الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة حوار مفتوح حول مشروع
الشرق الأوسط الكبير
مداخلة الرفيق الدكتور محمد صالح الهرماسي عضو القيادة القومية للحزب
 
أثار مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته الإدارة الأمريكية في الآونة الأخيرة العديد من التساؤلات وتناولته بالتحليل والنقد بحوث ودراسات ومقالات كثيرة كشفت أهدافه الحقيقية الرامية إلى إتمام السيطرة الأمريكية على المنطقة العربية والتحكم بثرواتها وخيراتها وبيّنت ما ينطوي عليه من خدمة لأهداف الكيان الصهيوني التوسعية ونبهت إلى خطورة ما يسعى له الصهاينة من تغلغل في المنطقة وطمس هويتها بدءاً من الصهيوني هرتزل مروراً بشمعون بيريز الذي قدّم في حينه مشروعه الشرق أوسطي المعروف وحتى شارون الذي بلغ التواطؤ الأمريكي الصهيوني ضدّ الأمة العربية وحقوقها الثابتة في عهده حداً إجرامياً خطيراً يتحدى القانون الدولي ويستخف بالشرعية الدولية .
ونظراً لأننا في ندوة حوارية فقد اخترت الإجابة باختصار على بعض الأسئلة التي قدّرت أن المشروع يثيرها أولاً وهي:
- هل نحن بحاجة للإصلاح ؟
- وهل حقاً يريد الأمريكيون لمنطقتنا الإصلاح ؟
- وأخيراً هل الولايات المتحدة أهل لإصلاحنا ؟
في الجواب على السؤال الأول أقول أن حاجتنا إلى الإصلاح مسألة بديهية . وأن الإصلاح مطلب داخلي قديم جديد قبل أن يكون مطلباً خارجياً . وأن النظام الرسمي العربي يتحمل دون أدنى شك جزءاً كبيراً من مسؤولية التأخر والتلكؤ في إنجاز هذا المطلب، لكن لابدّ من التأكيد أيضاً على أن للعامل الخارجي دوراً أساسياً في عرقلة الإصلاح وأقصد بهذا العامل كما هو معروف استمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين والجولان ومزارع شبعا وما سببّه ويسببّه من حالة توتر خطير يصدع استقرار المنطقة وأمنها ويستنزف قواها...
الإصلاح مطلب جماهيري عربي ناضلت وتناضل في سبيله حركات وأحزاب وقوى سياسية وشعبية في مختلف الإقطار العربية أما سياسة الولايات المتحدة الأمريكية فقد كانت دائماً سياسة معادية للإصلاح بوقوفها في صفّ الأنظمة العربية القمعيّة ودعمها اللامحدود للكيان الصهيوني الغاصب .
نعم نحن أحوج ما نكون إلى الإصلاح لكنّه الإصلاح الذي يلبّي حاجات أمتنا ويخدم مصالح جماهيرها ويحقق أهدافها في استعادة أراضيها المغتصبة وتحقيق مشروعها النهضوي القومي الديمقراطي .
وفيما يتعلق بالسؤال الثاني لا أعتقد أن عربياً واحداً يمكن أن يصدق أن قلب أمريكا على منطقتنا وأنها تريد لها الخير إلاّ إذا كان مغفلاً أو متأمركاً ...
السياسة الأمريكيـة محكومـة بالمصالح وليس بالمبادئ والمثـل الأخـلاقية. والمصلحة الأمريكية تقضي بأن لا تعرف المنطقة إصلاحاً حقيقياً لأن مثل هذا الإصلاح يتطلب إنهاء الاحتلالين الصهيوني والأمريكي لفلسـطين والعـراق ، كما يتطلب ديمقراطية حقيقية، وتنمية عربية مستقلة وهو ما يعني عملياً نهاية الوجود الأمريكي في المنطقة سواء كان احتلالاً مباشراً أو تواجداً عسكرياً أو تبعية لأمريكا أو سيطرة اقتصادية .
وقبل النظر فيما إذا كانت الولايات المتحدة أهلاً لإصلاح منطقتنا لابدّ من ملاحظة أن الإدارة الأمريكية لا تمتلك أي حق يخولها طرح هذا المشروع الذي يمكن اعتباره من وجهة نظر قانونية تدخلاً في شؤون الدول الأخرى وأن هذه الإدارة هي بصدد محاولة تنفيذ مشروع إمبراطوري هيمني عن طريق سياسة القوة والضغط والتهديد . أما فيما يتعلق بأهليتها فالجميع لابدّ يتساءل : هل باستطاعة الولايات المتحدة وهي الملطخة بدماء الشعوب أن تحمل رسالة إصلاح الآخرين ؟

لننس الطريق الاستعماري الذي سلكته الولايات المتحدة الأمريكية و الحروب القذرة ومجمل حركة العدوان التي مارستها في أصقاع الأرض كاملة ، لننس اعتداءاتها على حرية الشعوب وإسقاط الأنظمة الوطنية في أمريكا اللاتينية ، وسجن رؤساء تم انتخابهم انتخاباً مباشراً من قبل شعوبهم، لننس كل ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية من محاولات كسر إرادة الشعوب وتحريف وتزييف خياراتها ومحاولات فرض نماذج سياسية و ثقافيةعليها ، لننس كل ذلك ولننس ما ذكره الأمريكي بول كينيدي في كتابه " نشوء القوى العظمى وسقوطها " من أمراض مستعصية تعيشها الولايات المتحدة : إدمان على المخدرات التي تصل نفقاتها إلى 100 مليار دولار سنوياً، مليون سجين سنوياً، مليون تحت الرقابة الإدارية، صراعات إثنية وعرقية وقومية مختلفة الأشكال والألوان... وانتهائه إلى نتيجة مفادها أن العالم ليس فزعاً من أمريكا أو خائفاً من وجودها ولكن العالم خائف على زوال الولايات المتحدة الأمريكية... لننس ذلك ونسأل ما هي طبيعة هذه القوة الدولية العظمى وكيف تكونت في مسيرة التطور الإنساني العام ؟
أقول إن مفارقة العصر تكمن في أن هذه القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم هي قوّة متخلصة من مسؤوليات التاريخ لأنها لسبب بسيط لا تاريخ لها ولا موروث حضاري لها . إن الولايات المتحدة الأمريكية هي مجـرد مصنـع للحداثـة مصنع.
لا يتوقف عن الإنتاج والتصدير والاستهلاك . ومثلما بدأ تاريخ نشأتها بالبحث عن الذهب فإنها اليوم تضع مصالحها ومنافعها الاقتصادية فوق كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية ولا تتورع عن شن الحروب وغزوالشعوب في سبيل تحقيق هذه المصالح ودون أدنى شعور بالذنب . هي باختصار جبار اقتصادي وعسكري هائل ينتج ثقافة العنف والاستهلاك ويقود مشروع مسخ الإنسان وتدمير الطبيعية.

ولو تعقبنا الجذور الأولى لهذا المشروع لوجدناها في الحداثة الأوروبية التي ألهّت العقل الخالص مجرداً من كل القيم الإنسانية ومحكوماً بالمنفعة والمصلحة ، وهو الذي قاد أوروبا إلى حربين عالميتين وإلى حروب استعمارية كثيرة وعندما بدأت أوروبا تحاول أن تعقل عقلها بالعودة إلى الثقافة التي تعني التاريخ والموروث الحضاري والثقافي ، ظهرت القوة الأمريكية كقوة وحيدة لتبدأ في محاولة أمركة العالم ... وإذا كان هذا المشروع قد حقق للأسف بعض النجاح في أكثرمن مكان ، فإننا نراه يصطدم في أمكنة أخرى بحاحز عصيّ على الاختراق هو تمسك الشعوب بحقوقها وثقافاتها وهوياتها والدفاع عن استقلالها وحرمة أوطانها وإيمانها بضرورة الإصلاح المستقل خطوة على طريق التجدّد الحضاري.

 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية