الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة العلاقات السورية ـ اللبنانية واقعها.. وآفاق تطويرها
نص مداخلة الدكتور راتب الشلاح
رئيس مجلس الأعمال السوري اللبناني
 

السلام عليكم.. وشكراً لجريدة البعث والأعضاء والإدارة على إتاحة هذه الفرصة للتحدث معكم، كما أشكر الأستاذ نصري الخوري وهو ليس الجندي الصامت، ولكن كان الضابط الفعال في تفعيل وتنشيط ودعم مسيرة التعاون والأخوة والتنسيق في الاتفاقية القائمة بين سورية ولبنان، وكان عراباً لها، وكان له فضل كبير في تفعيلها، كما أشكره على محاضرته القيمة، صال وجال في مواضيع كان بطلها دائماً.
لم يترك لي مجالاً أن أتكلم، تكلم عن أكثر المواضيع، ولكن سأجد لنفسي بعض النقاط التي أرجو أن أشير إليها ولم يتفضل الأستاذ نصري بالإشارة إليها.
نحن نؤمن بأن العوامل الاقتصادية، يقال بأنها هي التي تقرر علاقات دولية في الوقت الحاضر، نحن نؤمن كذلك، ولكن في منطقتنا منطقة الشرق الأوسط، نجد أن الناحية السياسية تبقى هي الطاغية وهي صاحبة القرار، ويبقى دور السلوكية والمنهاج والسياسة الاقتصادية تابع لها.. وليس المؤثر فيها، ولذلك كان لا بد من أن تكون العلاقات الاقتصادية تخضع للعوامل السياسية التي تعيشها هذه المنطقة، ولدور الاقتصاديين دور ثانوي " نوعاً ما " أكثر مما هو رئيسي أو محفز كامل.
العلاقات الاقتصادية بين سورية ولبنان نود أن نقول، نحن كأصحاب فعاليات اقتصادية، كنا خلال السنوات الخمسين الماضية، ومن خلال اتحاد غرف التجارة العربية، توفقنا بألا نسمح لأي من العلاقات التي كانت تسودها الغيوم والمشاكل ما بين الدول العربية، والحكومات العربية، فنجحنا في أن نخلق نوعاً من قاعدة التفاهم ما بين رجال الأعمال، كانت دائماً هي النبراس وكانت هي دائماً عنصر إيجابي في تطوير العلاقات نحو الأفضل بين الحكومات العربية، خاصة وأن الأحداث برهنت على أن كل هذه الخلافات التي عشناها خلال الخمسين السنة الماضية بين الحكومات العربية كانت خلافات ليست جوهرية، كانت خلافات عابرة، والبرهان على ذلك أن الحكومات نفسها تجاوزت هذه الخلافات لتصل بعد مدة إلى قرار بأن التعاون هو الأفضل، وبالحديث عن التعاون لا بد لي من الإشارة إلى أننا نعيش فيما يسمى بنظام العولمة.
نظام العولمة ليس هو اختراع من الدول الغربية أو الدول الكبرى، نظام العولمة هو كان نتيجة تقدم وتطور علمي وتقني كبيرين حققتهما الدول الناجحة، وبالتالي أصبح النظام هو الذي كان وليد هذه التطورات واستخدمته هذه الدول لتعظم فوائدها من هذا النظام ومن هذا التطور.
ونحن نقول لكم بأن التكتلات الإقليمية التي تمت في العالم، كانت تكتلات للحفاظ على مصالح خاصة، ونحن كنا أول من نادى إلى تعاون اقتصادي عربي فيما بيننا، وأول من نادى لسوق عربية مشتركة، وبالاتحاد الجمركي، والتعاون الكامل في المجال الاقتصادي. ولكن كنا دائماً نترك للعوامل السياسية التي كانت تفرق فيما بين الدول العربية لتجعل من هذه الاتفاقات مجرد تمنيات أكثر مما هي واقع، لم نتمكن من أن نعيش فيه، ولذلك نحن نقول عندما نتكلم عن العلاقات السورية ـ اللبنانية، نحن نتكلم عن جوهرة غالية علينا جداً، لا يمكن أن تخضع بتقييمها لاعتبارات رقمية سواء كانت بالفرنكات أو الفلسات أو الليرات أو القروش، إنها علاقة أكبر بكثير وأهم بكثير من أن تقيّم من خلال أرقام تجارية اقتصادية يمكن نحن أن نلجأ لها، ومع ذلك أنا أقول أن هذه العلاقة كانت دائماً متميزة وحتى إخواننا في لبنان كانوا دائماً يعوا على أن هذه العلاقة لها أهميتها في المستقبل.
قبل أن نتكلم حتى عن النظام العولمي في عام 1950، كان المرحوم الرئيس كميل شمعون، أول من نادى بضرورة إقامة اتفاق جمركي وسوق مفتوحة للبلدين في سورية ولبنان، وذلك لم يتم مع كل الأسف، ولذلك أنا أود أن اختلف قليلاً مع الأستاذ نصري عندما قال أنه من الخمسينات وحتى عام 1994 كان هنالك شبه قطعية ما بين سورية ولبنان، الواقع لم يكن هناك قطيعة بالمعنى الاقتصادي الصحيح، سورية كانت تعيش نظاماً اقتصادياً موجهاً مركزياً همها تدعيم الناحية الإنتاجية فيه، ولكن كان هناك علاقات دائمة ومتواصلة، وهامة جداً بين سورية ولبنان اقتصادياً.
أنا أعرف بأن أكثر المنتجات والسلع والبضائع كانت ممنوع استيرادها إلى سورية ومع ذلك وخلال الـ 40 سنة التي تكلم عنها الأستاذ نصري كنا نجد بأن أسواق سورية كانت مليئة بتلك البضائع ولم تكن في يوم من الأيام مفقودة أو غير موجودة في السوق، وكان المصدر الرئيسي وغير المعلن هو لبنان، ولذلك يمكنني أن أقول وأؤكد لكم بأن الصادرات اللبنانية غير الرسمية التي كانت تأتي بالبضائع إلى سورية ببضائع غير مسموح باستيرادها كانت تشكل مصدراً رئيسياً لتجارة ناجحة وموفقة عاشها لبنان، وأنا أظن بأن لبنان كان خلال الحرب التي تكلم عنها كانت تعتمد اعتماداً ولو جزئياً لتجارة ناجحة بين سورية ولبنان.
النقطة الثانية، عندما ابتدأنا في تكوين أو تنفيذ اتفاقية معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين سورية ولبنان، كانت سورية لا زالت تتبع منهاجاً مركزياً وكان الأساس في هذه السياسة التجارة الخارجية هو المنع وليس الفتح. بينما كان لبنان دائماً يعيش نظاماً اقتصادياً تجارياً حراً، أي معنى ذلك بأن لبنان كان مفتوحاً تماماً أمام البضائع الأجنبية وكانت هذه البضائع تخضع لرسوم منخفضة جداً نسبياً، للرسوم التي كانت تفرض على البضائع التي كان يسمح باستيرادها إلى سورية، فلذلك كان كل منهاج وكل توجه اقتصادي سوري لتوحيد السياسات وتوحيد الأسس وتوحيد الآليات والنظم في كل من سورية ولبنان كان يعني على أن سورية كانت تفتح مزيداً من المجالات للبضائع اللبنانية لتأتي إلى سورية، وما أود أن أقوله لكم هو أن حجم البضائع المتبادلة في الميزان التجاري بين سورية ولبنان كان في عام 1991 حوالي 330 مليون ل.س تصدرها لبنان إلى سورية، بينما هذا الرقم ارتفع إلى حوالي خمس مليارات و300 مليون ليرة سورية في عام 2003، أي أنه تضاعف 11 ضعفاً عما كان عليه في خلال العشر السنوات الماضية.
سورة كانت تصدر ما هو حوالي 4 مليارات ليرة سورية إلى لبنان في عام 1991 وفي عام 2003، أو في نصف عام 2003 إلى 2004 في هذا العام صدرنا حوالي 10 مليارات أو أقل أي أن حجم التبادل التجاري بين سورية ولبنان، كانت الصادرات اللبنانية خلال الفترة تطورت 11 ضعفاً بزيادة، بينما الصادرات السورية إلى لبنان تطورت فقط ضعفين ونصف.
لذلك نحن نذكر هذه الأرقام فقط لنذكر بأن سورية لم تكن تفكر بالقروش والليرات كانت تفكر بشيء أهم جداً، كانت تفكر بقاعدة مهمة جداً يجب أن تكون قاعدة أساسية تربط سورية ولبنان اقتصادياً لتواجه قدرة أفضل على التأقلم مع اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية التي تم اعتمادها كلياً في بداية عام 2005 ولذلك نحن نقول بأن هذا كان توجهاً سليماً جداً ومهماً جداً.
النقطة الأخرى: هو أنه نريد أن نقول وبكل صراحة ونشير إلى مشكلتين رئيسيتين ما بين سورية ولبنان كانتا تثاران بأنها كانت دائماً تأتي لصالح سورية وعلى حساب لبنان.
المشكلة الأولى: هي مسألة العمالة السورية في لبنان، آخر التقديرات على أن عدد العمال السوريين المتواجدين في لبنان هو 500 ألف شخص وبدون شك على أنه نحن دائماً يجب أن نعطي تقييماً سليماً لهذه العمالة نجد بأنها كانت عمالة توفر خدمات كبيرة جداً بأسعار منخفضة جداً، ولو فكرنا بالبديل الذي كانت تحتاجه لبنان لوجدنا بأن أي عقد مع أي عامل أو عاملة في سورية مستورد من الخارج، كان يتطلب أجرة طائرة وأجرة وساطة للمكتب حوالي ما يعادل 150-200 دولار شهرياً، وأكثر من ذلك إذا أضيف لها 200 دولار مرة أخرى وهي الراتب نجد أن الراتب الذي كان يتقاضاه كل عامل سوري في لبنان هو عبارة عن -في أحسن الحالات- حوالي 300 دولار شهرياً، أي أن 300 دولار لو كانت لبنان تريد أن تعوض هذه العمالة من مصادر أخرى لكانت تحتاج إلى دفع ضعف هذه المبالغ في أحسن الحالات.
المشكلة الثانية: يسهى الكثيرون بأن عدد الموظفين اللبنانيين العاملين في سورية يقدر بحوالي 100-150 موظف (شخص) ولكن إذا درسنا طبيعة هذه العمالة نجد بأنها كانت مختلفة جداً، يعني اليوم سورية كانت تعتمد على العمالة اللبنانية لوظيفة مدراء، اتصالات، مصممين، لخدمات مالية كبيرة، وأنا أظن بأنه لا أبالغ إذا قلت بأن معدل المردود الذي كان يقبضه الموظف اللبناني في سورية، من هؤلاء الـ 100ألف كان في أحسن الحالات أو أقل الحالات هو عبارة عن 10 أضعاف ما كان يتقاضاه العامل السوري في لبنان.
فإذا كان هذا هو الواقع فمعنى ذلك أن الـ 500 ألف عامل سوري كانوا يتقاضون نصف ما كان يتقاضاه الـ 100 ألف موظف لبناني الذين يعيشون في سورية.
نحن لا نتكلم عن هذه النقاط لنبين أننا، هذا لم يكن لصالح سورية، ولكن نحن كنا نتمنى بأن نقول بأن هناك تكاملاً ما بين البلدين لأن لبنان كان يستفيد من خبراته وسبقه في مجالات العلوم والخدمات والتي كانت سورية بحاجة إليها.
في الوقت الذي كان في سنة 1960 عندما تأممت المصارف في سورية أنا أظن على أن النظام المصرفي في لبنان استفاد كثيراً من أصحاب الكفاءات السورية الذين ذهبوا إلى لبنان، وإلى الآن نستطيع أن نقول ونشير بكثير من التقدير إلى رموز كبيرة في المصارف اللبنانية هم سوريون وقدموا خدمات جليلة ولكن هذه الخدمات تعتبر جزءاً من هذا التواصل، وجزءاً من هذا الصهر بين الاقتصادين السوري واللبناني.
أود أن أشير بسرعة إلى الموضوع الزراعي، لقد قيل بأن اللبنانيين يشكون من الغزو السوري الزراعي إلى لبنان بسبب ضعف أو انخفاض قيمة الصادرات السورية، وثانياً لأنه كان هناك شكوى تذاع وتعلن بأن التهريب أو التصدير غير الرسمي الظاهر من سورية إلى لبنان كان يزعج كثيرين من هؤلاء.
أنا أقول وبكل صراحة على أنه نعم كان هذا حاصلاً، ولكن كان هذا ليس بسبب اللبنانيين ولا بسبب السوريين، بقدر ما هو بسبب تغير نوعية العمل في لبنان.
وعندما كان (الأستاذ عبد النور رحمه الله أو الأستاذ فؤاد نجار أو الأستاذ الخوري في بكفيا، الزعتري في صيدا) بدؤوا بعملية الزراعة الحديثة، وكانوا يصدرون الفواكه إلى كل بلدان العالم العربي، كان هنالك أرض زراعية قيمتها قيمة أرض زراعية ولكن خلال السنين الماضية نجد أن هذه الأراضي قد تحولت من أراض زراعية إلى أراض سياحية، ولذلك أصبحت أسعارها 50 ضعف ما كانت عليه وبالتالي أصبح المنتج اللبناني يشعر بأنه غير قادر على منافسة البضائع السورية فقط لأن الأرض التي كان يزرع بها أصبحت الآن أضعاف أضعاف ما كانت عليه في الماضي ولكن نحن نقول بأن هذا جزءاً من التكامل، ونحن نعتمد عليهم بالنسبة للخدمات والتقنيات الفنية وهم يعتمدوا علينا بالنسبة للامتداد.
هناك نقطة ثالثة أود أن أقولها هي أن سورية ما فتحت فقط حدودها للبضائع اللبنانية ولكن فتحت حدودها لمشاريع مشتركة شكلت قواعد إنتاجية هامة، تم إنشاؤها في لبنان وأصبحت تعتمد كلياً على السوق السورية وكان هنالك كثير من الاعتراضات كيف يمكن لسورية ألا تفتح هذا الباب على مصراعيه لهذه المنتجات، وخاصة أنها منتجات أسست بهدف الاستفادة من السوق السورية.
النقطة الأخرى التي أتمنى أن أتكلم عنها، وهي في موضوع المشاريع التي يجب أن نفكر فيها، ليس المهم ماذا نصدر إلى لبنان وماذا يصدر لبنان لنا، اليوم إذا ما تمكنا أن نخلق، ونحن قد فتحنا جميعاً أبوابنا إلى نظام العولمة والاستيراد المفتوح والرسوم الجمركية المعفاة وعدم وجود العراقيل الجمركية وغيرها، لا يمكن لنا أن ننجح أبداً إلا إذا تمكنا من الاستفادة من التقنيات الجديدة التي تتيح لنا إمكانية الإنتاج والتصدير بكلفة منخفضة وهذه الكلفة لا تتحقق إلا إذا تمكنا من خلق قواعد إنتاجية مشتركة فيما بين البلدين قادرة على أن تدخل إلى أسواق جديدة، والعبرة ليس فيما يمكن للبناني أن يصدر إلى سورية فقط، ولا للسوري فيما يمكن أن يصدر إلى لبنان فقط، العبرة اليوم والمستقبل هو ما يمكن لسورية وللبنان أن تصدرا معاً إلى أسواق جديدة وهذه الأسواق لا تتوقف فقط على المنتجات التقليدية. أمامنا عالم جديد من الإنتاج الجديد الذي يتطلب المزيد من المعرفة ومزيد من الدراية ومزيد من الأساليب الحديثة، وفي حديثي عن التعاون فيما بين البلدين سورية في العام الماضي فتحت أبوابها للمصارف الخاصة أو المشتركة للعمل في سورية، وكان أول من تقدم بطلب تأسيس هذه الشركات هي مؤسسات لبنانية، كنا أول من يعطي الإجازة لإقامة هذه المصارف هي سورية لأنها قدمت، والآن الثلاث بنوك أو الخمس بنوك الآن التي بدأت بالعمل هي في الحقيقة بنوك لبنانية سورية.
نحن لا نقيمها على أساس أن هذا غزو إلى سورية، نعتبرها جزءاً من التواصل ما بين سورية ولبنان، ولذلك نحن نؤمن على أن سورية ولبنان هم شعب واحد في بلدين، ولكن نؤمن بأن هذا الشعب بحاجة إلى التعاون مع بعضه البعض، وبحاجة إلى أن نرتقي في علاقتنا إلى أعلى من أن نترك للانفعالات التي سمعناها وشاهدناها تلعب دورها السيء والمسيء لعلاقة نحترمها وهي هامة جداً، فمن منا ليس له قريب في لبنان، ومن منا ليس له علاقة في لبنان، ومن منا من لم يدرس في لبنان ومن منا من لم يزوج أخته أو قريبته إلى لبنان، أنا أتمنى ليس فقط من رجال الأعمال في سورية ولبنان، أن يرتقوا إلى أعلى من هذه الترّهات التي نسمع عنها لأن في سلوك العالمين هو مثل لسلوك الآخرين ولنجعل من العلاقة السورية ـ اللبنانية علاقة متميزة قائمة دائماً، بعيدة عن مجرد الفرنكات والليرات.
أشكركم


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية