى نصف الكأس المليء، مع ذلك في المكان الذي يصلح أن نقول فيه قولنا حول نصف الكأس الفارغ، يجب أن نقوله، لا يجب أن نمالئ ولا يجب أن نكذب ولا يجب أن نخدع ولا يجب أن نداهن على الإطلاق.
الآن في هذه المرحلة يجب أن نختار أين ومتى وكيف نتحدث عن نصف الكأس الفارغ، نحن المثقفون لسوء الحظ نمارس فعلاً ليس في هذا الاتجاه الإيجابي، أنا مرة أخرى أقول لا يجب أن نصمت ولكن يجب أن نختار.
أريد أن أنهي حول موضوع المقاومة وفلسفتها، إمكانية المقاومة، لا بد من العودة إلى لغة المقاومة لأنها لغة التاريخ، حتى لو أراد فلاسفة المحافظين الجدد استبدالها بالإرهاب لن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك، هم الآن سيواجهون اليوم بفعل مقاوم، وووجهوا به ويواجهون وسيواجهون به، وسيرتدون إلى وقت يحاول أن يوجدوا مساومة بين أفكارهم وبين فعل المقاومة.
أنا أسف أطلت، أشكر لكم حسن المتابعة.
تعقيب ثان لـ د.عصام الزعيم:
إذا سمح لي أخي الرئيس أريد فقط أن أشير إلى بعض المسائل وهي أولاً: إنني لا أعتقد وربما كان هذا له علاقة بتأثير الجانب الاقتصادي على تفكيري، وأعتقد أن التطورات في الإدارة الأمريكية بقدر ما هي تعكس خلافات فكرية وإيديولوجية داخل الطبقة الحاكمة، في نهاية التحليل تقتصر على مسألة الفلسفة والفلاسفة، ولا أريد أن أستفز صديقي الدكتور، ولكن أنا بالنسبة لي اعتقدت أننا نتحدث في العلاقات الدولية، ولذلك ركزت على هذا الجانب من المسائل، ومن المفيد في الواقع بالمقابل أن نعطي دوراً للمثقفين، وليس الفلاسفة فقط، دور المثقفين في المجتمعات المختلفة وفيما يعنينا منها المجتمعات العربية، نحن لدينا مشكلة العلاقة بين المثقف والسلطة، وهذه مسألة مهمة، ولا أعتقد أن المسألة يمكن إخفاؤها، إذا قلنا مثلاً إن الكأس يمكن أن ننظر إليها فارغة (نصفها إلى نصف الفارغ) فنكون متشائمين وإلى نصفها الملآن نكون متفائلين، هذا أمر هام ولا شك، ولكن تبقى القضية أكبر من ذلك برأيي أنا، وهي العلاقة بين السلطة والمثقف، فالمثقفون هم بحاجة أن يعبروا عن أرائهم بشكل أكبر وهذا ليس متاحاً دائماً.
وهنالك قضايا أريد أيضاً أن أتوقف عندها، وهي قضية العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع، فلا يمكن حصر الموقف السوري والقضايا السورية على البعد السياسي الخارجي، وأنا أوافق تماماً الدكتور عماد كل الموافقة على قضية الموقف الوطني والقومي المسؤول، وخاصة في لحظات المواجهة الصعبة، وسورية تخوض معركة صعبة بالتأكيد، وأنا لا أختلف معه إطلاقاً، ولكن في الوقت نفسه أريد أن أقول إننا أيضاً نصنع مصيرنا في الوقت نفسه، عندما نتخذ قرارات اقتصادية تتعلق بالتنمية الاقتصادية، تتعلق بالانفتاح الاقتصادي، تتعلق بالموضوعات الاجتماعية، فإن هذا له تأثير كبير على مواقفنا السياسية.
فلذلك أرى بأن المسألة تتجاوز الجانب التشاؤمي التفاؤلي والجانب السياسي البحت، أنا أعتقد أن النقاش مطلوب في سورية حول مثلاً الخيارات المتاحة أمام الإصلاح الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، أنا اقتصادي وأيضاً مهتم بالشأن السياسي وأنا لدي خبرة ودراية سياسية لكن أعتقد أنني لا أستطيع أن أعبر دائماً، أنا لم أتحدث في التلفزة مرة واحدة أو مرتين في عام أو عامين، واعتقد أن الوسائل في سورية هامة، وليس في هذا ضرر على العكس، وأنا أعتقد أن النقاش المفتوح والشفافية في القضايا الاقتصادية موقف مسؤول، لأن الحقائق ليست خافية، ومن الضروري أن يكون هناك نقاش، وأن النقاش يخدم الموقف الوطني، أنا لا أتردد على الإطلاق منذ أني كنت حدثاً أنني أقف في الموقف والموقع المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل، حين تقف أمام الولايات المتحدة وإسرائيل فأنك تقف موقفاً مناهضاً، ولذلك أنا دائماً أتمسك بالمصالح الوطنية قدر استطاعتي، ولا أتردد أبداً في إعطاء الأولوية للمسألة الوطنية والقومية، ولكن هذه المسألة نفسها، لها بعد اجتماعي هام، السياسة التي تقوم بها سورية، سياسة شجاعة متميزة.
الرئيس بشار الأسد تميز بشجاعة فائقة في مؤتمرات القمة العربية وفي مناسبات عديدة ميز نفسه وميز سورية عن الدول العربية الأخرى بشجاعة، وحتى بالنسبة إلى مؤتمر أنابوليس الأخير سورية وضعت شرطاً واضحاً ومبدئياً كما أشار الدكتور عماد، ولكن في الوقت نفسه نحن نقوم بسياسات اقتصادية، هل تعزز هذه السياسات الاقتصادية موقف سورية الصمودي المقاوم والممانع، هل تعزز هذه السياسات، هذه الخيارات الاقتصادية تعبئة القوى الوطنية، التضامن الوطني والاجتماعي داخل الوطن، التنمية الاقتصادية، هذه مسائل هامة.
أنا لا أقول لا، هناك خيارات اقتصادية صحيحة ولكن أقول هنا ما يقال، لذلك أردت فقط أن أوسّع الأفق ولا أعترض على ما تفضل به الدكتور عماد وأنا متفق معه، وأردت أن أوسع الأفق قليلاً من هذا المنظار.. وشكراً.