السادة والسيدات المحترمين: أنا سعيد بأني أتيحت لي الفرصة لأتحدث إليكم عن مسائل السياسة الخارجية التشيكية، المستشارية حضروا لي مداخلة مطولة، لكني باعتبار لا أحب أن أقرأ سأترك المحاضرة المكتوبة للسادة الذين استضافونا لكي يطلعوا عليها ويستفيدوا منها، سأقوم بالحديث من الملاحظات التي دونتها، أرجو أن تأخذوا بالاعتبار أنه يمكن من خلال حديثي في العشرين دقيقة أن أعرض بشكل كبير مختلف جوانب المسائل المطروحة، ويمكن أن نتطرق إلى كل آفاق السياسة الخارجية التشيكية كما نراها من وجهة نظرنا كحزب ديمقراطي اجتماعي، خاصة في البعد الأوربي.
سنتطرق نحن رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي في الجمهورية التشيكية وهذا الحزب هو أقدم حزب سياسي في الجمهورية التشيكية، وواحد من أقدم الأحزاب السياسية الأوربية، وبعد شهر سنحتفل بالذكرى المئة والثلاثين لتأسيسه.
كنا خلال الأعوام 1998 وحتى 2006 الحزب الحاكم، وخلال هذه السنوات نجحنا في تغيير وجهة نظر جمهورية التشيك، بعد التراجع الاقتصادي لعامي 2007-2008، بعد تراجع النمو الاقتصادي استلم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحكم، وحكمنا ثمانية أعوام، نجحنا خلالها في تسريع النمو الاقتصادي، وخلال السنوات الأخيرة ازدادت نسبة النمو الاقتصادي عن 6%، وهذا نجاح ممتاز بالنسبة لاقتصاد بلدنا، فازدادت القوة الحقيقية لراتب ودخل المواطن بحدود 43%، هذا يعني ارتفاع مستوى المعيشة للمواطنين بنسبة 50%، وهذا شيء غير مسبوق في تاريخ شعبنا.
أريد أن أؤكد في هذه اللحظات لا يوجد هناك مشكلة اقتصادية خارجية فيما يتعلق باقتصادنا، نحن خارج الحكم منذ سنة ونصف، ولكن التطور من خلال عام 2007 كان وفق معطيات الاتجاه الاقتصادي الذي رسمناه خلال حكمنا، أنا أردت أن أشير إلى هذا الشيء لأعرض صبغة وطبيعة حزبنا، لأنه من خلالها سيتم تحديد الإطار الذي سنتحدث فيه عن وجهة نظرنا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
الحزب الديمقراطي الاجتماعي التشيكي هو حزب ذو طبيعة اشتراكية، وهو جزء من الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوربية، وهذا يعني أنه جزء من الحركة السياسية الثانية الأقوى في أوربا، ويمكن القول إنه نتيجة تلاحم الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوربية، هذا التلاحم الأكثر والأعمق من التلاحم الموجود في الحركة الشعبية الأوربية، وهناك العديد من التوجهات السياسية الأوربية يتم اختيارها وفق رؤية وبرنامج الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوربية، سأحاول أن أحدد أو أوصف السياسة الخارجية التشيكية كجزء من هذه العملية، نحن أصبحنا جزءاً من الاتحاد الأوربي منذ عام 2004، وطبعاً استبق هذا الشيء سنوات من التحضير، وأصبحت الجمهورية التشيكية عضواً في الناتو عام 1999، هذا يعني أن سياستنا الخارجية ترتكز على الانتماء إلى الاتحاد الأوربي وعلى علاقة وطيدة مع حلف الأطلسي، طبعاً خارج التنسيق داخل الاتحاد الأوربي، وتعتمد أيضاً على التنسيقات في إطار الاتحاد الأوربي وعلى التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بشكل متوازن.
نحن نختلف مع المحور الثاني في بعض الأمور، بات الحزب الديمقراطي الاجتماعي يركز بشكل أكبر على العلاقة أو الرابط الأوربي، الائتلاف اليميني الحاكم الآن في بلدنا على العكس منا، يميل بشكل أكثر وأوضح إلى الرابط الأمريكي، لا أريد أن أسهل أو أبسط الأمور، ولكن بشكل أساسي هذا هو محور السياسة الخارجية التشيكية، هذا يعني الرابط مع الاتحاد الأوربي ورابط حلف الأطلسي، نحن الديمقراطيون الاجتماعيون التشيكيون نقول: مصالح الاتحاد الأوربي ومصالح الجمهورية التشيكية لا تنتهي عند حدود الاتحاد الأوربي، أو عند جبال الألب، فالعالم واسع، توجهاتنا المتعلقة بالأولويات الأخرى التي تحدثت عنها هي التعاون مع التجمعات الإقليمية الأخرى، التي تهدف إلى إنشاء علاقات صداقة مع التجمعات الأخرى، قبل كل شيء إقامة علاقات اقتصادية وتجارية، سواء فيما يتعلق بروسيا والصين، والهند، واليابان، والبرازيل والمكسيك، وجنوب إفريقيا، علاقات وثيقة جداً لها مع الجمهورية التشيكية، بفهمنا للتقصيرات الموجودة لجنوب شرق أوربا، إن هذه المنطقة كانت دائماً منطقة مصالح وطنية تشيكية، رجال الأعمال التشيك دائماً يبحثون عن مصالحهم في منطقة البلقان وفي شرق أوربا، تحدثت عن روسيا، والآن أريد أن أشير أيضاً إلى أوكرانيا.
رجال الأعمال التشيك فيما يتعلق بمنطقة البلقان ليسوا محافظين، أو متخوفين أو قلّ انفتاحهم كرجال الأعمال الإيطاليين أو النمساويين، الذين يعتبرون منطقة البلقان بشكل رئيسي منطقة غير مستقرة، ولكن الاقتصاد التشيكي رغم أنه ليس بقوة اقتصاد الدول التي يشكلها سواء الألماني أو الإيطالي أو النمساوي، ولكن رجال الأعمال نجحوا في الاستثمار بمبلغ كبير من الموارد المالية في دول البلقان، مثلاً، بلغاريا، لدينا استثمارات مباشرة في بلغاريا بحوالي 700 مليون يورو، وثلثي هذه الاستثمارات هي استثمارات لمؤسسات صغيرة ومتوسطة.
أريد أن أشير أن مجمل الاستثمارات المباشرة اليابانية مثلاً في الجمهورية التشيكية هي 900 مليون يورو، فإذا أخذنا قوة الاقتصاد الياباني وفرنسا مقارنة مع الاقتصاد التشيكي، فيمكن أن نجري مقارنة لحجم المصالح التشيكية في منطقة البلقان، الاقتصاد التشيكي نما بأرقام مضاعفة خلال الفترة الماضية، والصادرات التشيكية نمت أيضاً وليس فقط الصناعة، حالياً ثلثي المنتجات التشيكية، تستحوذ عليها دول الاتحاد الأوربي.
بالطبع نحن نبحث عن أسواق أخرى ونبحث عن أماكن أخرى للاستثمار، فمن الطبيعي أن مناطق المصالح الحيوية التشيكية تخرج خارج نطاق حدود الاتحاد الأوربي إلى منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط أيضاً، الجمهورية التشيكية، في فترات الحكم السابق قبل عام 1989 كان لها علاقات قوية مع العديد من الدول في هذه المنطقة، مع مصر وسورية والجزائر، ومع تونس إلى حدود معينة، كنا نصدّر تجهيزات متكاملة، والخبراء والأطباء التشيك عملوا في هذه المنطقة، وأعتقد أن هذا التعاون كان تعاوناً جيداً، ومن المؤكد أن هذا التعاون هو ما يمكن البناء عليه للمستقبل.
من الطبيعي كبلد من دول الاتحاد الأوربي، لدى جمهورية التشيك وضع يساعدها، وهي بخلاف الدول التي ليست جزءاً من هذا الجسم الاقتصادي الكبير، هذه القوى الاقتصادية الكبيرة، لا يمكن الآن النظر فقط إلى الجمهورية التشيكية فيما يتعلق بإقامة علاقات تجارية، ولكن يُنظر من خلالها إلى الاتحاد الأوربي بشكل متكامل، وهذا يعني أنه ينظر إليها كجزء من السوق لـ 400 مليون نسمة، ومن المفيد الإشارة إلى أن دول الاتحاد الأوربي هي المنطقة التي ينتج فيها 30% من الاقتصاد العالمي.
نحن نريد أن نحافظ على علاقات جيدة جداً مع دول العالم العربي، ومع إسرائيل، فيما يتعلق بهذه المنطقة، أنا كرئيس للحكومة التشيكية زرت مصر والمغرب، وأنا سعيد بأنه أتيحت لي الفرصة أن أزور بلدكم سورية، والذي اعتبره البلد المفتاحي فيما يتعلق بالسلام المستقبلي، جميعاً نتفهم النزاعات والحروب وعصر الحرب الباردة في أي صيغة كانت، ليس هو الشيء الذي تكتب له الاستمرارية.
الاتحاد الأوربي وجمهورية التشيك لديهم مصلحة بإحلال السلام في هذه المنطقة، ومن الواضح أن دوافع السياسة الأوربية تنطلق من وجهة النظر هذه، والجمهورية التشيكية ستساعد في هذا الإطار، وليس من الممكن إلا أن نلاحظ أنه هناك بعض الانحرافات في آراء بعض السياسيين التشيك فيما يتعلق (أقصد بعض السياسيين التشيك من الأحزاب السياسية الرئيسة في بلدنا)، الأحزاب السياسية الرئيسة وهما الحزبان الرئيسيان، وعندما يتواجدون في الحكومة، يحددون مسار السياسة الخارجية التشيكية.
نحن كحزب ديمقراطي اجتماعي نؤكد ضرورة المحافظة على علاقات متوازنة مع الطرفين في البلدان العربية وإسرائيل، الحزب الرئيسي الآخر في مجتمعنا يؤكد فقط على علاقات أحادية مع إسرائيل، وعندما يتعلق الأمر بالاتحاد الأوربي، محاولة إقامة سياسة متوازنة تجاه الدول في المنطقة، محاولة كبيرة من جانب دول الاتحاد الأوربي، وحتى فيما يتعلق بمسألة الحوار مع سورية، يوجد تعديلات كبيرة في السياسة الأوربية في الفترة الماضية.
سأعود مجدداً إلى أوربا وإلى بلدي، نحن نسعى لإقامة سياسة خارجية في منطق ما نقوم به، في روح السياسة الخارجية التشيكية التي نمارسها مع البلدان المجاورة مباشرة جغرافياً في بلدنا، نحن نسعى لإقامة علاقات حسن جوار، عندما انتهيت أنا كرئيس حكومة في بلدي كنا قادرين على أن نعلن أنه لم يكن لدينا أي مشكلة خلافية مع جوارنا، وهذا الشيء حصل للمرة الأولى في تاريخ الشعب التشيكي، والحكومة التشيكية الحالية تسعى إلى سياسة مشابهة في هذا المجال، سياسة حسن الجوار، رغم ذلك شهدنا بعض البرود في العلاقات تجاه بلد جار لنا وهو النمسا.
إذا أردت أن أصف الحكومة التشيكية الحالية فأنا أقول إن هذه الحكومة حالياً موصّفة في أوربا من ضمن الطيف المتشائم الأوربي، وهذا يتناقض قليلاً مع الاتجاه السياسي الرئيسي الموجود في أوربا.
نحن كديمقراطيين اجتماعيين سعينا كما يسعى التوجه السياسي الرئيسي الأوربي، هذا يعني صياغة سياسة أوربية مشتركة موحدة، لذلك نحن نسعى إلى إقرار اتفاقية لشبونة كوثيقة أوربية، هذه الاتفاقية تسعى إلى تحديد العلاقات بين بلدان الاتحاد الأوربي، وبين مركز الاتحاد الأوربي في بروكسل، وتنظم العلاقات بين دول الاتحاد الأوربي.
فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوربي، نستطيع أن نقول إننا نسير بطريق جيد لصياغة سياسة أوربية موحدة، ولكن هذا لا يعني أن يتم إيجاد سياسة حديدية موحدة، هذا شيء غير ممكن، ونحن نتفهم ذلك، الاتحاد الأوربي يضم 27 دولة، وهذه البلدان تختلف تقاليدها بعضها عن بعض، ولديها علاقات مختلفة مع دول أخرى في العالم، مثلاً فرنسا لديها علاقات تختلف مع هذه المنطقة، عن علاقات الدول الأوربية التي تقع داخل القارة الأوربية، ولكن نحن نسعى لأن تتعامل المؤسسات الأوربية وتطرح نفسها بثقة أكبر بالنفس وبنشاط أكبر، وأن تساهم في حل النزاعات وخاصة النزاعات الحالية في العالم، وألا تقوم بدور الشرطي الذي يحمل العصا ويسير في العالم، ولكن بقوة الأفكار وبالمساعدات الإنمائية.
أريد أن أقول إن الجمهورية التشيكية من الدول الجديدة في الاتحاد الأوربي، هي من أكثر الدول التي تقدم المساعدات الإنمائية، وأعتقد أن هذا شيء صحيح، وإذا عاد حزبي إلى الحكم مجدداً فسوف نساعد على الاستمرار في سياسة المساعدات وسنقوم برفعها، كما أعتقد أننا نحن نتحمّل جزءاً من المسؤولية تجاه العالم، على الأقل في إطار الإمكانيات الاقتصادية المتوفرة لدينا، وهي ليست كبيرة ولكنها جيدة، نحن لنا مصلحة في التجارة والاستثمار، لأننا نعتقد بأن المناطق التي تزدهر فيها التجارة والاستثمار لا تجري فيها الحروب، هذه المناطق يكون فيها مستوى معاشي جيد للمواطنين، إلى جانب ذلك نحن نهتم بالتعاون الثقافي والتبادل الثقافي، وأعتقد أنه بعد فترة ليست بعيدة ستزور سورية فرقة الأوركسترا التشيكية، وهذه الفرقة هي من أشهر الفرق العالمية، وأعتقد فيما يتعلق بالجوانب الموسيقية فإن الجمهورية التشيكية هي من القوى العظمى في هذا الجانب، ومن المؤكد أن يستمر التعاون في هذه المجالات، لترتسم آفاق جديدة للمعرفة المشتركة بين بلدينا، ففي مجال السياحة، وأنا حسب ما سمعته في سورية أنها تحضر لاستثمارات كبيرة في الجانب السياحي، خاصة في الساحل السوري، وأنا كخبير اقتصادي في مجال السياحة أقول إن السياحة لا تقتصر على البحر، ففي سورية توجد العديد من الأوابد التاريخية السياحية، العديد من الأماكن التي يرغب السياح في التعرف عليها، وهذا سيكون مفيداً جداً ليس فقط للجمهور التشيكي وإنما للجمهور الأوربي، في الفترة القريبة القادمة سيتم تجديد خط الطيران المباشر بين براغ ودمشق، وأعتقد أن هذا الخط المباشر جيد جداً، لأنه يؤكد على ضرورة التعاون وزيادته في المجالات التي أشرت إليها.
أريد أن أقول إنه فيما يتعلق بالاتحاد الأوربي، سنسعى بشكل دائم إلى إقامة صيغ سياسية مستقلة أيضاً في هذا المجال، نحن نرى أن هناك إمكانية للاستغراق في السياسات التي رسمتها الجمهورية الفيدرالية التشيكية الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، هذه السياسة التي تبناها وزير الخارجية التشيكي الأول، ولاحقاً الرئيس التشيكي الثاني للجمهورية التشيكوسلوفاكية د.إدوار بينيش.
نحن نريد أن نقول إنه حتى بعد صياغة سياسة أوربية مشتركة موحدة سوف يكون هناك مجال لسياسات مستقلة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، ونحن نشعر بشكل مشترك بالخطر الكبير الذي يتعرض له العالم، ونحن نتفق حول هذه الأخطار مع بلدكم سورية، مثلاً خطر الإرهاب العالمي وانتشار الأسلحة النووية أو النزاعات الإقليمية، لكن العمليات تجري في العالم وخاصة عملية العولمة، إذا تمت الاستفادة من المزايا الحسنة للعولمة وتم التعامل معها بإيجابية، يمكن أن تدفع العالم وبلدانه إلى الازدهار، أنا أؤمن بأن التعاون المشترك بين الجمهورية التشيكية وسورية، كما أؤمن بالتعاون الإيجابي بين الاتحاد الأوربي والبلدان العربية، ولكن السياسيين حسب رأيي هم في الطليعة الأولى، فالسياسيون يسيرون قبل الاقتصاديين أو الذين يحملون راية التعاون الاقتصادي أيضاً، الصيغة الأخرى الضرورية للتعاون المشترك هي الصيغة الثقافية، وأعتقد أن هناك إمكانيات كبيرة في هذا المجال.
السادة والسيدات شكراً على حسن استماعكم وأنا مستعد لسماع أسئلتكم.