التنمية
الاقتصادية والتكنولوجيا:
قضايا هامة في عملية الإصلاح الاقتصادي
في الوطن العربي
دمشق
20/2/2005
أولاً
- القضايا المستعصية في النمو الاقتصادي
العربي و علاقتها بتوطين التكنولوجيا
يتجه الاقتصاد العالمي أكثر من أي
وقت مضى نحو الاقتصاد المبني على
المعرفة أو العلم والتكنولوجيا، كما
يزداد اعتماد النمو الاقتصادي والاجتماعي
على المستوى التكنولوجي وعلى نمو
هذا المستوى. إن ضعف المستوى التكنولوجي،
وضعف نموه، هما من أهم قضايا الاقتصادات
العربية، التي أدت على مر العقود
الأخيرة إلى ازدياد نسبة البطالة
وخاصة بين خريجي الجامعات والمعاهد،
وضعف التنوع الاقتصادي، وانخفاض معدلات
النمو، وهجرة العقول والرساميل، وزيادة
المديونية. هذا كله يؤدي بالتالي
إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي
وعليه إلى عدم المقدرة على التنمية
الاجتماعية والإنسانية في الدول العربية.
تُعّرف التكنولوجيا على أنها ما يُمكِّنُ
الإنسان من نقل فكرة علمية إلى منتج
مفيد، ويقصد بالمنتج هنا معناه الواسع
الذي يشمل السلع والمواد والعمليات
والخدمات.
يقاس المستوى التكنولوجي لدولة عن
طريق قياس الإنتاجية فيها (PRODUCTIVITY)
أو عن طريق ما يسمى بكلفة الوحدة
(UNIT COST). وتعبر الإنتاجية أيضاً
عن مردودية (EFFICIENCY) الاقتصاد
في تحويله المدخلات إلى مخرجات، أو
ما يسمى الإنتاجية الكلية للعوامل
(TOTAL FACTOR PRODUCTIVITY {TFP})
ويحسب هذا عن طريق قسمة المخرج الناتج
على وحدة كل من عوامل الإنتاج مجتمعة.
كما يحسب النمو التكنولوجي على أساس
زيادة قيمة المستوى التكنولوجي على
مدار السنة.
تلعب التكنولوجيا دوراً أكبر فأكبر
مع التوجه العالمي نحو مجتمع المعرفة
واقتصاد المعرفة. وقد أخذت نظريات
النمو الاقتصادي تعبر عن ذلك بشكل
أكثر وضوحاً، ففي الستينات أدخل عامل
التقدم التكنولوجي في معادلة النمو
الاقتصادي بشكل غير مباشر عن طريق
عاملي رأس المال والعمالة، فمعادلة
النمو بشكلها المبسط تقول بأن النمو
يتناسب طرداً مع العمالة ورأس المال
أي:
Y = K . L
وحصل سولو (SOLOW) على جائزة نوبل
في الثمانينات من القرن العشرين على
تقنينه لهذه النظرية بإدخال عامل
التكنولوجيا بشكل غير مباشر في كل
من رأس المال K و العمالة L . من
الافتراضات التي تقوم عليها هذه النظرية
أن انتشار التكنولوجيا يتم بشكل حر
ومتاح. وبالتالي فإن إعاقة نقل التكنولوجيا
في التجارة يؤدي حسب هذه النظرية
إلى عدم حدوث نمو في الدول النامية
ومنها الدول العربية.
ثم طرحت في التسعينات نظرية النمو
الجديدة من قبل رومر (ROMER) و التي
تربط النمو بالتكنولوجيا مباشرة،
Y = A . K
وليس عن طريق عاملي رأس المال والعمالة،
أي أنها تعتبر المستوى التكنولوجي
و رأس المال عاملي إنتاج مباشرين
حيث تمثل K رأس المال ويحتوي ضمنه
كل من راس المال الفيزيائي أو المادي
متمثلاً بوسائل الإنتاج والتكنولوجيات
المجسدة في المواد المستعملة وفي
الإدارة وغيرها، كما يحتوي رأس المال
البشري الذي يتمتع بمعرفة وخبرة أو
ممارسة تكنولوجية، كما يحتوي رأس
المال الاجتماعي من عمل جماعي في
تشبيك منظومة العلم والتكنولوجيا
وفي الشعور بالمسؤولية الجماعية و
في الأمانة والإخلاص في العمل وغير
ذلك من رأس مال اجتماعي. وتمثل A
المستوى التكنولوجي ويشتمل على مستوى
المنظومة التكنولوجية للدولة (الجزء
الأهم من النظام الوطني للابتكار
أو الإبداع )، وهذه المنظومة كما
هو معروف تشمل عدة مركبات متشابكة
أهمها: وجود الرؤية الوطنية تجاه
العلم والتكنولوجيا، ووجود القرار
السياسي فيها، والاعتماد الرسمي لسياسة
وطنية في ذلك مع استراتيجيات لتنفيذها،
كما تشمل ما يسمى "بالثالوث الحلزوني"
المهتم بالتكنولوجيا وهو: الجامعات
ومراكز البحوث العامة والخاصة والشركات،
.كما تشمل المؤسسات والأدوات الوسيطة
بين عناصر الثالوث الحلزوني مثل رأس
المال المبادر VENTURE CAPITAL وحاضنات
التكنولوجيا وحدائقها، ومراكز التمييز
وغيرها (أنظر الشكل رقم - 1 - ).
وتمثل المعادلة Y = A . K شكلاً ميسطاً
لهذه العلاقة . وبإجراء اشتقاق للمعادلة
وتبديل بعض القيم بمساوياتها تعريفاً
نصل إلى العلاقة التالية:
ΔY/Y = Δ A/A +S . A
أي أن معدل النمو الاقتصادي ΔY/Y
يعتمد على معدل النمو التكنولوجي
Δ A/A من جهة وعلى المستوى التكنولوجي
A من جهة أخرى، إضافة لاعتماده على
مستوى الادخار S .
فإذا أردنا زيادة معدل النمو الاقتصادي
في دولنا العربية فعلينا من جهة تحسين
المستوى التكنولوجي وزيادة معدل نموه
السنوي ، ومن جهة أخرى زيادة نسبة
الادخار واستثمار الرساميل المدخرة
محلياً في اتجاهات تكنولوجية.
هناك نقطتان هامتان هنا: إن نمو المستوى
التكنولوجي يؤدي إلى تعاظم النمو
الاقتصادي وبالتالي إلى زيادة فرص
العمل. وتدعم العديد من الدراسات
هذه النتيجة الهامة ومنها دراسات
في الاتحاد الأوربي ودراسات في دول
منظمة OECD . وتبين دراسات مبنية
على معطيات إحصائية أوربية أن هناك
بشكل عام انخفاض في النسبة المؤوية
لمعدل البطالة في المناطق الأوربية
التي يزداد فيها المصروف على البحث
والتطوير في القطاع الخاص التصنيعي.
كما دلت دراسات عديدة أن النمو في
فرص العمل يزداد كلما زادت الكثافة
النسبية للبحث والتطوير في دول الـ
OECD ، فالنمو النسبي في فرص العمل
عالي من أجل التكنولوجيات العالية
(HT) ، و حيادي من أجل التكنولوجيا
المتوسطة (MT) ، ومنخفض من أجل التكنولوجيا
المنخفضة (LT) التي لا تتمتع عادة
بكثافة مرتفعة للبحث والتطوير. الخلاصة
هي أن زيادة المستوى التكنولوجي ونموه
يؤديان إلى زيادة فرص العمل وطنياً
وحتى إلى استقطاب العلماء والتكنولوجيين
من خارج حدود الدولة ( الدول المتقدمة
تستقطب علماء وتكنولوجيين من الدول
النامية)، أي أنها قوة جاذبة للعمالة
المتقدمة (الخرجين الجامعيين) الذين
يشكلون عاملاً هاماً في زيادة النمو
للدول المتقدمة حسب نظرية النمو الجديدة.
من جهة أخرى إن معدلات النمو المرتفعة
تعني أرباحاً مرتفعة أو عائدات استثمار
مجزية (HIGH ROI ) ، وبالتالي فإن
الاقتصادات التي تملك مستوى تكنولوجياً
عالياً ونمواً تكنولوجياً عالياً
تجذب رؤوس الأموال وتجذب المستثمرين
والعكس بالعكس، وهذا هو الواقع العالمي
حالياً. نخلص من هذا إلى نتيجة مهمة
للغاية تفسر هجرة العقول العربية
( أكثر من 230 ألف خلال ثلاثة عقود)
، وكذلك هجرة رأس المال العربي (
أكثر من 1300 بليون $ حسب بعض التقديرات).
إذاً إن الإخفاق في توطين التكنولوجيا
يؤدي إلى طرد عاملين أساسيين من عوامل
النمو الاقتصادي الحديث، هما رأس
المال الفيزيائي ورأس المال البشري،
( أنظر الشكل رقم - 2 - ) .
 |
ولا شك أن النمو الاقتصادي من أهم
مشاكل العالم العربي، ويؤدي عدم ازدياده
الحقيقي والمطرد إلى عدم الاستقرار
الاقتصادي، و إلى البطالة وهجرة العقول،
و هجرة رأس المال المدخر، و انخفاض
الدخل، وعدم التنوع الاقتصادي، و
إلى المديونية المتراكمة، وهذه هي
مشاكل الاقتصادات العربية المستعصية
كما ذكرنا في المقدمة .
من هنا تكتسب عملية نقل التكنولوجيا
إلى الدول النامية ومنها العربية
أهمية بالغة، نتيجة لبطء النمو التكنولوجي
وضعف مستواه في هذه الدول، ويعد الإسراع
في نشر التكنولوجيا عالمياً عاملاً
قوياً من عوامل التقارب العالمي،
وهدفاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة
والاستقرار الاقتصادي العالمي. تمتلك
الشركات الخاصة نسبة هامة جداً من
التكنولوجيا العالمية وتعد التجارة
من الوسائل أو الطرق الأهم في نقل
التكنولوجيا إلى العالم النامي.
هناك تباين بين دول العالم في امتلاك
التكنولوجيا، ويؤدي ذلك إلى تباين
في الدخل، ويعد توزع التكنولوجيا
عاملاً أساسياً في توزع الدخل وبالتالي
في الناتج المحلي الإجمالي.
 |
 |
ثانياً - طرق النقل الخارجي للتكنولوجيا
يعد نقل التكنولوجيا من الخارج من
الطرق الهامة في تحسين المستوى التكنولوجي
و زيادة نموه ، إضافة طبعاً إلى التجديد
(أو الإبداع) الداخلي الذي لا يتم
بدوره دون وجود النقل الداخلي للتكنولوجيا
وتوطينها، والانتشار العالمي للتكنولوجيا
من أسباب زيادة النمو التكنولوجي
للدول.
تنتشر التكنولوجيا عبر الدول وفق
طرق عديدة أهمها ما يلي:
(أ) استعمال منتجات وسيطة مبتكرة
في الخارج ضمن الإنتاج المحلي
(ب) الحصول على المعلومات المدونة
في النشرات والوثائق
(ج) التواصل مع الخبراء الأجانب
والتعلم بالممارسة LEARNING-BY-DOING
وخاصة للمعلومات غير القابلة للتدوين
في نشرات ووثائق المعرفة المضمرة
وتأخذ هذه القناة لنقل التكنولوجيا
أحد الشكلين التاليين:
- التدريب الرسمي (FORMAL): كالتدريب
بالممارسة، والتعليم المدرسي، وتبادل
الخبراء وأمثالها.
- الحصول على الخبرات بشكل غير رسمي
(INFORMAL): كالتفاعل غير المنظم
مع الخبراء الأجانب، والتواصل مع
أساتذة الجامعات الأجنبية، والحصول
على النشرات الفنية، وأمثالها.
(د) التفاعل بين الشركات الأجنبية
المنشأ وفق آلية الاستثمار الأجنبي
المباشر [FDI] والشركات الوطنية،
وخاصة لنقل التكنولوجيا عبر الأقنية
التالية:
- حلقات الربط الخلفية أو الأمامية
(BACKWARD/FORWARD LINKAGES): وتنتقل
التكنولوجيا عبر هذه القناة عن طريق
قيام الشركات الأجنبية بدعم مزوديها
المحليين ودعم الشركات المحلية التي
تصنع لها المرحلة الأخيرة (عادةً)
من منتجاتها في رفع الجودة ورفع مواصفات
الخدمات لديها.
- نقل التكنولوجيا بالاقتداء (DEMONSTRATION
EFFECT): ويجري هذا النقل بقيام الشركات
المحلية بتقليد وإعادة هندسة التكنولوجيات
الجديدة، وعن طريق اقتباس طرق إدارة
الإنتاج وطرق التسويق الجديدة ذات
المردودية الأعلى، وأمثال ذلك.
- نقل التكنولوجيا بالتنافس (COMPETITION
EFFECT): ويجري ذلك عندما تشعر الشركات
الوطنية بضغط المنافسة التي تقوم
بها الشركات الأجنبية، فتسعى إلى
التغلب على ذلك بنقل التكنولوجيا
والإدارة والتسويق بشتى الوسائل ومنها
التطوير الذاتي.
قياس كمية نقل التكنولوجيا
تحدد القدرة الاستيعابية الوطنية
للتكنولوجيا كمية التكنولوجيا المنقولة
لوطن ما. فكلما زادت هذه المقدرة
لدى دولة كلما زادت كمية التكنولوجيا
المنقولة. وتقدر هذه الكمية على أساس
المؤشرات التالية:
- حجم ونوع المنتجات التكنولوجية
المستوردة، وخاصة تلك التي تحتوي
تكنولوجيات متقدمة. وهناك ظاهرة في
دول العالم النامي هي ظاهرة شراء
خطوط الإنتاج المستعملة (SECOND HAND)
أو ذات التكنولوجيا السابقة. ويؤدي
ذلك إلى عدم نقل التكنولوجيا، خاصة
وأن الجهات الموردة لهذه الخطوط لا
تكون عادة الجهات المصنعة لها ولذا
لا يحصل نقل حتى للتكنولوجيا القديمة.
- حجم ونوع الاستثمار الأجنبي المباشر
وخاصة نوع ومستوى تكنولوجيا المنتجات
المستثمر فيها ومدى تفاعل هذا الاستثمار
مع نظام الإبداع الوطني.
- مدى أو مستوى تكامل أو تفاعل الشركات
الأجنبية مع الاقتصاد المحلي من حيث
تدريب العمالة المحلية، ومن حيث التعاقد
مع شركات تزويد محلية واستعمال المنتجات
الوسيطة المحلية، أو من حيث نقل خبرات
الإدارة وإدارة الإنتاج والتسويق
للاقتصاد المحلي.
ثالثاً - شروط توطين التكنولوجيا
يزداد انتشار التكنولوجيا وطنياً
عندما تتحقق بعض متطلبات هذا الانتشار،
التي نذكر أهمها فيما يلي:
1- سوق عمالة وأجور مرن: أي أن يسمح
سوق العمالة بانتقال العمالة الخبيرة
والماهرة بين الشركات بحرية معقولة
وكذلك انتقال الباحثين والمهندسين
والعلماء من القطاع العام إلى القطاع
الخاص وبالعكس. وهذه المتطلبات غير
متوفرة في العديد من الدول العربية.
من جهة أخرى، مرونة الأجور مهمة جداً
لنمو العمالة الخبيرة والماهرة (العلماء
والباحثين والتكنولوجيين والخبراء)،
ذلك إن سماح سوق الأجور بارتفاع أجور
العمالة الماهرة إلى مستوى أعلى بكثير
عن مستوى أجور العمالة العادية، سواء
في القطاع العام أو الخاص، يسمح بجذب
وبنمو هذه العمالة، ما يؤدي إلى ازدياد
القدرات الاستيعابية للعلم والتكنولوجيا.
غير أن هذه المسألة مستعصية في نظم
الرواتب والأجور العربية، مما يؤدي
إلى وجود قوى طرد بدلاً من جذب للعمالة
الخبيرة والماهرة في الدول العربية.
ولا شك أن قبول القوانين وقبول المجتمع
للمرونة في الأجور من المتطلبات الأساسية
لنشر التكنولوجيا وطنياً أي توطينها.
2- أسواق مالية كفؤة ومرنة: إن توفير
التمويل الخاص لرعاية الإبداع والتجديد،
ولتشجيع نشوء الشركات الصغيرة والمتوسطة
القائمة على منتجات مبتكرة وطنية،
والتي تستعمل تكنولوجيات جديدة، هو
من متطلبات نقل التكنولوجيا. ولا
يمكن لطرق التمويل التقليدية، مثل
صناديق التنمية الصناعية التي توفر
القروض قصيرة المدى، أن تدعم الإبداع
والتجديد. فالمطلوب هو وجود تمويل
مرن مثل رأس المال المخاطر (VENTURE
CAPITAL) أو رأس المال المشارك (EQUITY
CAPITAL) أو رأس المال السامي (ANGEL
CAPITAL). والمطلوب أيضاً آليات تمويل
تسهل ما يسمى بخروج هذا النوع من
رؤوس الأموال (EXIT MARKET). وهذا
النوع من أسواق الأموال يحتاج قوانيناً
ومؤسسات غير موجودة في الدول العربية
حالياً.
3- وجود بيئة أعمال (ENTREPRENEURIAL
ENVIRONMENT): إن قيام الشركات الصغيرة
والمتوسطة المبنية على التكنولوجيا
الحديثة غير ممكن دون وجود بيئة أعمال
مناسبة تسهل بل تشجع قيامها. فالقوانين
اللازمة لذلك والمؤسسات المساعدة
مثل حاضنات التكنولوجيا وحدائق التكنولوجيا
ومراكز المعلومات، والتعليم اللازم
الذي يجمع بين الاقتصاد والإدارة
والتكنولوجيا وإدارة التكنولوجيا،
وغيرها من الأمور تشكل متطلبات أساسية
لنقل التكنولوجيا.
4- تدخل الدولة لنشر التكنولوجيا:
هناك إجماع على أن للدولة دوراً هاماً
في نشر التكنولوجيا وطنياً بما تعتمده
من سياسات، وبما تقره من إطار قانوني
وإداري، وبما تقدمه من دعم مالي،
وبما تقيمه من مؤسسات للتعليم والبحث
والتطوير والتدريب والتمويل وغيرها.
وهذا الدور مهم جداً لنقل التكنولوجيا
بالتجارة. ويصنف عادة دور الحكومة
أو سياستها في نوعين (أ) سياسة التدخل
الأدنى (MINIMAL INTERVENTION APPROACH)
التي تتمثل في إيجاد الإطار الذي
ذكرناه أعلاه وترك القطاع الخاص يتحرك
فيه، أو (ب) سياسة التدخل الفعَّال
(PROACTIVE APPROACH)، التي تتمثل
بتبني مشاريع وطنية مدعومة من الحكومة،
وهي السياسة الأكثر نجاحاً للدول
النامية نظراً لوجود إخفاق سوقي لديها
(MARKET FAILURE). من جهة أخرى تتبنى
الدول عادةً إحدى ثلاث سياسات في
تعاملها مع الشركات الأجنبية الكبرى
لتشجيعها على الاستثمار داخلياً وهي:
(أ) أن تقوم الشركات الكبرى بالتعامل
مع شركات وطنية دون امتلاكها (أي
بالترخيص أو الشراكة أو منح الوكالة
وغيرها) وهذا ما يسمى بالسياسة المتجهة
خارجاً (EXTERNALISATION ORIENTED
POLICY)؛
(ب) أن تقوم الشركات الكبرى بإقامة
فروع لها لدى الدولة النامية وهذا
ما يسمى بالسياسة المتجهة داخلاً
(INTERNALISATION ORIENTED POLICY)؛
وأخيراً
(ج) استراتيجية مختلطة من المقاربتين
(أ) و (ب) (MIXED STRATEGY).
5- الإنفاق على البحث والتطوير: إن
من شروط انتشار التكنولوجيا محلياً
وجود نشاطات بحث وتطوير محلية مهمة
ومترابطة مع الاقتصاد الوطني. إن
هذا بالطبع بتطلب زيادة الإنفاق على
تلك النشاطات من الدولة، وكذلك تشجيع
القطاع الخاص على الإنفاق على البحث
والتطوير.
إن الإنفاق على البحث والتطوير في
الدول العربية ضعيف للغاية وفق المنظور
العالمي، إذ يشكل حوالي 0.3% من الناتج
المحلي الإجمالي في حين هو حوالي
3% في بعض الدول المتقدمة.
6 - تعليم العلوم والتكنولوجيا بلغة
القوى العامة في التعليم العالي::
هناك دور لاستعمال اللغة العلمية
والتكنولوجية، من قبل القوى العاملة،
في زيادة النمو الاقتصادي، يؤكد على
أهمية هذا الدور الاقتصاديون الدارسون
لعلاقة اللغة بالاقتصاد. ولا يتأتى
هذا الاستعمال إلا عن طريق التعليم
العالي للعلوم والتكنولوجيا باللغة
الأم لغة القوى العاملة .
من جهة أخرى فإن عملية التنمية لا
تتم إلا بالتنمية البشرية المستدامة
التي لا تتأتى دون الاستثمار في الإنسان
وخاصة في معرفته وبالتالي بلغته العلمية
والتكنولوجية.
يعد استعمال اللغة بمردودية وبكفاءة
عالية أساسياً لتحقيق النمو وكذلك
في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية،
وذلك لعدة أسباب سنأتي على ذكر بعضها.
و تنبع هذه الأسباب من الوظائف الأربع
للغة: أولاً تؤمن اللغة تبادل ونقل
المعرفة والخبرة بين أفراد المجتمع
ومؤسساته, وهي وسيلة التواصل بين
أجزاء منظومة العلم والتكنولوجيا
أو مركبات النظام الوطني للإبداع،
فهي كالمال في تأمينه تبادل السلع
من وجهة النظر الاقتصادية (وظيفة
COMMUNICATE). وثانياً: يحقق اتفان
اللغة العلمية والتكنولوجية من قبل
القوى العاملة نقل التكنولوجيا للمجتمع
من المنابع العالمية لها (وظيفة TRANSLATE)
وثالثاً: إن العمل المشترك المنتج
والفعّال في المكتب والمصنع والحقل
يحتاج للغة علمية وتكنولوجية حيّة.
إن العمل المشترك والتعاون ضمن الأمة
يؤدي إلى زيادة دخل الجميع وهذا لا
يتم إلا عبر استعمال لغة الأم (وظيفة
COOPERATE). ورابعاً: إن تعلم العلم
والتكنولوجيا والتدرب عليها وتحويل
هذه المعرفة إلى خبرات وإلى أفعال
ومنتجات وخدمات، يحتاج إلى لغة (وظيفة
LEARNING). خامساً: إن استخدام التكنولوجيا
بشكل فعّال من قبل القوى العاملة
ومن قبل كامل المجتمع، وخاصة استخدام
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات،
يحتاج لانتشار هذه التكنولوجيات بلغة
الأم، للوصول إلى ما يسمى بمجتمع
المعلومات، الذي لا يمكن أن يكون
بلغة أجنبية!
أخيرا وفي دراسة للبنك الدولي شملت
أكثر من 60 دولة وأكثر من 60 ألف
جهة مختلفة، انتهت إلى أن حاجة الدول
النامية لتحقيق النمو الاقتصادي تكمن
في رفع مستوى المعرفة لأفراد المجتمع
وليس إلى مساعدات إنسانية.
تلعب ترجمة العلوم والتكنولوجيا دوراً
مهماً في إغناء اللغة العلمية والتكنولوجية
للمجتمع
كما أصبحت المعرفة ووعاؤها، أي اللغة
العلمية والتكنولوجية، من الأصول
(ASSETS) في عملية الاستثمار في رأس
المال البشري وفي قواعد المعرفة ونظم
المعرفة (INTANGIBLE ASSETS)، وأصبح
علم إدارتها من العلوم الهامة (KNOWLEDGE
MANAGEMENT)
تؤثر اللغة العلمية والتكنولوجية
في التكامل الاقتصادي والاجتماعي
للأمة، حسب رأي العديد من الاقتصاديين
انطلاقاً من وظائفها الاقتصادية الأربع
التي أتينا على ذكرها سابقاً.
إن تعلم اللغة العلمية والتكنولوجية
بلغة الأم هو خيار اقتصادي فردي وحكومي
ويجب أن لا يترك لقانون السوق حسب
رأي بعض الاقتصاديين.
إن تعريب العلوم والتكنولوجيا، وخاصة
في التعليم العالي، بهدف استعمال
القوى العاملة العربية هذه اللغة
، أصبحت مسألة جوهرية تلعب دوراً
فاعلاً في النمو الحقيقي للاقتصاد
العربي، وفي تحوله من اقتصاد ريعي
متواكل علمياً وتكنولوجياً إلى اقتصاد
ينمو نمواً مستداماً مع إحراز قيمة
مضافة عالية.
رابعاً - إلى متى تغفل البرامج العربية
للإصلاح الاقتصادي توطين التكنولوجيا
)الخلل الرئيسي)؟
كما ذكرنا في بداية البحث فإن إغفال
توطين التكنولوجيا في الدول العربية
أدى ويؤدي إلى استامة وجود مشاكل
اقتصادية في كل الاقتصادات العربية.
وأن تعاظم اعتماد الاقتصاد العالمي
على المعرفة ومنها التكنولوجيا يفاقم
من حدة هذه المشاكل.وأهم هذه المشاكل
هي ضعف النمو والقيمة المضافة و تفاقم
البطالة وخاصة بين الخرجين الجامعيين،
وزيادة المديونية وعدم التنوع الاقتصادي
وبالتالي تباطؤ التنمية وهجرة العقول
ورأس المال.
إن برامج الإصلاح العربية التي تتبناها
الحكومات العربية المتعاقبة لا تزال
تغفل هذه الحقيقة. إن هذه البرامج
ستؤدي إلى تحسين في الأداء الاقتصادي
إلا أنها لن تحل المشاكل المذكورة
أعلاه.
لقد جربت عدة دول عربية وعلى مدار
عدة عقود طويلة (3 إلى 4 عقود ) الحلول
المطروحة في برامج الإصلاح التقليدية
دون الوصول إلى حل هذه المشاكل. إن
الإصلاح الذي يمكن أن يؤدي إلى حل
هذه المشاكل هو برنامج طويل الأمد
(على مدى عقدين على الأقل ) يسعى
إلى توطين التكنولوجيا تدريجياً.باستعمال
آليات تحقيق النقل الداخلي للتكنولوجيا
التي أتينا على ذكر بعضها في الفقرة
من هذا البحث، وذلك كما فعلت كل من
أيرلندا وكوريا وسنغافورة وماليزيا
و غيرها.
إذا أخذنا أحد برامج الإصلاح الاقتصادي
السوري السابقة على سبيل المثال،
وناقشنا بشكل مبسط للغاية 11 إجراء
من الإجراءات المقترحة في هذا البرنامج،
نجد أنها لا تسعى لتوطين التكنولوجيا
بالشكل والعمق اللازم ، ونرى أن مثل
هذه الإجراءات قد طبقت أو هي مطبقة
منذ سنين في دول عربية أخرى ولم تؤد
إلى حل المشاكل المذكورة آنفاً في
هذه الدول ( انظر الشكل رقم - 3 -
)
 |
إذاً إن هذه الإجراءات الـ 11 يمكن
أن تؤدي إلى تحسن اقتصادي سوري على
المدى القريب، إلا أنها لن تحل المشاكل
المذكورة على المدى المتوسط أو البعيد.
فالإجراء الأول القاضي بالتوجه نحو
اقتصاد السوق سيحسن الاقتصاد الوطني
إلا أن عدداً من الدول العربية تمارس
اقتصاد السوق منذ عقود ولكنها لم
تحل قضايا الاقتصاد العربي المستعصية
المذكورة أعلاه.
والإجراء الثاني يقضي بإصدار القوانين
لتشجيع الاستثمار. إن مثل هذه القوانين
صدرت في العديد من الدول العربية
، إلا أن التقديرات تقول بأن هناك
الآن أكثر من 1300 بليون $ عربي مهاجر،
فلم تجلب هذه القوانين المستثمرين
المواطنين أو العرب لتجلب المستثمرين
الأجانب. إن رساميل الاستثمار تأتي
إلى الاقتصاد ذو القيمة المضافة العالية،
وهو الاقتصاد القائم على التكنولوجيا
أو المعرفة بشكل عام.
والإجراء الثالث القاضي بتحرير الفائدة
وجعل الليرة قابلة للتحويل، كذلك
مطبق في العديد من الدول العربية
دون أن يؤدي إلى حل مشاكل الاقتصاد
العربي.
إن إجراء إعادة النظر في المصارف
يمكن أن يحسن الوضع، إلا أن المصارف
بشكلها التقليدي نشيطة جداً في كل
من البحرين ولبنان مثلاً دون تحقيق
المرجو من المساعدة في حل مشاكل الاقتصاد
العربي . فهي تستثمر أموالها العربية
في الخارج !!! ولا تمارس نشاطات هامة
للتنمية المحلية مثل رأس المال المبادر
VENTURE CAPITAL ورأس المال الداعم
للابتكار ولوازمه من النشاطات الأخرى.
إن إجراء رفع معدلات النمو لن يتحقق
بشكل مستدام إلا مع رفع المستوى التكنولوجي
ومعدل النمو التكنولوجي كما تقول
نظرية النمو الجديدة!!
وكذلك فإجراء زيادة قروض القطاع الخاص،
قد لا يؤدي المطلوب إذا لم توجه هذه
القروض إلى القطاع القائم على التكنولوجيا
الجديدة والعالية. وهذا الإجراء قد
تعثر في جمهورية مصر العربية.
إن زيادة الرواتب إجراء مهم، إلا
أنه إذا لم يترافق مع مرونة الرواتب،
كما شرحنا آنفاً، فلن يؤد إلى التطوير
الاقتصادي المطلوب، والإجراء اللازم
هو تحقيق نمو اقتصادي حقيقي مستدام،
وإلا فإن التضخم سيأكل كل الزيادة
في الرواتب كما حصل مراراً وتكراراً
في الاقتصادات العربية المختلفة.
والنمو الحقيقي المستدام لا يتم إلا
بتوطين التكنولوجيا ورفع معدل نموها
كما تشرح ذلك نظرية النمو الجديدة.
وإجراء إقامة مناطق صناعية إجراء
مفيد إلا أنه لايجاري التطورات العالمية
في هذا المجال ، إذ أن ما يقام منذ
الثمانينيات من القرن الماضي ، وحتى
في الدول البازغة ( المصنعة حديثا)ً،
هي مناطق صناعية معرفية مثل حدائق
التكنولوجيا وحاضنات التكنولوجيا
وأمثالها.
أما الإصلاح الإداري فلابد أن يبنى
على فكر وتحليل علميين وعلى علم وتكنولوجيات
مثل إدارة التغيير، وإدارة المعرفة،
وإدارة التكنولوجيا وغيرها، وهذا
يتطلب إيجاد مؤسسات علمية للإصلاح.
ترشيد دور الدولة بالتوجه نحو الاهتمام
بالخدمات الاجتماعية دون ذكر دورها
بالاهتمام بتوطين التكنولوجيا، سيكون
غير شامل وغير ممكن، إذ أن تحسين
الخدمات الاجتماعية غير ممكن عملياً
دون نمو اقتصادي، والذي بدوره غير
ممكن دون اهتمام الدولة والقطاع الخاص
بتوطين التكنولوجيا.
وأخيراً فالتعاون الدولي عبر الانضمام
لمنظمة التجارة العالمية، وعبر الشراكات
المختلفة مع الاتحاد الأوربي أو أمريكا،
وعبر اتفاقيات التعاون الثنائية،
لن يغير تغييراً جذرياً في اقتصاداتنا،
إذا لم تكن قضية اكتساب التكنولوجيا
من القضايا الأكثر أهمية في هذا التعاون.
و بالتالي يجب الاهتمام مثلاً بمجموعة
التجارة ونقل التكنولوجيا في منظمة
التجارة العالمية:
WORKING GROUP ON TECHNOLOGY TRANSFER
AND TRADE TTT-WG
. وهذا مالا تقوم به معظم الدول العربية.
من جهة أخرى وعلى سبيل المثال أيضاً،
إن فقرة التعاون العلمي والتكنولوجي
في الاتفاقيات الثنائية التي توقعها
الدول العربية عادةً لا يصاحبها برنامج
تنفيذي يحدد مواضيع التعاون و الجهات
التنفيذية والتمويل المخصص من الطرفين
وأزمنة الإنجاز.
الخلاصة لابد من أن تأخذ كل برامج
الإصلاح الاقتصادي العربية موضوع
توطين العلم والتكنولوجيا ببعد كبير
أكبر بكثير من البعد الذي تأخذه فيه
حالياً
خامساً - اقتراح آليات لتفعيل دوراللتكنولوجيا
في التنمية الاقتصادية العربية
يحتاج نجاح أي سياسة إلى وضع استراتيجية
لتنفيذها تشتمل على آليات تنفيذ محددة
وواضحة. ومن الملاحظ أن الآليات اللازمة
لتنفيذ استراتيجيات العلم والتكنولوجيا
في الدول العربية، ومن ضمنها توطين
التكنولوجيا وخاصة بالنقل الداخلي
لها، لم تحظى بالاهتمام اللازم، و
غالباً ما أدى ذلك إلى عدم تطبيق
هذه الاستراتيجيات وبالتالي عدم النجاح
في توطين التكنولوجيا. لقد نتج عن
هذه الحالة إخفاق الكثير من منظومات
العلم والتكنولوجيا العربية، وبالتالي
إلقاء اللوم عليها والعمل على تغيير
هيكليات إدارتها ولكن دون جدوى. لقد
قامت معظم الدول العربية منذ استقلالها
بتغيير إدارة العلم والتكنولوجيا
لديها مراراً وتكراراً بغية تحسين
فعاليتها وتأثيرها في الاقتصاد، ولكن
لم تؤد هذه التغييرات إلى الغاية
المرجوة منها، والسبب في تحليلنا
هو الفقدان النسبي لبعض آليات الهامة
للنقل الداخلي للتكنولوجيا ومنها
:
(1) آليات وضع الرؤية، واستشراف المستقبل،
وتحليله والتنبؤ التخطيطي القريب،
ووضع السياسة واعتمادها رسمياً، للمساعدة
باتخاذ القرار وديمومة أو استدامة
هذا القرار، يضاف إلى ذلك المؤسسات
التي تعنى بالعمل بهذه الآليات.
(2) الآليات المالية التي تدعم الابتكار
والتجديد وتحول نتائج البحث إلى منتجات
أو مواد أو عمليات، مثل رأس المال
المبادر VENTURE CAPITAL ورأس المال
الابتدائي SEED MONEY، ورأس المال
الداعم MACH CAPITAL، وآليات استعادة
هذه الرساميل مثل الأسواق المالية
للشركات التكنولوجية. يضاف إلى ذلك
آلية ميزانيات البحث والتطوير المتنامية
وإدارتها في مختلف قطاعات الإنتاج
والخدمات العامة والخاصة. كما يضاف
لها آلية الاستثمار الحكومي الذي
يهدف في الوقت نفسه إلى نشر التكنولوجيات
الوطنية ونقل التكنولوجيات العالمية.
(3) الآليات المؤسسية التي تعدّ إحدى
حلقات تحويل منظومة العلم والتكنولوجيا
إلى نظام وطني للتجديد والابتكار،
ومن هذه المؤسسات المفقودة نسبياً
في الوطن العربي (بدأت بعض الدول
مؤخراً الانتباه لهذه الآلية) مراكز
تطوير المنتج PRODUCT DEVELOPMENT
، ومراكز التجديد والابتكار INNOVATION
CENTERS سواء كانت لدى القطاع العام
أو لدى القطاع الخاص. يُضاف إلى ذلك
المؤسسات المسماة بمراكز تطوير التكنولوجيا
TECHNOLOGY DEVELOPMENT CENTERS والحاضنات
التكنولوجية TECHNOLOGY INCUBATORS
وحدائق العلم والتكنولوجيا بأنواعها
المختلفة. يضاف إلى ذلك تنمية ودعم
التعاون بين شركات الانتاج والخدمات
من جهة والجامعات و مراكز البحوث
من جهة أخرى علماً بأن أكثر من 25
% من االشركات في الاتحاد الأوربي
تقيم اتفاقات تعاون فيما بيننا.
(4) آليات تنظيم وإدارة العلم والتكنولوجيا،
ونبدأ بتنظيم وإدارة العلم والتكنولوجيا
على مستوى القيادات العليا للدولة،
من مستشارين ومكاتب مختصة بالعلم
والتكنولوجيا لدى الملوك والرؤساء
إلى وزارة لها هياكلها وعلاقاتها
مع مختلف الوزارات والمؤسسات والقطاعات
العامة والخاصة. وهذه العلاقات تحكمها
سياسة عامة ثابتة لا تتغير كلياً
كل سنة أو كل بضع سنوات. تستعمل هذه
الهياكل التنظيمية منهجيات علمية
مثل إدارة التكنولوجيا MANAGEMENT
OF TECHNOLOGY وإدارة المعرفة KNOWLEDGE
MANAGEMENT وغيرها من العلوم الحديثة
الخاصة بهذه الآليات.
(5) آليات تطوير رأس المال البشري
وهي من أهم الآليات، خاصة مع توجه
الاقتصاد العالمي أكثر فأكثر نحو
الاقتصاد المبني على المعرفة، وهي
تتطلب في معظم الدول العربية توجيه
عدد أكبر من الطلاب والمختصين نحو
الاختصاصات العلمية والتكنولوجية،
وإيجاد عدداً أكبر من المؤسسات التعليمية
التطبيقية والتكنولوجية، وعدداً أكبر
بكثير من محضري شهادات الماجستير
والدكتوراه في مجالات العلوم التطبيقية
والتكنولوجية، وإجراءات أسرع في تغيير
المناهج العلمية والتكنولوجية لتجاري
التطور العالمي السريع، يضاف إلى
ذلك عدد أكبر من مؤسسات التعليم والبحث
والتطوير العلمي التطبيقي والتكنولوجي.
وأخيراً وهو الأهم : تعليم العلوم
والتكنولوجيا باللغة العربية في التعليم
العالي مع رفع مستوى إتقان اللغات
الأجنبية وعدم خلط هاتان المسألتان
ببعضهما البعض.
(6) الآليات التشريعية التي تنظم
نقل التكنولوجيا ومنع احتكارها، وحماية
المؤسسات والشركات الوطنية من تحكم
موردي التكنولوجيا فيهم من جهة، وتشجّع
توطين ثم توليد هذه التكنولوجيا محلياً
من جهة أخرى. كما تفتقد الدول العربية
إلى تشريعات تنظيم العلم والتكنولوجيا
إدارةً وتمويلاً بحيث تربط مختلف
مركبات منظومة العلم والتكنولوجيا
ببعضها البعض، يضاف إلى ذلك فقدان
تشريعات التفاوض على شراء التكنولوجيا،
وتلك الخاصة بتسريع انتشار البحث
والتطوير، وانتشار تكنولوجيات هامة
مثل الاتصالات والإنترنت والإلكترونيات،
وتشريعات حماية الملكية الفكرية .
(7) آليات التعاون في مجالات العلوم
التطبيقية والتكنولوجيا التي لم تعطها
الحكومات العربية الأهمية التي تستحقها
في علاقاتها مع دول الشمال أو دول
الجنوب، كما لا تستخدم الدول العربية
بما فيه الكفاية اتفاقيات التعاون
العلمي والتكنولوجي الكثيرة التي
تعقدها بالشكل الذي يؤدي إلى نقل
وتوطين ثم توليد العلوم والتكنولوجيا
في اقتصادياتها. ومن النقاط الهامة
المفقودة التعاون الإقليمي والعربي
الفعال في المجالات العلمية والتكنولوجية.
يضاف إلى ذلك أن الاستثمار الأجنبي
المباشر الذي تسعى له الدول العربية
إذا لم يرافقه نقل للتكنولوجيا فلن
يؤدي إلى النمو المستدام المنشود،
وهذا من الآليات المفقودة نسبياً
لدينا. كما لم تسع الدول العربية
لجلب رأس المال المبادر العالمي VENTURE
CAPITAL وكذلك التحالفات الاستراتيجية
STRATEGIC ALLIANCES مع الشركات المالكة
للتكنولوجيات الجديدة.
(8) آليات التوعية والإعلام في المجالات
العلمية والتكنولوجية باستعمال الوسائل
المكتوبة والمسموعة والمرئية. فجهود
ترجمة العلوم والتكنولوجيا إلى اللغة
العربية، والبرامج العلمية والتكنولوجية
التلفزيونية والإذاعية، وإعداد الكتب
والمجلات لمختلف الأعمار، كل هذه
الوسائل تكاد تكون مفقودة بالنسبة
لأحجامها في الدول المتقدمة، وبالنسبة
لما تصرفه هذه الوسائل في مجالات
أخرى مثل مجالات الرياضة أو مجالات
التسلية أو حتى المجالات السياسية.
سادساً - توطين التكنولوجبا قرار
سياسي
لا يمكن إغفال أهمية القرار السياسي
في تفعيل النظام الوطني للتجديد (الابتكار)
أو دعم وتفعيل منظومة العلم والتكنولوجيا
وبالتالي توطين التكنولوجيا..
إن قناعة متخذي القرار بالأهمية الاقتصادية
للعلم والتكنولوجيا، وتأثيرهما الكبير
على مستقبل الدولة، وجدوى الاستثمار
فيهما، هي سبب رئيسي في نجاح اعتماد
آليات تطبيق الاستراتيجيات العلمية
والتكنولوجية. وإن استمرار أو استدامة
القناعة السياسة بالجدوى الاقتصادية
للعلم والتكنولوجيا من الأسباب التي
نحتاجها في الدول العربية، إذ عندما
وُجد القرار السياسي في فترة ما رأينا
أن استدامة هذا القرار لم تتحقق.
إن الاستثمار في العلم والتكنولوجيا
هو استثمار طويل الأمد وهو استثمار
في أصول غير مادية وعائداته غير مباشرة،
وهذا يجعل استدامة القرار فيه صعبة
ولكنها ذات أهمية بالغة في تحقيق
الاستراتيجيات.
إن توطين وتوليد العلم والتكنولوجيا
لا يجري بمعزل عن العالم وخاصة الدول
المتقدمة فيه. إن السياسة الدولية
تؤثر في عملية التوطين والتوليد هذه،
فهي تختلف وفق درجات كبيرة من حالة
إلى أخرى، فقد تسعى إلى تحطيم الموجود
لدينا أو فرض الحصار ومنع نقل وتوطين
العلم والتكنولوجيا إلينا، أو أن
تكون على الحياد، أو أن تتعاون في
العملية معنا وفق أسس تجارية أو أن
تساعدنا في نقل وتوطين العلم والتكنولوجيا
عن طريق تقديم المساعدات المالية
والتكنولوجية والخبرات وغيرها. إن
وضع الدول العربية في هذا الخصوص
هو في الجهة السلبية أكثر منه في
الجهة الإيجابية وهذا سبب من الأسباب
التي تؤدي إلى فقدان آليات تطبيق
الاستراتيجيات.
من الأسباب السياسة أيضاً أن معظم
الاقتصاديين العرب لم يجارو التحولات
الجذرية التي طرأت على الاقتصاد العالمي
في العقود الأخيرة، وتحول هذا الاقتصاد
لكي يبنى على المعرفة، وظهور نظريات
النمو الجديدة NEW GROWTH THEORY
التي تقول، كما رأينا سابقاً، بأن
عوامل النمو المستدام هي المستوى
التكنولوجي ومعدل النمو التكنولوجي،
على أن تأتي عوامل رأس المال وأعداد
القوى العاملة بشكل غير مباشر.
وسبب آخر أيضاً هو أن القرار السياسي
لم يبد القناعة الكافية بأن تحسين
الدفاع وتحقيقه يتأتى بتحسين الاقتصاد،
وأن القوة العسكرية تتأتى من القوة
الاقتصادية وكلاهما من مخرجات العلم
والتكنولوجيا، وهذا أدى إلى صرف مبالغ
هائلة في معظم الدول العربية على
الدفاع (13% من الناتج المحلي في
العديد من الدول العربية ولعدة سنين
!!)، دون تخصيص جزء منها للعلم والتكنولوجيا
كما هي الحال في معظم الدول المتقدمة
التي تصرف على الدفاع.
أخيراً قام متخذو القرار في العديد
من الدول العربية بتغيير هياكل مؤسسات
العلم والتكنولوجيا وبشكل متكرر وبوتيرة
عالية بغية تحسين وضع العلم والتكنولوجيا.
ولكن هذه التغييرات الهيكلية لم تستند
إلى رؤية شمولية وسياسة واضحة ولم
تعتمد في اتخاذ القرار على مؤشرات
علمية لقياس أداء منظومة العلم والتكنولوجيا.
النتيجة:
" توطين التكنولوجيا شرط لازم للتنمية
الاقتصادية
" توطين التكنولوجيا قرار سياسي
" يلعب الإعلام دوراً كبيراً في القرار
السياسي وفي نقل وتوطين التكنولوجيا
" النقل الداخلي للتكنولوجيا هو شرط
لازم لتوطينها (في الإنتاج وفي الخدمات)
" التوقف عن إعلان التوصيات في مؤتمرات
العلم والتكنولوجيا وتوطينها، والعمل
على معالجة الموضوع كقضية وطنية وقومية
" تطوير علاقة جديدة بين العلميين
والتكنولوجيين ومؤسساتهم وبين الإعلام
العربي غير المهتم بقضية توطين التكنولوجيا،
وذلك بهدف الوصول للقرار السياسي
" تداول قضية توطين التكنولوجيا من
الناحية التنفيذية الإجرائية والاستشرافية
أو هندسة المستقبل، وليس من الناحية
الوصفية أو التحليلية أو التوصوية
!!!
" القيام بتنفيذ آليات النقل الداخلي
للتكنولوجيا