أ.أحمد ضيف الله:
مداخلتي تتلخص في أن الرعب الإسرائيلي اليوم يتركز على تغيير المزاج الشعبي العربي، الذي اشتغلوا عليه منذ سنين، وأن إسرائيل قوة كبرى لا يمكن هزيمتها، لأن إسرائيل من الصعب إزالتها ويجب التفاهم معها.
حرب تموز أنهت هذه الحالة وأوصلت فكرة للمواطن العربي، أن بضع مقاومين ومقاتلين هزموا قوة إسرائيل العظمى.
الفكرة التي تحدث عنها د.الصواف أن هناك نظرية تقوم على تكسير الأطراف قبل ضرب الرأس، هذا الموضوع تلعب عليه قوى طائفية ومشبوهة لعزل إيران عن دعم القضايا العربية من خلال الترويج أن هنالك احتلالاً أمريكياً واضحاً، واحتلالاً إيرانياً مستتراً وهو الأخطر، وذلك بهدف التأثير على القوى الممانعة في إيران وسورية والمقاومة في فلسطين ولبنان.
أ.محمد علي حبش:
شكراً للأستاذ ميخائيل عوض، ود.توفيق الصواف وأود أن أسأل أسئلة عدة:
1- إلى أي مدى يمكن لتداعيات نتائج تقرير فينوغراد وحرب تموز 2006 أن تؤثر على خطط واستراتيجيات الحرب النظامية، هل سيطرأ تغيير فيما لو حصلت حرب مستقبلية بين إسرائيل وسورية أو بين إسرائيل وإيران، أم أن هناك خططاً أخرى تتناسب مع ما حصل في حرب تموز.
2- هل لعب الإعلام العربي وخاصة الإعلام المقاوم وبالتحديد قناة المنار دوراً في إيصال رسائل مفادها أن إسرائيل هي عبارة عن وهم كما تفضلت.
3- ما موقع نتائج تقرير فينوغراد على محادثات السلام، فيما لو استؤنفت لطالما أن إسرائيل لن تواصل التفاوض ما لم تستطع استعادة ردعها، وشكراً.
أ.علي النبوتي:
أنا أعتقد أن الإدارة الأمريكية كان لها دور كبير في صياغة تقرير فينوغراد، لأسباب تتعلق بصالحها، فالإدارة الأمريكية أصبحت تريد أن تكون الحكومات الإسرائيلية ضعيفة وفق المقاس الأمريكي، لأن القادة الإسرائيليين التاريخيين، هم المؤثرون في الإدارة الأمريكية، والسؤال: هل خلت إسرائيل من قادة تاريخيين، وهل أصبحت الإدارة الأمريكية تخطط لأن تخلي إسرائيل من قادة تاريخيين يؤثرون على قراراتها وشكراً.
تعقيبات وردود
تعقيب أ.ميخائيل عوض:
فعلاً هناك متغيرات في البيئة الاستراتيجية عالمياً وإقليمياً ومحلياً وعربياً في الصراع الإسرائيلي وداخل إسرائيل، أفهم أن هناك منهجاً علمياً، وإذا كان هناك صراع وأنت تنتصر تحسّب لعدوك، وأن هناك فرقاً بين تحسّب وبين ألا تريد أن ترى الحقائق والوقائع، هناك حديث حول أن إسرائيل ستنتهي وأن الهجرة المعاكسة وافتقار الدور الوظيفي ومع هذا نظل مرتابين في الإجابة عن سؤال إمكانية زوال إسرائيل.
في تقرير فينوغراد المتابع للصحافة والتقارير الإسرائيلية، تظهر مشكلة في عصب الوجود الكيان الصهيوني وقدرته على الاستمرار، هو غياب القادة التاريخيين وغياب الحركات السياسية والتاريخية، فإسرائيل دخلت مرحلة تذرر وتشظٍ، ولذلك مثلاً من بين الأسباب التي حالت دون أن تمارس لجنة فينوغراد المنهج العلمي والقيمي التي كانت تقوم به إسرائيل هو الخوف على حالة الفراغ، لأنه إذا سقطت هذه الحكومة لا يوجد بدائل، ويمكن أن تذهب إلى مرحلة تذرر طويلة.
أحدكم يسأل ويجيب، عندما يعجز مجتمع عن توليد قوة تاريخية حاملة لمشروعه هناك مؤشر على أزمة وجودية وإسرائيل أحد هذه المؤشرات.
أنا شخصياً لا أعتبر أن أمريكا تريد إسرائيل بلا زعامات تاريخية أو بلا زعامات كبرى، أمريكا تريد إسرائيل بزعامات تاريخية كبرى، بدلالة أن شارون جاء بدعم أمريكي واتُهمت الإدارة الأمريكية الحالية بأنها شارونية، وأصبحوا يسمونهم الليكوديين في البيت الأبيض، ولكن أصبحوا عاجزين عن إنتاج هذه الظاهرة التاريخية، وأصيبوا في هذه الانتكاسة، وهذه الحقيقة يجب أن نبدأ بالتمرن عليها، فهي ليست جديدة، فكل عقد التسعينيات إسرائيل عجزت عن توليد قوة حاملة للمشروع، وتسعة من الكنيست الإسرائيلي لم تتم دورتها التاريخية، نتحدث عن متغيرات الآن، لكن أساسها نشأ في مرحلة زمنية أخرى.
الأسئلة الأخرى التي طرحت مهمة جداً.
أنا مثلاً عندي اطلاع دقيق على تجارب حركات الشعوب والحرب الشعبية طويلة الأمد والحروب بمختلفها، في تقانة الحروب لا يوجد شيء جديد، لا يوجد شيء مختلف عن التاريخ، كل حرب تحدث بين جيش نظامي ومقاومة، ومقاومة صلبة، تأخذ نفس السياق.
مثلاً لنأخذ تجربة الجزائر، تجربة اليمن، من التجارب العربية، تجربة المقاومة الفلسطينية مثل معركة الكرامة عندما كانت، أو لنأخذ التجربة الفيتنامية، لنأخذ التجربة الصينية، بالقانون، الأمر واحد لكن يجري دائماً الصراع بين جيش نظامي وقوى غير نظامية يسمونها الحرب المتوازية، وليست المتوازنة، هذا له عقلية، وهذا له وسائل، وهذا له طرائق، وهذا له تكتيكات، وهذا له مكان آخر، ويصير الصراع، وبكل حرب جرت كان النصر النهائي فيها لخيار حرب الشعب طويلة الأمد والمقاومات من فجر التاريخ إلى اليوم.
هذه الحرب تحديداً جرى اهتمام عسكري عالي، إلى درجة بدأت تجاربها وخلاصاتها تدّرس في كل الأكاديميات العسكرية، وبالمناسبة الطرفان المعنيان بالصراع، فلنأتي إلى سورية وإسرائيل، فكلاهما أقام دراسة دقيقة لما جرى، بدءاً من الوسائل والأسلحة ونوعيتها إلى الاتصال إلى التشكيلات العسكرية، وكلاهما بدأ يعد أجزاء من جيشيه في مواجهات من هذا النمط، ومع أن هناك فارقاً جوهرياً قلت إني قرأت التقارير العسكرية بخلاصات حرب تموز، جاء إيهود باراك حتى يعيد هيكلة جيشه، وأعدّ استراتيجيات تركز على القوة البرية، هذا بدأ خطأ، لماذا إسرائيل تريد الذراع الطويلة والتكنولوجيا، وكانت تريد الحرب على أرض الغير، لأنها لا تملك قوة بشرية، تعمل كقوة برية، التي تحتاج إلى كتلة بشرية، وهم قاموا بدراسات لكنهم ذهبوا إلى الخطأ مثل كل المهزومين دون استغراب لهذا الأمر ولهذا الجانب.
في الحروب القادمة إن وقعت الحرب أجزم بأن النهاية ستكون لإسرائيل، ليس فقط لأن السيد نصر الله قال ذلك ووعده صادق، لأن ميزان القوى، ولأن المتغيرات في البيئة الاستراتيجية تفعل ذلك، القنبلة النووية ليست للاستخدام بالصراع العربي الإسرائيلي.
الآن التوازن المرعب لإسرائيل هو التدمير المتبادل، والفارق أن 100 ألف قتيل في إسرائيل، لا تبقي يهودياً واحداً في إسرائيل، لأنهم سيغادرون، هناك فارق جوهري بالجغرافيا والبشر الخ.
الآن لماذا إسرائيل مرتهبة؟ لأنه أصبح بالنسبة لديها يمكن أن تدمر سورية البنية التحتية في إسرائيل وثمنها 300 مليار دولار، لكن سورية دولة زراعية تعيد إنتاج بنيتها التحتية، فيما لو دمرت بنيتها التحتية، إسرائيل (تكنولوجية) لا تستطيع إعادة بنيتها التحتية، لذلك أصبح هناك جدار وتوازن رعب خطير، وأقول من هنا انتبهوا في عقل عبقري ومبدع ذاك الذي قرر نقل المعركة إلى الضفة والجليل، نحن محور المقاومة والممانعة، قمنا بالصد والحماية والقوة القادرة على لجم إسرائيل من تهجير غزة والضفة، وإبادة فلسطيني الـ 48.
ماذا تفعل السماء الفولاذية لإسرائيل؟ في ظل غياب الأرض الفولاذية، هذه نقطة لا يستطيع العقل الإسرائيلي حلها، مهما توصلوا إلى تكنولوجيا لمنع الصواريخ، لكن ماذا عن ذاك الذي دخل إلى مصنع التطرف اليميني الإسرائيلي وأطلق أكثر من 400 رصاصة، وقتل من قتل وجرح من جرح، كيف تستطيع إسرائيل مواجهة هكذا حالات عن طريق التكنولوجيا، هذه هي المعادلة الجديدة.
تابعنا وناقشنا كثيراً من عام 2000، هُزمت إسرائيل لن تنام على الهزيمة، هي ستستعيد قوة الردع، من يومها عندما هزمت دون قيد أو شرط، وإسرائيل تاريخياً تبلطج على العرب لأن لديها قوة احتلال، تحتل الأرض وتبقى فيها حتى تأخذ الاستسلام، وليس السلام، وهي قوية، التجربة اللبنانية قالت قصصنا يد الاحتلال، فأصبحت تحتل، وتأكل ضربات، وتنسحب ولا نعمل شيئاً، حرب تموز قيمتها أنها قطعت اليد الثانية وهي قدرة الردع أو قدرة الضرب في عمق الأرض، فماذا لدى إسرائيل، أنا أقول دعونا نناقشه ليس بتفاؤل وليس بروحية قومية، ولكن لنقرأ الوقائع.
النقطة الثالثة: إذا ميخائيل عوض قام بشهادة أن إسرائيل بأزمة وجودية وقد افتقدت دورها الوظيفي مسموح أن يشكك الناس فيه، وإذا كان أولمرت هو من قال ذلك، لماذا نشكك فيه، لماذا لا نقبل الحقيقة، اسمعوا ما قال أولمرت أول أمس بخطاب، إن إسرائيل قادرة وقد وضعت نهجاً استراتيجياً لبناء توازن ردع مع حركة حماس، انظروا أين كنا وأين صرنا؟ أنا أذكر أن القائد الخالد حافظ الأسد رحمه الله، بعد حرب تشرين وخروج مصر قال الآن هدفنا أن نبني توازناً استراتيجياً في مواجهة إسرائيل، قامت القيامة وإلى الآن يكتبون كم سورية تستطيع أن تعمل توازناً، وكان منطقياً أنك تسعى لأن تعمل توازناً مع إسرائيل المحمية أمريكياً وأوربياً، بينما إسرائيل التي تريد أن تعمل توازناً مع حركة حماس ذات الحجم الصغير أيضاً، وهذا كلام أولمرت وليس كلام ميخائيل عوض.
وصحيفة هآرتس أثناء الاشتباكات بحرب تموز في اليوم الـ 17، نزلت على شريط قناة الجزيرة، حرب تموز أكدت أن إسرائيل كلب صيد أمريكي فقد قدرته، فماذا تفعلون أنتم يا صيادة إذا فقد كلب الصيد قدرته على جلب الطريدة، إما تشردوه أو تقتلوه، نعم لقد فقدت إسرائيل دورها الوظيفي، وكم يسهل التعبير الذي يدل على ذلك، أتوا بإسرائيل ووضعوها قاعدة لتفتت المنطقة العربية، وتستضعفها وتوهمها وتؤمن للغرب أن يسيطروا، 4 تريليون دولار (الأمريكيون والأوربيون) مع السنوات الأخيرة.
الآن إسرائيل ماذا تريد؟ تريد أن يأتي الأوربيون والأمريكيون على غزة والضفة وجنوب لبنان ليحموها، ولكن أتوا بها لتحمي مصالحهم، الكلب صار يطلب من سيده أن يصبح كلباً ليحميه.
هذا الكلام كان قد قاله شمعون بيريز عام 1992 في كتابه الشرق الأوسط الجديد، ولذلك أقنع باراك وقال له اذهب والآن وقت التسوية، أعطوا وديعة لسورية، ودعنا نعمل تسوية وإلا لم يعد هناك وجود للكيان الصهيوني، فركب التطرف اليميني رأسه وقتل رابين، وطارت التسويات.
الصراع العربي الإسرائيلي مفتوح على أشكال من التوتر، منخفض الوتيرة أو مرتفع الوتيرة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، إما أن يبيدوا العرب والمسلمين وهذه قدرة مستحيلة، أو أن يتفكك الكيان الصهيوني وهذه قدرة أصبحت في اليد، كإمكانية، كقدرة في هذا الجانب، لذلك إسرائيل وهي قوية لم تنجز تسوية، وهي ضعيفة، العرب لن يقوموا بالتسوية، انتبهوا هناك صراع قومي على الأرض، هذه فلسطين إما لنا أو لهم، فقلنا لهم سنعطيكم فلسطين 67 ومشروع التسوية، فقالوا لا هذه لنا كلها، تتذكروا كل النقاشات، مع أنه قدمت تنازلات، فجاء شارون أبو الاستيطان وقال سنعطيكم غزة، فأصبح الميل الراديكالي في المنطقة، مجرد الاعتراف بغزة فهي لنا، من أرض الميعاد، وذهبنا إلى هذا السياق الراديكالي.
الملاحظة الأخيرة: سيبقى الصراع العربي الإسرائيلي حاضراً، انتبهوا هناك أربعة متغيرات في البيئة الاستراتيجية للصراع، هي حاكمة لمستقبل هذا الصراع، ما هي:
أولاً، لم يعد هناك دولة إمبراطورية قادرة على حمل كلفة إسرائيل وحمايتها، انظروا ماذا يحصل في الولايات المتحدة، لا أحد يفكر أن هذه الأزمة الاقتصادية التي فيها أونصة الذهب 1100 دولار، وبرميل النفط 112 دولاراً، والانهيارات تمر دون هزة وزلزال بالاقتصاد العالمي يضرب في الولايات المتحدة وأوربا، لأن آسيا تصعد ولا تتوتر في المستوى نفسه، وهنا تفتقد إسرائيل إلى قوة حامية داعمة ممولة، إسرائيل بدونها لا يمكنها، وهذا نص إسرائيلي.
ثانياً، تفتقد أمريكا وإسرائيل لخمس نقاط ارتكاز كان قد بني عليها المشروع الغربي للسيطرة على المنطقة طيلة القرن العشرين، وهي: إسرائيل في أزمة وجودية تفقد دورها الوظيفي، إيران قوة إقليمية حامية وجزء من معركة إسقاط السيطرة الغربية، تركيا في حالة تبدل ولم تعد تقبل أن تقوم بدور وظيفي، باكستان دخلت مرحلة الاضطراب، أقله ليست أداة قادرة على استخدام أمريكا، والأقليات في المنطقة العربية.
فكيف للغرب أن يبقى مسيطراً على هذه المنطقة بالقوة العسكرية، نحن من 1982 في حرب عالمية رابعة مادتها العرب والمسلمين وعلى أرضهم، فماذا يستطيعون أن يفعلوا سوى حشد 300 ألف جندي أمريكي في العراق مثلاً، عاجزين أن يأتوا بـ 5000 جندي على أفغانستان، وصار هناك مشكلة داخل الأطلسي، لماذا نبقى مرتهبين، خائفين، مفترضين أن التاريخ جامد عند 1967 عندما هزمنا ولم نعد نملك أي شيء، مر على ذلك 40 سنة تبدل الكون، تغير العالم وتغيرت توازناته وموازينه.
الأهم من ذلك كله للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي انتقلت الراية وانتقلت القوة أو الأسباب التي تصنع أداة الصراع من يد النظم إلى يد الشعوب، الآن الذي يقرر مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي هو المقاومة في غزة والضفة الغربية والمقاومة في جنوب لبنان، لم تعد القمة العربية، لم يعد النظام الرسمي العربي ولم تعد النظم، هذه القوى تملك صفتين خارج كل الصفات التي تمتلكها كل المقاومات، راديكالية وذات بعد ديني، حماس تأسست على أن فلسطين أرض وقف لا يجوز التفاوض عليها، وأرض الرباط والمسجد الأقصى، وحزب الله تأسس أن المصافحة اعتراف، لم يقبل بمصافحة الإسرائيليين، فما بالكم التفاوض.
فهاتان القوتان اللتان تقومان بهذا الصراع وفصوله، فمن يذهب للتفاوض، لذلك ولو أطلت أحاول أن أكرس آلية جديدة ومنهج جديد وعقلية جديدة في التفكير، كي لا نبقى محكومين دون أن يعني ذلك أن نستصغر عدونا، علينا أن نقدره تماماً، وأنا أقول نعم يجب أن يبقى لدينا سؤال أنهم أولاد الشياطين يجب أن يكونوا يفكرون لنا بشيء ما، ماذا يريدون أن يفعلوا؟ أنا أقول ماذا يريدون أن يفعلوا، الجوهري بمعركة الغرب وإسرائيل أو حلف الاعتلال العربي، أنه حاولوا إسقاط الدروع، تبين أنها صلبة لأن هناك صدراً وذراعان تحملها، حاولوا في لبنان وفي غزة لم يستطيعوا، لماذا؟ لأن هناك الصدر والذراع، علينا أن نقطع الذراع، أين؟ في سورية، كيف؟ يحاولون أخذ سورية عبر وسيلتين: التخريب الأمني، والتوترات الاجتماعية، سياسات غير مدروسة، ارتفاعات أسعار، فتنة على الدولة، هكذا على الأقل مشروعهم ومخططهم ليواجهوا فيه.
بالحروب وبالأشياء الأخرى، لا أعرف، أعتقد أنها صارت وراءنا، وبالحالات كلها حتى ولو تجرؤوا على خوض حرب ستكون حرب إنهاء إسرائيل، فلا تستطيع القول إن الإسرائيلي لا يقدم على مغامرة تنهي نفسه، هذا شيء ثاني، ولكن ليس حرب ينتصرون فيها ويستعيدون قوة الردع.
تعقيب د.توفيق الصواف:
في الحقيقة سأعلق تعليقات سريعة، حتى لا أطيل أكثر من ذلك.
بالنسبة لمسألة توازن الرعب، حقيقة بالنسبة لإسرائيل كما تفضل الأستاذ ميخائيل القنبلة الذرية لم تصنّع من أجل استخدامها، هي فقط عملية تخويفية، لذلك يبقى العامل الفعال هو الإنسان، بالإضافة إلى الآلة العسكرية، لكن ثبت أن الإنسان يمكن أن يتصدى لهذه الآلة بشكل ما وإن كانت الخسائر فيها ستكون كبيرة.
بالنسبة لتغير المزاج الشعبي في إسرائيل، وتغير الشارع الإسرائيلي، هناك الآن معاناة وقد أشير إليها بشكل واسع في مؤتمر هرتزيليا، إلى أن هناك انخفاضاً في الروح المعنوية عند كثير وخاصة شريحة الشبان الإسرائيليين، إضافة إلى انخفاض في الانتماء الأيديولوجي، ومجموعها مع بعضها يشكل الرؤية الصهيونية للانتماء الوطني، هذا الأمر تم الحديث عنه.
مسألة إنتاج قيادات تاريخية أيضاً تطرقوا له، وقالوا إنه يجب التفكير مجدداً بعملية إنتاج قيادات تاريخية إسرائيلية، والسبب أن اتهموا المؤسسات التعليمية العليا والمؤسسات الأيديولوجية لديهم بأنها باتت عاجزة عن تخريج نخب جديدة تستطيع أن تقود إسرائيل في هذه المرحلة التي يصفونها بالصعبة ولا يتحرجون من ذلك.
بالنسبة للإعلام، أنا لن أضيف جديداً، كلنا يعلم أن الإعلام الذي واكب حرب 2006، خصوصاً الإعلام المقاوم وقناة المنار وحتى بعض المحطات الفضائية الأخرى لا نستطيع أن ننكر دورها، كان له دور كبير في عملية هزيمة إسرائيل إلى حد ما، الإعلام شدّ أو رفع من الروح المعنوية العربية وخصوصاً في الشارع، أضعف من الروح المعنوية الإسرائيلية في الشارع الإسرائيلي، ولذلك لاحظنا أنهم وضعوا (الإسرائيليون) قيوداً مشددة على عمليات التصوير ومنعوهم من الاقتراب تحت حجج أمنية من أماكن الحدث، وخصوصاً مواقع سقوط الصواريخ، حتى لا تحدث فزعاً جماعياً في المجتمع الإسرائيلي، والإعلام العربي لم يكن – إذا أخذناه الآن بمجمله في محصلة عامة ـ كان أقل بكثير، كان أقل بكثير من حجم الحدث، من يتابع الأمر كان يتصور أن هناك عملاقاً عظيماً جداً يسير بثقة وبهيبة.. الخ، وكان الناطق باسمه هو عبارة عن قزم صغير للأسف.
واسمحوا لي بهذه العبارة، أنا آسف جداً ولكن هكذا بدا الأمر لبعضنا وأتصور أنه صحيح إلى حد كبير، كان ينبغي تطوير الأداة الإعلامية العربية حتى تستطيع مواكبة حدث كهذا، وكانت جعلت منه شيئاً عظيماً جداً ولكن لم تفعل، على كل الأحوال ما تم تقديمه في تلك الفترة أتصور أنه كان أفضل مما مضى على الأقل كان الإعلام ينقل أن فلاناً قتل، والمنطقة الفلانية دمرت وإلخ وينقل الصورة، فلم تعد الجريمة الإسرائيلية في الخفاء كما كانت في الـ 48 أو الـ 67.
بالنسبة للمشروع الصهيوني ومستقبله، الحقيقة أحد الصحفيين الإسرائيليين وهو يوئيل ماركوس منذ فترة السبعينيات وحتى الآن ليس صغيراً، وصف إسرائيل في مقالة له بأنها كلب حراسة، كما استخدام الأستاذ ميخائيل العبارة نفسها، كلب حراسة متوحش أوجدته الإمبريالية الغربية في المنطقة، مربوط بسلسلة قوية وطويلة جداً أولها حول رقبة هذا الكلب وآخرها في يد صانع القرار الأمريكي بالبنتاغون، وعندما يشعر صانع هذا القرار بأن أي مصلحة من مصالحه في المنطقة تعرضت إلى خطر، أو على وشك أن تتعرض إلى خطر، ما عليه إلا أن يشد هذه السلسلة، فيفهم الكلب دوره فيقوم بعمله.
الآن هذه الصورة – حتى لا نبالغ كثيراً – فعلاً فقدت الكثير من قوتها ومن بنيتها، إسرائيل الآن تعاني من فقدان دورها الوظيفي وتعاني من قلق حقيقي، من أن ينتهي هذا الدور تماماً، وعندها كما ذكر، بدأت أصوات كثيرة تنادي بألا نركز اعتمادنا المستقبلي كله على الجهة الأمريكية تعالوا ننوع مصادر الدعم، لنأخذ قليلاً من أوربا ونشهد هذه الحركة الناشطة بين دول الناتو وإسرائيل، وتعالوا لنحاول بناء جسور مع الدول الآسيوية الناهضة، وخصوصاً التي تسمى بالقطط السمان الآن، مثلاً الصين وغيرها، هذه القوى علينا أن نحاول أن نركب موجتها في حال سقط العملاق الأمريكي لا نجد أنفسنا في مواجهة مباشرة دون حماية مع القوى العربية.
هناك الكثير مما يمكن أن نتكلم عنه في هذه العجالة، ولكن أريد أن أختم بشيء مهم جداً، مرة أخرى أقول: لا نستهين – رغم تفاؤلي أنا أشارك الأستاذ ميخائيل تفاؤله، ولكن علينا كما أنهى كلامه أنهي كلامي علينا ألا نستهين بهذا العدو، ليس سهلاً إلى تلك الدرجة، ليس من الممكن إزالته بين يوم وليلة، هناك ظروف كثيرة يجب أن تتوفر وهذا رأيي أنا، من خلال متابعة طويلة، ليس في الجانب الإسرائيلي.
حتى الآن المشكلة في معظمها تكمن في الإنسان العربي، هناك ضرورة كبيرة لمحاولة النهوض بهذا الإنسان، لاحظوا عندما تحدث كارثة في إسرائيل ككارثة تموز 2006، يستنفر المجتمع الإسرائيلي بكامله لترميم ما تهدّم ليس من الأبنية والشركات، وإنما من الإنسان، قرأت ما يقارب 80 بحثاً مما نشر في مؤتمر هرتزليا، أكثر من ثلثي هذه الأبحاث تركز على إعادة بناء الإنسان الإسرائيلي والنفسية الإسرائيلية في حين أننا أول ما نفكر به بعد انتهاء الحرب هو بناء ما تهدم من أبنيتنا ومؤسساتنا.
الحقيقة نحن بحاجة إلى إعادة بناء هذا الإنسان، هذا الإنسان الذي ظلم وأهين كثيراً، حتى بهذه الهزائم التي لم تكن له يد فيها.
أتصور أنه من الضروري جداً حتى ولو لم تكن كل الأجواء مناسبة أن نتفاءل، يجب أن نتفاءل لأننا بالنهاية أصحاب قضية، ولأن لنا رسالة يجب ألا نتنازل عنها، وأرجو من الله صادقاً أن تنتهي مأساة الإنسان العربي قريباً، حتى يستطيع أن يثبت للعالم مرة أخرى أن هذا العدو المسمى إسرائيل وحتى الذين يقفون وراءه مجرد وهم.