نص محاضرة الرفيق د.محمد صالح الهرماسي
في الندوة 31 لدار البعث وإدارة موقع حزب البعث العربي الاشتراكي على الإنترنيت
حول: " التلازم بين العروبة والإسلام "
16/5/2007
العروبة والإسلام: تاريخياً هما متصلان، وإذا كان من انقطاع لهذا الوصل التاريخي، فهو في فضاء الأيديولوجيا وليس الواقع.
لقد وجد هذا الانفصال في الوعي السياسي القومي العربي، لا في التجربة الحضارية للأمة، حيث برزت علاقة الاتصال بين العروبة والإسلام، على أن فكرة الانفصال بين العروبة والإسلام لم توجد فقط في الفكر القومي العربي، بل وجدت أيضاً في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. فإذا كان القوميون قد أسقطوا عامل الدين (الإسلام) من تكوين الأمة وشخصيتها القومية، فإن الإسلاميين وعوا الإسلام بمعزل عن العروبة، وعدّوا هذه الأخيرة في جملة العصبية الجاهلية التي حاربها الإسلام في ما زعموا.
إن محور الإسلام والعروبة هو المفصل الرئيسي في قضية الأمة، لأنه يلامس فعلاً أهم نقطتين محددتين في هذا المفهوم، وهو إلى ذلك يثير أصعب الأسئلة التي تقود بيسر إلى التناقض الشكلي، إذ يبدو كما لو أنّ إدخال أحدهما في صلب الموضوع ينبذ وجودَ الآخر، فإذا قلنا: إن الإسلام يدخل في تعريف الأمة وجدنا عرباً غير مسلمين واحترنا في تصنيفهم، وإذا أصررنا على العروبة فقط أوجدنا مسلمين من غير العرب ولكن من ذوي الثقافة العربية، واحترنا في تصنيفهم كذلك، هل هذه الحيرة في محلها؟ نحن لا نخفي شكّنا في مثل هذه المقاربات الشكلية ويقيننا أن هذا التناقض شكلي هو الآخر ولا علاقة له بجوهر الموضوع.
في البداية لم تكن ثنائية عرب ـ إسلام قائمة كتناقض جوهري أو حتى شكلي، ولكن ما حدث خلال الفترة الممتدة للدولة العباسية وغزو المغول، وخاصة خلال الحكم العثماني من نزاعات شعوبية وسياسة تتريك قائمة على كره العرب، دفع الناس إلى التفكير في الشخصية العربية بمعزل عن باقي الشعوب الإسلامية، وإذا أضفنا إلى ذلك قدوم المستعمر الأجنبي منذ حملة نابليون وحركة الاحتلال الأوربي للدول العربية، فسنفهم مدى تأجج الشعور القومي العربي، كتعبير عن وضع العرب الواقعين بين سندان التخلف العثماني ومطرقة التهديدات الأجنبية.
إجمال القول: إن العرب قد وجدوا قبل الإسلام وانتشروا جماعات وقبائل وعصبيات متفرقة في منطقة جغرافية واسعة من اليمن إلى بلاد الشام مروراً بالجزيرة العربية، وكانوا يرتبطون برابطة الدم والنسب ورابطة اللسان، كما كانت لهم هوية ثقافية وحضارية.
إلا أنه يصعب الحديث عن أمة عربية قبل الإسلام، لقد كون الإسلام الأمة، بنية من التضامن السياسي ـ الديني التي امتصت شيئاً فشيئاً كل الحقيقة العربية.
صحيح أننا نعثر في مؤلفات بعض المفكرين والكتاب القوميين على اعتراف بأهمية الإسلام في التاريخ العربي إلا أن هذا الاعتراف لم يجد أبداً معادله الفكري والسياسي في النظرية القومية، ربما كان الدكتور عبد العزيز الدوري واحداً من القلائل الذين حاولوا وضع الإسلام في قلب القومية العربية ليمحو بذلك أي شك يحيط الطبيعة التكافلية لترابطهما، ويرى باحث آخر إن الإسلام وحده الذي حول العرب من جماعة عرقية إلى أمة تستند إلى الانتماء الثقافي. وعالج الإسلام الناشئ في بيئة حضارية البداوة بوصفها شذوذاً، وفي القرون اللاحقة أصبح الإسلام واللغة العربية القاعدتين الأساسيتين للأمة العربية بوصفها كياناً ثقافياً ولم يُخف بعض المفكرين العرب المسيحيين كقسطنطين زريق إعجابهم بالنبي محمد (ص) والدور المركزي للإسلام في تاريخ العرب، وتأكيدهم على أهمية الإسلام الثقافية كمجموعة قيم ورموز، إلا أن الفكر القومي العربي في توجهه العام لم يعترف للإسلام بأي دور فاعل في تكوين الأمة العربية، واضطر إلى سد هذه الثغرة الكبيرة باختلاق مزاعم وتصورات هي نتائج الأيديولوجيا أكثر منها نتاج الحقيقة والتاريخ، ومن ذلك القول بأن الأمة العربية وجدت قبل الإسلام، لنقرأ ما يقوله هشام جعيط رداً على هذا الزعم: " سبق الحدث العربي الإسلام، وهذا من المعطيات التي لا نزاع فيها، لكن الماضي العربي الجاهلي واقع دون تاريخ في جملته، وقد ألقى الإسلام والفتح العربي (بالشعب) العربي في المجتمع التاريخي، فحطما عزلته التي جعلت منه شعباً بربرياً أقصي عن المغامرة البشرية "، بل إن الأمر يتجاوز هذه الحدود والفضاءات، ذلك أن الإسلام لم يقتصر على أن يقوم بدور رئيس كرائد للعربي يرشده للتمدن، مؤكداً مبدأ الدولة وباعثاً على ثورة ذهنية بل عمل على إبراز (أمة عربية)، فقنن لغتها وثبتها، ومنح في الجملة هيكله إلى الانتماء العربي ".
أما الفصل بين العروبة والإسلام، وهو الذي جاء أصلاً نتيجة إنكار دور الإسلام الجوهري في تكوين الأمة العربية، فقد اقترح لحل مشكلة مفتعلة تتعلق باعتراض مزعوم من قبل العرب غير المسلمين، أي المسيحيين، على ارتباط العروبة بالإسلام وخوفهم من هذا الارتباط الذي يمكن أن يهدد وجودهم وانتماءهم إلى الأمة العربية! نقول مشكلة مفتعلة لأن المسيحيين أنفسهم يقرون بانتمائهم إلى الفضاء الإسلامي تاريخاً وحضارة.
وهذا أحد كبار المفكرين العرب المسيحيين، اليوم، يرى في الإسلام ثقافة قومية بالنسبة إلى المسيحيين وتعبيراً عن تراثهم الحي، بينما يقول باحث عربي فاضحاً زيف هذه المشكلة إن التذرع بوجود جماعات عربية غير مسلمة في صفوف الأمة للقول إن بناء التلازم بين العروبة والإسلام يضعف من نسيج التكوين القومي، أو يقيمه على مقتضى استبعاد جماعات عنه هو أمر عارٍ عن الشرعية، ويقايض التاريخ والحقيقة التاريخية بأفكار إيديولوجية لا وظيفة لها سوى الإيقاع بين رابطتي العروبة والإسلام للإجهاز على طاقات الأمة الكامنة فيها.
إن التأكيد على الإسلام الثقافي الحضاري كمكون جوهري من مكونات الأمة العربية لا ينفي إطلاقاً ما يتمتع به كلاهما من استقلالية، لأن القومي صعيد مستقل في التكوين التاريخي والحضاري حتى وإن كان العامل الديني من محدداته، ثم لأن جغرافية الديني أوسع مجالاً من جغرافية القومي وهي تستوعب تعبيرات عدة ومختلفة عن هذا الأخير.
انطلاقاً من كل هذا يمكننا القول إن صورة العلاقة بين العروبة والإسلام كما تحققت تحققاً تاريخياً موضوعياً تقدم ما يلي:
1- إن العرب تحولوا إلى أمة بالرسالة المحمدية، وهذا لا ينفي أنهم وجدوا قبل الإسلام كجماعات اجتماعية متفرقة في مجال فسيح، وجمعت بينها قرابة الدم وعصبية النسب، كما لا ينفي مساهمتهم الثقافية وأهليتهم الحضارية، إلا أن العرب لم تكن قبل الإسلام أمة بالمعنى الصحيح للعبارة، كانت بالأحرى جماعات وعصبيات وقبائل تقيم الصلة بينها رابطة الدم والنسب في مقام أول، ورابطة اللسان الذي لم يكن موحداً تماماً في مقام ثان، ثم إنها كانت فوق كل ذلك جماعات متعادية متناحرة على شروط البقاء.
مع الإسلام صارت إلى كيان جديد.. إلى جماعة توحدها فكرة كبرى وتصنع لها الشوكة كما الحافز إلى احتلال التاريخ والنهوض به و(نشر الإسلام)، والرسالة بقدر ما كانت دعوة للتوحيد كانت أيضاً صناعة كاملة لأمة جديدة على مسرح التاريخ.. وهكذا أتى توحيد الله تعالى يمثل في نتائجه الاجتماعية توحيداً للجماعات العربية في أمة، وهكذا أيضاً تداخلت في التكوين الشخصية الاجتماعية للأمة مع شخصيتها الروحية بل قلْ كانت الأولى في صلب هذه.
2- إن كون العرب ولدوا ولادة جديدة مع الإسلام وكون الإسلام بات جوهر الكينونة العربية حقيقة أدركها العرب مع الزمن، حيث تكرس ولاؤهم لدينهم أكثر من ولائهم لجنسهم وباتت عروبتهم محاذية لإسلامهم ملازمة له.
ويؤكد التاريخ العربي أن العرب نظروا إلى أنفسهم من خلال رابطتهم الدينية لا من خلال رابطة الجنس والنسب يصح هذا على حالة الشرق ويصح أكثر في حالة المغرب.
3- إن علاقة العروبة بالإسلام تعززت أكثر بلغة الوحي العربية، وظلت عروبة القرآن هي الأساس في كل تلك العلاقة، ولقد زادها رسوخاً أن الرسول (ص) عربي النسب.
وليس تفصيلاً في تاريخ العرب إذاً، أن يكون الوحي بلسان العرب وأن يكون الحديث النبوي بلسان العرب، وأن تكون كل المدونة الفقهية الإسلامية باللغة العربية، إنه يعني أن كل تراث الإسلام الديني كان عربياً وحتى " الأعاجم " أنتجوا معارفهم داخل الإسلام باللغة العربية.
في ضوء هذه الحقائق كيف ننظر إلى علاقة العروبة والإسلام في الحاضر؟
أولاً- لا يعني بناؤنا التلازم بين العروبة والإسلام اندفاعاً إلى إقامة مطابقة بين الأمة العربية والأمة الإسلامية ذلك لأن القومي صعيد مستقل التكوين التاريخي والحضاري كما ذكرنا، العروبة انتماء قومي والإسلام انتماء ديني.
الأمة المادية كحقيقة سوسيولوجية وثقافية ولسانية هي إطار الأول فيما الأمة الروحية كانتساب إلى عقيدة جامعة عبر قومية هي إطار الثاني.
يوحد بين العرب جامع اللسان وجملة التراث الثقافي المعبر عنه بذلك اللسان والذي يمثل شخصية جماعات اجتماعية تدين أكثريتها بالإسلام، غير أنها تتميز عن سائر الجماعات الأخرى التي اعتنقت الإسلام.
ليس من شك أن الإسلام هو من حوّل العرب إلى أمة، غير أن رسالة الإسلام لم تنجز هذا التحويل إلا لأن هناك جاهزية ثقافية بالمعنى الأنتروبولوجي تسمح بصيرورة تلك الجماعات العربية إلى أمة، وإلا لماذا لم تتحول القبائل الإفريقية التي أسلمت إلى أمة. نعم ليست العروبة انتماء إلى عرق بدليل أن جماعات كثيرة غير عربية تعربت وصارت جزءاً من الأمة العربية بل وقدمت مساهمتها الخلاقة في إثراء الثقافة والحضارة العربية، غير أن رابطة اللسان التي كرّست شخصية الأمة هي مما ليس يقبل التجاهل في مضمار الفهم الحديث لتكوين الأمم والقوميات.
ثانياً- من الأسئلة التي تثيرها أطروحة التلازم السؤال عن موقع العرب غير المسلمين في كيانية قومية (عربية) يمثل عامل الدين (الإسلام) واحداً من أساساتها.
لا يجد المسيحيون العرب أنفسهم في مواجهة مع مفهوم للأمة العربية تحتل فيه رابطة الإسلام موقعاً مركزياً لسبب يعترفون به قبل غيرهم: هو أنهم ينتمون إلى الإسلام ثقافياً وحضارياً فهم (قاوموا الغزوة الصليبية لفلسطين واختاروا الولاء لحضارتهم والإسلام مركز فيها على الولاء لنصرانيتهم التي يقاسمهم العدو إياها، وفعلوا الشيء نفسه في العصر الحديث حيث تصدوا لمقاومة الاحتلال الأجنبي الأوربي لديارهم مع إخوانهم المسلمين، وعلى ذلك فوجود جماعات عربية غير مسلمة في صفوف الأمة لا يضعف من نسيج التكوين القومي أو يقيمه على مقتضى استبعاد جماعات منه.
ونخلص من كل ذلك إلى النتيجتين التاليتين:
1- إن السعي إلى إعادة التلازم بين العروبة والإسلام ليس فعلاً إيديولوجياً قيصرياً يجافي منطق التاريخ والواقع بل إليهما ينتمي وعليهما يبنى.
2- إن هذا التعريف إذ يحتفظ للعروبة داخل الإسلام بشخصيتها الثقافية واللسانية والحضارية المميزة والمستقلة فهو يحتفظ للإسلام بحسبانه ثقافة وحضارة، بمركزيته في بناء الاجتماع العربي على ما في جوفه من عناصر تكوين دينية مختلفة.
أعتقد أن البعث، وكما جاء في أدبيات مؤسسيه ولا سيما ميشيل عفلق، قد رأى في العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة وصل وترابط، ولئن كان تأثر الفكر الماركسي واحتدام التناقضات السياسية والإيديولوجية بين القوميين والإسلاميين، قد قاد لاحقاً إلى ميل إيديولوجية الحزب إلى الفصل بين العروبة والإسلام، فإن القائد التاريخي حافظ الأسد قد أعاد الأمور إلى نصابها كونه كان سباقاً إلى كشف هذا التعسف الإيديولوجي الذي قاد إلى طمس حقيقة الترابط والتلازم يبن العروبة والإسلام، وكان، وحتى وهو يخوض صراعاً سياسياً مريراً مع الإخوان المسلمين حاسماً في التأكيد على هذه الحقيقة.
يقول القائد حافظ الأسد:
- " نحن في الحزب وفي هذا البلد لا يمكن لأحد أن يعتز بعروبته دون أن يعتز بالإسلام.
- لا تعارض بين القومية العربية وبين الإسلام، بل نحن في سورية وفي حزبنا بالذات نعتبر أن الإسلام من أهم تراث قوميتنا العربية، ونحن العرب نعتز اعتزازاً لا حدود له بهذا التراث، سواءً من كان منا ينتمي إلى الإسلام أو من كان ينتمي للمسيحية.
- الإسلام ليس للعرب ولكن العرب للإسلام ، الإسلام جاء للعالم كله، ودور العرب أنهم نقلوا إلى كل بقاع الدنيا هذا الإسلام كما نقله إليهم نبيهم محمد (ص)، ولا يمكن أبداً الفصل بين العروبة والإسلام ".
وعلى ذلك فأنا أرى أن هذا كان من أبرز ملامح التصحيح الذي قام به القائد التاريخي حافظ الأسد على الصعيد الفكري.
وفي هذا الإطار نجد اليوم في كلمات وخطب الرئيس بشار الأسد تأكيداً على عمق التلازم بين العروبة والإسلام، كما يشكل حسماً فكرياً حول هذه المسألة.
أخيراً فإن حقيقة التلازم بين العروبة والإسلام هي إحدى الثوابت الفكرية البعثية التي يجب أن ينطلق منها تطوير فكر الحزب، هذا التطوير الذي لم يعد يحتمل التأخير.