الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
دور الإعلام في تعزيز ثقافة المقاومة
ورقة عمل أ. تحسين حلبي نائب رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين في سورية
رئيس تحرير مجلة إلى الأمام
الأربعاء 26/09/2007 ـ الساعة 11.00
يتفق الجميع على أن العالم لم يعد مجرد قرية صغيرة بعد ثورة الاتصالات الواسعة التي رسخت بنيتها وإنجازاتها في معظم أرجاء هذا العالم وجعلت الإعلام يحقق قفزات نوعية وكمية كثيرة خلال فترة قصيرة من الزمن. فقد أصبح كل رد فرد.. ومن كافة الأجيال يتعرض في كل ساعة وأقل من ساعة لكل ما يحمله الإعلام ووسائله من رسائل شملت كافة أنواع نشاطات الحياة البشرية.
وبالمقابل اتسعت وسائل الإعلام وازداد تنوعها ولم تعد تقتصر على الراديو والتلفزيون والصحيفة والكتاب والنشرة والإعلان المكتوب فقد ظهر الهاتف الجوال وانتشر وكذلك الكومبيوتر المحمول الذي يزداد استخدامه يوماً تلو آخر, ومع هذا التوسع أصبح المرء قادراً في كل لحظة وكل مكان على الإطلاع على ما يرغب ويختار، والإعلام بشكل عام يمكن أن يصبح وسيلة للدعوة للخير والقيم الإنسانية أو وسيلة للشر وترويج وتزيين مظاهره وأعماله، للدفاع عن الحرية والحقوق الوطنية والقومية والوسائل المشروعة لتحقيقها أو لترسيخ الهيمنة والخضوع للاحتلال والإرهاب أيضاً. ولذلك كان من الطبيعي أن يحمل كل فريق في أي صراع بين طرفين أو أكثر وسائله الإعلامية ويحدد أساليبه من أجل التأثير على وعي وعواطف واهتمامات الإنسان ويستخدمها في معاركه الإعلامية أثناء الحرب أو السلم والتنافس..
وفي هذه «المعارك الإعلامية» كما يطلق عليها الكثيرون من السياسيين ورجال الفكر عادة ما يستخدم كل فريق ما يبتكر من مفاهيم وما يعرضه من صور وأنباء واصطلاحات ونصوص واستنتاجات لخدمة أهداف مشروعة كانت أو غير مشروعة، شريرة كانت أو خيره. لكنه من الواضح عبر التاريخ أن الإعلام الذي يستخدم لتحقيق أهداف شريرة أو للدعوة للخضوع لقوى الاحتلال والهيمنة محكوم بالفشل والهزيمة، وهو غالباً لا يتمكن من المحافظة على خطابه أو دعواه إلا لفترة قصيرة، لأنه يناقض المصالح الملموسة للناس والأمم سواء كانت قريبة أو بعيدة المدى. فحركة التاريخ لا يمكن كما يستدل عليها في مجرى هذا التاريخ أن تستمر بالتراجع أو تتوقف عند ظاهرة تحققت بفعل حركة سلبية وظفت إعلامها في ظروف معينة لخدمة أهداف تتناقض مع مصالح وحقوق أمتها. فالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي بقي ظاهرة هامشية محدودة رغم عدد وسائله الإعلامية الكثيرة والمحاولات المستميتة لفرضه على الأمة العربية محلياً وإقليمياً ودولياً. فالخطاب الإعلامي الذي يسعى إلى الترويج لثقافة لا تنسجم مع تطلعات الأمم ومصالحها وحقوقها الوطنية والقومية الطبيعية مصيره الفشل والهزيمة على غرار هزيمة الاستعمار بكل ما نتج عنه من إعلام أراد الترويج لثقافته ودعواه.
وفي عصرنا الراهن يصبح التنافس على احتلال أو تسخير أكبر عدد من وسائل الإعلام نوعاً من العمل على حشد وزج أكبر عدد من العناصر الكمية للقوة المجسدة في الصحف والإذاعات والتلفزة، ورسائل الهاتف الجوال المقروءة والمسموعة إلى شاشات الإعلان في الشوارع والطرق، ويصبح فن الصياغة والإخراج وأسلوب العرض وتوقيته ونشره يحمل صفة نوعية هذا السلاح أو مضمونه..
ومن خلال هذه القوى (أي الوسائل والمضامين الإعلامية كماً ونوعاً) كانت تتواصل المعارك الإعلامية التي انبثقت عن الصراع العربي - الإسرائيلي ومظاهره الإيديولوجية، والسياسية والعسكرية وبكافة اتجاهاتها وأبعادها وساحاتها المحلية والدولية.. ومثلما يترافق وينتج عن كل صراع بين فئتين أو قوتين متناقضتين ومتناحرتين ثقافة، يسعى كل طرف إلى ترويجها فإن أكثر ما يميز الثقافتين هو أن الصهيونية وإسرائيل سعتا إلى إنتاج ثقافة تروج للاستسلام والخضوع والتخلي عن الحقوق، في حين سعت الأمة العربية منذ الغزوة الصهيونية إلى تعزيز ثقافة المقاومة والتصدي للاحتلال ورفض الخضوع والاستسلام والتنازل عن الحقوق..
وغالباً ما تتحدد طبيعة وجوهر المعركة الإعلامية والتحديات التي تفرضها من ناحية سعة وضرورة انتشار خطابها الإعلامي ومضمونه بموجب الأهداف التي يريد الطرف الآخر محتلاً أو غازياً تحقيقها والتهديدات والأخطار التي يحملها على الطرف الآخر. فالمحتل الإسرائيلي في مثالنا على الصراع العربي الإسرائيلي ودور الإعلام في ثقافة المقاومة كان من بين أهم أهدافه منذ الغزو الصهيوني الاستعماري في بداية القرن الماضي: 1-
سلب الأرض وترحيل الشعب الفلسطيني عنها. 2-
إنشاء كيان سياسي لا ينتمي لطبيعة هذه المنطقة. 3-
إزالة تاريخ الشعب الفلسطيني واقتلاع مظاهره الدينية الإسلامية والمسيحية عن الأرض ومستقبلها. 4-
تمزيق وحدة الأمة العربية بشكل خاص ومظاهر تضامنها الإسلامي بشكل عام.
فقد تسببت هذه الأهداف بخلق تحديات «قومية، ودينية، واجتماعية واقتصادية وإنسانية» لدى الطرف الضحية.
ولذلك كان من الطبيعي أن تتميز ثقافة مقاومة هذه الأهداف بخطاب إعلامي يتضمن بالضرورة استخدام الاصطلاحات والمفاهيم والقيم التي تؤدي وتدفع إلى حماية الحقوق والوطنية القومية والدينية والإنسانية.
فقد أنتج هذا الصراع من خلال الأهداف التي حملتها الصهيونية أول حرب يخوضها شعب وأمة من أجل المحافظة على ما لديها من قيم الحياة والوجود والمصير.
كما تولدَّ عنه معركة إعلامية وثقافية توفر استخدام جميع وسائل ومفاهيم ودوافع المقاومة.
ولذلك سيصبح من الطبيعي أن تتصدر ثقافة مقاومة العدوان والاحتلال الإسرائيلي جميع القيم التي عرفتها البشرية ودعت إليها سواء من ناحية إنسانية أو وطنية أو دينية أو اجتماعية واقتصادية.
فلم تحدث في الماضي حروب من أجل أهداف كهذه لا في إفريقيا ولا في آسيا لأن المحتل والمستعمر التقليدي هناك لم يكن ينقل شعباً كاملاً بتاريخه وركائزه الاعتقادية والدينية عن الأرض لكي يحل محلها مجموعات أخرى باسم وعد إلهي تتخفى وراءه أهداف استعمارية استيطانية لكي يحل محلها شعب آخر يفيد صياغة تاريخ تلك الأرض، وبسبب هذا الجوهر الذي تحمله الغزوة الصهيونية وما ينسجم معها من خطاب إعلامي كان من البديهي أن يتعزز في ثقافة المقاومة ودوافع وأسباب المقاومة خطاب إعلامي يحمل في نصوصه وصياغته المعاني والقيم الدينية والوطنية والإنسانية التي تحض على المقاومة بأرقى وأوسع الالتزامات والدعوات والالتزام.
وقد وجد الإعلام العربي سواء في حرب تموز (2006) أو في معظم أشكال التصدي للعدوان الإسرائيلي في البنية الثقافية التي تنقلها الأسرة العربية لأفرادها والتي تشمل القيم الدينية والقومية والوطنية خير معين يقدم للخطاب الإعلامي القائم على ثقافة المقاومة قاعدة أولى وأساسية في التأثير على عقل وعاطفة أفراد هذه الأمة وحشد التأثير المطلوب في مجابهة الإعلام المعادي.
فالإعلام العربي كان ينبغي أن يشكل غالباً الكفة الراجحة من الناحية النوعية في ميزان القوى المتعلق بموضوع الإرث الثقافي للصمود والمقاومة بين العرب والإسرائيليين.
وفي الجهة المقابلة لم يكن الإعلام الإسرائيلي قادراً على امتلاك هذه الخاصية النوعية البارزة لثقافة المقاومة في الإعلام العربي وذلك للأسباب التالية: 1-
إن جزءاً مهماً من المجتمع الصهيوني تشكل من مجموعات يهودية علمانية هاجر معظمها طوعاً في العقود الثلاثة الأخيرة لأسباب نفعية اقتصادية من دول كانوا يتمتعون فيها بمواطنية لم يتخلوا عنها ولا عما تمثله من حقوق وهذا ما يجعل الإسرائيلي أكثر قابلية لعدم التحمل ولعدم الصمود بسبب وجود بدائل لنفس الدوافع التي حركته للهجرة طالما أنه لم يرتبط بالكيان إلا لأسباب نفعية اقتصادية في غالبها.. 2-
إن جزءاً ثان من المجتمع تشكل من المتدينين اليهود السلفيين الذين يعتبرون حماية روح اليهودي أقدس المقدسات حتى لو اضطر إلى مخالفة معتقداته أو شريعته نفسها لأنها تبرر كل وسيلة توفر حماية روح اليهودي بموجب فتاوى وشرائع الحاخامين، ولذلك يكون حريصاً على عدم التضحية مهما كان مبررها. 3-
إن الجزء الآخر من المجتمع الصهيوني وهو اليمين الديني المتشدد الذي يحمل دوافع التحدي وثقافة الصهيونية المتشددة لا تشكل نسبة تأثيره دوراً كبيراً لبث نفس التحدي داخل صفوف بقية أفراد المجتمع الصهيوني.
وهذا ما ظهر واضحاً عند إخلاء مستوطني قطاع غزة ورفض بقية قطاعات الجمهور الإسرائيلي التضامن مع حرب المستوطنين ضد الحكومة للبقاء في مستوطنات غزة عام 2005. 4-
إن الاعتماد شبه الكلي على دعم ومساندة الولايات المتحدة لإسرائيل وحماية وجودها ومصالحها يشكل أحد أهم مرتكزات سياسة وإيديولوجية التحدي الإسرائيلي عند القيادة الإسرائيلية ومعظم الجمهور الإسرائيلي في الوقت نفسه.
وهذا العامل الخارجي معرض لسياسة توازنات ومصالح لا توفر أحياناً تطابقاً مع سياسة وإيديولوجيه مجابهة التحديات التي يُواجهها المجتمع الإسرائيلي سياسياً وعسكرياً، فيتعرض هذا العامل للاهتزاز وعدم الثبات، لكن وجود هذا الاختلاف النوعي بين الدور المتفوق للتراث في ثقافة المقاومة العربية، وبين طبيعة ثقافة العدو والتحدي الصهيوني في إسرائيل ورجوح كفة تراث ثقافة المقاومة سيحتاج إلى الوسائل الإعلامية المناسبة لتفعيل دوره وتوظيفه في معركة المقاومة والتحرير، فالإعلام يشكل أوسع نشاط إنساني إبداعي لتعميم هذه الثقافة والمساهمة في تعزيز المصداقية والإيمان بتحقيق أهداف المقاومة.
وإذا ما تناولنا حرب تموز عام 2006 العدوانية ضد قوات حزب الله من ناحية الصراع والتنافس الإعلامي كمثال على المجابهة بين ثقافتين مختلفتين في المعركة الإعلامية التي خاضتها وسائل إعلام الطرفين: المقاومة, وقوات العدوان والاحتلال فسوف نجد أن إعلام المقاومة هو الذي تغلب وألحق الهزيمة بإعلام العدوان والاستسلام بسبب عدد من الركائز الأساسية التي استند إليها إعلام ثقافة المقاومة وجسدها قبل وبعد حرب تموز 2006 وأهمها: 1.
المصداقية المطلوبة بين قيادة المقاومة والمقاتلين والجمهور وهذه المصداقية لا يمكن للإعلام التعبير عنها أو إبرازها أو توظيفها في أي معركة، إعلامية إلا حين تكون قد تراكمت مظاهرها ومؤشراتها على الأرض قبل فتره وولدت نوعاً من مشاعر الثقة المتبادلة بين القيادة والجمهور.
ولقد شكلت المقاومة اللبنانية التي مارسها حزب الله على الأرض منذ ما يزيد على عشرين عاماً بشكل متواصل ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان تراكماً في عناصر الثقة بالقيادة سنة تلو الأخرى وازدادت مشاعر هذه الثقة عندما تمكنت المقاومة بدعم سوري من تحرير الجنوب دون قيد أو شرط عام 2000.
وعكست هذه المصداقية نفسها بشكل مضاعف وبارز أثناء حرب تموز التي كانت أشرس حرب عدوانية مكثفة تشنها إسرائيل على قوات حزب الله في أضيق منطقة وفي ظل ظروف مختلفة عن ظروف وجود الجيش السوري التي سادت قبل عام 2005.
ويستدل على قيمة هذه المصداقية من الأهمية الكبيرة التي تعزوها قوى العدوان لزعزعة الثقة بين قيادة المقاومة والمقاتلين والجمهور..
ففي مجرى الحرب النفسية والإعلامية التي كانت إسرائيل تشنها عادة ما يبدأ خبراء الحرب الإعلامية بتسخير وسائل إعلام المباشرة وغير المباشرة الإسرائيلية والمتواطئة لتحقيق هذه الزعزعة, وبهذا الصدد يقول البروفيسور (رؤبين آرليخ) الخبير الإسرائيلي في الحرب الإعلامية في تسجيل قدمه أمام لجنة إعلامية في الكنيست في كانون الثاني 2007 أن منشورات إسرائيلية أسقطت فوق قرى تدعوا المقاتلين والجمهور إلى الهروب من القرى والمدن ضمن حملة لزعزعة الثقة بقيادة حزب الله دون أن تتمكن من تحقيق هذه الغاية.
وإذا كانت المصداقية تشكل نوعاً من الجبهة الحصينة أمام تسلل ثقافة وإعلام الاستسلام والخضوع لقوى العدوان فهي تشكل في الوقت نفسه جبهة حرب إعلامية يجري استخدامها ضد جبهة العدو الخلفية أو القتالية خصوصاً في عصر أصبح فيه الجندي الإسرائيلي يحمل هاتفه الجوال في كل مواصفاته التقنية وفي الاتصالات إلى أرض المعركة ويستخدمه للاطمئنان على حياته وحياة أسرته في الجبهة الخلفية.
وقد أحسنت قيادة المقاومة توجيه هذا الدور الخاص للمصداقية نحو جبهة العدو القتالية والخلفية معاً وحققت من خلالها زعزعة حقيقته بالثقة بين القيادة العسكرية الإسرائيلية والرأي العام الإسرائيلي من جهة وبين القيادة السياسية والرأي العام الإسرائيلي في الجبهة الخلفية من الجهة الأخرى.
ولعل أسطع مثال على هذه القيمة التي جسدتها «المصداقية» هو الدور المباشر السياسي الإعلامي الذي قام به السيد حسن نصر الله في الأيام الأولى للحرب وللمعركة الإعلامية.
فقد ولدت رسائله الإعلامية فيما يتعلق ببعض العمليات والقصف في صفوف القيادة الإسرائيلية اضطراباً وارتباكاً بلغ حداً لم تستطع وسائل الإعلام الإسرائيلية إخفاءه أو التستر عليه وهذا ما يعترف به آرليخ حين يقول بنفس الجلسة:" كان الخطاب الإعلامي الإسرائيلي ورسائله ومعلوماته يحمل تناقضاً أثناء تلك الحرب ووجدنا أننا نواجه قناة المنار وبعض القنوات الفضائية العربية المعادية الأخرى التي بدأ قسم من الجمهور الإسرائيلي يتابعها لمعرفة ما يجري للاطمئنان على حياته ".
ولذلك كان من الطبيعي أن تقصف إسرائيل مقر قناة المنار وإذاعة النور بعد أن بلغ دورهما المؤثر حدوداً تجاوزت لبنان لتصل إلى الرأي العام الإسرائيلي داخل إسرائيل.
وكان دور الصورة والبرنامج المباشر (لايف) يعزز الإيمان بالمقاومة وثقافتها على أكثر من شاشة وبفضل عشرات المراسلين ويقدم خدمة للقيمة التي تحملها المصداقية. ولذلك يؤكد (مارفين كالب) من جامعة هارفار الأمريكية في دراسة نشرها في شباط 2007 بأن حرب تموز 2006 كانت تمثل المشاهد الحية لأول حرب حيّة (لايف) في التاريخ)) ولعل هذا تماماً ما أحسنت تقديره وسائل الإعلام التي انحازت إلى ثقافة المقاومة وبدأت تبث على مدار (24) ساعة رسائلها وبرامجها الإعلامية حيّة لتنشر تأثيرات خطابها الإعلامي في أوسع الاتجاهات المطلوبة وخصوصاً إلى جبهة المعركة الإعلامية المعادية والعمل على الانتصار عليها..
وبهذا الصدد يعترف (ناحمان شاي) ناطق عسكري إسرائيلي سابق وأحد أهم خبراء الحرب الإعلامية الآن قائلاً: لقد انتقلت المعركة إلى الساحة الإعلامية بشكل لم يحدث سابقاً وبدأ كل طرف يسعى إلى تحقيق انتصاره الإعلامي وإقناع جمهوره بأنه الطرف المنتصر.
ويتابع شاي: ((كنا نحن في إسرائيل نعي جيداً أننا لا يمكن أن نسمح بخسارة أي معركة إعلامية ولا يمكن أن نسمح لأحد بمنافستنا على كسب وعي ورأي ومشاعر جمهورنا، فأهمية الحرب الإعلامية كانت بنفس قدر أهمية الحرب التي تجري في ميدان القتال بيننا وبين الأعداء..)) ويحدد شاي الهدف الذي يريد من الإعلام الإسرائيلي تحقيقه وهو (ردع العدو عن الاستمرار بالمقاومة عن طريق زرع الإحساس بالخوف داخله).
وفي عدوان تموز 2006 لم يتحقق هذا الردع لا بواسطة الحرب الإعلامية الإسرائيلية ولا بواسطة الدمار الذي حمله العدوان على جزء كبير من الجمهور اللبناني رغم تفوق إسرائيل الكمي من ناحية عدد وسائل الإعلام التي سخرتها لخدمة ثقافة الاستسلام والخضوع.
ففي المعركة الإعلامية التي شهدها عدوان تموز 2006 تمكنت النوعية رغم قلة عدد وسائلها الإعلامية من التغلب على الكم الهائل الذي سخر نفسه وسخرته إسرائيل لخدمة ثقافة التشكيك بالمقاومة وثقافة الخضوع للعدوان.
وبهذه الطريقة تمكن مرتكز المصداقية التي جسدتها قيادة المقاومة من النجاح في امتحان كان أصعب من أي امتحان آخر تعرضت له أي قيادة مقاومة في تاريخ المنطقة.
2. والمرتكز الثاني هو الإيمان بالنصر والصمود:
على الرغم من حجم القوة الإسرائيلية الكبير وتاريخها الوحشي في الدمار والإرهاب تجلت في عدوان تموز 2006 مشاعر الإيمان بإمكانية الانتصار على العدوان عن طريق رده وصده بشكل واضح ما أجبر القيادة الإسرائيلية إلى وقف النار متخلية عن الأهداف المعلنة لعدوانها.
وفي هذا الجانب المهم في المعركة الإعلامية تبين أن الإعلام المنحاز إلى الدفاع عن المقاومة كان مطالباً بالقيام بدور مهم لتحويل الشعور النظري بالإيمان بالنصر ورد العدوان لدى المقاتلين وأوسع الجماهير إلى شعور ملموس يتعزز يومياً من خلال الرسالة الإعلامية التي تعرض ما يمكن لوسائل المقاومة المسلحة من إنجازه وتحقيقه على أرض المعركة في ميدان القتال وفي داخل جبهة الرأي العام الإسرائيلي الخلفية.
وكان من الواضح أن إعلام المقاومة أدرك أهمية وحساسية العلاقة بين جنود العدو في جبهة الجنوب وعائلاتهم في الجبهة الخلفية أو بين العائلات والجنود, وإمكانية توظيفها في المعركة الإعلامية, ولذلك كرس إعلام المقاومة أهمية قصوى لعرض الصورة الحية عند تساقط الصورايخ فوق مدن وقرى شمال إسرائيل وتعميمها وكان من خلال ذلك يحقق غايتين: الأولى زيادة مشاعر الإيمان الملموس برد العدوان عند مقاتليه وجمهوره، والثانية زيادة زعزعة ثقة الجنود والرأي العام الإسرائيلي بانتصار العدوان. فقد كان الجنود في الجبهة يشعرون بالقلق من عدم إنجازهم للأهداف المطلوبة أمام استمرار القصف فوق المستوطنات الإسرائيلية وتعريض المستوطنين للخطر أو الهروب ناهيك عن أنهم لم يتمكنوا رغم وجودهم في الجنوب من إيقاف انطلاق صواريخ المقاومة..
فقصة البارجة الحربية الإسرائيلية التي أصيبت بالصورايخ وقصة قصف حيفا وما بعد حيفا وتداول الأنباء والرسائل الإعلامية عن عجز إسرائيل خلال 33 يوماً عن إيقاف القصف ومقتل عشرات الجنود بشكل يومي ونقل آلاف الجرحى إلى المستشفيات الإسرائيلية، جعل إعلام المقاومة يثبت حالة ملموسة تجسد لدى الجمهور والمقاتلين زيادة في مشاعر الإيمان برد العدوان فترفع من درجة معنوياتهم بشكل متواصل وتزرع بالمقابل زعزعة في إيمان الرأي العام لدى العدو بإمكانية توقف الصورايخ أو هزيمة المقاومة مثلما تزعزع ثقة القيادة العسكرية وجنودها بالإيمان بتحقيق النصر الحاسم أو الجزئي على المقاومة..
فالصورة الحية التي اعتمدتها وسائل إعلام المقاومة كانت بحد ذاتها حتى لو عرضت في أقل من دقيقة تحمل رسالة تقنع العقل وتحرك مشاعر الإيمان بإمكانية صد العدوان وتكبيد إسرائيل خسائر تحمل لها الخوف من استمرار العدوان والاقتناع بعدم جدوى الاستمرار.
ولذلك أجبر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في 20/6/2007 على توجيه خطاب بالعبرية نشره موقع صحيفة يديعوت أحرونوت جاء فيه:
" أيها الجنود إن ما يجري يشكل امتحاناً كبيراً لنا، لأن قوتنا ومعنوياتنا هي التي ستؤثر على قدرة تحمل الجمهور للأخطار، فإيمان الجمهور بالجيش وقدرته هو الذي يعزز قوة الجيش"، بهذه العبارات أشار (دان حالوتس) رئيس الأركان إلى حالة التدهور في مدى إيمان الجيش بتحقيق النصر وأثره على إيمان الجمهور بقدرة الجيش وما يحمله ذلك من أخطار على الجانبين. وعلى الجبهة الإعلامية اعترف البروفيسور آرليخ في مداخلته حول التحقيق بأسباب الفشل الإعلامي الإسرائيلي في حرب تموز 2006 أمام لجنة الإعلام الفرعية للكنيست قائلاً:
كان حزب الله يعزو أهمية كبيرة للمعركة على كسب وعي وتأييد الجمهور وتمكن من خلال ميزانياته إنشاء قناة المنار وراديو ومواقع انترنت بثمانية لغات وصحف ودور نشر وكتب ولديه أنظمة جيدة لاستخدام وسائل النشر المرئية (المواد التي يصورها بالفيديو) وطاقم تصوير ميداني لإعداد وسائل الإقناع وكسب التأييد.
واستخدم حزب الله في إعلامه أيضاً وسائل أخرى مثل قنوات فضائية أخرى كانت تتحدث عن أدائه وما يقوم به... وحقق حزب الله عدداً من النجاحات في حرب لبنان الثانية هذه وهنا أريد أن أقول من وجهة نظري أن أبرز نجاحاته هي على شاشات التلفزة الإسرائيلية وفي العالم العربي والغربي كانت المقابلات العلنية مع حسن نصر الله التي تبثها المنار وتحمل تأثيرات مهمة جذبت إليها الرأي العام الإسرائيلي والعربي للأسف. وكان يرافقها عرض أنباء دقيقة وصحيحة حول بعض مجريات المعركة وكانت المنار تبثها أولاً بأول ونجح بشن حرب نفسية ودعائية مؤثرة على الجبهة الخلفية كانت ترافق نشرة أنباء المنار، كما نجح حزب الله باستخدام هذه القناة والمحافظة على استمرار بثها رغم تعرضها لغارات من سلاح الجو الإسرائيلي، وهذا النجاح سبقه إعداد جيل قبل الحرب من قبل حزب الله..
وتمكن حزب الله من إبطال شرعية ما كان يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات عسكرية خلال نقله لصور وأنباء تدل على أن عمليات الجيش الإسرائيلي كانت تجري ضد المدنيين الأبرياء اللبنانيين وكان حزب الله يوجهها للرأي العام الغربي.
وما حدث هنا هو أنه كان يقاتل ضد الإسرائيليين ويقصف الشمال ونجح في الوقت نفسه في تحويل قتالنا ضده إلى حرب ضد المدنيين الأبرياء.
كما نجح حزب الله في نهاية الحرب وبشكل كبير وليس تام تماماًَ بتصوير نتيجة الحرب انتصاراً إلهياً له أما الجانب الإسرائيلي فقد اضطر إلى مواجهة عدد من الصعاب تجاه كسب وعي وتأييد جمهوره وبعضها مشاكل أساسية يومية كان من أهم هذه المشاكل: غياب التوجيه والصورة العامة الموحدة والصحيحة في معركة كسب مصداقية الجمهور إعلامياً.. فقد تعدد المسؤولون الذين أطلقوا تصريحات وبشكل يفتقر للتنسيق والتوجيه الموحد وهذا ما كان يحدث مقابل صورة موحدة وإعلام موحد من حزب الله.)).
ولا شك أن الإعلام مطالب بالقيام بدور بالغ الأهمية في عرض الإنجازات التي تحققها المقاومة على أرض المعركة الميدانية العسكرية لأن تحقيق إنجازات كهذه دون تحويلها إلى صورة ورسالة واقعية عبر وسائل الإعلام من شأنه تقديم فائدة للعدو وحرمان جمهور المقاومة والمقاتلين من رؤية هذا الإنجاز والإحساس به أو إجبار العدو على الاعتراف به. وكانت المقاومة قد بدأت ترسل مع منفذي العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال مراسلاً إعلامياً يصور بداية العملية والانفجار والخسائر في صفوف العدو وآلياته منذ فترة ليست طويلة وتمكنت من خلال هذا الدور للصورة من تعزيز مشاعر الإيمان بما يمكن للمقاومة من انجازه ضد العدو واستغل إعلام المقاومة في المعركة الإعلامية في حرب تموز هذه الظاهرة بأوسع أشكالها ومظاهرها إلى حد جعل العدو نفسه يعترف بآثارها السلبية على قواته وجمهوره.
ففي كل حرب يحاول كل طرف إخفاء خسائره أو التقليل من شأنها لكي يحافظ على معنويات جنوده من جهة ويحرم الطرف الآخر من الشعور بالإنجاز الذي تحقق عن طريق منع الحديث عن هذا الإنجاز أو الإقرار به..
وبهذا الصدد يقول (شالوم كيتال) مدير عام محطة القناة الفضائية الإسرائيلية العبرية الثانية: " إننا نعيش في عهد السماء المفتوحة التي تكثفت فيها وسائل الإعلام المتنوعة، ولذلك لا يمكن لأي هيئة إعلامية إسرائيلية أن تحدد للجمهور ما ترغب به ".
لكنه رغم ذلك أضاف: " أريد الآن تسليط الضوء على ما قامت به وسائل الإعلام أثناء الحرب من ناحية إعداد التقارير، والتعليق، والانتقاد، ومن ناحية مدى محافظتها على معنوية الرأي العام الإسرائيلي وتعزيزها وهي أكثر المشاكل التي واجهتها.
فمن ناحية إعداد وعرض التقارير أرى أن الضرورة تدعو إلى عرض تقرير شامل بقدر الإمكان إلى جانب الحرص على عدم تجاوز قيود الرقابة، فثمة رقابة عسكرية ونحن جميعاً وقعنا على اتفاق باحترامها والالتزام بها.. ومع ذلك حصلت خروقات لهذه الرقابة أثناء الحرب في معظم حالات البث الحي المباشر وما كان ينبغي أن يتم خرق كهذا. فالقناة الثانية التي أديرها بثت (350) ساعة أخبار وريبورتاجات عن الحرب خلال الأسابيع الخمسة للحرب، وكذلك كان عدد ساعات القناة (1) والقناة (10) وهذا يعني وجود (1000) ساعة بث معظمها كان حياً ومباشراً وظهرت فيه خروقات غير مقصودة لقيود الرقابة بسبب الإسراع في البث الحي ولأن حزب الله كان يسبقنا في الرسالة التي يقدمها.
فالبث المباشر وضرورته لم تسمح في النهاية بالتزام بكافة قواعد وقيود الرقابة لأن قنوات عربية أخرى ستنافسنا في عرض صور عن الأحداث ".
وعلى الرغم من العدد الكبير نسبياً لوسائل الإعلام التي تتبنى أو تنحاز لثقافة الخضوع والاستسلام إلا أن العدد القليل لوسائل الإعلام التي تدافع عن ثقافة المقاومة وتنحاز إليها هو الذي يحقق النجاح على أكثر من جهة وفي أكثر من مهمة وهذا في واقع الأمر ما يثبته تبني وانحياز وسائل إعلام قوى الممانعة العربية والإسلامية في منطقة الشرق الأوسط لثقافة المقاومة والدور الذي تقوم به في مجابهة عدد متزايد من وسائل إعلام تنطق بالعربية شكلاً لنقل الأفكار والدعاوى الهادفة إلى الاستسلام والخضوع مضموناً.
ولابد من التنويه هنا إلى أن ثقافة المقاومة التي تبنتها سورية قيادة وشعباً ودافعت عنها وواجهت من خلالها حملات إعلامية معادية إقليمية ودولية هي التي تفرض سيادتها على لغة الخطاب الإعلامي العربي والدولي شكلاً ومضموناً. ولاشك أن هذا الدور المألوف الذي تتصدره سورية بقيادة الرئيس بشار الأسد يؤكد أيضاً أن السلاح النوعي الذي يشكله إعلام يتبنى ثقافة المقاومة قادر على إلحاق الهزيمة بأدوات ووسائل الإعلام التي تروج لثقافة الهزيمة والاستسلام رغم عددها الهائل في ساحة المنطقة.

 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية