شكراً جزيلاً لإدارة جريدة البعث على إتاحتها هذه الفرصة الطيبة للالتقاء بكم، والمشاركة مع الرفيق الصديق الأستاذ رجب إبراهيم ومعكم لمناقشة هذا الموضوع الهام، في زمن التحديات والعولمة.
سأكتفي منه بما أزعم أنه المختصر المفيد، لنستعرض معاً معنى الهوية، وعلاقتها باللغة، ودور اللغة العربية في استنهاض الهوية القومية والحفاظ عليها في مواجهة تحديات الإلغاء والإحلال، وضرورة تعزيز هذا الدور لتحقيق الذات القومية وتحصينها من شتى أشكال الاختراق والغزو بأشكاله وأنواعه.
الهوية لغةً: هي الماهية، وتعني الشيء نفسه، وهي مفهوم ذو دلالة لغوية وفلسفية واجتماعية، يتضمن الإحساس بالانتماء القومي والديني والفكري.
أكد مفكرون كثيرون أن اللغة هي الأساس الذي يقوم عليه تخيل الأمة، وأنها هي التي ولّدت الهوية، التي هي مسألة لغوية في جذورها (أندرسون)، وأن الهوية لا يكتمل مدلولها إلا في جوهر اللغة، وفي كيفية الوظيفة التي تؤديها هذه اللغة، وفي كيفية تعلمها واستخدامها.
إن الهوية حاجة أساسية لتوفير مناعة تنمو في وجه العولمة والأخطار، وقد اهتمت جميع الدراسات المعاصرة بالهوية القومية، وركزت على الأهمية المركزية للغة في تشكيلها.
وكما أن اللغة تصون وتحمي الهوية، فإن اللغة تنمو وتنتشر ويعلو شأنها ويزداد الاهتمام بها بنمو الهوية وثبات حضورها الوطني والإنساني، فقد أكد ابن خلدون أن غلبة اللغة العربية بغلبة أهلها، وأن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم.
وفي أحد تعريفات مفهوم الأمة، ورد أن الأمة مجموعة من الناس في وطن واحد، لهم ثقافتهم الواحدة، عبر تاريخ مشترك، ولغة قومية واحدة، وأن الأمة التي تحافظ على لغتها تمتلك عنصراً أساسياً في إثبات ذاتها، والاستنارة بتراثها، واقتحام مستقبلها بثقة وجدارة.
إن هناك تفاعلاً وثيقاً بين اللغة والهوية، إلى حد يصعب الفصل بينهما، ومن هنا فإن اللغة العربية واجهت تحديات شرسة لإضعافها وتفتيتها إلى لهجات محلية مشوهة، من قبل أعداء الأمة العربية والمحتلين والطامعين، عبر التاريخ لإضعاف الانتماء إليها، والعمل على إقصاء اللغة العربية، وإحلال لغة بديلة في التعليم والثقافة والتعامل الرسمي في دوائر الدولة، (حملة التتريك زمن العثمانيين، وفرنسة الجزائر بخاصة والمغرب العربي بعامة)، أو اعتماد اللهجات المحلية لغة بديلة، واستبدال الأحرف اللاتينية بأحرفها في الكتابة، بمسوغات المعاصرة والحداثة والتبسيط، وازدراء التراث وتشويهه، والتعبئة الثقافية لما يسمى تغريب الثقافة (بعض حركات الاستشراق في الداخل والخارج).
لقد أدرك الرواد العرب المتنورون الأوائل، والمتمسكون بعروبتهم ولغتهم، إن الأمة التي تخسر لغتها تضيّع هويتها وخصوصيتها، وتخسر ذاتها ومستقبلها، فكانت دعواتهم صريحة وصارمة للتمسك باللغة العربية، والدفاع عن تراثها الثقافي والعلمي، ونبهوا إلى ضرورة تعزيز مواقعها في الحياة، ودعوا للاستزادة من علومها ومعارفها وآدابها وبلاغتها، واعتمادها وسيلة التخاطب والكتابة والثقافة والتعليم، سبيلاً إلى تأكيد الذات القومية والتحرر من الاحتلال والتبعية والسيطرة الأجنبية، وتكريس الهوية القومية حقيقة راسخة خالدة.
كما أدرك هؤلاء الرواد مخاطر تلك الدعوات، فحاربوها، وألحوا على التمسك باللغة العربية وتطويرها وتخليصها من الشوائب والركاكة والصنعة ومخلفات عصور الانحدار العربي، فاستحضروا المطابع العربية وألفوا كتب النحو والصرف والبلاغة ومجاني الأدب، ودعوا إلى تعليم الأجيال بها، وإحياء تراثها الغني وكنوزها الأدبية والثقافية والتاريخية، ونذكر في هذا المجال، حركة الترجمة والتأليف، ونشر التراث العربي والروائع الأدبية، وتأليف الجمعيات الأدبية في الوطن وديار الاغتراب، وانتشار الصحافة العربية في سورية ولبنان ومصر التي بدأت إرهاصاتها في أواخر القرن الثامن عشر، وأعطت ثماراً طيبة في القرن التاسع عشر، كما نشير إلى اعتماد الجامعات السورية اللغة العربية لغة التعليم في جميع الفروع العلمية والنظرية منذ مطلع القرن العشرين، كما ننوه في هذا السياق بالحملة القومية للتعريب في الجزائر والمغرب العربي التي شارك فيها آلاف المثقفين والمعلمين العرب، باعتبارها مهمة قومية.
كانت اللغة العربية عنوان الأمة وهويتها منذ ما قبل الإسلام، أيام كانت أسواق العرب الأدبية تعقد دورياً، افتخاراً واعتزازاً بهذه اللغة الجميلة، التي يُسبك منها أجمل الكلام، وأبدع النظم والقول شعراً ونثراً، فكان الشعر آنذاك ديوان العرب، وطابعهم المميز، وسجل أيامهم، وخزانة مفاخرهم ومآثرهم، ووسيلة إعلامهم.. وبعد الإسلام اكتسبت اللغة العربية شرف القداسة، فهي لغة القرآن الكريم، الكتاب العربي المبين، والبيان الساحر، والبلاغة الآسرة، التي انتشرت في الأمصار والأقطار، وهي التي قال فيها الرسول العربي الكريم (ص)، في المأثور الشريف: " أحب العربية لثلاث، لأني عربي، ولأن لغة القرآن عربية، ولغة أهل الجنة عربية ".
فأي قول أبلغ من هذا الذي ربط بين هذه اللغة الشريفة والهوية والقداسة، إنها اللغة التي حملت راية الرسالة العربية الإسلامية، ومكارم الأخلاق والقيم، واستوعبت معطيات الحضارة والعلوم والثقافات، وفاض إبداع المبدعين بها، وانتقلت هذه الإبداعات عبرها إلى حضارات العالم وثقافات الشعوب.
هذه اللغة التي تحولت مع نشوء الحركات والأحزاب القومية في القرن العشرين، من أداة اتصال بين العرب، إلى رابطة قومية اجتماعية سياسية، عززت الشعور القومي، وأسهمت في صياغة هوية عربية حضارية.
يقول المفكر العربي عزمي بشارة: إن الهوية العربية هي لغة وثقافة ووعاء حضاري، وعندما تتشكل هذه الهوية تتقاطع مع الجغرافيا والتاريخ، فتشكل مفهوم القومية، قاعدة الوحدة السياسية. فالثقافة هي الحافز الفكري لتفعيل العمل، وتطوير الحياة، وصناعة الحضارة، واللغة العربية هي روح هذه الثقافة وحامل إبداعها ومشروعها قديماً وحديثاً، وهي ا لأداة التي توفر للأجيال إرادة التغيير وفعله، والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل والتمسك بالهوية.
إن تعزيز دور الثقافة العربية بعامة، واللغة العربية بخاصة في المجتمع العربي بين أبنائه المقيمين والمغتربين يمتن الجذور، ويقوي أواصر الأمة، ويعصمها من دعوات التفكيك والتغريب والتخريب، والإمعان في القطرية، ويصوغ الإرادة القومية للشعب في مواجهة المشروعات الاستعمارية والصهيونية ونشر الفتن والفوضى، والتشكيك بالانتماء القومي، ومحاولات طمس الهوية.
وفي هذا السياق فقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي سباقاً ومستشرفاً هذه الرؤية القومية منذ تأسيسه، فقط ربط دستور الحزب ربطاً وثيقاً بين اللغة العربية والهوية القومية، فعرّف العربي في المادة العاشرة من المبادئ العامة بأنه: " من كانت لغته العربية، وعاش على الأرض العربية، أو تطلع إلى الحياة فيها، وآمن بانتسابه إلى الأمة العربية ".
كما ورد في المادة الثانية من المبدأ الأول: " أن الأمة العربية وحدة ثقافية، وجميع الفوارق القائمة بين أبنائها عرضية وزائفة، تزول جميعها بيقظة الوجدان العربية ".
كما أشار القائد الخالد حافظ الأسد إلى عمق العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والهوية بقوله في رسالة موجهة إلى المعلمين: " إن لغتنا العربية هي عنوان هويتنا، وهي الرابطة بين الناطقين بالضاد، وهي أهم صلات الماضي بالحاضر والمستقبل ".
وقد حدد مسؤولية المعلمين بالحفاظ على اللغة العربية: " فلا عجمة ولا ركاكة بل تركيب سليم، وفصاحة بما اشتهرت به أمة العرب ".
وكذلك أكد الرفيق الأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي، السيد الرئيس بشار الأسد: " أنه مطلوب هنا اليوم استكمال وجهودنا بالنهوض باللغة العربية، ولا سيما في هذه المرحلة التي يتعرض لها وجودنا القومي لمحاولات طمس هويته ومكوناته ".
كما وجه سيادته في خطاب القسم الدستوري في 17/7/2007، إلى أنه يجب إيلاء اللغة العربية التي ترتبط بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا كل اهتمامنا ورعايتنا، كي تعيش معنا في مناهجنا وإعلامنا وتعليمنا، كائناً حياً ينمو ويتطور ويزدهر، ويكون في المكانة التي يستحقها جوهراً لانتمائنا القومي، وكي تكون قادرة على الاندماج في سياق التطور العلمي والمعرفي في عصر العولمة والمعلومات، ولتصبح أداة من أدوات التحديث، ودرعاً متيناً في مواجهة محاولات التغريب والتشويش التي تتعرض لها ثقافتنا ".
وفي إطار هذه الرؤية القومية المنطلقة من الفهم العميق لمكونات الشخصية العربية، وجسامة التحديات، والحرص الشديد على ضرورة بناء الشخصية الوطنية والقومية للأجيال، أصدر سيادة الرئيس بشار الأسد مرسوماً بتشكيل اللجنة العليا لتمكين اللغة العربية، برئاسة السيدة نائب الرئيس، التي باشرت عملها بوضع الخطط وبرامج العمل، مما يستدعي من الجهات المسؤولة ذات العلاقة في التربية والتعليم والإعلام والثقافة أن تسرع في التنفيذ، وتبذل الجهود، وتعبئ الطاقات والإمكانيات، وإعادة النظر في الأساليب، وتصويب المسارات المعتمدة حالياً.
لغتنا الجميلة عنوان هويتنا، ووعاء ثقافتنا وتراثنا وتاريخنا ومآثر وقيم رسالة أمتنا، التي سطعت على العالم، ينبغي أن تبقى ساطعة مشرقة في عقولنا وعقول أبنائنا. فإذا كان من الثابت تاريخياً أن حركة الإحياء العربي، ونهوض القومية العربية وإنعاشها، ارتبطت بالتمسك باللغة العربية وتعميق دورها ومكانتها في الحياة الثقافية العربية، فإنه من الثابت والمؤكد أنها ستبقى الدرع الواقية، والنبعة الصافية لشخصية الأجيال وهويتها القومية، وصاحبة الدور الأبرز والأهم في الحفاظ على هذه الهوية القومية العربية والاعتزاز بها لدى أبناء أمتنا المقيمين على أرضها وفي بلدان الاغتراب.
وإذا كان التمسك باللغة العربية ضرورة لازمة لتحصين الهوية، فهذا لا يعني أبداً الانغلاق والانكفاء على الذات، وعدم الدخول في عالم اللغات والثقافات الأخرى، والنهل من معينها. بل إن اللغة العربية تغتني أكثر فأكثر، وتثبت وجودها الثقافي والحضاري كلما أثبتت قدرتها على الانفتاح الإنساني، والتفاعل مع اللغات والثقافات الأخرى، شرط التمسك بالأصول والجذور في عالم المتغيرات والمعلومات وهجرة العقول والمغتربات والمعارف بلا حدود.. وصولاً إلى لغة عربية سليمة فصيحة، سهلة التناول، واضحة الدلالات، بعيدة عن التقعّر والتحجر والركاكة لتغدو أكثر قوة وتأثيراً وفعالية في تعلمها وانتشارها وفي تعزيز الهوية القومية للأجيال العربية، وتمكينها من مواجهة حملات التضليل والضياع، وتعميق انتمائها القومي إلى أمة عربية عظيمة، والتزامها المشروع القومي العربي طريقاً إلى الوحدة العربية بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد.