الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة حوار مفتوح حول مشروع
الشرق الأوسط الكبير
مداخلة الرفيق عطية الجودة مدير مكتب الثقافة في القيادة القومية
 
مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته الولايات المتحدة الأمريكية هو المشروع المطور لمشاريع أخرى طرحت من قبل, كان منها مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يعتبر منظّّره الأساسي (شيمون بيريز) وكذلك مشروع منطقة التجارة الحرة الموسعة الذي طرحته الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. إلا أن هذا المشروع بحلته الاستعمارية الجديدة ذو أبعاد أوسع وهي" أي الولايات المتحدة الأمريكية" تريد أن يتحول إلى مشروع تشارك به دول الاتحاد الأوربي, بالقيادة الأمريكية, وان يكون للحلف الأطلسي دور فيه.
وطرح هذا المشروع على خلفية الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ذو دلالات هامة توضح جوانب هامة من أبعاده ومراميه. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية صراحة, أنها بصدد إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة, بعد أن وضعت أقدامها على ارض العراق, وجاء هذا الإعلان مترافقاً مع الحرب الأمريكية المعلنة على الإرهاب, وبعد أن اصبح العراق أحد أهم جبهاتها, بل جبهتها الأساسية كما يقولون.
جعل هذا المشروع موضوع الإصلاح عنوانا له, على طريقة سياسات استعمارية سابقة, أخذت عناوين مماثلة, مثل عنوان التمدين, التحضير, وما إلى ذلك.
ينطلق هذا المشروع من اعتبار أن الشرق الأوسط عند مفترق طرق, وان البديل للوضع القائم فيه هو الإصلاح الشامل, لتجاوز ما فيه من نواقص وعيوب تتمثل بوجود نقص في الحرية والديموقراطية والمعرفة, ونقص في تمكين النساء من ممارسة حقوقهن, وذلك في ضوء ما جاء في تقرير التنمية الأساسية لعامي/ 2002-2003/ لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة حول العالم العربي, الذي وضع من قبل باحثين وأكاديميين عرب. حيث استخدم هذا التقرير متكأً وذريعة للبناء عليه وطرح ما يسمى بالإصلاح على الطريقة الأمريكية.
يرمي هذا المشروع إلى إحداث تغيير شامل في المنطقة الشرق أوسطية الكبيرة. أي أن ساحته تمتد من المغرب وموريتانيا غرباً, وحتى أفغانستان وباكستان شرقاً, و القاسم المشترك بين بلدانه هو الإسلام . وهو ينص صراحة على أن الهدف منه هو الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها... ويحدد في التصور الأمريكي للتغيير ثلاث أولويات هي: تشجيع الديموقراطية و الحكم الصالح, بناء مجتمع معرفي, توسيع الفرص الاقتصادية.
وكما هو معروف فان هذا المشروع قد أثار ردود فعل متباينة تراوحت بين إبداء ملاحظات عليه, و طرح إدخال تعديلات معينة, كما هو حال الموقف الأوربي, وبين نوع من القبول وإبداء بعض التحفظات, كما هو حال بعض الأنظمة العربية، وبين رفضه واعتبار انه شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية, وانه لا يقوم على تفهم لاوضاع بلدان هذه المنطقة وحاجاتها, مع الإقرار بالحاجة إلى إجراء إصلاحات والى تطوير سواء في مجال الديموقراطية و الحريات العامة أو في المجال العلمي والمعرفي والمجال الاقتصادي, أو في المجال الاجتماعي, بما في ذلك في مجال تمكين المرأة من ممارسة حقوقها.
في طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير لما يسميه نواقص وعيوب في بلدان هذا الشرق جميعاً يتجاهل مسؤولية الدول الاستعمارية جميعاً, والولايات المتحدة في المقدمة عن هذه النواقص والعيوب ويقفز فوق ما عانته وتعانيه هذه البلدان من هذا الاستعمار بمختلف أشكاله القديم والجديد, والأجد الحالي الذي يأخذ شكل وطابع العولمة الإمبريالية في مرحلتها الجديدة التي تريد وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية لإضفاء طابعها عليها أي أمركتها ، وهو يقفز أيضا فوق هويات هذه المنطقة, وخصوصاً الهوية العربية . ويقفز كذلك فوق الواقع الموضوعي لكل من بلدان هذه المنطقة ومستوى تطورها الاقتصادي, الاجتماعي, الثقافي, وتقاليدها, وعاداتها, وما بينها من تباين واختلاف, وحاجات كل منها في ضوء ظروفها الخاصة.....
كما ويتجاهل كذلك دور الدول الاستعمارية في معاداة القوى القومية والديمقراطية والتقدمية ودعمها للأنظمة المعادية للجماهير, ومعاداتها للتطور الديموقراطي والتقدمي والوحدوي.
ومن خلال النظرة الاستعمارية, وخصوصاً النظرة الأمريكية القائمة على التزوير والتخريب وتجاهل الوقائع و الحقائق التاريخية, يقدم مشروع الشرق الأوسط الكبير إسرائيل الصهيونية العنصرية التي قامت على نهج العدوان و الاغتصاب وتستمر على النهج ذاته وتمارس ابشع صور إرهاب الدولة المتمثل باستمرار الاحتلال, وارتكاب افظع الجرائم يقدمها بوصفها البلد الحر والديموقراطي الوحيد في المنطقة, بينما هي تمارس ابشع أشكال الإرهاب والاستعمار ضد شعوب عربية وخاصة الشعب الفلسطيني و أهلنا في الجولان المحتل, ويتجاهل بالتالي مسؤولية إسرائيل ومن يدعمونها وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية عن استمرار احتلالها وما تقوم به من جرائم حرب وأعمال إبادة وتدمير, وبالتالي مسئوليتها, عن تدمير كل فرص السلام المتاحة ، مما يعتبر من الأسباب الحقيقية والمباشرة المولدة لأعمال العنف و لردود الأفعال الفلسطينية ولنمو اتجاهات التطرف..
وبناء على ذلك هل لأي أحد منصف أن ينكر أو يتجاهل واقع أن سياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين للولايات المتحدة الأمريكية, واستخدامها الفيتو المرة تلو المرة لصالح إسرائيل المعتدية يجعلها تتحمل اكبر المسؤولية عما تعانيه المنطقة من نواقص ومشاكل ؟!. وهل في ضوء ذلك يمكن الحديث عن مصداقية أمريكية, وعن نزاهة في الموقف الأمريكي, وهي التي ضربت عرض الحائط حتى بكل ما وعدت به من الالتزامات, وما تحدثت به عن نزاهة؟. وهي التي أكدت على طول الخط انحيازها السافر لإسرائيل ودعمتها وشجعتها على التمادي في سياسة التعنت والرفض لشروط السلام العادل والشامل المستند إلى القرارات الدولية ذات الصلة ؟.
لقد اخذ هذا الانحياز شكل تحالف استراتيجي أمريكي إسرائيلي وقد لعب هذا التحالف دوراً كبيراً في استنزاف طاقات المنطقة وعرقلة تنميتها, وتقدمها. وكان وراء فرض قوانين الطوارئ في اكثر من بلد عربي, كما كانت السياسة الأمريكية وراء الكثير من المشاكل في الحياة السياسية العربية . وغير خاف على أحد دورها في الحرب العراقية الإيرانية التي هدرت فيها طاقات كبيرة عربية وإيرانية وكذلك التدمير الذي ألحقته بالدولة العراقية, تحت عنوان الديموقراطية وكذلك دورها مع إسرائيل في عرقلة فرص التنمية والتقدم الاقتصادي , ولاسيما من خلال وقوفها ضد تعزيز العمل العربي المشترك, وعرقلتها التعاون والتكامل الاقتصادي العربي.
وهكذا يأتي هذا المشروع ليشكل مكوناً من مكونات الاستراتيجية الأمريكية على نطاق عالمي ، هذه السياسة التي تهدف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة مستخدمة ما تعانيه من نواقص وعيوب لتبرير تدخلها السافر في شؤونها والسعي لإقامة أنظمة موالية وتابعة لها.
ويقع في مقدمة أهداف هذا المشروع, هدف دمج إسرائيل بالمنطقة, وفرض اعتراف الدول العربية بها وإقامة علاقات طبيعية معها, واعتبارها بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية هي المركز والمحور المهيمن والمقرر لشؤون المنطقة بحيث يكون دور العرب هو المساهمة بثرواتهم ولا سيما النقطية وبطاقاتهم البشرية بينما يكون دور إسرائيل هو المساهمة بالمعرفة والعلم والتقنية المتطورة بما يمكن الاحتكارات الأمريكية, الإسرائيلية , والغربية...أي الاحتكارات عابرة القارات في ظل العولمة الأمريكية من امتلاك مفاتيح وأسواق اقتصاد الدول العربية, وضرب فكرة السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي ,وصولا إلى ضرب فكرة الوحدة العربية,وبالتالي إلحاق بلدان الشرق الأوسط الكبير وخاصة البلدان العربية بالاحتكارات العابرة للقارات, ووضع اليد عليها, والتحكم بتطورها بما في ذلك التحكم بعلاقاتها مع البلدان الأخرى في العالم مثل روسيا,والصين , وغيرها.
وفي هذا السياق يسعى هذا المشروع إلى قطع الطريق على القوى البرجوازية الوطنية,والحيلولة بينها وبين إقامة أنظمة وطنية ديمقراطية ذات توجه ليبرالي تريد من خلالها توظيف رؤوس الأموال العربية وتقوية النشاط الاستثماري العربي والأجنبي في بلدانها في صالح تقدم وتطور هذه البلدان بعيداً عن هيمنة العولمة الأميركية التي يريد رأسمالها المتوحش الاستحواذ على كل شيء...
وهكذا يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية قد بنت مشروعها على حاجة شعوب ما أسمته بلدان الشرق الأوسط الكبير إلى الإصلاح والتطوير في المجال الديمقراطي والاقتصادي والعلمي, وفي مجال حقوق المرأة...وهي حاجات لا يمكن للشعوب أن ترفضها , أو تتخذ منها موقفاً معادياً,بل هي ناضلت وستظل تناضل في سبيلها حتى تتحقق بإرادتها هي, وليس باستدعاء الخارج الأجنبي والاستقواء به,خاصة وأن هذا الخارج,صاحب المشروع يتحمل مسؤولية كبيرة عن معاناتها...وأن التغيير الذي يسعى إلى تحقيقه يشكل خطراً على هذه الشعوب, كما على الأنظمة ذاتها,وهو يضع في صلب أهدافه وسياسته تسييد إسرائيل,والضرب عرض الحائط بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني, وقضية تحرير الأراضي العربية المحتلة, والتنكر للقوانين والأعراف والقرارات الدولية.
ولهذا يبدو من الواضح ضرورة أن يكون للدول العربية منفردة ومجتمعة برنامجها الواضح الخاص بالتطوير والتغيير القائم على مبادئ الديمقراطية, وتمكين الشعوب من المشاركة السياسية الفعالة في الحياة العامة وفي تقرير شؤونها بنفسها , وذلك انطلاقاً من الإقرار بالتعددية الفكرية والحزبية والسياسية,والمجتمعية واحترامها, ووضعها موضع التطبيق الفعلي.
ومما لا شك فيه أن طريق الصلاح والديمقراطية داخل كل بلد عربي هو ذاته الطريق المفضي إلى تحقيق الإصلاح المنشود للحالة العربية , وللعمل العربي المشترك,وللدفع باتجاه التكامل والوحدة, وهو الطريق إلى تعزيز الصمود الوطني والقومي في مواجهة مخططات الهيمنة والتوسع الأميركية الإسرائيلية...

 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية