الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة العلاقات السورية ـ اللبنانية واقعها.. وآفاق تطويرها
نص مداخلة الأستاذ نصري الخوري
الأمين العام للمجلس الأعلى السوري اللبناني
 

تأتي هذه الندوة في مرحلة حافلة بالصعوبات والتحديات التي تواجه العلاقات السورية ـ اللبنانية وفي فترة حافلة بالتساؤلات وعلامات الاستفهام حول مستقبل هذه العلاقات ووسائل وأساليب تطويرها ومدى إمكانية تجاوزها لما خلفته هذه المرحلة من آثار، سلسلة التساؤلات هذه لا تنتهي بحيث يمكن القول بأن عدد الذين أدلوا بدلوهم حول هذا الموضوع ومن منطلقات مختلفة هو أكثر من أن يحصى أو يعد. على كل حال وباختصار نقول بأن السباحة في بحر هذه العلاقات لا يمكن أن نصل بها إلى بر الأمان ما لم ننطلق من فهم عميق لتحديات المرحلة الراهنة وللأطر القانونية التي تحكم هذه العلاقات والسبل الكفيلة بتجاوز الإشكاليات والآليات المطلوبة للسير قدماً نحو المستقبل.
أولاً- تحديات المرحلة:
ليس من السهل أن نحيط في هذه العجالة بكل التحديات التي تواجه أمتنا في هذه المرحلة التي يمكن أن تكون أخطر من تلك التي عرفها شعبنا في ظل مؤامرة سايكس ـ بيكو. والتحديات الراهنة وإن تعددت سياسياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً إلا أنها في جوهرها تشكل خطراً وجودياً على أمتنا وشعبنا ومصدر خطورتها الأول والأساسي يكمن في التزاوج غير المسبوق بين المشروع الإمبراطوري الأمريكي والمشروع الإمبراطوري الصهيوني والتي تمت ترجمته عبر ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير والهدف الرئيسي لهذا المشروع السعي لتفكيك أمتنا بنيوياً إلى مكوناتها الاجتماعية الأولى " المكونات القبلية والعشائرية والعرقية والمزاجية والطائفية إلخ.. " وإعادة تركيب كيانات سياسية هشة على قياس هذه التقسيمات، بكلام آخر محاولة تفكيك الدول القائمة حالياً ولا سيما في هذا المشرق العربي وإعادة تركيبها إما فدرالياً أو كونفدرالياً على أساس طائفي أو مذهبي أو عرقي أو عشائري وبالتالي إيجاد مجموعة من الكانتونات المرتبطة برباط واهٍ لا يمت إلى الرابط الوطني أو القومي بصلة وجعلها مجرد كواكب صغيرة تدور في فلك الكوكب العنصري الأقوى عنيت به دولة العدو الإسرائيلي.
هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فإن هذا المشروع لا يقتصر على عملية التفكيك سياسياً بل هو يرمي أيضاً إلى إعادة صياغة البنية الثقافية والفكرية والاجتماعية وفق مفاهيم غريبة عن طبيعتنا وهويتنا القومية وحضارتنا. وهذه الرؤية لم تعد برأينا مجرد موضوع نظري بل أصبحت مشروعاً قيد التنفيذ ووضعت له آلياته بعد أن قدمته أمريكا إلى حلفائها الأوربيين على أنه مشروع نهضوي هدفه النهوض بدول الشرق الأوسط الكبير وتعميم مفاهيم الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة كما أنه مشروع للتنمية الاقتصادية بهدف خلق بيئة جديدة رافضة لما يطلقون عليه تسمية " الإرهاب ". هذا على الصعيد العام أما على الصعيد التنفيذي فإن وسائل التنفيذ يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة وهذا ما تم التعبير عنه بشكل صريح وواضح في الورقة التي أعدت عام 1996 من قبل فريق المحافظين الجدد وتحت الإشراف المباشر لنائب الرئيس الأمريكي " ديك تشيني " والتي كانت تحت عنوان " Clean Break " أي الاختراق النظيف وما نجم عنها من نظريات أخرى أهمها نظرية الفوضى الخلاقة.
وانطلاقاً من الآليات متعددة الأوجه التي وضعت كانت حرب العراق وما نجم عنها وكانت أفغانستان وتلك السلسلة من الاتفاقات الاقتصادية والأمنية التي بدأت تنتشر تدريجياً في دول الخليج. وإذا كانت هذه هي البشائر الأولى لهذا المشروع فإن الهدف الرئيسي للمرحلة الراهنة، ووفقاً لورقة العمل المشار إليها أعلاه، يبقى لبنان ـ سورية ـ حزب الله وإيران لاحقاً.
على كل حال ولكي لا نغرق في بحر من التفاصيل فإنه لا بد من القول بأن محاولات تطويق سورية ولبنان لم تتقطع وهي عبرت عن نفسها بأشكال مختلفة ابتداءً من قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان وصولاً إلى القرارين 1559 و1595 مروراً بمحاولات عزل سورية ولبنان إقليمياً ودولياً هذا ناهيك عن المشروع الجديد المطروح على الكونغرس الأمريكي تحت عنوان " قانون تحرير لبنان وسورية "، كل هذه الخطوات إن دلت على شيء فعلى أن وتيرة الضغوط على لبنان وسورية تتصاعد تدريجياً، وقد جاءت عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، والتي تعتبر عملية موجهة بالدرجة الأولى ضد مصلحة سورية ولبنان والتي يمكن الجزم بأن من خطط لها ونفذها لا يضمر أي خير لسورية ولبنان، لتشكل ذريعة لأصحاب المشروع لتصعيد هجمتهم، بعد أن كانوا قد أعدوا العدة جيداً لمثل هذه اللحظة، ولمحاولة الدفع بقوة بهدف تحقيق هدفهم الرئيسي المتمثل بضرب وحدة المسار والمصير بين البلدين وإعادة لبنان إلى الدوران خارج فلكه القومي وبالتالي ربطه بالفلك الأمريكي ـ الإسرائيلي، وهذا يعني فيما يعنيه إعادة ربط لبنان أمنياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً بالمشروع الأمريكي ـ الصهيوني واستخدامه كمنصة للانقضاض على سورية وإنهاء آخر مواقع الممانعة القومية.
وإذا كان هذا ما يهدف إليه المشروع المعادي وإذا كان هذا المشروع، وهو أمر لا بد من الاعتراف به، قد تمكن من الاصطياد في بحر الشوائب والأخطاء التي اعترت العلاقات السورية اللبنانية ليخلق في بعض الأوساط اللبنانية مناخاً لا يدعو إلى الارتياح والاطمئنان فالسؤال المطروح علينا: ما هو السبيل لتجاوز هذه المرحلة وما خلفته من آثار وما هي الأطر التي يمكن من خلالها الانطلاق في عملية رسم رؤية مستقبلية للعلاقات السورية اللبنانية؟؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال لا بد برأيي من استعراض ولو سريع للآلية القانونية المتوفرة حالياً عبر معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق وما أنشأته من أجهزة مشتركة ومدى قدرة هذه الآلية وهذه الأجهزة على أن تشكل الإطار الحاضن لحوار موضوعي يأخذ العبر مما مضى ويرسم ملامح المستقبل.
أ- معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق:
لقد جاءت معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق لتجسد عملياً ما نص عليه اتفاق الطائف بشكل صريح حيث ورد فيه: " وتقوم ببينه وبين سورية علاقات مميزة تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الأخوية المشتركة، وهو مفهوم يرتكز على التنسيق والتعاون بين البلدين وسوف تجسد اتفاقات بينهما في شتى المجالات " وهذا يعني فيما يعنيه أن موضوع العلاقات المميزة بين البلدين إنما هو ثابت وفاقي أساسي من الثوابت التي نص عليها الطائف وانطلاقاً من هذه الرؤية لطبيعة العلاقات المميزة جاءت المعاهدة لتشكل قفزة نوعية في مسيرة العلاقات بين البلدين خلال المرحلة التاريخية الحديثة وذلك لعدة أسباب يمكن اختصارها بما يلي:
أولاً- إرساء قواعد التعاون والتنسيق على الروابط الأخوية المميزة التي تستمد قوتها من جذور الانتماء والمصير الواحد، ومن التاريخ المشترك والمصالح المشتركة.
ثانياً- الإيمان الراسخ بأن تحقيق أوسع مجالات التعاون والتنسيق، إنما يخدم المصلحة العليا المشتركة للبلدين ويوفر السبل لضمان تطورهما وتقدمهما وحماية أمنهما.
ثالثاً- شمولها جميع أوجه التعاون السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي مما يساعد على فتح قنوات التفاعل بين البلدين وعلى إعادة الدورة الحياتية الواحدة إلى حالتها الطبيعية.
رابعاً- تأكيد صريح وواضح لا لبس فيه على أن يتم كل ذلك في إطار سيادة واستقلال كل من البلدين، وفي إطار القواعد الدستورية والأنظمة والقوانين المعمول بها في البلدين.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف نصت المعاهدة في مادتها السادسة على إنشاء الأجهزة المشتركة التالية: المجلس الأعلى ـ هيئة المتابعة والتنسيق ـ اللجان الوزارية المتخصصة ـ الأمانة العامة للمجلس الأعلى السوري اللبناني، وقد قامت المعاهدة بتحديد صريح لصلاحيات هذه الأجهزة المشتركة وللمهام الملقاة على عاتقها ولا ضرورة برأينا الغوص تفصيلياً في هذه الصلاحيات بل يكفي القول بأن هذه الأجهزة بالإضافة إلى اللجان الوزارية المشتركة تشكل إطاراً كافياً لمعالجة كل ما قد يعتري العلاقات من صعوبات وعراقيل ولرسم الآفاق المستقبلية للعلاقات فيما لو مارست دورها بالشكل المطلوب والمتفق عليه على كل حال وفي إطار المعاهدة وفي إطار الأجهزة واللجان المشتركة تم التوصل إلى تحقيق الكثير من الخطوات التي تجسدت بمجموعة من الاتفاقيات يمكن تصنيفها على الشكل التالي:
1- اتفاقات ذات طابع سياسي ودفاعي.
2- اتفاقات ذات طابع اقتصادي واجتماعي وخدماتي.
3- اتفاقات ذات طابع ثقافي وتربوي وإعلامي.
4- اتفاقات قضائية.
5- اتفاقات بين تجمعات رجال الأعمال والمنظمات الشعبية.
ولن نتطرق إلى هذه الاتفاقات تفصيلياً وما نفذ منها وما لم ينفذ ولا إلى الصعوبات والعراقيل التي اعترضت التنفيذ ولا إلى الأسباب التي حالت دون السير بالسرعة المطلوبة من أجل تحقيق طموحات الشعب في البلدين تاركين ذلك للحوار بل سنكتفي في هذا العرض السريع بالتعرض بشكل عام إلى مجمل الاتفاقات التي وقعت تاركين الأمور التفصيلية للنقاش كما سنحاول بشكل سريع تقييم عمل المؤسسات المشتركة والاقتراحات التي نرى أنها في حال اعتمدت من شأنها أن تؤدي إلى إعادة تفعيل العلاقات وتطويرها.
أ- في موضوع التعاون في مجال السياسة الخارجية:
انطلاقاً مما نصت عليه المادة الأولى من المعاهدة لجهة قيام أعلى درجات التعاون والتنسيق بين البلدين في جميع المجالات السياسية وغيرها وفي المادة الخامسة منها حيث حددت المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية العربية والدولية للبلدين ومن النص الذي حدد مهام اللجنة المشتركة للشؤون الخارجية قامت أعلى درجات التعاون والتنسيق بين لبنان وسورية انطلاقاً من رؤية استراتيجية واحدة للمخاطر المحدقة بعالمنا العربي وهذه الرؤية تجلت بوحدة المسار والمصير في مواجهة مختلف تجليات المشروع الأمريكي الصهيوني وتحدياته المصيرية بحيث جاءت المواقف اللبنانية ـ السورية لتشكل صخرة الصمود والتصدي ولتساهم في كشف هذه المخططات العدوة وإفشالها وإلى إعادة الروح لعملية التضامن العربي وتصويب بوصلته بالاتجاه الصحيح وانطلاقاً من هذه الرؤية الاستراتيجية للتحديات ولاسيما في مرحلتها الراهنة لا بد من العمل على تعميق عملية التعاون والتنسيق وتفعيل أطرها عبر تشكيل لجنة متابعة مشتركة من وزارتي الخارجية وسلسلة من اللجان الفرعية المتخصصة لدراسة الأوضاع وتقييمها ووضع خطط مواجهتها بشكل مشترك على أن تعقد هذه اللجان الفرعية اجتماعاتها دورياً وعلى أن تتوج هذه الاجتماعات باجتماع للجنة الوزارية كل ثلاثة أشهر لإنجاز القرارات اللازمة.
ب- في مجال الدفاع والأمن:
لقد كانت اتفاقية الدفاع والأمن الموقعة بتاريخ 1/9/1991 أولى الاتفاقيات التي تم توقيعها في إطار تنفيذ ما نصت عليه معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق من أسس وقواعد للتعاون والتنسيق وما أنشأته من أطر لتحقيق الأهداف المرسومة والمحددة كان ذلك التعاون المميز في مختلف مجالات الدفاع والأمن والذي حقق الكثير من الإنجازات التي يصعب حصرها، ولكي لا نقع في الإطالة سنحاول إيجاز ما تحقق في النقاط التالية:
" دعم القوات العربية السورية الحكومة اللبنانية ومؤازرتها في إعادة بسط سلطتها على جميع المناطق التي كانت خارج الاحتلال الإسرائيلي عند المباشرة بوضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ. ولقد كان لهذه المساعدة الأخوية الدور الحاسم في إعادة الاستقرار والهدوء إلى ربوع لبنان وفي إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وإطلاق مسيرة النمو والإنماء ومسيرة استعادة الدولة لدورها في مختلف الصعد.
" وفي إطار هذا التعاون تمت المساعدة وبمختلف الوسائل على إعادة توحيد الجيش اللبناني وبنائه بناءً وطنياً وبتوجيهات وطنية وقومية واضحة وعلى تأمين كل ما يحتاجه من تجهيزات وعتاد وتدريب مما فتح الآفاق واسعة أمام تعاون وثيق تجلى في مختلف المجالات.
" بالإضافة إلى مساعدتها في إعادة بناء الجيش وتقويته فقد ساهمت أيضاً مساهمة فعالة في إعادة بناء سائر القوى الأمنية لتعلب هي الأخرى دورها كاملاً في إطار صيانة الأمن والاستقرار والسيادة والاستقلال.
" وانطلاقاً من التنسيق القائم في إطار اللجان المشتركة ساهمت سورية في مساعدة جميع القوى الأمنية في جميع المهمات التي طلب منها المساعدة بها.
" وإذا كان هذا التعاون الأخوي قد لعب مثل هذا الدور الحاسم على الصعيد الداخلي فإن الإنجاز الذي تحقق بفضله كان إنجاز التحرير، تحرير الجنوب والبقاع الغربي، من الاحتلال الإسرائيلي نتيجة احتضان المقاومة من قبل الدولتين ومن قبل الجيشين الشقيقين.
" وما يوازي هذا الإنجاز بأهميته، الطريقة التي تمت بها عملية الدخول إلى الأراضي المحررة والتي أدت إلى إفشال المخططات العدوة التي كانت ترمي إلى إثارة الاقتتال والفتنة الطائفية في المناطق التي اندحرت منها.
وبالإضافة إلى ذلك وانطلاقاً مما نصت عليه معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق تمت وبقرار من اللجنة العسكرية ابتداءً من عام 2001 عدة عمليات إعادة انتشار للجيش العربي السوري ولقد جاء اجتماع المجلس الأعلى الأخير في دمشق ليقر المرحلة الأخيرة من إعادة الانتشار وعودة القوات السورية إلى الأراضي السورية وكلف اللجنة العسكرية بالإشراف على ذلك وقد تم خلال اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة تحديد 30 نيسان 2005 كموعد نهائي لعودة القوات العربية السورية إلى داخل الأراضي السورية كما تم خلال اجتماع هذه اللجنة تأكيد الجانب السوري استعداده الدائم لتقديم أي دعم يطلبه الجيش اللبناني وذلك استناداً إلى ما نصت عليه اتفاقية الدفاع والأمن. كما تم الاتفاق على متابعة التعاون والتنسيق في مختلف المجالات المتفق عليها سابقاً ووفقاً لما نصت عليه اتفاقية الدفاع والأمن الموقعة بين البلدين عام 1991 ومثل هذا التعاون أمر من شأنه أن يساهم مساهمة فعالة في تدعيم أمن واستقرار البلدين وفي تحصين مواقفهما المشتركة في مواجهة التحديات، وللسهر على حسن التنفيذ لا بد للجنة الدفاع والأمن من أن تشكل مجموعة من اللجان الفنية المشتركة كما أنه من الضروري أن تستمر اللجنة العسكرية بعقد اجتماعاتها دورياً وكذلك أن تبادر لجنة الدفاع والأمن إلى عقد اجتماع دوري وفقاً لما نصت عليه المعاهدة والاتفاقية.
ج- الاتفاقات ذات طابع اقتصادي واجتماعي:
يشكل اتفاق التعاون الاقتصادي والاجتماعي الذي وقع في أيلول 1993 وما انبثق عنه من اتفاقيات وبروتوكولات الإطار القانوني الراهن للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية بالمعنى الشامل لهذه العملية، فالاقتصاد في ظله يعني كل قطاعات الإنتاج ولا يقتصر الأمر على عملية تبادل المنتجات الوطنية بين البلدين، وهذا ما يفرقه عن اتفاق عام 1953 الذي اقتصر على تبادل المنتجات، فما الذي ينص عليه اتفاق 1993، كي لا ندخل في التفاصيل، نشير إلى أن هذا الاتفاق يتمحور حول أربعة محاور أساسية:
المحور الأول: ويدعو إلى السير باتجاه التكامل الاقتصادي بصورة تدريجية من خلال تبني المبادئ التالية: " حرية انتقال الأشخاص ـ حرية الإقامة والعمل وممارسة النشاط الاقتصادي ـ حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية ـ حرية انتقال الرساميل ـ حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل في البلدين وبينهما ـ حرية الإيصاء والإرث وحرية التملك في إطار القوانين والأنظمة النافذة.
المحور الثاني: ويطرح كهدف مرحلي ضرورة العمل على تحقيق السوق المشتركة وذلك بصورة تدريجية وبمرونة تراعي طاقة اقتصاد البلدين على استيعاب المتغيرات التي تقتضيها هذه العملية.
المحور الثالث: ويشير إلى السبل والوسائل والآليات التي من شأنها أن تساعد على تحقيق هذا الهدف واللجان المشتركة المنوط بها أمر السهر على وضع الخطط وتنفيذها.
المحور الأخير: وينص على الاستمرار بتطبيق اتفاق 1953 فيما خص التبادل التجاري إلى حين التوصل إلى صيغ تنفيذية جديدة انطلاقاً من اتفاق 1993.
هذه هي أهم المحاور التي أوردناها باختصار لما تضمنه اتفاق 1993، والذي أكد في مادتين أساسيتين منه على ضرورة العمل بمرونة وبصورة تدريجية على تحقيق الهدف المنشود " أي التكامل " وعلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار طاقة اقتصاد كل من البلدين على استيعاب المتغيرات التي تقتضيها عمليات التكامل، أي بكلام آخر ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الظروف الموضوعية القانونية والتنظيمية والاقتصادية، فماذا عن هذه الظروف الموضوعية؟ وكيف تم التعامل معها؟
في الواقع ليس من السهل التطرق إلى جميع النواحي المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية في كلا البلدين لأن مثل هذا الأمر يقتضي دراسة بنيوية مقارنة تفصيلية، إلا أنه وباختصار يمكن القول بأنه منذ عام 1950 لا قبل ذلك في ظل المصالح المشتركة، بدأت تظهر اختلافات في وجهات النظر حول التوجهات الاقتصادية في كلا البلدين. ففي حين اتجهت سورية إلى وضع سياسة إنمائية شاملة تقوم على تنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج وعلى توسيع دور القطاع العام في الحياة الاقتصادية، كان الاتجاه الغالب في السياسات الاقتصادية اللبنانية يقوم على تنمية قطاع الخدمات بكل تفرعاته أي خدمات التجارة والسفر والسياحة والمصارف والصحة والتعليم.
ومثل هذا الاختلاف في التوجه كانت له دون شك انعكاسات بنيوية وتشريعية وتنظيمية ومالية في كلتا الدولتين، إلا أنه أدى في الوقت نفسه إلى نشوء بنيتين اقتصاديتين متكاملتين تتسمان بتخصص متقابل في الإنتاج. مثل هذا الاستنتاج قد يفاجئ البعض، إلا أن نظرة سريعة على المعطيات يمكن أن تحد من وقع المفاجأة وأن تحرضنا على بذل الجهود من أجل تسريع وتيرة التكامل. والنظرة السريعة على المعطيات يمكن اختصارها بالقول أن الميزة التفاضلية في سورية تكمن في قطاعي الزراعة والصناعة فيما هي تكمن في لبنان في قطاع الخدمات والإمكانات الفنية والتكنولوجية، وعملية التكامل وفتح السوقين على بعضهما ستؤدي تدريجياً إلى ميل الاقتصاد السوري إلى التخصص في الصناعة والزراعة بشكل رئيسي وميل الاقتصاد اللبناني إلى التخصص في الخدمات بكل تشعباتها. علماً بأن البعض يرفض الأخذ بهذه النظرية، ونحن منهم، لذا يفترض بنا ألا نقع أسرى هذا الاستنتاج السريع بل يفترض بنا أن نأخذ بعين الاعتبار إمكانية تحقيق التكامل الإنتاجي ما بين قطاعات الإنتاج الصناعية والزراعية ولاسيما في ميدان الصناعات الغذائية والغزل والنسيج والصناعات الكيميائية هذا ناهيك عن إمكانية التكامل في سائر الميادين والقطاعات ولاسيما في مجالات السياحة والنقل والاتصالات والطاقة والمعلوماتية والخدمات إلى غير ذلك من القطاعات.
على كل هذا الواقع الذي يحتوي في طياته حالات تمايز وتكامل هو الواقع الذي كان لا بد من مواجهته بكل تشعباته فكيف تم ذلك؟ علمياً وبعد دراسة متأنية وسلسلة من الاجتماعات لوضع منهج عمل كان لا بد من تجزئة الأمور ومعالجتها بكشل تدريجي ومرحلي وبشكل يؤدي إلى تحقيق الأهداف المرسومة. وانطلاقاً من هذه التوجهات التي رسمتها اللجان المشتركة تم العمل على المحاور التالية:
" محور صياغة الاتفاقيات والبرامج التنفيذية المترجمة لاتفاق التعاون الاقتصادي والاجتماعي.
" محور تشكيل اللجان وفرق العمل لوضع ما يتم التوصل إليه من اتفاقات موضع التنفيذ.
" محور المراجعة الدورية للخطوات ومعالجة الصعوبات والعراقيل وما نفذ وما لم ينفذ من القرارات.
أما الاتفاقات التي وقعت في هذا المجال فهي:
1. اتفاق التعاون الاقتصادي والاجتماعي.
2. اتفاق تعاون وتنسيق في المجال الزراعي.
3. اتفاق تعاون في المجال الصحي.
4. اتفاق تنظيم انتقال الأشخاص ونقل البضائع.
5. اتفاق تعاون في المجال السياحي.
6. اتفاق تعاون في مجال العمل.
7. اتفاق تعاون في مجال الشؤون الاجتماعية.
8. اتفاق الربط الكهربائي.
9. اتفاق تقاسم مياه العاصي.
10. اتفاق إقامة سد مشترك على النهر الكبير الجنوبي.
11. برنامج تعاون في المجال الصناعي.
12. اتفاق تلافي الازدواج الضريبي.
13. اتفاق تشجيع الاستثمار وحمايته.
14. اتفاق إنشاء المكاتب الحدودية المشتركة.
15. اتفاق الاعتراف المتبادل بشهادات المنشأ.
16. اتفاق تبادل المنتجات الدوائية.
17. اتفاق تعاون في مجال النقل البحري التجاري.
18. اتفاق تعاون في مجال النقل الجوي والطيران المدني.
19. اتفاق تعاون إداري في المجال الجمركي.
20. اتفاق إعفاء من رسوم العبور الجوي ورسوم المطارات.
21. اتفاقات في مجال الاتصالات.
22. اتفاق تعاون بريدي.
وهذه هي معظم الاتفاقات التي وقعت والتي تصب في إطار العمل على تنفيذ بنود الاتفاق الأساسي أي اتفاق التعاون في المجال الاقتصادي والاجتماعي. وقد تم توقيع سلسلة من البروتوكولات والبرامج التنفيذية لهذه الاتفاقات بالإضافة إلى اتخاذ سلسلة من القرارات عبر الاجتماعات الدورية للمجلس الأعلى وهيئة المتابعة والتنسيق واللجنة الاقتصادية والاجتماعية وسائر اللجان الوزارية المشتركة والتي تعتبر بمثابة قرارات مترجمة لنصوص الاتفاقات أو بمثابة اتفاقيات مكملة لها من الناحية التطبيعية وسنضيء على ما تم تنفيذه وعلى الصعوبات والعراقيل التي ما زالت تحتاج إلى معالجة خلال النقاش.
د- في عمل المؤسسات المشتركة:
في هذا السياق لا بد لنا من الاعتراف بأن الأجهزة المشتركة لم تفعّل أعمالها كما يجب فالمعاهدة قد نصت على أن يعقد المجلس الأعلى اجتماعاً واحداً في السنة على الأقل أو كلما دعت الحاجة والمجلس الأعلى كما هو معروف هو أعلى هيئة مشتركة بين البلدين ومناط به أمر رسم السياسة المستقبلية للعلاقات ومعالجة جميع الصعوبات والعراقيل التي تعترض تطوير هذه العلاقات. إلا أن اجتماعات المجلس الأعلى لم تتم دورياً إذ منذ عام 1993 حتى تاريخه عقد فقط خمس اجتماعات. وإذا كان المجلس الأعلى لم يعقد سوى 5 اجتماعات فإن هيئة المتابعة والتنسيق قد عقدت 4 اجتماعات فقط. أما لجنة الشؤون الخارجية فقد كانت الاجتماعات تعقد بين وزيري الخارجية ولم يتم تشكيل لجنة مشتركة تعقد اجتماعاتها بمشاركة الأمانة العامة للمجلس الأعلى السوري اللبناني وكذلك كان الحال بالنسبة للجنة الدفاع والأمن.
أما باقي اللجان أي اللجنة الاقتصادية والاجتماعية وسائر اللجان الوزارية المشتركة فقد كانت تعقد اجتماعاتها بشكل منتظم ودوري بالتنسيق مع الأمانة العامة.
بكلام آخر إن التواصل والتفاعل والحوار إنما كان يتم بشكل أساسي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية أكثر مما هو كان على الصعد الأخرى. وهذا ما دفع بالمجلس الأعلى خلال الاجتماعين اللذين عقدا في عام 2002 و2005 على التأكيد على ضرورة تفعيل أعمال جميع الأجهزة المشتركة وضرورة أن تعقد اجتماعاتها بشكل دوري وبالتنسيق مع الأمانة العامة.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الاجتماعين المشار إليهما أعلاه قد أعطياه حيزاً كبيراً للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والشعبية بين البلدين واتخذت خلالهما سلسلة من القرارات المتعلقة بإقامة العديد من المشاريع المشتركة وبضرورة العمل على وضع رؤية مستقبلية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين وبالتالي تحديد سبل تحقيق التكامل الاقتصادي والسوق المشتركة بينهما. إلا أنه وعلى الرغم من أن هذه القرارات قد أدت، دون شك، إلى تحقيق قفزات نوعية هامة على صعيد العلاقات الاقتصادية تمت ترجمتها عبر قرارات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية وعبر المباشرة بتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع المشتركة ولكن السؤال المطروح هل أن ما تم يحقق طموحات شعبنا أم أن المسيرة تحتاج فعلاً إلى وقفة تأمل وتقييم تأخذ بعين الاعتبار التحديات الراهنة؟؟
برأيي لقد تحققت خلال المرحلة الماضية سلسلة من الإنجازات الهامة على مختلف الصعد ولاسيما الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية وكذلك السياسية والدفاعية ولقد وقعت العديد من الاتفاقات الهامة وتم تنفيذ العديد منها إلا أنه لا بد من الاعتراف بأن الكثير من الأمور ما زالت تحتاج إلى معالجة ولتفعيل العمل فإننا نقترح ما يلي:
1- تفعيل أعمال جميع الأجهزة المشتركة وبشكل خاص المجلس الأعلى وهيئة المتابعة والتنسيق ولجنتي الدفاع والأمن والشؤون الخارجية وسائر اللجان الأخرى والانكباب في إطار هذه الأجهزة المشتركة واللجان المنبثقة عنها على تقييم موضوعي لما تم تحقيقه والأخطاء وسبل تصحيحها ووسائل تجاوز الصعوبات والخطط المرحلية لتطوير هذه الاتفاقيات وتفعيلها وتعديل بعض نصوصها إذا ما اقتضت المصلحة المشتركة ذلك.
2- الإسراع بوضع رؤية جديدة وتصور مستقبلي للعلاقات السورية ـ اللبنانية في مختلف المجالات وبشكل خاص في مجال العلاقات السياسية والدفاعية والاقتصادية والاجتماعية والمباشرة الفورية بتنفيذ ما يتم الاتفاق بشأنه خاصة لجهة تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي والوصول إلى السوق المشتركة.
3- متابعة تنفيذ المشاريع المشتركة المقررة وبأقصى سرعة ممكنة.
4- الانكباب على تنفيذ قرارات المجلس الأعلى الأخيرة ولاسيما تلك المتعلقة بإقامة جدار جمركي موحد وتنظيم موضوع العمالة وسائر القرارات الأخرى.
5- فتح قنوات التفاعل الشبابي والطلابي والشعبي على مصراعيها وتشجيع الحوار ما بين مختلف الشرائح السياسية والاجتماعية والثقافية في البلدين من أجل التوصل إلى فهم مشترك للتحديات والصعوبات والمصلحة المتبادلة في مواجهتها بشكل مشترك.
وأخيراً لا آخراً لا بد من التأكيد بأن الروابط الحياتية والتاريخية والقومية ما بين لبنان وسورية كانت عصية عبر العصور على كل محاولات تقطيع أواصر التكامل والتفاعل الاجتماعي والحياتي والاقتصادي والثقافي بين البلدين وإن كل المحاولات والتحديات التي تواجه هذا التلاحم المصيري لن يكتب لها النجاح وإن عملية الانقلاب على حقائق الحياة الواحدة والتاريخ الواحد وعلى حقائق الجغرافية التي يجري التخطيط لإنجازها في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير إنما هي عملية لن يكتب لها النجاح لأن إرادة التكامل والتفاعل وحقائق الجغرافية والتاريخ والانتماء القومي ستبقى عصية على كل هذه المحاولات وستمكن شعبنا من تجاوزها ومن تجاوز ما يرسم من مخططات تفتيتية وما حصل في لنبان من إحباط للمخطط سابقاً ومن مواجهة نتائج الزلزال الذي أحدثه غزو 1982 خير دليل على قدرات شعبنا وطاقاته المخزونة وعلى أن فيه قوة كامنة قادرة لو فعلت أن تغير مجرى التاريخ.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية