الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
دور اللغة العربية في الحفاظ على هوية الأمة
نص مداخلة أ.رجب إبراهيم
 
أشكر السادة الحضور، كما أنظر بشرف التأميل إلى قرار السيد الرئيس بشار الأسد الذي تضمن النظرة الأكيد في تحصين اللغة العربية، وتمكين الأجيال من الكتابة والقراءة فيها، لتبق اللغة العربية هويتنا الحقيقية وحصننا الذي يحمينا.
سأحاول جاهداً أن أقدم بعض الهوامش والملاحظ والحواشي على حياتنا اللغوية وثقافتنا العربية باعتبار أن اللغة هي التي تحرك الثقافة والفكر، ولا فكر إلا عبر اللغة ضمن هذا المجال اسمحوا لي أن أقرأ بعض الملاحظات كي نتلاقى في الغاية والهدف والمرمى مع الزميل الذي حاضر أولاً ولو اختلفنا في المنهج والأسلوب.
حين نبيع بعضاً من كلامنا نبيع أغصاناً من شجرة الروح.
شجرة الروح الوارفة أحلى وأبقى من الشجرة المقطعة الفروع.
هوامش على متن حياتنا اللغوية والثقافية
القرار الجمهوري رقم /4/ لعام 2007، بتشكيل لجنة لتمكين اللغة العربية والمحافظة عليها والاهتمام بها.
اللغة أصوات يعبر بها أصحابها عن حاجاتهم وأغراضهم... اللغة ثمرة تفكير.... اللغة الفصحى الحصن الذي يحمينا... الفصحى حصننا القومي وسقفنا وأساسنا وأعمدتنا.. ونافذتنا إلى الحياة.
أزمة اللغة مع اللهجات التي تحاول أن تكون البديل عن الفصحى، هذا الصراع له تاريخ طويل، فعل العثمانيون لإحلال التركية محل العربية، في المغرب، فرنسا وحاولوا هذا في مصر، في لبنان، وكتابة العربية بالأحرف اللاتينية.
دور المجامع في تنمية الفصحى ومواجهة الهجمات، دور المجامع في نشر كتب التراث وتحقيق ما لم يحقق، دور المجامع في تعريب المصطلحات، وتوحيدها لتكون في متناول جميع الدارسين العرب، مما يحقق تلاقياً علمياً ومعرفياً، في سائر فروع المعرفة.
الخطة الوطنية: دور المدرسة، والأسرة، والجامعة، ومؤسسات العلم والثقافة، وانتشار الوعي، ومحاربة الأمية، والتعصب والانفتاح على الفكر العالمي، كلها عوامل لتحصين مجتمعاتنا العربية، من الغزو بكل معانيه، سواء أكان غزواً ثقافياً، أو لغوياً.
ثم هنالك الإعلام ووسائله المتنوعة.
فالميل إلى السهولة والتحرر من الانتظام، العامية خروج من قاعة الصف الذي يسيطر عليها النظام، الهروب من متن النظام إلى الحواشي، (هذه معاناة).
العامية، واللهجات المحلية، حاشية على متن الفصحى التي تنظمها القواعد.
اللغة إرث اجتماعي.. عقد بين قوم.. اللغة تعبير عن واقع الحياة.. الحياة.. الإنسان.
صاحب اللغة (المنشئ) هو الذي يبرعم شفاه الكلمات.
نفكر ونتخيل عبر اللغة.. اللغة قاربنا إلى الاجتياز والعبور.. اللغة هويتنا العقلية والروحية.
نفكر بها ونحلم.. حديثنا القدماء وعلمونا كيف يمكننا أن نصنع من لغتنا الماء والرونق..فالأساليب دروب.. بعضها موحش ملتوٍ شائك، وبعضها مستقيم تنيره الظلال.
القرآن كمال التعبير.. إنه الإعجاز... كلام الشعر وشعر الكلام.
النثر، وطبقات الكلام.. اللغة هوية تسجلنا جميعاً في قيد النفوس.. اللغة سجل تاريخنا الفكري والروحي.. جمال اللغة، ولغة الجمال..
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تُسعد الجمال.
النطق الحسن يستحيل إلى عطاء، إلى نوع من الاقتصاد العفيف.. اللغة هي الحياة بكل معانيها.
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً
مغاني الشعب طيباً في المغاني بمنزلة الربيع من الزمان
بين الأصول الفنية، والأصول الأخلاقية الموروثة، تقف الرقابة حيناً، حائلاً أمام الإبداع.
قلة الإبداع الفني الآسر، أسهم في صرف الجيل عن القراءة الشغوفة، فقدان التنافس الإبداعي في الوطن العربي، ليس للمبدعين أدوار في معظم مناحي الحياة الاجتماعية.
العادة والتقليد تحارب الإبداع الخصب المكين.. فالإبداع تجديد.. والتقليد تكرار وأفول.
اللغة إرث اجتماعي خلقه الأجداد عبر عصور.
إن الاستعمال اللغوي في حياة الإبداع هو الذي يحفظ اللغة، ويصون حياتها ويجدد فيها الروح والشباب.
نحن نبحث عن المعاني في ماء اللغة ورونقها.. المسألة في الماء والرونق.. نحن لا ندعو إلى نهج الأقدمين وأساليبهم، لكننا ندعو إلى قراءة ما كتبه الأقدمون.
كي نجدد حياتنا اللغوية والأدبية.. هيبة اللغة في زهن السامع..
روي إذا لَحَنَ أحدكم وله حق فلن أمكنه منه، وإذا أفصح من لا حق له مكنته منه.
إن من البيان لسحراً.. المؤلف.. الكاتب هو الذي ينمي فينا ذائقة القول وذائقة السماع، نحن محتاجون إلى هاتين الذائقتين.
النقاد شياطين التفاصيل، لكنهم يسهمون في إنارة الطريق، اختلاط الحابل بالنابل.
الإحساس العميق بالحياة يتم عبر اللغة.. اللغة معيار العقل والإحساس بقيم المحبة والخير والجمال.. اللغة مفتاح العقل لاكتشاف المخبأ الدفين.
التفلت من إسار المحاضرات الكلاسيكية إلى رحاب الحوار الأنيس دائماً هو الذي يحملنا إلى الابتداع.. تخلف المنتج العربي في كل مجال ألحق ضموراً وهزالاً في استعمال اللغة.
نحن نبدع ونتخيل عبر اللغة.. تتبدى كلّ الأشياء في المخيلة عبر اللغة.. الأسلوب يحدد طبقة المتكلم.. المتكلم كاتب رسالة موجهة إلى سامعه.. هنالك جسر بينهما هو اللغة.
حين تكون الرسالة نقية مقطرة، انسكبت في عقل ونفس سامعها.
اللغة مفتاح الأحلام والأماني.. وحدّ لغتنا، الشعر والقرآن الكريم... كانت اللغة عند أجدادنا لهجات عبر لغات.. توحدت في لغة قريش.. قريش العير والنفير..
صاحب العلم والاختراع والاقتصاد يعولم العالم.. حين يتحرر عقلنا تنهض اللغة بآدابها ومسارات تعبيرها في شتى مجالات الحياة.
هنالك ظلمة التعقيد.. وهنالك الاستخفاف بالسامع، يؤدي إلى الاستخفاف باستعمال اللغة وأدائها عبر الأسلوب.
مطالبون بتجديد حياتنا اللغوية والأدبية عبر الإبداع..
الأساليب مرايا العقول.. كيف نكتب يعكس كيف نفكر؟
القول والكتابة مرآة العقل.. حين نكتب ونحكي نعرض عقولنا أمام السامع.. ليس دائماً المهم ماذا نقول بقدر كيف نقول.
الكيف يعكس روح المعنى.. نحن نبحث عن الفتون.. فتون القول يبوح بشذا معناه.
تتجدد اللغة بالأساليب ذات المضامين.. الكلمة تساعف الكلمة في الجملة.. تتساعف الجمل تتضافر فيما بينها لتعرض نبيل الأماني والغايات.
لغة الكتابة ولغة السماع، والحديث..
هنالك فرق بين ما نقوله لأسماعنا مباشرة، وما نكتبه إلى الحاضر والمستقبل بوصفه إرثاً تدوينياً.
التدوين يحيا في ذاكرة الآتي من أزمان، يدخل في نسيج التأريث والمثاقفة.. نحن أشكال صامتة تخلو من المضمون والجوهر لولا اللغة.. اللغة هي الجوهر والمضمون.
الكلام معيار العقل والروح بآن.. الكلام حسن وبهاء.. هناك حسن مغيب في ظلال وطوايا الكلمات عبر الأساليب:
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيب
البيان صنف من صنوف السحر، وكذلك التبيين.. متانة التعبير، يحمي اللغة من الهشاشة، والذبول.. الكلمة في متن التعبير الأنيق المتين، صِمام المعنى الذي هو المرام البعيد.. اللغة أرجوحة لتحريك المعاني.. الحبك والسبك يوهج المعنى في مجامر العقل الوضيء... في الظلام تمحي المسافات، وتغيب الحدود.. الحدود اتجاهات ومعان.. دون معان ندخل في ظلمة العدم والتعقيد.. الوجود نحن، وبدوننا لا يوجد الموجود.
نحن متعاقدون مع اللغة على فهم وإدراك جمال الحياة.. اللغة موحية.. تنافس مظاهر الجمال في الطبيعة، والسماء.. اللغة مفتاح العقل للاكتشاف.. نحن نكتشف باللغة، لأننا نفكر أولاً وآخراً بها، والمجاز يمنحنا القدرة على تقريب البعيد وتزيين القريب، لكِ يا منازل في القلوب منازل.
نحن نتحرك في غالب الأحيان بعواطف أجدادنا.. الأجداد يتكلمون فينا حتى لنكاد نقول يتكلمون عنا.. نحن لسنا نسخاً، ولسنا نسيج وحدنا.. نحن وهم: خلط، ومزج واتحاد.. نختلف.. نتفارق لكننا نتلاقى في اللجة والضفة والأعماق.. نحن ننسج ما حاكه لنا الأجداد..
علينا أن نعنى بالأشكال.. الأشكال الفاتنة تعكس مضامين وأشواق الأرواح.. أثيرنا هو لغتنا.. نكتب بها رسائلنا كي نقطر منها الشذا والعطور.. نكره الخطا السريعة، لكننا لا نجري خلف المتهالكة البطيئة.
الإبداع وحده قادر على تجديد حياة اللغة، ومنحها الرونق والشباب والفتون.. اللغة الكابية لا تُدخل في النفس الضوء والشروق.. نكره بطبعنا المكرّر المعتاد، لأنه اجترار وقعود.. العادة تطارد الجديد.. الجديد الأنيق هو الذي يسرق أبصارنا ومسامعنا.
التابو يقفل العقول.. هنالك السبيكة.. وهناك الأقراط والخواتم والخلاخيل والعقود.. هنالك فرق بين القرط والسبيكة.. كلاهما ذهب، القرط للتجمّل والتزيين، والسبيكة مخزون.
هنالك فرق بين جوهر الزينة، وما يخلفه في الأعين والنفوس وبين الجوهر الجوهر، الحقائق موجودة.. علينا أن نميط عنها اللثام.. اللثام هو جوهر القضية.. هو الذي يخفي ما قد يكون بارقاً كالبزوغ.
نحن خيوط في مغزل الخلق والتكوين.. نحن في زمن الاندماج والاختزال والتنضيد.. كأنني أسمع ذاك الذي قال:
غزلت لكم غزلاً متيناً فلم أجد
من الناس نسّاجاً فكسرت مغزلي
غزل لنا الأجداد اللغة غزلاً متيناً.. أين نحن من النساجين الذين تمنّاهم الشاعر أن يكونوا؟
نحن نعاني مما يشبه الاحتباس.. احتباس حرارة الكوكب.. تشبه احتباس ما يجري في عالمنا من أحداث.
الثقافة واللغة..
الثقافة الحقيقية المبرأة من اللفّ والدوران والاعوجاج كنز وغنيمة يجب أن نبحث عن الكنز الذي تتجلى اللغة بهاءً فيه وبه.
إن بناء ثقافة تستقي من روح المعاصرة والتجديد، بعيدة عن التقليد الذي يعمي أنوار البصائر والعقول، أمرٌ واجب لمسايرة العصر والحياة، لنكون أعضاءً أحياءً في زمن تتسارع خطاه ورؤاه حتى تكاد تنأى عنّا وتغيب.
سبقنا الغرب بالإبداع، الذي هو ثمرة العقل والتحرر، وإعلاء كرامة الإنسان.
الإبداع في كل مجال، كفيل بتدريب عقل وذوق ووجدان أجيالنا، لينهض الجيل بلغته، لتكون غلائل لا تتلبسُ إلا جميل القوام... مغزوون بإبداع الغرب في شتى الميادين.
الخيال المتحرر، الذي ترعاه القوانين بوصفه حقاً إنسانياً، كفيل بأي يرتقي باللغة وآدابها، ومراسلاتها.
عندئذ تصبح اللغة العربية حصناً عقلياً ووجدانيا وأخلاقياً وروحياً، تحمي الإنسان العربي من الانكسار والانهزام، وتدفع به لامتطاء قاطرة التاريخ المعاصر.
نجيب محفوظ، وأحمد زويل.
دور القرآن الكريم والشعر في حماية اللغة وصونها من سطوة وسيطرة اللغات التي باتت تقدم للبشر كل صنوف المبتكر والمخترع والمتجدّد الجميل.
دور وسائل الإعلام...
الصحافة والإذاعة والتلفاز ونشرات الأخبار، نحن الآن نتثقف من الرائي (التلفاز)، يسيطر علينا أنباءً ونشرات ومسلسلات، وندوات.. يبعد عنا الكتاب شئناً أم لم نشأ.. يلخص الملخصون الكتب والدوريات ويقدمونها بأعين رغائبهم ربما بما ليس فيها.
نحن نتلقف الثقافة سماعاً، لا قراءة تضيع بهجة متعة التأمل، والتأويل، التأويل حقٌ، وإعادة ابتكار.
غياب النقد المعياري الرصين الذي يعتمد على قواعد العلم، والنزاهة والضمير الوضيء، بعيداً عن المغالبة، والارتجال والمنفعة الذاتية التي خلفتها الشللية والعلاقات الشخصية لأغراض وغايات ليس من مهمتها إصلاح العقول وتربية الأذواق.
الدعاة لتجديد حياة لغتنا وقواعدها.
الأصول قابلة للقراءة والتجديد.. كل شيء يتحرك في النص.. النص وحده، يمتلك الخلود، لكنه الخلود المتجدد دائماً في عقولنا وأذواقنا.
الثقافة بكل فروعها، هي التي تحرك اللغة وتجدد شبابها من التبعية والتقليد.. التقليد يجافي الصيرورة والنمو.. النمو دائماً يتجه نحو الابتكار.. النمو خلقٌ وابتكار جديد.. تجديد اللغة نتيجة لتجديد العقل والفكر العربي، وإثرائه بمنتج العصر وروحه، علوم العصر، نهر يستحم فيه عقل الإنسانية، لم يعد شيء بعيداً، كل شيء موصول ومترابط.
تجديد الفكر يعني تجديد الأهداف والغايات.. نحن معنيون بالمعاني في إطار الأشكال.. الأشكال ألبسة المعاني وصوتها.. المدرسة الواقعية الاشتراكية.. جدانو? التي تعنى بالمضمون.. والمدرسة الشكلانية التي تعنى بالشكل والمضمون.
أزمة المثقف العربي، هي أزمة ثقافتنا وفكرنا، ولغتنا.. الأزمات تحلها وتعالجها مؤسسات أنشئت لهذه الغاية.
نحن نرى عقل القائل بقوله وعقل الأمة بإبداع جماعتها
المتنبي، أبو تمام، البحتري، أبو نواس، الجاحظ، التوحيدي..
عندما أزدهر العقل العربي ازدهرت اللغة وأخصبت..
أهل الاعتزال وأصحاب المدارس الفكرية.. مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النمو..
المفردات إرث من الأجداد:
استعمل مفردات اللغة في حقول المعرفة هو تجديد لحياة اللغة.. فاللغة عقلنا ووجهنا الداخلي إلى الآخر، إلى العالم.. اللغة ليست مجرد هوية للأمة.. بقدر ما هي عقلها وحكمتها وذوقها وخيالها.
عبد الملك بن مروان: كان يقول ما أصعب أن يعرض عقلك على الملأ.. لا يعرف العقل إلا بالكلام.. المرء مخبوء تحت لسانه.. تتجدد اللغة في الأساليب.. الأساليب هي التي تغوي وتفتن القارئ.. القارئ عاشق للكلمات في رحاب النص الذي سبكه الذوق والإتقان.
القراءة العميقة فسحة للتأمل والحوار.. نحن نتلاقى مع العالم عبر القراءة والإبداع.. الآخر بعضه مني، وبعضي منه.. الجوهر الإنساني يتلاقى ولو من قصي المسافات.
تجمعنا مفردات اللغة، وتميزنا الأساليب.
يبحث المعنى عن حياته في الأساليب.. الأسلوب والشكل أرواح المعاني المتجلية فيه.. جمال المعنى في جمال الأسلوب..
الجاحظ: المسألة في الماء والرونق.. الماء والرونق هما الأسلوب.
حين لا نعبأ بذوق وعقل المخاطب الذي نتوجه إليه بالكلام ينفك عقد الوصال.
إن من البيان لسحراً..
ثقافة المداراة والمجاراة، حرفت الاتجاهات والأساليب عن غاياتها فغاصت في أحضان الدمدمة، والغموض.
التحوّط والتخوّف أفقد اللغة وأسلوبها البريق واللمعان
استسهال رأي وذوق القارئ والسامع.. هناك جدل ما زال عاصفاً حول الحداثة والتقليد.. ليس هنالك حداثة مستحدثة من عدم.
القاعدة: لا تقدم قديماً لقدمه، ولا تؤخر حديثاً لحداثته.. الجيد جيدٌ سواء أكان قديماً أم محدثاً هكذا قال الأقدمون.
روح المعاصرة والتجديد في اللغة، لا تتأتى إلا عبر المنظومة الفكرية المتكاملة في شتى فروع المعرفة.
اللغة ليست طبقية، ولا ثورية.. وحده أدب اللغة بوصفه بناءً فوقياً يحمل مشروع القيم والمعتقدات..
حق اللغة علينا هو إتقان استعمالها لصالح جوهر الإنسان.. نحن لا نتكلم كما تكلم أجدادنا تماماً.. كل عصر، له مفرداته، وصوته..
لغة التدوين والكتابة، من لغة الحكي اليومي، لكنها مقطرة ومنقاة..
الكتابة: اللغة عبر فنونها، تنافس جمال الطبيعة والحياة.. نقرأ التراث كي نجدد عقلنا، وخيالنا عبر مثاقفته، ومناظرته بما راكمناه في عقولنا من ثقافات عبر الدهور.
ليس هنالك ثقافات خالدة.. تتجدد الثقافات وتتلاقح بين ماضٍ آفلٍ وحاضر ومستقبل قريب.
وحده الإنسان الذي يحمل جينات الإبداع.. ليس هناك ثقافة حيادية، أو أدب حيادي.. اللغة وحدها حيادية.. الكلمات مادة خام نصنع منها ألوان وعقل الحياة.. الحياة كفيفة بكماء لولا الكلمات.
كل أسلوب يختال على نغم المراوغة والالتباس.
الالتباس زيٌ من أزياء التجديد والاختراع.. البناء اللغوي شرفٌ ومكانة وارتياد.. نحن نتنافس فيما بيننا (دون أن ندري، بطرائق التعبير).
الكلمات ظعائن الأفكار والخيالات.. لغة الصحافة مثلاً (منزلة بين المنزلتين).. بين منزلتي الشعر، والقص، والرواية.
لا شيء قديم، لا يتكرر بزي جديد.. الجديد يراوغنا بأنه جديد.. هل كانت اللغة بآدابها إلاّ أزياءً للعقول؟
الكلمات يغتني بعضها ببعض.. الصياغة تزيين وتجميل.. ليست اللغة صدى، كل الأصداء تعكس صوت اللغة.. نحن نلبس الزمن، ونُلبس الزمن غاليات الأفكار.. تهاجر الأفكار.. تتزاوج، تتصاهر ثم تنتج أفكاراً وقيماً لم تكن معروفة ومعهودة.
الأجوبة المستترة التي لا ترفع رؤوسها، وحدها التي تكتنز الجواب.. الألسنة المعطلة عن صوغ أمانيها لا تفوه إلا بالشكوى والبلوى.
هل نحن العرب أصحاب شكايا وبلايا؟
كل منا يعرض بضاعة عقله.. العقل يصنع العُجاب.. الضمائر المستترة قد تكون نافعة، لكن الظاهرة خير ورجاء.
اللهجات المتباينة، واللغات المتعددة في وطننا العزيز، تحدّ من تعميم الفصحى.
نحن مغزوون بثقافة الغرب المتطور، الذي يلامس شغاف حياتنا في كل اتجاه.
الإعلام بوسائله المتعددة يواجه حصاراً من ثقافة الحداثة المتطورة.. المدرسة والأسرة ودورهما.. المعهد والجامعة.. الكتاب، والجريدة.. والمجلة..
هل نحن فعلاً مدعوون لجرد حساب أمام ضمير الحياة والعصر واللغة؟
ما دور المبدعين؟
ما دور المؤسسات المدنية؟
ما حصة الثقافة بفروعها من موازنات دولنا، الأمية وأزمتها المتزايدة؟
ما حجم القراءة، وما حجم الطباعة من إبداع عربي وأجنبي؟
كيف نواجه عصراً عارماً وعامراً بالمكتشفات والإبداعات، ونحن قاعدون على أرصفة الأيام؟ وأحسن الكلام ما كان، قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه.
لذلك قالت العرب:
إذا خرج الكلام من القلب، وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان، لم يُجاوز الآذان.
شكراً لسماعكم... وسلام الله عليكم


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية