* إبراهيم خلف
الشكر للسادة المحاضرين أريد أن أعقب
فقط على المشروع " مشروع الشرق الأوسط
الكبير أو مشروع الإطار العالمي الجديد،
الشرق الأوسط الجديد... الخ هذا المشروع
طبخ في المطبخ الإسرائيلي الصهيوني
والطباخ الأمريكي هو الذي صدره إلى
العالم، هذا المشروع طرحه شمعون بيريز
سابقاً بعد اتفاقيات أوسلو، فهدفه النهائي
خلق تيارات دينية ذات أمم، ذات حدود
مشتركة وهيئات مركزية مختارة على غرار
الجامعة الأوروبية، قبله معلمه مؤسس
الدولة الإسرائيلية بن غوريون في الخمسينيات،
قال انه يجب أن نقيم معاهدات سلام مع
العرب لأننا لا نستطيع أن نبني الدولة
ونحن بحالة حرب دائمة بالإضافة إلى
إعطاء دفع لإسرائيل لتعد نفسها لانتزاع
منطقة أخرى لان الحلم التوراتي هو القاسم
المشترك بين الحمائم والصقور في إسرائيل.
أما في عام 1919 اتفاقية "وايزمان"
في كانون الثاني عام 1919 ما بين وايزمان
والملك فيصل ففي البند السابع من الاتفاقية
تقترح المنظمة الصهيونية أن توفد إلى
فلسطين لجنة من الخبراء لتقوم بدراسة
الإمكانيات الاقتصادية للبلاد وان تقدم
تقريراً عن احسن الوسائل للنهوض بها
وتضع المنظمة الصهيونية اللجنة المذكورة
تحت تصرف الدولة العربية بقصد دراسة
الإمكانيات الاقتصادية للدولة العربية
وان تقدم تقريراً عن احسن الوسائل للنهوض
بها وتستخدم المنظمة الصهيونية أقصى
جهودها لمساعدة الدول من اللجان وإعادة
الاستثمار للمواد الطبيعية والإمكانيات
الاقتصادية في البلاد.
* محمد بخيت:
مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تروج
له الإدارة الأمريكية، يهدف إلى طمس
هوية الأمة العربية وحضارتها وتاريخها
ومستقبلها، وتعمل الولايات المتحدة
الآن بفرض الشرعية عليها، وفرض الهيمنة
عليها، ومنها إمكانياتها وثرواتها لاستغلال
شعوبها، وفكرة الحديث عن الإصلاح في
هذه المنطقة والتركيز على الإصلاح يهدف
إلى طمس آثار التوتر وعدم الاستقرار
في المنطقة العربية، وتوفير الاستقرار
لإسرائيل، واستمرار احتلالها للأراضي
العربية المحتلة، وارتكاب الجرائم والمجازر
اليومية ضد الشعب الفلسطيني، من تجريف
للأراضي والمزروعات وهدم البيوت ومواصلة
سياسة التهجير بأبشع صوره.
الإصلاح ينبع من حاجات كل شعب ودولة
بما يجسد موروثها الثقافي والحضاري
ولا يمكن أن يفرض الإصلاح من الخارج
بوصفة جاهزة رغم ذلك، ويحصل تنظيمها
في الأوضاع والانهيار، والولايات المتحدة
تحاول فرض مشروعها في المنطقة، ليس
حبا بشعوب المنطقة ولكن بهدف السيطرة
على المنطقة، وإعادة صياغة الحالة السياسية
في المنطقة العربية، في ضوء مصالحها
ولضمان مصالحها، وتسخير المجتمعات لتصبح
الإدارة الأمريكية الموجه الأول لصناعة
السياسة العربية في المنطقة، خارج إطار
المفهوم الوطني والقومي، وبما يحول
الإنسان العربي إلى صفقة السوق الأمريكية
اقتصادياً وسياسياً.
* د. سمير التقي:
إن تسمية منطقتهم بالشرق الأوسط، هي
أصلا تسمية تنبع من تعصّب عرقي Ethnocentric.
فأوروبا بالتحديد في ذلك الوقت، كانت
تشكّل قلب العالم ومركزه. وانطلاقاً
منها، أي أوروبا، بدأت التسميات. فأتى
الشرق الأوسط (1) الأدنى وبالتالي الشرق
الأقصى. وهم أيضا الآن، يشعرون أنهم
ثانية يشكّلون موضوع المناقشة، وإطلاق
التسميات.
فحالياً طرحت إدارة الرئيس بوش على
مجموعة الثمانية الكبار في منتصف كانون
الثاني مسودة مشروع باسم الشرق الأوسط
الكبير، يهدف إلى توحيد توجهات هذه
الدول فيما يتعلق بتحفيز الإصلاح في
المنطقة الممتدة من المغرب إلى أفغانستان
بما فيها إسرائيل وتركيا وإيران والباكستان.
لم ينشر المشروع بنص رسمي إلا أن بعض
الدول من الثمانية الكبار سربته.
يمكن النظر إلى المشروع الأمريكي الجديد
عبر التمعّن في الاستراتيجية الأمريكية
الكبرى Grand Strategyفي إطار سعيها
لإعادة صياغة النظام العالمي الجديد
مستفيدة من تفوقها في عناصر الثورة
العلمية التقنية الثانية. وإذا اتفقنا
مع بول كنيدي، " في أن الاستراتيجية
الكبرى يجب أن ترتكز على استراتيجيا
للسلم، وعلى استراتيجيا للحرب أو الاستعداد
لها فإنها في ظل توجهات الولايات المتحدة
نحو الهيمنة العالمية تريد رسم صورة
جديدة تناسبها للعالم. وقد ظهر هذا
جلياً في استراتيجيا الأمن القومي الأمريكي
NSS. وانطلاقاً من الاستراتيجية الأميركية
الكبرى لتكون استراتيجية السلم الأمريكي
PaxAmericana سلماً عبر الهيمنة وليكون
هذا السلم الأمريكي العمود الفقري لأية
حرب مستقبلية. من هنا نلاحظ التغييرات
الجذرية الأمريكية على صعيد القوات
المسلحة، من تسليح، تنظيم وطريقة قتال
جديدة قواتها العسكرية، ومن خلال الثورة
في الشؤون العسكرية والتقنية التي تخوضها
أميركا والتي تعجز الدول الأخرى عن
مقابلتها بشكل استراتيجي.
ترتكز الاستراتيجية الأمريكية الكبرى
في الوقت الراهن على الأمور الآتية:
- منع وقوع أي حادثة مماثلة لـ11 أيلول
على الأرض الأمريكية
- منع قيام أي منافس لها على صعيد الدول
الكبرى، أو قيام أي تكتلات قد تهدّد
هيمنتها في المستقبل.
- الاستناد إلى سلاح عقائدي رئيسي ألا
وهو نشر القيم التي ترتكز عليها الديموقراطية
الأميركية دون أن يعني ذلك بالضرورة
نشر الديمقراطية ذاتها.
- وتنفيذاً لذلك، بدأت أميركا، أو هي
قيد إجراء تعديلات جذرية على أوضاعها
السابقة وفي الأبعاد كلها: العسكرية،
الاقتصادية والسياسية. وفي دراسة، أو
تقرير رفعه البنتاغون إلى الكونغرس
يحدّد فيه كيفية مقاربته لتنفيذ الاستراتيجية
الأمريكية الكبرى على المسارح العالمية
لتحقيق الأهداف الأمريكية، اقترح ما
يأتي:
" العمل على ترتيب الأوضاع الإقليمية
في كل مسرح مهم. على كل، كانت أميركا
قد قسمت العالم مناطق عسكرية مهمة على
رأسها جنرال برتبة أربع نجوم.
" في كل منطقة اقترح البنتاغون في تقريره
أن تسيطر أميركا على المسرح من خلال
اتباع مفهوم توازن القوى بين الدول
الموجودة في هذا المسرح .
" أن يكون لأمريكا وجود عسكري عصري
يمكنه حسم أي معركة أو أزمة قد تنشأ،
وذلك من دون انتظار مجيء قوات جديدة
من مسارح أخرى. وتندرج في هذا السياق
قرارات وزير الدفاع رونالد رامسفيلد
لإعادة تحديث القوات الأمريكية، وإعادة
انتشارها على قواعد جديدة تعالج الأخطار
المستجدة. كما وتبدو المؤشرات واضحة
على المسرح الآسيوي، من كوريا الجنوبية،
اليابان وأوستراليا والتي تشكّل المثلث
الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة،
خاصة بعد 11 أيلول، وبدء صعود الصين،
بالإضافة إلى معضلة كوريا الشمالية.
ويمكن أن نفهم أيضاً في هذا السياق
الطلب المُهم الذي تقدمت به الهند للولايات
المتحدة بإدراجها كدولة ضمن مسؤولية
القيادة الوسطى، بدل أن تكون في نطاق
قيادة الباسفيك Pacific Command. الأمر
الذي قد يتيح للهند أن تصبح لاعباً
أساسياً على الساحة الإسلامية عموماً
والعربية خصوصاً. وقد يُفسّر هذا الطلب
ما وصلت إليه العلاقة الهندية - الإسرائيلية،
في مجال التبادل والتعاون العسكريين.
" ومن هذا المنظور، حيث يتركز الجهد
الرئيسي للولايات المتحدة في هذا الوقت،
وخصوصاً بعد 11 أيلول.
" استراتيجيا كبرى وشيكة بالحرب على
الإرهاب العالمي، وفي تحول ساحة الشرق
الأوسط ساحة بديلة للاتحاد السوفيتي،
وفي تحولها النقطة الرئيسية للاصطدام
Clash ، بين "قوى الخير وقوى الشر".
في هذه الاستراتيجية تعمد أميركا إلى
ترتيب وضع الشرق الأوسط القديم - الجديد،
لتكون هي المقرّر الأساسي وفي أبعاد
عدة.
" استراتيجيا قريبة - ومتوسطة المدى
تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة
المدى، مهمة وحيوية لاستمرار هيمنة
الولايات المتحدة على العالم ككل. والتي
يمكن استقراؤها من خلال التبديلات العسكرية
والاستراتيجية لخطط الأمريكية على الشكل
التالي:
" وجود القوات الأمريكية والقواعد العسكرية
على حدود القوتين العظميين، أي روسيا
والصين والسعي للسيطرة على الممرات
وطرق المواصلات البحرية إضافة إلى الأجواء
والفضاء وتوسع الناتو في العمق الروسي
والعمل على تطويع فرنسا وألمانيا عسكرياً
والسيطرة على منابع النفط كعملة نادرة
في تور الصين وكورقة رئيسية في السعي
للهيمنة على روسيا كمصدر رئيسي مرتقب
للنفط على النطاق العالمي.
" وبالرغم من أن الكثير من الفقرات
في هذا المشروع تبدو عبارة ن خطط حميدة
لدعم التنمية والمجتمع المعرفي إلا
أن النظرة الشاملة إلى السياسات التدخلية
المباشرة التي يوصي بها التقرير الهادفة
إلى تطبيق هذه الخطط، إضافة إلى المحتوى
السياسي والاجتماعي السلبي، يجعل من
المشروع برنامجاً عدوانياً للتدخل الاقتصادي
والسياسي والمجتمعي في المنطقة.
" يعتمد المشروع تقرر التنمية العربية
الذي أنتجه مجموعة من الخبراء العرب
برعاية من الجامعة العربية والأمم المتحدة
حول أوضاع العالم العربي، ليصل على
نتيجة بان المنطقة تسير إلى نتائج كارثية
من الناحية الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية، إن هي تركت لتسير في مسارات
تطورها الحالي.
" ونورد فيما يلي بعض المقتطفات التي
قد توضح المنظور الذي يعتمده المشروع
لكن الحكم عليه ولاشك غير ممكن دون
الاطلاع على نصه الكامل.
" "إن التغيرات الديموغرافية المشار
إليها أعلاه، وتحرير أفغانستان والعراق
من نظامين قمعيين، ونشوء نبضات ديموقراطية
في أرجاء المنطقة، بمجموعها، تتيح لمجموعة
الثماني فرصة تاريخية. وينبغي للمجموعة،
في قمتها في سي آيلاند، أن تصوغ شراكة
بعيدة المدى مع قادة الإصلاح في الشرق
الأوسط الكبير، وتطلق رداً منسّقاً
لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي
والاجتماعي في المنطقة".
" ويورد لتقرير جملة من المعطيات التي
يهدف لتوظيفها في تبرير وتنمية مشروعه:
" 40% من العرب البالغين أميون، ثلثا
العدد من النساء
" 25 مليون عاطل عن العمل في العام
2010.
" 3% من النساء تشغل المقاعد البرلمانية
" 51% من الشبان العرب عبّروا عن رغبتهم
في الهجرة
" 1% فقط من السكان يستعملون الإنترنت
" إن ثلث سكان المنطقة يعيشون على اقل
من دولارين في اليوم. وأقل ما هو مطلوب
لتجاوز هذه الحالة مع تجاوز نسبة النمو
السكاني هو معدّل نمو اقتصادي يقارب
الـ6%.
" ويمكن لمجموعة الثماني أن تتفق على
أولويات مشتركة للإصلاح تعالج النواقص
التي حددها تقرير الأمم المتحدة حول
التنمية البشرية العربية عبر:
" تشجيع الديموقراطية والحكم الصالح.
" بناء مجتمع معرفي.
" توسيع الفرص الاقتصادية.
" وتمثل أولويات الإصلاح هذه السبيل
إلى تنمية المنطقة: فالديموقراطية والحكم
الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق داخله
التنمية، والأفراد الذين يتمتعون بتعليم
جيد هم أدوات التنمية، والمبادرة في
مجال الأعمال هي ماكينة التنمية."
" وفي تقرير "فريدوم هاوس" للعام، 2003
كانت إسرائيل البلد الوحيد في الشرق
الأوسط الكبير الذي صُنّف بأنه "حرّ"،
ووصفت أربعة بلدان أخرى فقط بأنها "حرة
جزئياً"."
" إن تحليلاً دقيقاً لها المشروع، والقراءة
المتأنية لخلفياته السياسية، يسمح بالتوصل
إلى جملة أولية من الاستنتاجات:
" إن هذا المشروع يشكل برنامجا طويل
الأمد لتكريس الهيمنة الأمريكية على
المنطقة من الناحية الاستراتيجية والسياسية
والثقافية بشكل يتكامل مع برنامجها
الإمبراطوري العالمي لفرض العولمة الأمريكية
على المستوى العالمي.
" إن الولايات المتحدة تستخدم الحرب
ضد الإرهاب كذريعة رئيسية لتكريس ما
تعتبره حقوقاً لها في التدخل في كل
أنحاء العالم من اجل فرض برامجها وهيمنتها.
" وتريد الولايات المتحدة بالتالي إن
تلقي بالأعباء الاقتصادية والبشرية
لهذا المشروع على كاهل أوربا وحلف الأطلسي.
" يستهدف المشروع، بالنتيجة، دمج إسرائيل
في المنطقة، ومنحها دور رئيسي في الهيمنة
عليها، دون مجرد الإشارة إلى حل عادل
لقضية الفلسطينية وللصراع العربي الإسرائيلي
على أساس الأرض مقابل السلام.
" بالرغم من إن تقرير التنمية العربية
ينطلق من إن الإصلاح في المنطقة لا
يمكن أن يتم إلا من الداخل، فان هذا
المشروع الذي يدعي انه يستند إلى التقرير،
يرسم خططاً تدخلية خطيرة في أوضاع المنطقة
وفي أسس استقرارها السياسي والاقتصادي
والاجتماعي من خلال التحكم في مصادر
المعلومات والتعليم والمساعدات التقنية
والتعاون الاقتصادي، ومن خلال تصنيف
الدول على أساس مدى انصياعها لهذا المشروع
وممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية
عليها، ومحاولات احتواء المجتمع المدني
أو تدجينه ونزع مضمونه الشعبي الوطني.
" وبالرغم من أن مشروع الشرق الأوسط
الكبير ليس مشروعاً جديداً، فلقد سبق
أن طرحت عدة مشاريع تهدف إلى إعادة
هيكلة المنطقة بما ينسجم والمصالح الأمريكية
فبدأ من مشروع أيزنهاور مروراً بمشروع
بيريز إلى هذا المشروع تعبر مجمل هذه
المشاريع عن توجهات الهيمنة الأمريكية.
ولكن مما لا شك فيه أن هذا المشروع
يحتوي على عناصر جديدة من أهمها:
" إن هذا المشروع يأتي في ظروف الخلل
الاستراتيجي الرئيسي في موازين القوى
الدولية، وفي ظل إطلاق الولايات المتحدة
لمشروعها للهيمنة على العالم مستفيدة
من أحداث الحادي عشر من أيلول والحرب
على الإرهاب من اجل إطلاق سياسات تدخلية
عالمية.
" انه يطرح برنامجاً يستند إلى الخلل
التنموي الأساسي في المنطقة، في وقت
أثبتت فيه كل التجارب زيف البرنامج
النيو- لبرالي في المنطقة وعجزه عن
تقديم التام حلول تنموية حقيقية للمنطقة.
" انه برنامج يحاول الاستفادة من نزوع
شعوب المنطقة للمزيد من الحرية والديمقراطية
لخلق أوهام امكان التطور الديمقراطي
من خلال توجهاته. في حين تثبت التجارب
أن الأنظمة التي حظيت بالرعاية الاستراتيجية
من الولايات المتحدة في المنطقة في
إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب لم
تكن سوى أنظمة استبدادية فاسدة مافيوية
(تركمانستان، أوزبكستان، باكستان الخ..
).
" تسعى الولايات المتحدة من خلال برنامجها
إلى دفع المنطقة نحو إعادة تشكيل هيكلية
كاملة للمنطقة تستند إلى تغيير لأنظمة
المنطقة وليس التغيير من داخلها.
فما هي الظروف التي جعلت الولايات المتحدة
تقدم هذا المشروع إلى الدول الثماني
الكبار؟
" لقد عانت الإدارة الأمريكية من عزلة
دولية ومن صعوبات داخلية جراء انفرادها
بالتدخل في العراق بعيداً عن الشرعية
الدولية وخارج مؤسساتها. ولاشك أن الصعوبات
الكبيرة التي تواجهها في العراق تزيد
من الضغوط التي تفرض عليها. وبنتيجة
هذه العوامل، طرأ تغير على طريقة معالجة
وأسلوب الإدارة الأمريكية تجاه مختلف
قضايا المنطقة بحيث أصبحت اكثر ميلاً
لإدراك حاجتها لدور وغطاء دولي وأكثر
إدراكا لأهمية المساهمة التي يمكن أن
تضيفها أوربا وروسيا والأمم المتحدة
فيما لو تمكنت من إشراكها في برامجها.
" يعاني الرئيس بوش من تحد داخلي جدي
من خلال الصعوبات الاقتصادية المتفاقمة،
وانكشاف بطلان ذرائعه في العدوان على
العراق، وفشله في تحقيق أي تقدم ملموس
في ما يسمى بالحرب على الإرهاب. لذلك
فان الإدارة الأمريكية تجد لها مصلحة
رئيسية في هذا العام الانتخابي لتقديم
مبادرة جديدة بخصوص الشرق الأوسط.
" يشكل هذا البرنامج محاولة لاستعادة
العلاقات الأمريكية الأوربية ووضع أسس
الشراكة الأمريكية الأوربية في الشرق
الأوسط عبر تعزيز اتجاهات المشاركة
الاقتصادية والسياسية بين أوربا والولايات
المتحدة في المنطقة.
" تريد الولايات المتحدة دعم حلف الأطلسي
وجعله أداة سياسية وعسكرية في المنطقة
وربط بعض دول المنطقة بهذا الحلف بهدف
خلق شبكة أمنية استراتيجية نواتها الجناح
الجنوبي الشرقي للحلف الأطلسي والذي
قيادته في تركيا، وتستند إلى جملة من
الحلقات الأساسية ومن ضمنها إسرائيل
وربما تركيا وقطر أو حتى مصر. ويشكل
سيؤمن الانتشار العسكري ضمن الشرق الأوسط
الكبير الستاتيكو لهذه الهيمنة. سيؤمن
أيضاً على المدى الأبعد السيطرة على
كل من نفط الخليج ونفط بحر قزوين.
" يمكن اعتبار المشروع برنامجاً يضع
إطارا لمشاركة أوربا في غنائم الشرق
الأوسط.
لكننا أمام هذه الأهداف يفترض أن لا
ننسى أن الفارق بين البُعدين، الاستراتيجي
والتكتيكي ينحسر تماماً في الوعي الاستراتيجي
الأمريكي على الأقل خاصة في ظل ما تمتلكه
الولايات المتحدة من إمكانات. ذلك أن
الولايات المتحدة في سعيها لتصعيد تخطيطها
الكوني تقوم علمياً بدمج متكامل لأهدافها
العملياتية والتكتيكية والاستراتيجية. الحروب الفظة والحروب الطرية:
فبعد الحروب الفظة الكبرى في أفغانستان،
والعراق بدأت أميركا خوض ما يسمى بالحروب
الطرية من خلال مشروع الشرق الأوسط
الكبير من خلال السعي للتفكيك المجتمعي
والسياسي والمؤسساتي والدولتي للثقافات
والبنى المجتمعية التي يمكن أن تناهض
أو تعرقل الحرب على الإرهاب من جهة
ومخطط الهيمنة الأمريكية من جهة أخرى
بهدف تغييرها من الداخل. ويقتنع الاستراتيجيون
الأمريكيون أن الحرب الطرية ينبغي أن
تبدأ في عقول البشر لمنع وقوع الحرب،
ومنع استعمال الإرهاب لتحقيق الأهداف
السياسية.
مما لا شك فيه أن هذا المشروع، كما
قلنا، ليس الأول الذي يطرح من قبل الإدارات
الأمريكية المتعاقبة. كما انه لا يزال
في مرحلة المسودة التي ستعرض على الدول
الثمانية الكبرى في اجتماعها المقبل
في الولايات المتحدة في نيو آيلاند.
لذلك لا يمكن اعتباره برنامجاً رسمياً
أو مخططاً منهياً إلا أن من الضروري
تحليل هذا المشروع وأهدافه نظراً لما
يحمله توجهات وما يستند إليه من عوامل
موضوعية في المنطقة.
ويأتي هذا المشروع في ظروف تطرح فيها
بعض الدول الأوربية الأساسية مشروعاً
استراتيجياً موازياً وداعماً جديداً
آخر على المنطقة. حيث تسند هذه الدول
في مشروعها إلى أن لا حل منظوراً للصراع
العربي الإسرائيلي لمدة قد تصل على
عشرين عاماً أو أكثر، في حين أن من
الواضح أن لا أفق لأية عملية إصلاح
في المنطقة من دون "فك الاشتباك بين
العرب والإسرائيليين". وبذلك يقوم المشروع
على العمل على تقديم بعض التنازلات
الإقليمية لفلسطينيين والعرب (على المسار
السوري اللبناني) مقابل إدماج إسرائيل
كجزء عضوي من أوربا.
بمعنى إدماجها في الاتحاد الأوربي وحلف
الأطلسي جوهرياً. وتأمين غطاء استراتيجي
اقتصادي عسكري وأمني كامل لإسرائيل
يضمن اعتبارها جزأً لا يتجزأ من النسيج
الأوربي. ومن هذا المنطلق يتم عرض المشروع
على إسرائيل من وجهة أن فك الاشتباك
مع العرب هو شرط لابد منه كي تتمكن
إسرائيل، ولو شكلياً من التطابق مع
شروط الانتساب إلى الاتحاد الأوربي.
ويأتي مشروع الشرق الأوسط الكبير في
هذا السياق ليعبر عن مفهوم يتمايز بل
وربما يتكامل مع المشروع الأوربي ليشكل
المشروع الأوربي بالنتيجة أحد سيناريوهاته
المحتملة. حيث يتجاهل المشروع عملية
السلام من جهة ولكنه يعمل على إدماج
إسرائيل في بنية استراتيجية اقتصادية
عسكرية محلية تكون نواتها إسرائيل وفقط
بعض الدول الأخرى، في حين تعزل الدول
التي ترفض الاندماج في المشروع في انتظار
دفعها تدريجيا ًنحو نوع من العزلة والأزمة.
في حين بدأت بالفعل عمليات إدماج بعض
دول المنطقة في المنظومة الاستراتيجية
الغربية لحلف الأطلسي ويشمل مشروع تدابير
فورية فيما يتعلق بدمج أطلسي متدرج
ومتكامل وعلى مستويات مختلفة لإسرائيل
ولكل لبعض الدول العربية وتوضع مخططات
متفاوتة لعدد من الدول العربية الأخرى.
وبذلك يكون من الواضح أن مشروع الشرق
الأوسط الكبير يأتي مجنحاً أوربياً
وأطلسيا.
تفاوتت ردود الأفعال العربية على هذا
المشروع فلقد تم طرحه في الاجتماع الأخير
لوزراء خارجية الجامعة العربية وروجت
له وسوقت له بعض الدول العربية في حين
رفضته بعضها لكونه يفرض الإصلاح من
الخارج لكنها أصدرت وثائق وقمت بنشاطات
عملية واسعة في اتجاه البدء في تطبيقه
حتى قبل إقراره. وطالبت دول عربية أخرى
بالعمل على ربط مشروع الشرق الأوسط
الكبير بحل للصراع العربي الإسرائيلي.
في حين ترفضه سورية بوضوح.
* د. حيان سليمان:
مساء الخير .. وشكراً للندوة الجميلة
في دار البعث .
الحقيقة أن هناك خطآن شائعان، نكررهما،
الخطأ الأول أن هذا المصطلح ليس أميركياً
على الإطلاق، بدليل أن تيودورهرتزل
في نهاية القرن التاسع عشر قد طرحه
وقال بالحرف الواحد : "إن على اليهود
إمكانية الاندماج في المنطقة" ولن أقف
عند محطات كثيرة حرصاً على الوقت، وإنما
أقول أيضاً في القرن التاسع عشر دعا
هرتزل إليه .. وفي عام 1922 دعا الإرهابي
الصهيوني جابوتنسكي إلى قيام شرق أوسط
جديد. وفي عام 1957 دعا بن غوريون إلى
إقامة سد منيع لمواجهة المنطقة العربية.
هم لا يريدون منا شيئاً، لكن السؤال
الذي يطرح نفسه، نحن ماذا أعددنا لمقاومة
هذا المشروع؟ هذه نقطة أولى .
وأقول أنه يجب إعادة النظر بالمصطلح،
وهذا سبقنا به السيد الرئيس بشار الأسد
عندما أشار إلى إعادة النظر في المصطلحات
..
فالشرق الأوسط هو نفسه الشرق الأوسط
الجديد، لكن بدل كلمة الجديد أضيفت
كلمة الكبير، وكلمة الجديد نفسها طرحها
شمعون بيريز في عام 1994، وتم إقامة
عدد من الندوات والوقت لا يتسع لذكرها..
وكانت مجلة المناضل على ما أعتقد في
عام 1995 دعت مجموعة من الباحثين وكتبوا
في هذا المجال وكان لي الشرف، أنني
بحثت في مقال ( الشرق الأوسط الجديد
)، وعندما قارنته مع الشرق الأوسط الكبير،
لم أر تغيراً إلا في المصالح الاقتصادية.
إذاً النقطة التي أصل إليها، أنه أرجو
أن نبعد عنها الطابع الإسلامي، هي منطقة
بحكم الجغرافيا تمتد من موريتانيا إلى
باكستان، ذات هوية إسلامية، لكن المقصود،
لا يعني الإسلام لهم ولا العروبة بشيء،
وإنما يعني عبارة عن مصالح اقتصادية
في البداية والنهاية .
النقطة الثانية التي أريد أن أتكلم
بها هذا المشروع هو مشروع إسرائيلي
أميركي وإنني أحب تقديم الأولويات وبشكل
خاص إسرائيل لنكن واقعيين وإنني أطرح
سؤالاً بأن : هل إسرائيل بحاجة إلى
أن تندمج بالمنطقة، ولم لا نواجه أنفسنا
ونعتمد أسلوب الشفافية أن إسرائيل دخلها
القومي وهي تعادل ثلث الدخل العربي
ولوحدها يزيد دخلها القومي عن الدخل
القومي لمصر وسورية والأردن مجتمعة
وفي هذه القضية يقال أن أقنع نفسي بنفسي
أن هذا المشروع وهو هدف إسرائيلي يتجلى
في نقطة واحدة خلق كيانات طائفية كما
يحدث الآن في العراق لكي تكسب إسرائيل
هويتها الشرعية لأنها هي الدولة الوحيدة
في العالم التي ليس لها دستور وليس
لها حدود ولا سيما بأن لها قنصليات
سفارات في أغلب الدول ولم يبق إلا دولتان
لا غير تعاديها وهي سورية ولبنان النقطة
الثالثة وهي تتعلق بالديمقراطية.
* عاصم خضر:
لقد لخصت مداخلات السادة الذين سبقوني
في مداخلاتهم، لاسيما الدكتور التقي
والدكتور حيان سليمان، كثيراً من الأفكار
التي كنت أود أن أشير إليها، لكن يبقى
أن أشير إلى نقطتين:
أولهما- التأكيد على أن رخاوة المنطقة
العربية هي سبب رئيسي في طرح هذه المشروعات،
سواء كانت بصيغة "شرق أوسط جديد"، أو"شرق
أوسط كبير"، والتي مؤكد أنها تهدف فيما
تهدف إليه الهوية العربية للمنطقة أو
بكلمات أخرى تهدف إلى عالم لاوجود للعرب
فيه واعتقد جازما أن غياب القوة عن
المنطقة العربية كان سيؤدي في حال عدم
طرح مشروع دولي كـ "الشرق الأوسط الكبير"
إلى طرح مشروع إقليمي ذلك أن فائض القوة،
الدولية والإقليمية سيمتد إلى المناطق
الخالية من القوة وللأسف هذه حال المنطقة
العربية.
النقطة الثانية أريد هنا أن أشير إلى
ما يسمى "الإرهاب وموقعه في مثل هذه
المشروعات، ذلك أنني اعتقد أن "الإرهاب"
هو الوجه المقابل "للإصلاح والديمقراطية"
كورقة ضغط وابتزاز على العرب بل ومحاولة
لإيجاد نوع من "عقدة الذنب" لديهم وبالفعل
نرى الآن أن ما من مؤتمر عربي إلا ويؤكد
على هذا الإرهاب ومحاربته، ومن هنا
تنبع خطورة ذلك .
* د. محمد البطل:
اتفق مع ما تم طرحه حول المخاطر الكثيرة
الناجمة عن الرؤية الأميركية لـ ( الشرق
الأوسط الكبير) . وهي فعلاً رؤية ليست
جديدة بجوهرها فقد تم طرحها بأشكال
وصيغ أخرى شرق أوسط جديد، منطقة تجارة
حرة .. الخ. كذلك الأهداف الحقيقية
المعلنة، وغير المعلنة لهذه الرؤية
القديمة ـ الجديدة. إلا أن الجديد فيها
كما أراه يتمثل في درجة الوقاحة المتمثلة
في عبارات صادرة عن أركان الإدارة الأميركية
حول ضرورة تغيير الأنظمة القائمة في
المنطقة الممتدة من المغرب إلى باكستان
ومن خارجها. وهذا جاء بعد الاحتلال
الأميركي ـ البريطاني للعراق، وقبله
أفغانستان، والإشارة إلى ما حصل كنموذج
وكتجربة قابلة للتكرار بأشكال مختلفة
.
ـ الإصلاح والتقدم سنة الحياة، ومنطق
العصر، وضرورة حتمية في أي مجتمع، حتى
في أكثر المجتمعات تطوراً. لأن مجرد
الجمود يشكل خطوة إلى الوراء عملياً
.
ـ تم رفض هذه الرؤية من قبل صف واسع
من الدول المعنية، ومن الجامعة العربية
على علاّتها الراهنة.وانتقدت بعض بنودها
وكيفية تطبيق الإصلاح والتغيير كل من
روسيا وغالبية الدول الأوربية ودول
هامة أخرى، وأشارت بمجموعها إلى أن
هذه الرؤية الأميركية لا تلحظ القضية
الأهم في استقرار وتطور المنطقة وبرامج
التنمية فيها وتتلخص في الصراع العربي
ـ الإسرائيلي .
السؤال الأهم : لماذا يطرح هذا المشروع
ـ الرؤية الآن :
ـ هناك متغيرات دولية أدت إلى انتفاء
القطبية الثنائية، وما وفرته من توازن
دولي ما، وما يجري الآن محاولة لتأييد
الأحادية القطبية والهيمنة العسكرية
ـ الاقتصادية الأميركية على العالم.
لما تشكله منطقتنا من أهمية استراتيجية،
وللأسف فإن دول المنطقة لم تستفد سابقاً
من الثنائية القطبية إذ تعاملت مع الدول
الصديقة وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي
كمصدر للأسلحة ومع الدول العربية اقتصادياً
وتبعات ذلك على التنمية الاقتصادية
ـ الاجتماعية وسبل تطور المنطقة مستقبلاً
.
ـ لماذا الآن عربياً .
نظراً لأهمية المنطقة مرة أخرى، وأنا
لا أتكلم هنا عن دول ذات توجه اشتراكي
أو ديمقراطي .. الخ، بل باتت المنطقة
بأسرها تحت وطأة الضغوط الأميركية الكبيرة.
وللأسف فإن دويلات صغيرة باتت تطالب
دولاً كبيرة بالتروي وفهم ودراسة ما
هو مطروح، لا بل تطالعنا بالتوسل لدى
الإدارة الأميركية .. الخ وما حصل في
مسألة تأجيل قمة تونس مثالاً فاقعاً
وسابقة خطيرة أيضاً .
لذا أعتقد أن الرد على هذه الرؤية ـ
المشروع الأميركي ـ بات يتطلب التركيز
على عناوين أساسية :
" وطنياً تعزيز الديمقراطية تدريجياً
والتنمية الاجتماعية والتقدم والتعددية
السياسية الفعلية لكل القوى الغيورة
على مصلحة أوطانها وصون استقلالها .
" عربياً : محاولة التوصل إلى حدود
دنيا من التضامن العربي بعد كل ما حصل
من انقسامات عربية ـ عربية ، وبعد إشكالات
قمة تونس الأخيرة والمؤجلة أولاً. والبحث
عن صيغ تعاون أفضل مع الدول العربية
الجاهزة لذلك حيث الجميع بات مطلوباً
وبأشكال مختلفة ثانياً.
" دولياً : تحالفات دولية جديدة تركز
على تعزيز التعاون مع الدول الصديقة
وتوسيع مجالات التوافق، والعمل على
تقليص نطاق الخلافات، والاستفادة من
التباينات والتعارضات الدولية القائمة
تجاه منطقتنا ومصالح شعبنا.
* أحمد المحمد
طرح شمعون بيريز عام 1994 مشروع سمي
" الشرق الأوسط الجديد " وعقدت المؤتمرات
الاقتصادية الأربع (الدار البيضاء 1994،
عمان1995، القاهرة 1996، الدوحة 1997)
.
وقد كرست هذه المؤتمرات بأن إسرائيل
طرفاً أسياسياً في الشرق الأوسط الجديد
إلا أن هذا المشروع مُني بالسقوط الذريع
رغم الدعم الكبير من قبل الولايات المتحدة
والتهافت عليه وكان سقوطه هذا بعد مؤتمر
الدوحة إلا أن هذه الفكرة عادت من جديد
بأسلوب آخر عندما طرح جورج دبليو بوش
أفكاره عنها عام 2003 بعد احتلال العراق
ووعد بإعادة ترتيب المنطقة " الشرق
الأوسط " وتم تكليف إليزابيت تشيني
بمتابعة هذا الملف ولكن تم أخيراً إطلاق
مشروع المبادرة الأميركية لتتغير "
الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً " والتي
يستعد لإطلاقه خلال قمة الدول الصناعية
الثماني الكبرى في حزيران 2004. وقد
تحدث بذلك ديك تشيني وكولن باول.
ويرتكز هذا المشروع على صورة نمطية
للعرب والمسلمين باعتبارهم (جهلة ومتخلفين
ومصانع للعنف والإرهاب) وإن رسم في
بعض جوانبه بالإدعاء على الحرص على
تطوير النظام السياسي والاقتصادي وتطوير
الديموقراطية وضمان حرية الرأي وحرية
الصحافة وتطوير مناهج التعليم من أجل
القضاء على الركود والتخلف بهدف الحفاظ
على المصالح الحيوية للولايات المتحدة
الأميركية ومصالح حلفائها وإعادة تشكيل
المنطقة برؤية أميركية شاملة على الصعد
كافة (السياسية، الاقتصادية، الأمنية،
الثقافية والاجتماعية).
مخاطر المشروع:
" النظر إلى البلدان المعنية بالشرق
الأوسط بلداناً قاصرة عن إدارة شؤونها
وبذلك يشرع احتلالها.
" مفهوم يعبر عن النزوع الإمبراطوري
الأميركي الذي يقوم على صياغة الكيانات
وإعادة رسم الخرائط وتولي مسؤولية الحكم
المباشر فمشروعها يطال البلدان كلها
حيث تتحول كل فئة وطائفة وقبيلة إلى
دول صغيرة في إطار الأوسط الكبير.
" الكيان الصهيوني من أهم المرتكزات
وأدوات الشرق الأوسط في التطبيق الأمني
باعتباره مستثنى من هذا المشروع بل
أن المشروع هو سيناريو إسرائيلي بإخراج
هوليودي أميركي.
وبناء على ذلك أن مجابهة مثل هذا المشروع
هو الالتفاف نحو ما يجمع العرب ويتشاركون
به، فالذي يجمع أبناء الشرق هو ما يجعلهم
أكثر اقتراباً من بعضهم فما يملكون
من ثقافة وحضارة وتاريخ مشترك وآمال
مشتركة ومصالح واحدة أولى من أقاليم
تفصيل مشروع مكشوف النوايا استغلالي
قمعي لا يتناسب مع معتقداتهم وآمالهم
وطموحاتهم.
* بشار عباس:
يمكن أن نعيد ولادة فكرة مشروع الشرق
الأوسط الكبير إلى ما بعد تفجيرات أيلول
/ سبتمبر 2001 ، دون أن ننفي أنها قد
تكون مستوحاة من أفكار مشروعات أقدم
من ذلك كمشروع بيريز الشرق أوسطي، ومشروع
مارشال في أوربا الغربية عقب الحرب
العالمية الثانية.
لقد أحدثت تفجيرات سبتمبر 2001 صدمة
كبيرة في الوعي الأميركي، فقبل هذا
التاريخ كان اهتمام المواطن الأميركي
بالأحداث خارج الولايات المتحدة لا
يتعدى معرفة سطحية عابرة من خلال ما
تبثه المحطات التلفزيونية، وكان يقينه
قوياً بأن شيئاً لا يمكن أن يمس حياة
المواطن الأميركي وأمنه على أرض الولايات
المتحدة .
ولذلك فقد جاءت ردود الفعل على هذه
الأحداث قويةً جداً، واستفاد المحافظون
الجدد منها في السعي لتحقيق حلمهم في
فرض الإمبراطورية الأميركية على العالم
وقد أعلن الرئيس بوش حربه على الإرهاب
محذراً حكومات العالم من الوقوف على
الحياد في هذه الحرب، قائلاً: "من ليس
معنا فهو ضدنا" .
وقد رفض المحافظون الجدد وقوف أية جهة
في العالم على الحياد في "حربهم" على
الإرهاب، بل وإنهم رفضوا أية محاولة
للإشارة إلى أسباب وجذور ظاهرة الإرهاب،
ونعرف أن الأمير السعودي الوليد بن
طلال زار نيويورك عقب أحداث 11 سبتمبر
وعرض تقديم معونة مالية كبيرة لضحايا
انفجارات نيويورك، إلا أن عمدة نيويورك
رودلف جيوفاني رفض مساعدة الأمير، وجاء
هذا الرفض بسبب تصريحات الأمير السعودي
الداعية للبحث في الأسباب التي أدت
إلى مثل هذا الهجوم، مشيراً إلى أن
القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين
الأولى، وأن القضاء على الإرهاب يقتضي
التصدي بموضوعية لهذه القضية .
لم يشأ المحافظون الجدد والمنظمات اليهودية
ـ الصهيونية الأميركية أن يفسحوا المجال
طيلة العام الأول الذي تلا أحداث 11
سبتمبر، لأية مناقشة جادة وصريحة تدور
حول جذور وأسباب الإرهاب، خشية أن تتطرق
هذه المناقشات إلى سياسة أميركا الشرق
أوسطية أو جرائم شارون التي كان ينفذها
على الأرض، أما فيما بعد عندما بدأوا
يتحدثون عن أسباب الإرهاب فإنهم رموا
باتهاماتهم في كل اتجاه، وحملوا العالم
بأكمله مسؤولية الإرهاب باستثناء السياستين
الأميركية والإسرائيلية . استراتيجية الأمن القومي الأميركي
وفي نهاية عام 2002 أعلن الرئيس بوش
إستراتيجية الأمن القومي الأميركي وهي
نسخة مطورة عن خطة أقرتها وزارة الدفاع
الأميركية في نهاية عهد بوش الأب عام
2000، وقد تضمنت هذه الاستراتيجية مبدأين
مثيرين للجدل :
" الحرب الاستباقية :
وهو مبدأ استخدمته ألمانيا الهتلرية
لتبرير إشعـال نار الحـرب العالمية
الثانية، وهو ما أدانته البشرية عقب
انتهاء الحرب ونوقش في محاكمات نورمبرغ
التي اعتبرته كإحدى جرائم الحرب، وقد
قامت إسرائيل بتطبيق هذا المبدأ في
حرب 1967 وجاء الرئيس بوش ليعيد الاعتبار
إليه على المستوى الأميركي .
" حرب الأفكار:
وهو نقطة الانطلاق للبحث والتقصي عن
أسباب وجذور أعمال الإرهاب، إنما من
وجهة نظر أميركية (أي من وجهة نظر المحافظين
الجدد واللوبي اليهودي) .
وكان من الواضح أن واضعي هذه الاستراتيجية
سيبدأون بتطبيق استراتيجيتهم سريعاً
وفي المنطقة العربية على وجه التحديد
.
احتلال العراق ونظرية الدومينو
كان احتلال العراق أول اختبار ميداني
لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة وقد
دشن الرئيس بوش هذه الحرب بالإعلان
أنها ستكون بداية لإعادة رسم الخارطة
السياسية للشرق الأوسط، وكان المحافظون
الجدد متفائلين بمعركة سهلة يستقبل
فيها الشعب العراقي المحتلين الأميركيين
بالورود، ويعقب ذلك، وفقاً لنظرية "ريتشارد
بيرل"، تساقط الأنظمة المعادية للسياسات
الأميركية الإسرائيلية كأحجار الدومينو
.
وقد برهنت حرب العراق عن أخطاء هائلة
في مدى معرفة المحافظين الجدد بالشعب
العراقي وبأوضاع المنطقة العربية ككل،
ليس بسبب نقص باحثيهم، وإنما بسبب توجهاتهم
الإيديولوجية المتحيزة التي لا ترى
إلا جانباً واحداً ضئيلاً من الحقيقة
وبدلاً من تساقط السياسات المعادية
لأميركا وجدنا أن دولاً كانت معروفة
بصداقتها لأميركا أخذت تأخذ مواقف متحفظة
منها، كما أن دولاً كانت تبحث عن انفراج
في علاقتها المتأزمة بأميركا زادتها
حرب العراق تشدداً تجاه الولايات المتحدة،
وبدلاً من الدومينو الشرق الأوسطي بدأنا
نشهد دومينو حكومات الاحتلال بما في
ذلك سقوط حكومة أثنار في أسبانيا والجدل
الكبير الذي أثارته الحرب على العراق
في بريطانيا وأميركا، مما وضع الحكومة
الأميركية في مأزق أخذت تبحث عن مخرج
منه وهي على أبواب انتخابات رئاسية
غير مضمونة النتائج فطرحت مشروع "الشرق
الأوسط الكبير" الذي أرادت أن تلزم
به حلفاءها في أوربا واليابان أثناء
انعقاد قمة الثمانية القادمة في يونيو
/ حزيران 2004 في سي أيلاند في ولاية
جورجيا .
أهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد
تسعى الولايات المتحدة من خلال مشروع
الشرق الأوسط إلى تحقيق ما لم يتحقق
من خلال احتلال العراق ونظرية الدومينو،
ويظهر هذا جلياً من خلال ورقة عمل المشروع،
إذ تحدد ورقة العمل هدف المشروع بـ
"الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة
الأمنية ومصالح حلفائها"، وتركز على
الدفع باتجاه "إعادة تشكيل" منطقة الشرق
الأوسط عبر الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي،
وإذ تتحدث الورقة عن "تشجيع الديمقراطية
والحكم الصالح" فإنها ترمي إلى تغيير
سياسي على المدى الطويل، وهو ما سبق
لكثير من المسؤولين الأميركيين أن أشاروا
إليه بمعنى "تغيير الأنظمة" ولكنه تغيير
بمنظور أميركي ووفقاً لتقييم أميركي
لمنطقة واسعة، تعتبرها واشنطن ذات نمط
واحد ولا تمايز فيها .
وتحدد المنطقة حدود منطقة الشرق الأوسط
الواسع بالبلاد العربية وإسرائيل وتركيا
وإيران وباكستان وأفغانستان .
ملاحظات حول المشروع:
" يضم المشروع منطقة واسعة لا تتشابه
أنظمتها وشعوبها في شيء سوى فكرة الولايات
المتحدة بأنها تشكل منبع الإرهاب الإسلامي
وحتى لو كان الأمر كما تعتقد الولايات
المتحدة فلا يمكن التعامل مع منطقة
بهذا الاتساع وهذه التمايزات والاختلافات
بالأدوات والأساليب نفسها .
" يمكن اعتبار المشروع نوعاً من الهروب
إلى الأمام، فبدلاً من الرد على مطالبة
أصدقاء أميركا من العرب بإعادة النظر
في انحياز السياسة الأميركية إلى إسرائيل
لتفادي مخاطر الإرهاب، يقذف المحافظون
الجدد ومن ورائهم اللوبي اليهودي بالكرة
إلى الملعب العربي، ويتهمون الأنظمة
العربية بأنها هي المسؤولة عن انطلاق
الإرهاب بسبب سياساتها الخاطئة .
" إن الحكومة الأميركية لم تستشر أحداً
في هذا المشروع لا من الحكومات العربية
ولا من القوى الشعبية أو منظمات المجتمع
المدني في الدول العربية والإسلامية،
ولم تستشر حلفاءها الذين ستطرح عليهم
مبدأ مشاركتها في تنفيذ المشروع، لذلك
لاحظنا ردود فعل سلبية متباينة ومتعددة
حتى أن الرئيس شيراك رأي فيه تدخلاً
غير مقبول بالشؤون الداخلية للدول العربية
والإسلامية .
" إن الديمقراطية التي يرغب المحافظون
الجدد بفرضها على العرب هي ديموقراطية
مفصلة على مقاسهم، فقد انتقد دنيس هاستيرت
زعيم الجمهوريين في الكونغرس الشعب
الإسباني واتهمه بالخضوع للإرهاب لأنه
لم ينتخب أثنار حليف أميركا، فعن أية
ديموقراطية يتحدثون ؟.
" جاء طرح هذا المشروع بصورة أبوية
أمام جمهور متحمس في معهد "أميركان
إنتربرايز" معقل المحافظين الجدد واللوبي
اليهودي، ما يؤكد شكوك البلدان العربية
في الأهداف الحقيقية للمشروع، خاصة
وأن هنالك فرق دائماً بين الشعارات
البراقة التي تستخدمها الإمبراطوريات
لفرض نفوذها على العالم وبين التطبيق
الفعلي لهذه الشعارات، فقد أتى المستعمرون
الأوربيون إلى المنطقة العربية حاملين
الشعارات نفسها التي يحملها اليوم المشروع
الأميركي، وثمة مساحة كبيرة للمقارنة
بين الحالتين .
" إذا كان الهدف من المشروع هو إعادة
النظر في الأسباب التي أدت إلى الإرهاب
أفلا يحق لنا أن نتساءل ما هو قسط الولايات
المتحدة وبريطانيا من المسؤولية في
هذا النمو غير المسبوق للتطرف الإسلامي؟
. فقد دعمتا هذا التطرف بحجة أن هذا
التطرف سيقف سداً في وجه الشيوعية،
وما هو قسطهما في "صناعة" وفرض حكومة
طالبان وفي دعم ظاهرة بن لادن ؟ . فإذا
كانت السياسات الأميركية هي التي أدت
إلى نمو ظاهرة الإرهاب، فلماذا تحاول
الآن تحميل المسؤولية لغيرها ؟..
هل يمكن مقارنة مشروع مارشال بالمشروع
المطروح ؟
يحاول المحافظون الجدد عقد مقارنة مستمرة
بين أوضاع البلدان العربية اليوم وأوضاع
أوروبا الغربية بعد انتهاء الحرب العالمية
الثانية، ومن أبرز التصريحات التي تؤكد
هذه المقارنة ما قاله نائب الرئيس الأميركي
ديك تشيني الذي يعد أحد ملهمي المحافظين
الجدد وأحد أبرز صقورهم، فقد صرح في
المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس
بسويسرا :"إن نشر الديمقراطية كان شرطاً
للسلام والرخاء في غرب أوربا بعد الحرب
العالمية الثانية"، كما أكد أن : "الإصلاح
الديمقراطي يمثل شرطاً للحل السلمي
للنزاع العربي الإسرائيلي الطويل الأمد".
وإن هذه المقارنة بين مشروع مارشال
ومشروع الشرق الأوسط الكبير، تجافي
الواقع والحقيقة كثيراً، فمشروع مارشال
كان موجهاً لمساعدة أنظمة حليفة وتدعيمها
في مواجهة الاتحاد السوفييتي والبلدان
الشيوعية، بينما يهدف مشروع الشرق الأوسط
الكبير إلى تثبيت المصالح الأميركية
عبر تغيير معظم الأنظمة الموجودة في
البلدان العربية، وقد سبق طرح فكرة
المشروع سجال كبير حول الأنظمة الحاكمة
في دول صديقة تقليدياً للولايات المتحدة
مثل المملكة العربية السعودية وما إذا
كان ينبغي وضعها ضمن قائمة أعداء أميركا،
بينما وجهت انتقادات قوية لمصر وصلت
إلى حد اتهام النظام الحاكم فيها بالديكتاتورية،
والأهم من ذلك أن مشروع مارشال جاء
على خلفية نهاية الحرب العالمية الثانية
وتسوية وضع أوربا نهائياً، أي أنه لم
يترافق مع وجود مشكلة سياسية غير محلولة
تقف عقبة في وجه التفاهم الأميركي ـ
الأوربي بينما نجد أن مشروع الشرق الأوسط
الكبير كما يطرحه كبير عرابيه ديك تشيني
عندما يقول : "الإصلاح الديموقراطي
يمثل شرطاً للحل السلمي للنزاع العربي
الإسرائيلي"، يأتي ليبرر إلغاء أية
جهود حالية أو مستقبلية لحل الصراع
العربي الإسرائيلي، ويضع هدفاً أولاً
مباشراً تغيير الأنظمة العربية تحت
شعار الديموقراطية وهدفاً بعيداً غائماً
إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية .
لقد اختارت مجموعة المحافظين الجدد
طريقها فبدلاً من الإحراجات التي تسببها
نصائح أصدقائها من العرب الذين يقولون
أنهم لا يستطيعون إقناع الشارع العربي
بصواب السياسة الأميركية بسبب انحيازها
المفضوح إلى الجانب الإسرائيلي، قرر
المحافظون الجدد إزاحة الأنظمة العربية
التي لا تستطيع "إقناع" شعوبها بما
يريدون، واعتبرت أن هذه الأنظمة هي
المسؤولة عن روح العداء لأميركا في
صفوف العرب .
والحقيقة أن ممارسة السياسة لا يمكن
أن تتم عبر التخطيط لمشروعات ترضي أحلام
وأوهام وغرور بعض مراكز الدراسات في
واشنطن، وأكبر دليل على فشل هذه الطريقة
هو ما وصل إليه احتلال العراق وخارطة
الطريق من تخبط .
إن طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير بالطريقة
التي تم بها، يوحي بأن الإدارة الأميركية
لم تهيئ له الظروف المناسبة ولم تستطع
استقطاب أكبر مجموعة ممكنة من القوى
لدعمه، بل على العكس من ذلك تماما،ً
لقد استعدت عليها الحكومات العربية
الصديقة لها، فقلصت حجم القوى التي
كان يمكن أن تساند المشروع، واستمرت
في خطابها المنحاز إلى الجانب الإسرائيلي
مما زاد في غضب الشارع العربي، وأهملت
الجانب الأوربي الذي أظهر تحفظه، فما
حجم القوى الموجودة على أرض الواقع
والتي يمكن أن تساند هذا المشروع ؟.
متى يمكن لأميركا أن تراجع مواقفها
؟
بعد أكثر من نصف قرن، وفي مقابلة مع
مجلة "نيوستيتمان" الأسبوعية في 15/11/2002
أقر وزير الخارجية البريطاني جاك سترو
بمسؤولية بلاده التاريخية عن كثير من
النزاعات الحالية في المنطقة العربية،
وخاصة القضية الفلسطينية والنزاع بين
الهند والباكستان حول إقليم كشمير.
وقال سترو : "إن الكثير من النزاعات
الحالية بين الدول هي من نتائج ماضينا
الإمبريالي، وينبغي علينا تسويتها".
وأضاف قائلاً: " إن بلاده أعطت وعد
بلفور لليهود، الذي يعدهم بوطن في فلسطين،
وفي الوقت نفسه منحت ضمانات متناقضة
لكل من الفلسطينيين واليهود ...
هذه الأشياء تمثل تاريخاً مهماً لنا،
لكنه ليس تاريخاً مشرفاً". فمتى ستقف
الولايات المتحدة وقفة المراجعة والمصارحة
مع الذات لتدرك أن ما تقوم به اليوم
لا يلائم مصالحها البعيدة المدى، نأمل
أن تدرك ذلك سريعاً، وتصحح مسار السياسة
الخارجية الأميركية واتباعها سياسة
جديدة تحترم ثقافة العرب وتراثهم وكرامتهم
القومية وتساعد في الوصول إلى حل سلمي
عادل للصراع العربي الإسرائيلي، وتدعم
مساعي بناء الديموقراطية والتنمية الاقتصادية،
كيلا يضطر أحد وزراء خارجيتها في المستقبل،
بعد وقت يطول أو يقصر، إلى التصريح
بأن تاريخ السياسة الأميركية في المنطقة
لم يكن تاريخاً مشرفاً..