الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة حوار مفتوح حول مشروع
الشرق الأوسط الكبير
مداخلة الدكتور مهدي دخل الله رئيس تحرير صحيفة البعث
 
طبعاً لم يترك الأستاذان الكبيران شيئاً لأقوله، أريد فقط محاولة تحديد التصور الجيوسياسي الحديث للولايات المتحدة الأمريكية وموقع هذا المشروع في التصور الجيوسياسي، لكن قبل ذلك أريد الإشارة إلى ملاحظتين اثنتين، تحدث الأستاذان هنا عن هدف الشرق الأوسط الكبير وركز على دمج إسرائيل في المنطقة، لا شك أن دمج إسرائيل في المنطقة هو هدف أساسي من أهداف الشرق الأوسط الكبير ولكن أتساءل أحيانا لو لم تكن إسرائيل في هذه المنطقة لما كان هناك حاجة إلى مثل هذا المشروع لذلك اعتقد أن الهدف الأساسي للشرق الأوسط الكبير هو محاولة أدلجة الهيمنة الأمريكية الجديدة على هذه المنطقة الهامة من العالم التي كانت أيضا هامة قبل وجود إسرائيل.
أما الملاحظة الثانية أن مشروع الشرق الأوسط الكبير أصبح ممكناً لسبب بسيط هو أن المنطقة تعاني من فراغ، لا يوجد مشروع قومي عربي يسد هذا الفراغ، لذلك تجرؤوا على الحديث عن مشروع شرق أوسط كبير في منطقة ليست ملكهم، بعد هاتين الملاحظتين واختصاراً للوقت أريد أن أتحدث عن البعد الجيوسياسي بمعنى وضع هذا المشروع الأمريكي الجديد في إطار التصور الكامل للعالم، طبعاً عندما نتحدث عن البعد الجيوسياسي نتحدث عن أهمية موقع جغرافي لمنطقة معينة بالنسبة للسياسة الكبرى للدول العظمى، وهذا الموقع متغير، فهناك منطقة قد تكون مهمة الآن جيوسياسياً، وقد تصبح بعد تطور معين غير مهمة جيوسياسياً، وإني سأحاول الشرح على الخارطة قليلاً لكي يبدو الموضوع مفهوما،ً قبل أن ابدأ بالتصور الجيوسياسي الجديد، أريد أن أتحدث باختصار شديد عن التصور الجيوسياسي الذي كان سائداً حتى انهيار الاتحاد السوفييتي. كان العالم عبارة عن كتلة واحدة " طبعاً نتحدث عن وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية" كتلة واحدة مادة واحدة للسياسة والتأثير، وكان يقسم إلى ثلاثة أقسام جيوسياسية متكاملة. القسم الأول ما يسمى بالكتلة الصلبة، أو المنطقة الوسطى والتي تتضمن الاتحاد السوفييتي والصين وهي المنطقة الشيوعية المعروفة مع أوروبا الشرقية، وهذه المنطقة كانت هدف التأثير الجيوسياسي الأولى، المنطقة الأخرى التي ما معناه الدول الطرفية، وهي مجموعة من الدول تمتد من النرويج في الشمال وحتى شبه الجزيرة الكورية جنوب شرق آسيا.
أما القسم الثالث من العالم ما يسمى بالحلقة الخارجية أو الخاتم الخارجي، فكان يضم الأمريكيتين، كان هدف هذه الخارطة الجيوسياسية المقسمة إلى ثلاث دوائر هو التركيز على الكتلة الصلبة الشيوعية، وحصرها قدر الإمكان لكي لا تخرج إلى المياه الدافئة في المتوسط، ولكي لا تنتشر في العالم، الآلية الأساسية لهذا الطوق الأمريكي والغربي، كان خلق سلسلة من الأحلاف بدءاً بحلف الناتو من الشمال من النرويج، وحتى تركيا التي هي حلقة وصل بين حلفين، هما حلف الناتو والحلف المركزي أو حلف بغداد الذي امتد حتى باكستان، وكذلك باكستان كانت حلقة وصل بين حلفين هما الحلف المركزي وحلف جنوب شرق آسيا" حلف سياتو المشهور" الذي امتد حتى جنوب شرق آسيا، عن طريق هذه السلسلة من الأحلاف طوقت الكتلة الصلبة، ومنعت فعلاً من التأثير إلى الخارج وكان الوطن العربي بمجمله يقع في المنطقة الطرفية من الأراضي الطرفية، طبعاً الآن انتهى مع انهيار الاتحاد السوفييتي، انتهت هذه الخارطة الجيوسياسية، وبدأت تظهر خارطة جيوسياسية جديدة من العالم، اختلفت فيها مواقع المناطق أريد أن أشير هنا ولو بسرعة إلى محاولات في بداية السبعينيات لتغير الخارطة الجيوسياسية التي كانت موجودة عن طريق إنشاء نوع من التفاهم بين الولايات المتحدة في عهد نيكسون وكيسنجر مع الاتحاد السوفييتي، وكانت الزيارة الأولى المشهورة لنيكسون إلى الصين والى الاتحاد السوفييتي، وكان هناك بعض المفكرين الرومانسيين الأمريكيين قالوا بأن أوروبا ستفقد موقعها والشرق الأوسط أيضاً سيفقد موقعه الأساسي المركزي في العالم وسيتم الاتصال التكنولوجي في المستقبل مباشرة بين تحالف من القوتين العظيمتين والولايات المتحدة الأمريكية التي هي هنا وتكون آلاسكاو سيبيريا هي مركز العالم والاتصال يكون مباشرة بين القوتين العظيمتين وينتهي دور المتوسط وأوروبا وأفريقيا، و شعر الأوربيون بخطورة هذا البرنامج وعرضوا على الاتحاد السوفييتي تطوير خط غاز نفط، وهو معروف و أثار غضب الولايات المتحدة، من الأراضي الروسية إلى أوروبا، لإعادة تمتين الروابط بين هذه الكتلة الصلبة وبين أوروبا، وإبعاد الولايات المتحدة الأميركية إلى الطرف الآخر من جديد، ونفي مركزية سيبيريا وآلاسكا.
أتحدث عن محاولات لتغيير الخارطة الجيوسياسية، الآن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ظهرت عند الأمريكيين خارطة جيوسياسية حديثة تقول: إنه في المستقبل في القرن الحادي والعشرين سيقوم صراع بين كتل "طبعاً الصراع ليس تناقض بل صراع مصالح أحيانا يكون بالتفاهم لكن التناقض يكون تحت الرماد بين ثلاث كتل أو أربع كتل، كتلة الولايات المتحدة، وكتلة اليابان التي هي عملاق اقتصادي أو بالأحرى الكتلة الصفراء التي تضم اليابان والصين والكوريتين وتايوان وهونغ كونغ هذا الخطر الأصفر الذي عاد إلى الساحة الأوروبية، وروسيا، وأوروبا، في هذا السياق من يسيطر على الشرق الأوسط يستطيع أن يسيطر أو أن يحدد العلاقات الاقتصادية الدولية لسببين بسيطين، السبب الأول أن الشرق الأوسط سوف يكون من جديد مركز العالم والسبب الثاني أن الشرق الأوسط يحتفظ باحتياطي كبير من النفط، فهناك دراسات تقول بأنه بعد ثلاثين أو أربعين عاماً لن يكون هناك نفط اقتصادي إلا في الشرق الأوسط، وخاصة في السعودية والعراق بشكل أساسي، لذلك سيكون من سيسيطر على هذه المنطقة ما يسمى بالشرق الأوسط، سيسيطر على العالم، ووفق المنطق الأمريكي سيكون كتلتان أساسيتان الكتلة الأوروبية والكتلة الصفراء وبينهما منطقة رمادية أساسية هي ما يسمونه بالعالم الإسلامي الذي يمتد من الهملايا في شرق الباكستان إلى الأطلسي في الحدود الغربية من المغرب، من هنا جاءت فكرة توحيد هذه المنطقة في كتلة واحدة اسمها كتلة الشرق الأوسط، وخاصة لاحظ الأمريكيون أن هذه الكتلة هي كتلة فراغ أولاً، وثانياً هي كتلة متجانسة نوعاً ما، ففيها ثقافة واحدة ، ثالثاً أنها كتلة تعاني من نفس المشاكل هي مشاكل التخلف والمعرفة وتحرير المرأة والديمقراطية الخ، وأن هذه الكتلة إذا استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية التأثير عليها عن هذا الطريق، طريق تقديم المعرفة، أو عن طريق الاحتلال كما حدث في العراق ودعم إسرائيل كقاعدة أساسية في هذه المنطقة تستطيع أن تسيطر على هذه البيضة الذهبية " بيضة القبان"، التي ستكون هامة جدا في نظام انقسام العالم من جديد في القرن الحادي والعشرين، طبعاً في كثير من الأحيان يفكر المرء أن المغرب أقرب إلى أسبانيا منها إلى سورية، هذا تفكير جغرافي وليس تفكير جيوسياسي فالمغرب هي أقرب لسوريا منها إلى أسبانيا، إذاً هنا نتحدث عن الوضع الثقافي والاقتصادي والنفسي والتاريخي، فالمغرب هي قريبة جداً من العراق أكثر من قربها من أسبانيا، وأسبانيا ستكون عضواً في كتلة متطورة والتي هي الكتلة الأوروبية .
طبعاً الآن عندما تقدم مشروع الشرق الأوسط الكبير فإنه فيه كلام جميل، وأن هناك بلاد بحاجة إلى المعرفة وبحاجة إلى الحرية وخاصة انه في احتلال من قبل إسرائيل وهناك بلاد بحاجة إلى التطور والى تحرير المرأة، وخاصة نجد دولاً فيها النساء ليس لديها حق الانتخاب السلبي، ليس لديها الحق أن تنتخب فكيف تترشح، لكن ممارسة الولايات المتحدة الأمريكية تؤكد أن ما تطرحه في مشروع الشرق الأوسط حق يراد به باطل بدليل أنها لا تأخذ معيار التطور الاجتماعي في الأصل أساساً لتصنيف الدول، وإنما تأخذ معيار الاقتراب من سياسة الولايات المتحدة أساساً لهذا، فسورية في هذه الخارطة هي البلد الشرير الأول، أو البلد السيئ الأول، فإذا أخذنا سوريا وفق المعايير الموجودة في مشروع الشرق الأوسط الكبير هذا، نجد أنها أفضل بكثير من قطر أو الكويت، والتي ما تزال المرأة تكافح من أجل حق نالته المرأة السورية في بداية الخمسينيات، فعلى معايير الشرق الأوسط نحن يجب أن نكون مفضلين، وأنا هنا لا أذكر دولاً بعينها، وإنما أطرح دولاً على سبيل المثال فقط، أن نكون مفضلين عن دول تعتبرها الولايات المتحدة مثالاً للديمقراطية في المنطقة.
ثم ليبيا، عندما تكون في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تكون دولة استبدادية وسيئة، ثم بين ليلة وضحاها، تصبح من أكثر الدول ديمقراطية في المنطقة وحرية..الخ.
حتى الولايات المتحدة لا تستخدم المعايير التي تضعها هي لنفسها، من أجل تصنيف هذه البلاد، مما يؤكد أن ليس هدف الشرق الأوسط فعلاً نقل المعرفة ونقل التكنولوجيا، وإنما الهدف الأساسي خلق منطقة كبرى تحت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية.

 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية