الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
الأقتصاد السوري .. خيارات المستقبل
محاضرة الدكتور منير الحمش
مدير عام المركز العربي للدراسات الاستراتيجية
 

المطلوب تقديم خيارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية، وهذا الموضوع يحتاج فعلاً إلى مناقشة، وأعتقد أنه بدأ نوع من النقاش والحوار، لكن يبدو أنه كان كحوار طرشان، دعاة اقتصاد السوق - وأسمحوا لي أن أقول إن المقصود في دعوتهم هو اقتصاد حرية السوق - لأن اقتصاد السوق موجود في كل الأنظمة والمجتمعات فما ينتج في هذا المجتمع يحتاج إلى سوق، يمكن أن يكون هذا السوق موجود في أنظمة اشتراكية أو أنظمة ذات توجه اجتماعي أنظمة تدخلية من قبل الدولة أنظمة لا تتدخل في الشؤون الاقتصادية، إنما هناك سوق دائماً في أي مجتمع، لكن لا أدري إذا كان بالإمكان أن نأخذ عبارة الالتباس المقصود في طرح العنوان بأنه اقتصاد السوق ليخدم أغراضه الحقيقية وهي اقتصاد حرية السوق وفق الوصفة التي أعدت في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تبناها ما يدعى توافق واشنطن، في نهاية الثمانينات كان هناك لقاء بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية واتفقوا على أجندة متكاملة من تحويل اقتصادات البلدان الاشتراكية التي بدأت فيها بعض الأزمات الاقتصادية تبدو تحويل هذه الاقتصادات إلى اقتصاد ما يدعى اقتصاد السوق، وهذه الوصفة هي نفسها التي قدمت في السبعينات في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى البلدان النامية التي وقعت في فخ القروض لتقوم بإحكام السيطرة على هذه البلدان ومواردها.
الذي حدث أن الاتحاد السوفييتي انهار، وفشلت تجربته الاشتراكية وكان هذا إيذاناً لما جرى في السبعينات أن يوضع على أجندة ليست أجندة بريطانيا فقط أو الولايات المتحدة وإنما على أجندة العالم.
كما تعلمون بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك ثلاث نماذج للدول: نموذج اشتراكي في الاتحاد السوفييتي ودول أوربا الشرقية، نموذج الدولة التدخلية أو دولة الرفاه أو الدولة الكنزية في دول الغرب والولايات المتحدة، وكان هناك نموذج الدولة التنموية.
بداية الأزمة في الاقتصاد العالمي بدأت في الدول الصناعية الرأسمالية، في نهاية الستينات وبداية السبعينات ثم بدت هذه الأزمة التي دعيت بوقتها بالركود التضخمي، وعندما عجزت الكنزية عن تقديم حلول قابلة للتطبيق بالتحديد في الولايات المتحدة وإنكلترا، عندها بادرت الليبرالية الاقتصادية الجديدة لتظهر بمظهر المنقذ، حيث كان خطابها واضحاً، أن السبب في هذه الأزمة ـ ما وصل إليه النظام الرأسمالي ـ هو تدخل الدولة، إذاً فلتخرج الدولة عن حدود التدخل في الشأن الاقتصادي وثانياً الشأن الاجتماعي.
هذا الانتصار لهذه النظرة تبلورت في انتخاب تاتشر في عام 1979 برئاسة الوزارة البريطانية وانتخاب ريغان في الولايات المتحدة عام 1980، وبقيت الأمور في هذه الحدود، إلا أن تفاعل الأزمة في الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، وبسبب الجمود الفكري، وعدم المبادرة وبسبب الصعوبات التي بدأت تواجه النظام الاشتراكي وخاصة البيروقراطية والفساد، وبسبب الضغوط وسباق التسلح الذي كانت الولايات المتحدة تدفع باتجاهه، لكل هذه الأسباب وأسباب أخرى انهار الاتحاد السوفييتي وخلال ذلك كان هناك أيضاً بعض الأحداث الهامة في منطقتنا بالتحديد وكان لها الأثر هي مسألة غزو العراق للكويت والهجمة أو الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لإخراج العراق من الكويت، ضمن هذا السياق كان هناك إشاعة لمجموعة من المقولات التي منها أن ما حصل في الاتحاد السوفييتي وما سيحصل لاحقاً هو انتصار للنظام الرأسمالي، وهو أيضاً انتصار للولايات المتحدة كقطب وحيد يتحكم بمصير شعوب وبلدان العالم.
في سورية كان هناك صعوبات اقتصادية بدأت هذه الصعوبات في منتصف الثمانينات عندما انخفضت تدريجياً المعونات العربية المالية نتيجة انخفاض أسعار النفط، وبالتالي توقفت في منتصف الثمانينات فشعرنا جميعاً بنقص في القطع الأجنبي، مما أدى إلى أن ممثلي التيار الليبرالي سواء في قيادة الاقتصاد الوطني، أو في أوساط ما يدعى رجال الأعمال، تحت هذا الظرف المتمثل بنقص القطع الأجنبي بدأت هناك سلسلة من القوانين والقرارات تخرج تباعاً، وتضع اقتصاد البلاد في طريق آخر غير الطريق التدخلي من الحكومة.
كانت أول هذه القرارات، التخلي عن التجارة الخارجية بحجة أنه لا يوجد قطع، وأن هناك مواد لا بد من استيرادها، بدأت الضغوط لإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص، والسماح له باستيراد المواد الأولية والتموينية، كان في البداية هجمة كبيرة من تجار الاستيراد، لكن كالعادة السمك الكبير يأكل السمك الصغير، وهذا هو قانون السوق، وبالتالي انحسرت الجموع من المستوردين إلى تقليص عددهم بقانون الاحتكار إلى عدد محدود جداً، فانتقل احتكار استيراد المواد الأولية والأساسية من الدولة إلى القطاع الخاص، وهذه أول مراحل ما يدعى بالخصخصة.
في منتصف الثمانينيات بالضبط، رافق ذلك على التوالي مقولة توازن الموازنة، والحقيقة هناك ضعف في الثقافة الاقتصادية لدى المسؤولين عن الإدارة الاقتصادية، أحدهم سرب هذه المقولة إلى وزارة المالية، تبنتها، عرضتها على قيادة الاقتصاد الوطني فأعجبها الشعار وأوعزت بالتطبيق وكانت النتيجة وبالاً على الاقتصاد الوطني.
لا شيء اسمه توازن الموازنة في أي دولة عصرية، هذا كان منذ زمن لما كان الملك أو السلطان يجمع الأموال من جيب وينفقها من جيب آخر، في الدولة العصرية لا يوجد شيء اسمه توازن الموازنة، الدولة المسؤولة تضع احتياجاتها أولاً ثم تضع برنامجاً لتأمين المواد، أما هنا انتقلنا إلى (وهذا أحد شروط وتوصيات البنك الدولي) كنا دائماً نقول هذا الكلام ولا يرد علينا نتيجة ضعف الثقافة الاقتصادية، بحجة تأمين عجز الموازنة أو تغطية عجز الموازنة تم تخفيض الإنفاق العام بشقيه الجاري والاستثماري، والجاري كلنا شعرنا به من خلال تجميد الأجور والرواتب، أما الإنفاق الاستثماري فالكل يعرف على أن الدولة بدأت تخفض من إنفاقها الاستثماري، وكانت الحجة التي تقال إنه إذا خفضنا استثماراتنا (حسب مقولة البنك الدولي في ذلك الوقت) سوف يبادر القطاع الخاص بتغطية أو بسد العجز الاستثماري، عندها كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟ قيل: إنه بتعديل بعض القوانين وبعض الإجراءات وكان أن أخذ هذا الأمر سنتين أو ثلاثة ثم صدر قانون 10 عام 1991 بالسماح بإقامة مشاريع للقطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي، وهذه عجيبة هذه المسألة ليست موجودة في أي دولة من دول العالم حسب إطلاعي أن تعطى مزايا وتسهيلات لرأس المال الأجنبي بما يعادل ما يعطى من رأس المال الوطني، علما وهذه المقولة أرجو أن نتوصل إليها معاً، التنمية لا يصنعها إلا أهل البلد، وإلا رأسمال البلد ولا يمكن أن تقام تنمية بالاستعارة برأس مال أجنبي أو حتى عربي، لكن الإخوان فضلوا أن تعطى تسهيلات ومزايا لرأس المال الأجنبي على أمل أن ينهال علينا هذا الرأسمال، وينقذ وضعنا المالي والنقدي، طبعاً هذا لم يحصل، لأن هناك ثغرة أخرى في قانون الاستثمار وهي السماح باستيراد السيارات السياحية الصغيرة التي كان يشكو البلد من عجز في توافرها وإعطائها مزايا نفسها التي تعطى لمعمل نحتاجه فعلاً في صناعات غذائية أو كيميائية تعطى لنفس هذه المزايا والإعفاءات لنفس الشخص الذي كان يأتي بسيارات جاهزة ليستغلها، وخلقت هذه العملية ليس فقط تأثير على الاستثمار في القطاعات المنتجة وإنما أثرت في المجتمع، وأنتم تعلمون أن مئات الدعاوى الآن في القضاء لا تزال موجودة بسبب التلاعب والتحايل الذين قاموا باستيراد السيارات السياحية وقاموا بالتصرف فيها خلافاً للقوانين والأنظمة.
إذاً أستطيع أن أقول إن التنمية في سورية التي بدأت عملياً منذ الخطة الخمسية الثالثة، وبسبب توافر التمويل من المساعدات في السبعينيات (في منتصف السبعينات بعد حرب تشرين 1973) هذه التنمية للأسف أخفقت في تحقيق أهدافها، أولاً في الطريقة التي تم فيها إدارة هذه المعونات، في أسلوب إقامة المشاريع أقيمت مشاريع صناعية خاصة، دون دراسات جدوى اقتصادية، وسمح بحجة الاستعجال أن يتم إقامة هذه المشاريع على أساس مفتاح باليد، وهذه المصيبة الكبرى لأن السماسرة والوسطاء استغلوا هذه المسألة ليحققوا نهباً كاملاً للأموال العامة ضمن شراكة تم التوقيع عليها بين هؤلاء والشركات الأجنبية وفئة معينة من البيروقراطية، أقيمت المشاريع، أولاً المفتاح باليد، كما تعرفون هذا يحجب عنا مسألة توطين التكنولوجيا لأن الدارس هو الشركة المنفذة والذي يأتي بالآلات هو الجهة المنفذة، هو الذي يتولى كامل عملية إقامة المشروع ثم يسلمنا المفتاح. لكن المصيبة الأكبر أن أغلب هذه المشاريع تم إقامتها وأنجزت بأخطاء تصميمية وفنية هائلة، وكان كل مشروع يتلوه محاكم لم يقبل أصحاب التوريدات أن يقوموا بتحويل الخلافات إلى محاكم، إنما إلى لجان تحكيم وغالباً ما تحكم هذه اللجان لصالح المورّد.
في منتصف الثمانينات تكاد تكون كامل المصانع باستثناء معامل الخميرة التي أشرف الأستاذ أحمد دباس على إقامتها كانت الطاقات الإنتاجية الفعلية تفوق الطاقات التعاقدية وأنجزت أعمالاً بالفعل يشكر لها.
المصيبة أن تشغيل هذه المعامل جاء في الوقت الذي بدأ ينحسر القطع الأجنبي، وهي تحتاج إلى مواد أولية مستوردة، تحتاج إلى بعض الإضافات الفنية التصميمية الناقصة، تحتاج إلى مستلزمات إنتاج بما في ذلك قطع التبديل، فهنا بدأت مشكلة أخرى في القطاع الصناعي العام، مشكلة كيف يمكن أن تشغل هذه المعامل، مع نقص التوريدات في مستلزمات الإنتاج، والمعامل السابقة التي كانت حصيلة التأميم وحصيلة إضافات أخرى فيما بعد، أيضاً بدأت تعاني من مسألة الاستبدال والتجديد، وهذه مسألة أيضاً بدأت المعامل في القطاع العام البحث بوضعها.
أريد أن أصل إلى نقطة إننا وقعنا في أزمة التنمية، هناك في مأزق في التنمية، حصيلة التنمية كانت للأسف لا تتناسب مع الأهداف الكبيرة التي كنا نتمنى أن نصل إليها.
في الفترة الأخيرة خاصة الآن طرح في عام 2000 مسألة الإصلاح الاقتصادي هذه العملية أخذت وقتاً طويلاً، وضعت عدة مشاريع ولكن في النهاية لم أجد وثيقة تقول إن هذا برنامجنا للإصلاح الاقتصادي، وثيقة معتمدة من السلطات، إلى أن بدأ يطرح موضوع ما يدعى اقتصاد السوق، وهو كما قلت أعيد الكلام للأستاذ عبد الله الدردري الذي له تصريح أخير في مجلة المال وهي مجلة جديدة، حصلت عليها بالأمس من أحد الأصدقاء عن طريق موقع كلنا شركاء، وأنا الحقيقة أكن للأستاذ عبد الله كل الاحترام والمحبة، ولكني فوجئت بما نقل عنه في هذه المجلة، وأرجو أن يصحح، العنوان الأساسي لهذا الموضوع (أن هناك انقلاباً اقتصادياً في سورية) ولذلك أريد أن توضح لنا هذا الموضوع لأنه موضوع بغاية الخطورة، وهذا لا يمس الوضع الاقتصادي فقط، هذا يمسك أنت شخصياً، وأعتقد أن هناك ورطة ما لأنه يقدم الأستاذ عبد الله على أنه قائد هذا الانقلاب والمتحدث باسمه، وهذه مشكلة.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية