الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بعد ستين عاماً على اغتصاب فلسطين
نص مداخلة د. يوسف سلامة
 
شكراً جزيلاً وطاب صباحكم، افتتح كلمتي هذه التي ستكون سريعة جداً، بتوجيه الشكر لأصحاب هذه الدعوة، القيادة القومية وحزب البعث العربي الاشتراكي، ودار البعث، وأشكر حضوركم لهذه الندوة، من غير المألوف عادة أن ننتدي صباحاً، ننتدي عادة مساءً، إذاً حضوركم هذا عمل استثنائي وعمل إرادي وطوعي أشكركم عليه باسمي وباسم زميلي.
الحقيقة أنا أحب أن أتحدث عن الخطاب الفلسطيني، كيف تكّون هذا الخطاب وكيف تطور؟ وما مآل هذا الخطاب أو مستقبله؟
يمكن البدء من ملاحظات تاريخية هامة:
أولاً: الشعب الفلسطيني كما تعلمون بنيته الأساسية بنية ريفية فلاحية، فأكثر من 90% من أبناء الشعب الفلسطيني ما قبل عام 1948 كان أكثر من 90% من سكان الريف العاملين في الزراعة، في حين كان سكان المدن بحدود 10%، هذا يعني ببساطة أن النخبة الفلسطينية قد ولدت ضعيفة لأن النخبة دائماً هي بنت المدينة، وهذا له أسبابه التاريخية المعروفة التي لا نستطيع الخوض فيها الآن، ولكن النخبة دائماً تتكون في المدينة، والنخبة الحقيقية أكثريتها تنتسب إلى الطبقة الوسطى من طبقات المجتمع.
في فلسطين كان سكان المدن يشكلون أقلية واضحة، ولم يكن سكان المدن يشكلون طبقة وسطى بالمعنى المفهوم للكلمة، بقدر ما كان هناك نخبة إقطاعية مالكة للأرض ومجموعة من الناس الذين يعيشون على تأدية نظام الخدمات في المدينة، هذا معناه أن النخبة الفلسطينية التي كانت تقود النضال الوطني الفلسطيني ابتداءً من بداية القرن الـ 20 هي نخبة ضعيفة، تتكون من اتجاهين أساسيين: اتجاه ديني، واتجاه ارتبط أيضاً بالعائلات والعشائر والقبائل الكبرى الفلسطينية، وتداخلت المصالح بين هذين الفريقين، حتى إننا إذا فحصنا الخطابات المختلفة التي صدرت عن مختلف أبناء النخبة الفلسطينية لا نكاد نجد فيها تمايزاً شديداً يسمح لنا أن نستنبط أن هناك تيارات نخبوية أو إمكانات لطرح بدائل كثيرة على المستوى الذهني والفكري لبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية، من هنا هذه النخبة الضعيفة تركت بصماتها على كل نضال الشعب الفلسطيني ابتداءً من مطلع القرن الـ 20.
ثمة ملاحظة أخرى لا بد من إبرازها، هي أن الثورات الفلسطينية بجملتها وخاصة سنة 1936 هي ثورات ريفية وكان قادتها من الريفيين بصورة خاصة أو من القريبين من العقلية أو الذهنية الريفية، وأنا هنا أصف لا أقيم هذا سيء وهذا حسن، في المقابل كانت علاقة النخبة بهذه الثورة علاقة ضعيفة، فكانت الثورة تعمل عملها وتواجه المحتل، تقاتل الإنكليز والصهاينة بمنهجها هي دون أن تكون مسترشدة بالكثير من الأحيان بمخطط عقلاني أو ببرنامج سياسي واضح المعالم، ومن هنا أيضاً لعدم وجود نخبة مثقفة مؤهلة من الناحية السياسية ومن الناحية الإيديولوجية، لم تكن الثورات ولا الهبات ولا الانتفاضات الفلسطينية تستطيع أن تسير إلى نهاية الشوط وتقطف الثمار التي كان يمكن قطفها من التضحيات الهائلة التي تم تقديمها.
فإذاً الثورات الفلسطينية كانت هي أيضاً ذات بنية ضعيفة، بسبب افتقارها إلى برنامج عقلاني واضح وأهداف محددة مرسومة وإنما هناك أهداف عامة، ويعرف الجميع منكم في ثورة 1936 على سبيل المثال، كان الإنكليز يلاحقون الثوار باعتبار أنهم يرتدون الملابس الريفية (الحطة والعقال)، فأجبر الثوار " أفنديات " المدن على أن يلبسوا الحطة والعقال ويجلسوا في المقاهي في حيفا ويافا حتى إذا ما نجا الثائر بنفسه من عملية ما ضد الإنكليز أو الصهاينة اختلط بالقوم فبدا القوم كلهم وكأنهم ريفيون فلاحون فلا يستطيعون فرزه بهذه السهولة.
هذا الضعف الذي ميز (بالمعنى السلبي) النخبة الفلسطينية منذ ولادتها وتكوينها، واجهه بالمقابل قوة في النخبة الصهيونية، لأن النخبة الصهيونية هي نخبة أوربية قد جاءت من أوربا تحمل أعلى تأهيل، وكانت مدعمة بسلطة الانتداب الذي سهل لهذه النخبة الصهيونية أن تحقق برامجها ابتداءً من عام 1875 وانتهاء بعام 1948 وهو تاريخ قيام دولة إسرائيل.
أيضاً، الشعب الفلسطيني لم يكن مؤهلاً لخوض هذا الصراع بمفرده ضد نخبة أوربية (عندما نقول صهيونية نحن نقول أوربا)، متقدمة وتملك كل القرارات من حكومة الانتداب التي تيسر لها أن تصل إلى ما تريد، الآن، النكبة وقعت عام 1948 ولم نبكِ عليها، ولم نلمْ الحكام العرب، ولم نقل طلب الحكام العرب من الفلسطينيين مغادرة البلاد، لأن هذا يعكس ضعف النخبة الفلسطينية التي لم تكن تستطيع أن ترى ما يجب أن يعمل، وأكثرية النخبة الفلسطينية كانت قد سبقت المواطنين الفلسطينيين العاديين الريفيين إلى بيروت ودمشق، والقاهرة وغيرها من العواصم العربية وبعض أبناء هذه النخبة من بداية القرن باعوا كثيراً من أملاكهم إلى الحركة الصهيونية وصفّوا حساباتهم مع هذه الأرض، وانسحبوا مبكرين من الصراع، وإذا عدتم إلى كتب التاريخ تعرفون أسماء العائلات التي سارعت إلى بيع 200 ألف دونم أو أكثر عام 1910، وقعت النكبة عام 1948 ولم يكن بد من وقوعها، فتحول الريفيون، لأن النخبة الفلسطينية ظلت في المدن في بيروت ودمشق والقاهرة، سواء الهيئة العربية العليا أو غيرها، لم يختلف أسلوب حياتها، وظلت تدعو إلى القضية الفلسطينية على طريقتها الخاصة، وأنا فقط أناقش طريقتها ولا أناقش نواياها، لديّ ثقة بوطنية الأكثرية، ولكن الأسلوب والمنهج هذا مرتبط بالتكوين والبنية.
فإذاً النكبة عندما حدثت عام 1948 تراجع الشعب الفلسطيني خطوة أخرى إلى الوراء فتحول الفلاح إلى لاجئ، وتحول ساكن القرية إلى ساكن المخيم، وهكذا سجل الشعب الفلسطيني تراجعاً شديداً عندما تحول معظم أبناء الشعب الفلسطيني إلى سكان المخيمات.
ما معنى أن يكون الإنسان ساكن مخيم، وأنا إنشاء الله قريباً سيكون هناك كتاب حول هذا الموضوع، الآن ببساطة أن ساكن المخيم يعيش معلقاً خارج الزمان والمكان، لأن الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية أو مكان هندسي محايد، كل وطن في الأصل هو رقعة جغرافية من الأرض ومكان هندسي محايد، ولكنه تحول إلى وطن ببساطة، عندما فرض شعب ما، روحه وبنى ثقافته فوق هذه الأرض، فأخرج هذا المكان الهندسي من لا مبالاته ومن عدم اكتراثه بكونه فارغاً أو مليئاً.
كما أن بناء الثقافة التي هي جزء لا يتجزأ من بناء الوطن، الذي يحول المكان من مكان محايد إلى مكان ينتسب إلى شعب أو أمة بعينها، إن الزمان أيضاً لا بد من أن يُستدمج أيضاً في هذا المكان، ذلك لأن الإنسان لا يبني ثقافته ولا يعيش وجوده ولا ينتج حياته خارج الزمان، ومن هنا فالوطن هو اندماج للزمان والمكان داخل مكان كان في الأصل محايداً، هذا الاندماج بين الزمان والمكان أصبح يطبع رقعة معينة بطابعه ومن ثم تحول إلى وطن فلسطيني أو وطن سوري أو وطن عربي بالمعنى العام الأوسع للكلمة.
الأرض الفلسطينية لها خصوصيتها، فكان هناك ثقافة فلسطينية، هناك أدب وشعر فلسطيني، هناك أدب شعبي فلسطيني، ربما أقوى من كل الآداب الأخرى، ولكن عندما أصبح الإنسان ساكناً في المخيم لم يعد المكان الذي يقيم فيه له سيادة عليه، ومن ثم أصبح الفلسطيني، يعين حياته ويعيش ثقافته كلها في الذاكرة، لأن المكان لا سلطان له عليه، ومن ثم فهذا هو المعنى العميق للمخيم، وهذا هو المعنى العميق للجوء، ألاّ يكون لك سلطة ولا سيادة على المكان بحيث تعين روحك فيه، وبحيث تعين ثقافتك فيه، وتنتج نفسك فيك، بحيث تتفاعل معه كما تدخل منه تعيد إنتاج نفسك فيه وتغرسها من جديد في النباتات وفي الأشجار، وفي كل شيء.
هكذا اجتث الفلسطيني من الأرض وتحول إلى ساكن مخيم لا سلطان له على هذه الأرض، التي أصبح يقيم فوقها، فالأرض مستعارة، والإنسان فاقد للإرادة، وهكذا تراجع الخطاب الفلسطيني بل أصبح مفقوداً، لم يعد هناك خطاب فلسطيني لفترة طويلة، وأصبح الخطاب الفلسطيني كله قائماً في الذاكرة، لفترة طويلة من الزمن، منذ عام 1948 تقريباً حتى الستينيات من القرن الماضي.
في الستينيات من القرن الماضي أنتج المخيم عنصرين:
أنتج مخيلة خصبة، ذلك لأن الذاكرة قد أُجهدت فلم يكن بد من تنمية ملكة أخرى حتى يحدث توازن في الشخصية الفلسطينية، ولذلك أنتج المخيم (لم يكن بد له من أن ينتج أمرين) الأول هو المخيلة الخصبة، وهذا ما تبدّى في الأدب الفلسطيني شعراً وقصةً ومسرحيةً وروايةً، وبصورة خاصة في الشعر الفلسطيني، واليوم، نشهد تقدماً هائلاً في تكنيك الرواية وفي كتابة الرواية الفلسطينية، وهذا شاهد قوي على أن ثمة شخصية فلسطينية موحدة، لأننا نستطيع أن نلمس خصائص معينة لهذا الأدب، كذلك هناك نهضة في الأدب التشكيلي الفلسطيني، مما يشهد على أن هذه المخيلة قد فعلت فعلها فعلاً، وأنا أيضاً إذا راجعنا أعمال الرسامين التشكيليين الفلسطينيين سنجد أن ثمة سمات مشتركة بين هذه الأعمال تسمح لنا بأن نسميها فلسطينية، ولا أنسى الموسيقا أيضاً، في أوربا هناك الكثير من العازفين والمؤلفين الفلسطينيين المهمين جداً الذين - ربما أكثرنا هنا لا يعرفهم - يؤدون الأعمال الفلسطينية ولا يؤدون الأعمال الأوربية، يقدمون الأعمال الفلسطينية الشعبية بقوالب جديدة محببة جداً لدى الأوربيين، وخاصة لدى الفرنسيين (مثلاً).
الشيء الثاني الذي نجح المخيم في إنتاجه هو المقاومة، وهكذا عوّض المخيم ضعف النخبة، ما كان يجب أن تنهض به النخبة نهض به المخيم، نتيجة مخاض قرابة عشرين عاماً من التجارب السياسية والإنسانية والثقافية، وبعد أن اكتسب أولاد المخيم أبناء الريفيين البسطاء المعرفة والثقافة، فظهر هذان الإبداعان العظيمان وهما: المخيلة بما أنتجته والمقاومة فيما صنعته.
تطور مشروع المقاومة (أنا لا أريد أن أطيل عليكم أبداً)، وإذا راجعنا اليوم هذا المشروع، سنجد أن المشروع الوطني الفلسطيني كما وضّح زميلي وصديقي أ.حمد، في رأيي ينقسم إلى قسمين، وهناك مواجهة بين هذين الشكلين من الخطاب الفلسطيني، لدينا خطاب علماني وخطاب ديني، الخطاب العلماني هو ثمرة لتفاعل النزعة القومية مع النزعة الاشتراكية، وبالتالي يشكل جوهر خطاب اليسار الفلسطيني، مثال الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب أو غيره من الأحزاب الفلسطينية التي تعمل الآن في الداخل في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية، والخطاب الثاني هو الخطاب الديني، خطاب إسلامي، وهذا الخطاب واضح تمثله حماس بصورة أساسية، والجهاد الإسلامي.
الخطاب العلماني كان دوماً يقدم رؤى جديدة للخروج من المأزق الفلسطيني، ولذلك قدم تكيفات أحياناً ربما كان مبالغ فيها، ولم تكن مطلوبة منه، هو يقدم أفكاراً لم يسأله أحد أن يقدمها، مثل مشروع الدولة الوطنية، على أي رقعة يتم تحريرها من فلسطين، (إن كان متر واحد سنقيم عليه دولة فلسطينية)، هذا ليس خطأً، ولكن قُدّم هذا العرض مقابل لا شيء، لم يسأل الأمريكيون ولا الإسرائيليون ماذا تريدون لحل هذه القضية، ما هي عروضكم؟ نحن قدمنا هذه العروض دون أن تكون جواباً عن أسئلة من مراجع معنية ومختصة ويعتمد عليها، ولذلك وصل المشروع العلماني في النهاية إلى مأزق أوسلو، أنا أعتقد أن " فتح " هي أقرب إلى المشروع العلماني مع أنها نشأت في أحضان الإخوان المسلمين من الناحية التاريخية ولكنها سرعان ما استقلت – وهذا حقيقة تاريخية مؤكدة - عن برنامج الإخوان المسلمين، وأصبح لها برنامجها الوطني المستقل.
إذاً البرنامج العلماني أو الرؤية العلمانية للقضية الفلسطينية انتهت إلى مأزق أوسلو وإلى مأزق السلطة الوطنية الفلسطينية، ولا أدلّ على هذا المأزق من هزيمة اليسار الفلسطيني في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في الضفة والقطاع، أظن كل اليسار الفلسطيني أخذ 8% أو 10%، فبعد كفاح طويل جداً ينتهي اليسار الفلسطيني إلى هذا الإفلاس الجماهيري، (ليس له جماهير، لا أحد يصوت لليسار الفلسطيني)، أنا أعرف بعض الأسباب المخففة، ولكن نحن الآن لسنا في مجال التماس الأعذار، هذا واجهه صعود في البرنامج الديني المقابل (البرنامج الإسلامي المقابل)، وهذا له أسبابه أيضاً.
ومع ذلك البرنامج الديني نفسه، والخطاب الديني نفسه يقترب من الخطاب العلماني شيئاً فشيئاً، وإن كان ذلك يتم بصورة خفية ومرنة جداً، فإعلان حماس عن استعدادها للدخول في هدنة طويلة أو قصيرة، محاولة حماس الدخول في تهدئة من نوع ما مع الإسرائيليين.. الخ، كلها تدل على أن الخطاب الديني أصبح يتكيف مع مقتضيات الخطاب العلماني ويقترب منه، في المضمون يقترب، وفي الشكل يختلف، في المضمون يقترب لأنه يريد أن يتوجه توجهاً براغماتياً واقعياً سياسياً، (هذا في المضمون)، وفي الشكل رفض كامل لإسرائيل وإن هذه الهدنة عبارة عن هدنة مؤقتة وبدون اعتراف ودون أي شيء، ولكن في الحقيقة خطاب حماس أصبح آخذاً في التكيف مع متطلبات الخطاب الوطني الفلسطيني أي الخطاب العلماني.
الخطاب العلماني الآن هو أكثر فاعلية على المستوى الدولي من الخطاب الديني، لأسباب كثيرة لا تخفى على أحد، لكن في رأيي أنا، أن الخطابين في مأزق، ليس ثمة أي خطاب من الاثنين قادر على أن يقدم الرؤية الواضحة التي تستطيع أن تجيب عن الاحتمالات المستقبلية الممكنة، هذا له أسباب كثيرة، القضية الفلسطينية - وهذا تم تجاوزه في كثير من الأحيان – هي ليست فلسطينية فقط، هي قضية عربية، وقضية دولية، المتغيرات متداخلة جداً فيها ولا يستطيع أحد أن يتحدث أن هذه القضية الفلسطينية هي فلسطينية فقط، ولذلك من أشد التناقضات عجباً التي مرّ بها الكفاح الفلسطيني هي فكرة القرار الوطني المستقل، نحن نريد قراراً وطنياً مستقلاً، ولكن يجب أن نفهم ألا أحد في العالم مستقل، بالمعنى لا نريد أن يؤثر علينا أحد، أو يتدخل في شؤوننا أحد، الولايات المتحدة ليست مستقلة استقلالاً كاملاً، أحياناً منظمة " أوبك " تؤثر في سياسة الولايات المتحدة، روسيا ليست مستقلة استقلالاً كاملاً، فالقيادة الفلسطينية فهمت أن القرار الوطني المستقل، معناه أن القيادة تفعل ما تريد بالقضية الفلسطينية، حتى دون العودة إلى الشعب الفلسطينية، ودون استشارة القيادات العربية، هذا المأزق واضح في سنة 2000 عندما كان عرفات في كامب ديفيد، عندما عُرضت عليه التسوية بخطوطها الإسرائيلية ـ الأمريكية، لم يستطع أن يقبلها، فاتصل بجميع الزعماء العرب، وسألهم معروض عليَّ كذا، فما هو رأيكم، فأجابوه إن القرار الوطني الفلسطيني مستقل، فأنت تتخذ القرار، ويقع على مسؤوليتك، فلم يجد بداً من أن يرفض، فكان المعروض أقل بكثير من المطلوب، لا يشكل الحل الوسط.
من هنا الخطاب العلماني بلغ نهايته الحرجة تماماً في كامب ديفيد عام 2000 ولذلك عاد عرفات إلى الشعب مرة أخرى وفجر الانتفاضة، ولكنه ارتكب الخطأ الأكبر عندما عسكر الانتفاضة، ومن ثم نحن ندفع اليوم، شعبنا الفلسطيني في أرضنا المحتلة يدفع ثمناً فادحاً لخطأ تكتيكي واستراتيجي يتمثل في عسكرة الانتفاضة، مع أن التجربة التاريخية كان يجب أن تتعلم القيادة منها وانتفاضة 1987 كانت فعالة ومنتجة، لو تعلمت من التجربة التاريخية وبقي الحجر هو الوسيلة الفلسطينية لكنا حصدنا مردوداً سياسياً أفضل بكثير من عسكرة الانتفاضة.
اليوم، الأوربيون والأمريكيون العاديون يقولون، أنتم تملكون صواريخ فماذا تريدون؟ أنا كنت في فرنسا وتناقشت مع الكثير من الفرنسيين من غير المعنيين بالسياسة، اليوم ليس كل الفرنسيين لديهم وقت للسياسة، أو الأمريكيين، نحن نأكل ونشرب سياسة من الصبح لليل، هم جماعة يعملون 8 ساعات و2 للمواصلات، 10 ساعات يعود بعدها ليتعشى وينام ليقوم في اليوم التالي للعمل، فهو ليس لديه الوقت ليتابع حقائق القضية الفلسطينية، يقولون إنكم أيضاً أنتم تطلقون صواريخ، هم وأنتم الشيء نفسه، أنتم جماعة لستم أقل من الإسرائيليين، فإذاً عسكرة الانتفاضة هي النقطة النهائية في مأزق المشروع العلماني، واليوم السلطة الفلسطينية هي التجسّد الحي لمأزق المشروع العلماني الفلسطيني، فلا السلطة قادرة على أن تتقدم وتفعل شيئاً، ولا قادرة على أن تحل نفسها، ربما تكون الخسارة أكبر، والمشكلة أن المشروع الإسلامي البديل أو الذي يفترض أن يكون بديلاً، لا يمتلك من المؤهلات الواقعية والفعلية والحوامل القادرة فعلاً على المضي في هذا المشروع كما يتصوره أصحابه لتحقيق بعض مطالب أو حقوق الشعب الفلسطيني.
هنا أعتقد أن المأزق الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من المأزق العربي، لا يوجد مأزق فلسطيني لوحده، هناك مأزق عربي، أي المصير العربي كله في أزمة، وكله في مأزق، حتى، لا بدا أن هناك دولاً عربية وحكومات وجيوشاً وكل أوجه الحياة المستقرة .. لو بدا لنا ذلك، انظروا إلى مصر كم يوجد فيها اضطرابات، انظروا إلى الأردن كم يوجد فيها اضطرابات، الجزائر، المغرب ..الخ، فإذن نحن الآن في مأزق عربي واحد، القضية الفلسطينية أو المأزق الفلسطيني هو أحد تجليات هذا المأزق العربي الكامل، في الحقيقة هذا يعزز الدفاع عن الرؤية القومية على الرغم من أن أكثرية العرب اليوم يتنصلون من الرؤية القومية، وكلهم يتحدث عن أولاً.. الأردن أولاً، لبنان أولاً، مصر أولاً، هذا خطاب قطري بغيض، وأعتقد أنه لا يستطيع عربي بمفرده أن ينجو، فإما أن ننجو جميعاً، وإما أن نهلك جميعاً، وحتى إذا خُيّل لقطر من الأقطار أنه قد نجا، فهو مخطئ تماماً، فالمشروعات المعدّة لمصر والأردن ولغيرها من الأقطار العربية، مشروعات التقسيم والتجزئة، مشروعات الشرق الأوسط الجديد والقديم والفوضى الخلاقة واحتلال العراق .. الخ، كلها تشهد على أن تجزيء وتقسيم المصير العربي إلى أجزاء قطرية، كل قطر يرى ما هي مشكلته، هو قرار خاطئ جداً من كل من يدافع عن هذا القرار، ولذلك أنا أعتقد أن المأزق الفلسطيني في صورتيه وخطابيه العلماني والديني هو جزءٌ لا يتجزأ من المأزق العربي الكامل، ولا خروج لنا كفلسطينيين من هذا المأزق إلا بأن نعيد للقضية الفلسطينية بعدها العربي، ونعترف بالبعد العربي، طبعاً البعد الإقليمي واضح، لكن نحن نتحدث عن البعد العربي، فكل من يتنكر للبعد العربي، أنا متأكد أنه سيندم في يوم من الأيام، وشكراً لكم.

 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية