يمكن قراءة تقرير فينوغراد، والتعرف إلى ما جاء فيه من دلائل، وما أرخاه من نتائج وتحولات ونرصدها على النحو الأتي:
- التقرير قرر بعكس ما ذهب إليه الكثيرون في لبنان، وفي الدول العربية، التي ساقت اتهامات للمقاومة بالمغامرة، وبفرض الحرب والسلم بعيدا عن قرار الإجماع، فأعلن التقرير أن الحرب كانت قد أعدتها إسرائيل منذ زمن طويل، وقررتها، واستعدت لها مع أمريكا وحلفها العالمي، وما تقوم به المقاومة هو مجرد امتلاك قرار الرد، والردع، وإلحاق الهزيمة بإسرائيل، وليس التفريط بالاستقلال، والسيادة وطلب التدمير.
- قرر التقرير في خلاصاته، حقيقة أن الكيان الصهيوني بات بلا قيادة تاريخية وازنة، وبلا قوى اجتماعية سياسية صاعدة قادرة على حمل مشروعه وقيادته بهجومية، جاء في خلاصته: أن قيادة إسرائيل مجموعة من الهواة لا أكثر، مصدقا لما كان قد قاله السيد حسن نصرالله يوم اسر الجنود متوجها للإسرائيليين واصفا قيادتهم بالهواة، والسذج.
- أصاب التقرير الجيش، وقيادته، ووحداته بمقتل، وعمق الشك بقدراته، والشك بنفسه، وعزز انهيار معنوياته، وانهيار ثقة المجتمع الصهيوني به، عندما برأ بكلمات معسولة، خجولة المستوى السياسي والمسؤول الأول عن الحرب وعن الإخفاق، اولمرت، والتبرئة التي فاجأت الرأي العام الصهيوني جاء بسبب الضغوط التي مارسها بوش شخصيا على المجتمع الصهيوني ونخبه، وعلى اللجنة، وبذلك قرر التقرير حقيقة أن إسرائيل دولة مهزومة، تتصرف ككل مهزوم، فتحمي قيادات سياسية عاجزة وقاصرة، لأسباب خارجية، وتطعن بالجيش الإسرائيلي، والاهم في الأمر أن الطعن بالجيش من قبل اللجنة يضيف عناصر جديدة ليست في صالح إسرائيل، فسقوط الجيش تحت ضربات هزائمه في لبنان وفلسطين، ثم تحت ضربات الصراعات السياسية الإسرائيلية، ينهكه ويضعفه، ويدفع بنخبته للتنحي والهروب إلى السياسة، أو إلى عالم الأعمال، ما يؤكد افتقاد إسرائيل لأحد أهم أعمدتها وعناصر قوتها الذي كان يمثله جيشها، فالكيان الصهيوني هو بالأصل جيش بنيت له دولة.
والسؤال؛ كيف سيكون مستقبل الدولة بعد أن يسقط عامودها وقوتها الصلبة الحاملة والحامية لمشروعها.
- خسرت إسرائيل في التقرير بعض بقايا عناصر قوتها التي كانت، فالمصداقية، والجرأة، والمحاسبة، ووضع اليد على الجرح مباشرة، وإقصاء المخطئين، والمهزومين، تلك التي كانت بين عناصر قوة الكيان، وعقله المنهجي والعلمي. وعندما تتحول الأمور وتصبح اللجان القضائية ذات وظيفة تضليلية هدفها إخفاء الحقائق، وتبرئة المسؤولين وحمايتهم. يعني أن إسرائيل فقدت الكثير من عناصر قوتها، وقيمها، وتغيرت معطياتها الداخلية وهذا عنصر حاسم، وهام جدا يتقرر في ضوئه حقيقة عجز الكيان بعد الآن عن توليد نخب سياسية جريئه، ويعني اندفاع حراكه السياسي والاجتماعي إلى حالة التذرر والعجز.
- في أثناء الحرب على لبنان، خرجت يديعوت احرنوت تقول؛ إسرائيل كلب صيد أمريكي فقد قدراته، فأشهرت إرهاصا عن مستقبل إسرائيل، وقررت عمليا أن دورها الوظيفي قد انتفى، ومن الصعب توليد أدوار وظيفية جديدة له تمد بعمره، وتؤمن له عناصر الديمومة، والاستمرارية، والصعود، وقد أعدت، ونشرت عشرات الدراسات، والمقالات التي وصفت إسرائيل أنها أصبحت في أزمة وجودية، وجاء كلام أولمرت وهو في الطائرة عائداً من أنابولس مؤكداً بقوله لا مستقبل لإسرائيل بدون دولة فلسطين، وقد أثنى عليه الملك عبد الله الثاني على اثر أحداث غزة الأخيرة بالقول: إن وجود إسرائيل مرتبط بقبولها حلاً تسووياً يقوم على الدولتين، ولا مستقبل لها خارج هذا الإطار.
- نصح تقرير فينوغراد القيادة الصهيونية، وقيادة الجيش والمجتمع بضرورة الإعداد لحرب جديدة، وألح عليها لاستعادة قوة الردع لأنه بدون قوة ردع لن يكون للكيان الصهيوني موقع، أو دور مستقبلي، وقد نفذ النصيحة وسعى في غزة لكنه أخفق من جديد وجاءت نتائج حروب غزة كنتائج حرب تموز ذات أثر بالغ الأهمية والنوعية.
- تجاهل التقرير عن عمد الأسباب الأمريكية للحرب، والضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية لإطالة أمدها، وفصولها، في محاولة لإخفاء حقيقة إن إسرائيل ليست سوى مستعمرة أمريكية، تنفذ أوامر الإدارة الأمريكية غصباً، ولو لم تكن قادرة على ما قالته الصحافة الإسرائيلية أثناء الحرب، وعشية الهزيمة فيها.
- تجاهل التقرير حقيقة الأسباب العملية التي أدت إلى هزيمة الجيش الصهيوني في الحرب وهو أقوى جيش في الشرق الأوسط ورابع جيش عالمي، عندما لم يقر للمقاومة قدراتها، وخاصياتها، وطبيعتها المختلفة، ومستوى تقانتها في إدارة الحرب وبتنظيمها والسيطرة على مجرياتها، وامتلاك عناصر القوة الإستراتيجية والتكتيكية وامتلاك المبادرة والمفاجآت، وجاء نص التقرير يقر بالهزيمة دون أن يعترف ويعلن الأسباب العملياتيه خوفاً من نتائج الإقرار وانعكاس الحقائق على المجتمع والجيش، وكي لا يخلص إلى القول: إن لا أفق ولا إمكانية لإسرائيل لانتصار في حروب جديدة مع مقاومات عربية من ذات النمط الاستثنائي في بنيتها وقيادتها وتنظيمها وسلاحها ومقاتليها، وفي إتقان إدارة الحرب المزدوجة حرب نظامية، وحرب مقاومة غير متوازية.
هكذا جاءت بعض نتائج ودلالات، وآثار، تقرير فينوغراد، شهادة قوية ومن أعلى المراجع الصهيونية، تؤكد حقيقة أن إسرائيل دخلت طور الضمور، والذبول، ولم تعد لها عناصر قوة يعتد بها، بعد أن بلغت طور فقدان المصداقية لقياداتها ولجانها وزعاماتها.
لبنان والمتغيرات النوعية
غير أن قراءة التقرير والتعرف لآثاره وانعكاساته لا تكتمل بدون إجراء قراءة منهجية ملموسة لتوازنات الصراع العربي الصهيوني والجديد النوعي فيه، والصراع على المنطقة ومعها، وفي القلب بلاد الشام، وانطلاقاً من الوضع اللبناني ودور المقاومة فيه.
لبنان بمقاومته شق طريقاً مختلفاً، وفتح صفحة جديدة في تاريخ مستقبل الصراع العربي الصهيوني على وقع متغيرات نوعية وإستراتيجية تقرر مسارات جديدة للصراع، وحرب في ساحات مفتوحة في الزمان والمكان، وتستحدث ساحات ثقل ذات أثر نوعي وحاسم، في سياق إعلان المقاومة على لسان سيد المقاومة والتحرير إمام الأمة الأغر السيد حسن نصر الله: إن تحرير فلسطين، وتفكيك الكيان الصهيوني، باتت مهمة راهنة ومباشرة للمقاومة على أثر اغتيال القائد الجهادي عماد مغنية في دمشق.
في لبنان تقررت حقائق وتأكدت واقعات تاريخية نوعية، غيرت من مسارات الأحداث في الإقليم، وفي الصراع العربي الصهيوني بصورة خاصة، وفّرت البيئة والعملية لهزيمة إسرائيل في حرب تموز، ومن ثم هزيمتها على أعتاب غزة.
- في لبنان كانت ولادة المقاومة الجديدة، وتطورت من حالة مشكوك بصدقيتها وقدرتها، إلى ظاهرة واقعية، ثم إلى نموذج، فإستراتيجية وخيار تمتشقه الشعوب المستعمَرة لتحرير نفسها، وغدت المقاومة اللبنانية بما حقته من انتصارات مرموقة تتراكم نموذجاًَ يحفز الشعوب على اعتماد نهجها، وأصبحت المقاومات التي تسترشد بالمقاومة اللبنانية الصانع الأساس لأحداث المنطقة والإقليم ومتغيرات التوازنات فيه، وفي العالم، يشهد على ذلك أفعال المقاومات وطرق عملها، وفلسفاتها، من أفغانستان، إلى باكستان، إلى لبنان، والعراق، وفلسطين، وصولاً إلى الصومال والبقية آتية لا ريب.
- في لبنان كانت هزائم متتالية لإسرائيل، فانسحاب من بيروت، ثم من الجبل، ثم من الجنوب، فانسحاب تام تحت النار وبلا تفاوض أو ترتيبات، وبذلك كسرت المقاومة أحد أهم أذرعة الكيان الصهيوني" اليد الطويلة" التي كان عبرها يبتز العرب ويركعهم، ويأخذ منهم ما يريد، فالاحتلال كان عصا إسرائيلية غليظة ألزمت مصر بكامب ديفيد، والأردن بوادي عربة، ومنظمة التحرير باتفاقات أوسلو، ومازالت الجولان تحت الاحتلال لابتزاز سورية، وتغيير نظامها أو مسلكها وثوابتها، أما في لبنان فقد تقرر أن الاحتلال إلى هزيمة، ثم ترجمت التجربة الظافرة في غزة والسياق التاريخ أصبح جديدا ًعلى هذا الصعيد، وفي أول معطياته أن إسرائيل باتت في طور الانسحابات لا التقدم والاحتلال الذي بدأ يسقط من قاموسها.
- في لبنان تم كشف وهم قدرة الردع الإسرائيلية في حرب تموز، وباتت إسرائيل ترتهب من قوة ردع المقاومة، وسلاحها وجاء تقرير فينوغراد بجزئية، والمعلن منه بمثابة الإقرار الفاقع بأن إسرائيل التي تمتلك أول، وأقوى جيش في الشرق الأوسط هُزمت أمام بضعه آلاف من مقاتلي المقاومة الإسلامية، فأطلق التقرير النار على كبائر إسرائيل، ودق آخر المسامير في نعش عناصر القوة الإسرائيلية الإستراتيجية والتكتيكية وآخرها القيم والثقة بالجيش، وبالقيادات السياسية والعسكرية في إسرائيل.
- في لبنان تقررت أيضا حقيقة أن انتصارات المقاومة لا ولن تتحول إلى هزائم على جاري التجربة العربية السابقة، فالمقاومة انتصرت جزئياً في حرب 1993، وطورت وبنت على النصر وعمقته في انتصار حرب الـ 1996، والأمر ذاته وبعمق وبانتصار أثمن في الانسحاب العسكري الإسرائيلي بلا شروط أو ترتيبات في 2000، وجاءت نتائج حرب تموز النوعية والإستراتيجية كتقرير عملي لهذه الحقيقة، أكده تقرير فينوغراد بإقرار أعلى مرجعية في الكيان الصهيوني يعتد بها بالهزيمة التامة.
- وفي لبنان أيضا تتكرس قيادة من نوع جديد، تتخذ تباعاً طابعاً تاريخياً واستراتيجياً استثنائياً في إنجاز النصر على العدو الصهيوني، وفي إحباط خططه ومخططاته، وما يقوم به مع الإدارة الأمريكية بتحشيد عرب اعتلال، ودول أوروبية، وضغوط، وما يبذل من أموال ومن أعمال أجهزة أمنية تستهدف استنزاف النموذج وإشغاله بحروب طائفية ومذهبية، نجحت قيادة المقاومة في مجاوزتها بتقانة عالية جداً، وبإبداع موصوف، لتكرس حقيقة أن المقاومة اليوم تختلف جوهرياً في البنية، والرؤية والعقيدة، والقيادة، عن تلك التي عرفها العرب في السابق.
غزة تصادق على حقائق بيروت وتنهي وهم استعادة قوة الردع
مازال الأخذ والرد قائما عن مستقبل معابر غزة، وإدارتها، ومن يكون فيها، وتحت أية سلطة، وبأي إدارة واتفاقات، وتصريحات فريق أبو مازن تتعامل مع الأمور وكأنها لم تتغير، ومازالت عند رغبته باستعادة سلطة مفقودة في غزة بسبب ما ارتكبته من أخطاء، ومن أعمال خدمت المشروع الصهيوني، ولم يقتنع بعد أن غزة ثارت عليه وطردت أجهزته، وألحقت هزائم متراكمة بإسرائيل، وهي الآن في طور تحرير مصر من التزامات كمب ديفيد، أي أنها لن تعود إلى التزام اتفاقات إدارة المعابر التي كان أبو مازن قد وقعها لصالح إسرائيل واستمرار هيمنتها وتسلطها على غزة برغم انهيار قدرة إسرائيل على الاحتفاظ باحتلالها لغزة.
معابر غزة، في طريقها للتحرر كما تحررت غزة، برضى أبو مازن، أو بدون رضاه، وبرضى الحكومة المصرية أو بدون رضاها، فقد قرر شعب غزة أن المعابر، والحدود المصطنعة لن تصمد أمام إرادة الجماهير وقرارها بالتحرر ومواجهة القوى المعتدية، والاحتلالية، وقررت أن التجويع، والاغتيالات والإغلاقات، والحرمان من الغذاء، والتآمر والاستنزاف لن يثني الناس عن المقاومة ودعم خياراتها وتحمل أعبائها، والتمرد على التحالفات العربية والدولية الظالمة .
الواقع القائم يفرض على مصر وعلى السلطة الفلسطينية، وعلى اللجنة الرباعية، وعلى كل من يتعامل ويتعاطى مع الأزمة، خيارات حكيمة في أولها فك ارتباط غزة المحررة من التبعية للعدو الصهيوني وقطع يده من التحكم بالكهرباء، والنفط، والغذاء والدواء، وليس صحيحاً البتة أن ذلك جزء من مشروع إسرائيلي للتملص من مسؤولية غزة لإلقائها في الحضن المصري، والقول صحيح إن حركة التحرر، ومساراتها، وآلياتها تفرض تحويل غزة فعلا لمنقطة محررة، تلزم مصر باحتضانها والإسهام في حل مشكلاتها ومعضلاتها، وإلا فمصر نفسها ستتمرد وتصاب بعدوى المقاومة الغزاوية والفلسطينية واللبنانية والعربية، لاسيما وأن ذريعة الالتزام بالاتفاقات مع العدو لأنه قوي وقادر قد سقطت أمام أعين المصرين وعبر بضعة آلاف من المقاومين، فكيف بالحري بمصر وجيشها وشعبها ودورها عندما تستعيده، وباتت عناصر التحفيز كثيرة، وفي أولها ما تكشفه الحال في مصر من أزمات اجتماعية واقتصادية تطلق حراكاً نشطاً وحيوياً تتقاطع أسبابه ودوافعه وتجتمع على مسائل وطنية وقومية واجتماعية وتاريخية وإنسانية.
الحرب على غزة التي شنها العدو الصهيوني، ومازال، ويستعد لتصعيدها العاصف، واستخدم ويستخدم فيها كل ما يمكنه، وما يملكه، وبعد سنة ونصف على حرب تموز، وما استنتجه من خلاصات، وإعادة هيكلة الجيش الإسرائيلي لاختباره في استعادة قوة الردع، وإجراء التمرينات، والتغييرات في قياداته، ووحداته، وبرغم ما بذلته الإدارة الأمريكية من جهود مضنية، شاركت فيها جميع مؤسساتها، وعناصرها التي جابت المنقطة بزيارات مكوكية، وبحضور اجتماعات وعقد مؤتمرات لأجهزة الأمن، والحكام، وأسهمت بفرض حلف عربي يغطي أولمرت، ويخرجه من أزمته، ويوفر البيئة لعدوان يسقط غزة لتكون عبره لسواها، وبعد أن فرضت الإدارة الأمريكية مؤتمر أنابولس وأحضرت 43 دولة لتأمين انفراجات وحمايات لإسرائيل في حربها على غزة، وعلى أثر زيارة بوش التي كانت في حقيقتها تهدف إلى حماية أولمرت ودعمه، وتهيئة المناخات لسحق مقاومة غزة وإسقاطها لتوجيه ضربة مؤلمة لحلف المقاومة والممانعة العربية والإسلامية، من خلال كسر وإسقاط ما كان يفترض أنه أضعف الحلقات، تهميداً لاستكمال الحملة على الحلقات الأخرى بهدف كسر إرادة المقاومة والممانعة، فقد جاءت نتائج حرب غزة إسقاطاً لهذه الجهود، وكشفها على إعطابها، وإطلاق ديناميات جديدة في تطورات أزمة الصراع العربي الصهيوني، وإدخاله في طور جديد من سماتها صعود خيار المقاومة وتحولها إلى القوة القائدة لفصول الصراع واتجاهاته وحراكه وتطوراته.
هكذا يمكن الجزم، بالقول إن الجيش الإسرائيلي، والكيان الصهيوني، وحلفه الدولي، الذي كرس وقته وجهده لإسقاط غزة، فصمدت ولم تسقط بل أسقطت تلك الجهود مجتمعة، بشهادة الكاتب الكبير باتريك سيل الذي قرر أن ما جرى في غزة حدث نوعي يرقى لمستويات ما أحدثته حرب تموز من متغيرات وتأثيرات نوعية وتاريخية، ما يعني أن إسرائيل لن تنجح في استعادة ما تسميه قوة الردع، والجيش العاجز برغم توفر كل تلك الظروف، والشروط الخاصة في غزة، عن قهر غزة والخروج بالحرب عليها بانتصار سيكون حكماً عاجزاً وقاصراً عن تحقيق تقدم ملموس، وعاجز حكماً عن استعادة وهم قوة الردع في مواجهة مع سورية، أو في مواجهة مع حزب الله، أو في مواجهة مع إيران.
والقول موصول، وموثق بأن إسرائيل بلا امتلاكها لقوة الردع، وبعد ما صدر في تقرير فينوغراد، والزلزال الذي ضرب إسرائيل ووحدتها، وقيمها، وقواعد انتظام مؤسساتها، لن تستطيع في يوم أن تعود إلى ما كانت عليه من حال ترهيب العرب والمسلمين، وقد اتخذت التطورات سياقا واتجاها آخر يتقرر بأن قوة الردع تنتقل تباعاً ليد المقاومات وحلف الممانعة وإسرائيل لن تستطيع الثبات والاستمرار والاستقرار بعد الآن، وقد دخلت طور التداعي والتذرر وعصر الهزائم، والانتكاسات التي تتزاحم، دون أن تتوفر لإسرائيل بعد عناصر قوة أو شروط تستعيد عبرها ومن خلالها ما كان لها.
غزة خرجت من الحرب المفتوحة عليها، ومن عملية الشتاء الساخن أقوى مما كانت، وأكثر صلابة ومنعه، وثقة بالنفس، وقد أحرجت حلف الاعتلال العربي، وبعثت أملا في تمرد الشعب في الدول التي تعاقدت مع إسرائيل وأمريكا، وأسقطت محاولات ابتزاز سورية بالقمة، وأسقطت الرهانات على ابتزاز المقاومة اللبنانية بإسقاط غزة، وبعد انتصار غزة صارت إسرائيل اعجز مما سبق عن مجرد التفكير بحرب جديدة ضد سورية أو لبنان فالعاجز في غزة لن يجرؤ على لبنان.
الجليل والضفة في قلب معركة تحرير فلسطين
تفكيك الكيان الصهيوني يبدأ من الجليل
فلسطيني الـ 48 الذين صمدوا، وتحدوا، وأثبتوا على مدى ستين عاماً على اغتصاب فلسطين لتأكيد وتثبيت أنهم الأصحاب الحقيقيون للأرض، وأن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب، بل شعب وأرض عربية الهوية والانتماء، شكل فلسطينيو الـ 48 على مدى ستين سنة الشاهد على الجريمة، والنبض في قضية حق العودة، والحق باستعادة فلسطين عربية حرة، طوال تلك الحقبة كانوا مغلوبين على أمرهم، مهمشين، مضطهدين، تصادر أملاكهم، ويصلب أبناؤهم، ويقتلون في وضح النهار.
منذ عام 1976 في هبة يوم الأرض، وتكرّس موعداً سنوياً لإحياء الحق والتأكيد عليه، قاوم الفلسطينيون بقدر المستطاع وبالإمكانات المتوفرة، والقرار بأن لا يعطوا الكيان الصهيوني وعنصريته، ومتطرفيه الذريعة أو الفرصة لإعادة تشريد أبناء البلد، وأصحابه، فكان الحراك يقتصر على النضال الإعلامي، والسياسي، والمشاركة في الحياة السياسية الصهيونية، والوصول إلى الكنيست لخوض النضال من قلب المؤسسة الصهيونية الغاصبة، ثم صار الحراك نوعياً متقدماً مع الانتفاضة الفلسطينية، والدفاع عن الأقصى، والتضامن والتشارك مع الشعب الفلسطيني في انتفاضته، فتعمقت الأواصر الكفاحية، واستعادة القضية الفلسطينية نفسها على أنها قضية تحررية لكل الفلسطينيين والعرب والمسلمين وأحرار العالم، وأسقطت محاولات أخذ الفلسطينيين والتعامل معهم مجموعات لكل واحدة مطالب اجتماعية.
في حرب غزة الأخيرة، شكل فلسطينيو الـ 48 ومنطقة الجليل أهم وأنشط ظاهرة تضامن مع غزة، وقاموا بالتحركات الاجتماعية والسياسية، وحفزوا الضفة الغربية على الوحدة بدل الانقسام على نفسها بسبب صراعات فتح وحماس، وأسهموا بدفعها للانتفاض على أبو مازن وحكومته، ومواقفه، فتعانق علم فتح مع علم حماس والجهاد والجبهة الشعبية، وخرجت الجماهير تهتف للمقاومة والوحدة.
في انتفاضة الضفة تحقق تحول نوعي في توازن القوى الفلسطينية، فقد أسقطت ورقة التين، وكشفت طبيعة ومشروع حكومة أبو مازن فياض، وحرضت فتح وقواعدها الوطنية، وغيرت من قواعد الصراع التي كانت تقدم وكأنها صراع على المناصب والمكاسب في سلطة غير موجودة إلى صراع على أساس الوطني والقومي، من مع إسرائيل ومع ذبح غزة والتأمر على الفلسطينيين وحق العودة ومن مع استمرار المقاومة نهجاً وطريقاً لاستعادة فلسطين.
حرض إعلان إسرائيل عن الدولة اليهودية والتزام بوش والإدارات الأوروبية بها، وقبولها من قبل نظم الاعتلال العربي وما تم في مؤتمر أنابولس، وحفزت المشاريع الأمريكية العالمية العربية لتمرير اتفاقات تلغي حق العودة وتفرض التوطين على اللاجئين، الكتلة الشعبية الفلسطينية الأساسية، التي يتشكل منها اللجوء، في الضفة، وغزة، وفي بلاد اللجوء والاهم في الجليل وفي أراض الـ 48 حيث باتوا في أولوية الاستهداف الإسرائيلي والمؤامرة الساعية لإعادة تشريدهم لتأمين النقاء العنصري للكيان الصهيوني.
المؤشرات، والدلائل، والمخططات الصهيونية، وأزمة الكيان الصهيوني وعجزه، جميعها عناصر تدفع الضفة والجليل إلى انتفاضة يتخوف منها الإسرائيليون ويسمونها الانتفاضة الثالثة.
تجمع تقارير الاستخبارات الإسرائيلية والعالمية، والتقارير الصحفية على أن الضفة والجليل في حالة غليان، وأن الكتلة الشعبية متماسكة، ومتحفزة للانتفاض، ويتخوف قادة الكيان الصهيوني من انتقال الصواريخ وتقانة الأنفاق إلى الضفة، وقد انتقلت فعلاً، ويتوقع البعض منهم سيطرة المقاومة وحسمها للصراع في الضفة، وتصاعد أعمال الانتفاضة والمشاركة العسكرية لأبناء الجليل في المقاومة وخاصة المسلحة حيث كان في السابق تمنع بقرار واع.
انتفاضة الضفة والجليل الآتية في القريب العاجل، ستكون بكل تأكيد المتغير النوعي الأكثر أهمية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني حيث سينتقل الصراع المفتوح إلى قلب الكيان الصهيوني، وحيث الجليل محمي بقدرة الردع للمقاومة الوطنية ومفتوح جغرافياً على الجنوب اللبناني بعكس الضفة المقفلة على الضفة الشرقية، وغزة المقفلة على رفح ومن جميع الاتجاهات والحدود.
انتفاضة الضفة والجليل ستكون الخطوة الأولى في طريق جعل تحرير فلسطين أمر راهن فقد تحققت كل الشروط التاريخية والذاتية وقد وصفها بدقة سيد المقاومة والتحرير في خطاب أسبوع تأبين القائد الجهادي عماد مغنية.
إنه صاحب الوعد الصادق، وقائد المقاومة التي اعتادت النصر، وكرّست حقيقة مراكمة الانتصارات وحمايتها.
ينبئنا أن ساعة التحرير قد دنت أو اقتربت ونضجت ظروفها
في هذا السياق التاريخي والمتغيرات يجب أن يقرأ تقرير فينو غراد، لا مجرد قراءة النص والتيه في التفاصيل التضليلية.