البعد
الإقليمي للملف النووي الإيراني
لا
يمكن ان نفصل الاهتمام الدولي(الأمريكي-الأوروبي)
بالملف النووي الإيراني عن ثلاثة
ملفات اخرى شائكة ومتداخلة:
ـ السياسة الاميركية في الشرق الاوسط
ـ أمن اسرائيل من المنظور الدولي
ـ موقع ايران الاقليمي ودورها وعلاقاتها
مع الولايات المتحدة.
وسوف نلاحظ ان تطورات هذا الملف منذ
بضع سنوات الى اليوم تكشف حجم الترابط
في تلك الملفات خصوصا بعد الحادي
عشر من ايلول وبعد احتلال العراق،
ففي كل مرة على سبيل المثال تثار
قضية العلاقات بين ايران وبين الولايات
المتحدة ويطرح كل طرف شروطه او تصوراته
لطبيعة تلك العلاقات. كانت قدرات
ايران النووية وقابلياتها للتطور
حاضرة دائما في المخاوف وفي الشروط
الاميركية بموازاة شروطها لعدم عرقلة
"عملية السلام" في المنطقة.
اذا هذا الملف ليس جديداً فهو على
جدول الاعمال الاميركي-الاسرائيلي
منذ مطلع التسعينات. وهذا الملف ليس
معزولاً وليس فنياً او تقنياً فقط
،(يتطابق او لا يتطابق مع معايير
وكالة الطاقة الدولية...) بل يتداخل
مع المصالح الاستراتيجية ومع التصورات
الاميركية للشرق الاوسط وللمصالح
الاسرائيلية المباشرة.
يقول وزير الخارجية الاميركي السابق
وارن كريستوفر في خطاب له اوئل عام
1995:"... تنطوي جهود ايران لامتلاك
الاسلحة النووية على اخطار هائلة،
وكل عضو مسؤول في المجتمع الدولي
له مصلحة في افشال هذه الجهود ولا
مجال للتهاون"...
وفي تقرير صادر عن مكتب وزير الدفاع
الاميركي " وليام بيري" حول استراتيجية
الولايات المتحدة الامنية في الشرق
الاوسط يشير الى "القلق الكبير على
المدى الطويل من تصميم ايران الواضح
على تطوير اسلحة الدمار الشامل ....
وهذا ينطوي على مضاعفات خطيرة على
استقرار المنطقة..." وفي الفترة نفسها
يقول جوزف إس ناي مساعد وزير الدفاع
لشؤون الامن الدولي: "ان تصميم ايران
على تطوير اسلحة الدمار الشامل ينطوي
على مضاعفات خطيرة على الاستقرار
في المنطقة. وربما على قدرتنا على
حماية مصالحنا فيها.
اما انطوني كوردزمان المؤرخ والمحلل
الاستراتيجي الاميركي فلا يرى في
القدرة الايرانية خطورة كافية لتشكيل
تهديد كبير على جنوب الخليج اذا ما
حصلت دول جنوب الخليج على مساندة
القوات الاميركية:.( راجع انطوني
كوردزمان : القدرات العسكرية الايرانية
في سلسلة دراسات عالمية، العدد 6،
مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
2000 ).
والمقصود من هذه الاشارات التي تعود
الى نحو عقد سابق ان تسليط الضوء
على "التهديد الايراني" لا يرتبط
بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة.
بل بالإدارة الديمقراطية السابقة
ايضاً. وربما يكمن الفرق بين استراتيجية
الادارة السابقة التي اعتمدت "الاحتواء
المزدوج" لكل من ايران والعراق وبين
الادارة الحالية التي لجأت الى الحرب
في العراق، والى التهديد المباشر
لإيران وللدول الاخرى في المنطقة.
اما الهدف، فهو واحد وثابت ، منع
ايران من امتلاك القدرة النووية لأنها
تضر بمصالح الولايات المتحدة وبالاستقرار
في المنطقة.
وربما نفهم من هذا التركيز على "الخطر
النووي" الايراني في تلك المرحلة،
هو تعطيل محاولات التقارب الايراني
مع دول الخليج وإدامة شعور هذه الاخيرة
بالتهديد(بعد تراجع التهديد العراقي
إثر عاصفة الصحراء" وتحرير الكويت)
وتبرير اللجوء الى " الحماية" لدفع
هذا التهديد لأن استراتيجية الأمن
الجماعي الاقليمي التي اعلن عنها
وزير الدفاع الاميركي امام لجنة العلاقات
الخارجية في 18 ايار/مايو 1995 تتكون
من ثلاثة عناصر : الاول هو تدعيم
القدرة الدفاعية الفردية لكل دولة
من دول الخليج. والثاني هو العمل
على تعزيز القدرة الجماعية لدول الخليج
لتتمكن من الدفاع عن نفسها من خلال
مجلس التعاون.... والثالث هو عبارة
عن سلسلة من الاتفاقيات لاستخدام
المرافق المتوافرة.... علماً ب\اننا
ابرمنا مثل هذه الاتفاقيات مع جميع
شركائنا الستة في الخليج"
( Secretary William J.Perry,"Working
with Gulf Allies to contain Iraq
and Iran" Defense Issues,Volume10,
No 61 (كوردزمان ص 8
وما تجدر الاشارة اليه ايضاً في إطار
"التهويل الاستراتيجي" من القدرة
النووية الايرانية توقعات وكالة الاستخبارات
المركزية الاميركية(CIA) منذ عام
1992 بان ايران ستمتلك سلاحاً نووياً
عام 2000. والتقديرات الاسرائيلية
منذ عام 1995 بأن ايران ستمتلك مثل
هذا السلاح بعد خمس سنوات (2000)
( New York Times, Nov.30,1992 PA-1
end A-6, January 5,1995 P.A-10
Washington Times, January 6, 1995,P.A
-15)
ما هو المقصود بتهديد الاستقرار في
المنطقة الذي تتحدث عنه الولايات
المتحدة؟ ولماذا تربط بين امتلاك
ايران المفترض للسلاح النووي وبين
هذا التهديد للاستقرار؟
اذا وضعنا جانبا تخويف دول الخليج
من ايران بعد تطورات الحادي عشر من
ايلول\ن وبعد احتلال العراق وبعد
الضغوط الاميركية المباشرة على المملكة
السعودية ودعاوي الاصلاح والتنمية
وسواها.... لأن ذلك كله أفقد مقولة
التهديد الايراني صدقيتها. فها هو
وزير الخارجية السعودي الامير سعود
الفيصل، في مؤتمر "أمن الخليج-حوار
لخليج" الذي عقد في البحرين ونظمه
المعهد الدولي للدراسا الاستراتيجية
ومقره في لندن ينتقد التركيز على
ايران في الموضوع النووي، رغم كونها
من الدول الموقعة لمعاهدة خطر انتشار
الاسلحة النووية، مع تجاهل اسرائيل
التي لا توافق على المعاهدة ومتطلباتها...
معتبراً ان التوصل الى اطار امني
فعال للمنطقة هو "يمن مزدهرة وعراق
مستقر وايران صديقة" وهو الضمان الافضل
للسلام والاستقرار" ( راجع جريدة
النهار 6/12/2004 ص 10 سعود الفيصل
ينتقد البحرين ضمناً....).
ان عدم الاستقرار اذا" سيتعلق بإسرائيل
مباشرة، ثم بوجودالقوات الاميركية
في قلب المنطقة العربية وعلى الحدود
الايرانية التي تمتد الى اكثر من
الف واربعمائة كلم .
بالنسبة الى اسرائيل يتوقف بعض كبار
الخبراء العسكريين والاستراتيجيين
عند ما يسمونه "تراجع قوة الردع الاسرائيلية"،
ويعتبرون ان هذا التراجع بدأ بعد
حرب عام 1973 وصولاً الى تحرير الجنوب.
لأن اسرائيل بحسب هؤلاء الخبراء تبين
انها عاجزة عن الانتصار في ما يطلقون
عليه "الحروب الصغيرة" مثل المقاومة
في جنوب لبنان والانتفاضة في فلسطين(وهذا
حقيقي، لأن اسرائيل عجزت عن الانتصار
في واحدة من هذه الحروب، اي الانتفاضة،
وخسرت في الثانية اي المقاومة في
جنوب لبنان ) ما يعني ان قدرة الردع
الاسرائيلية في التوازن الاستراتيجي
الاقليمي هي القدرة النووية في الدرجة
الاولى. فاذا فقدت اسرائيل مثل هذا
التفوق وهذا التميز على الدول الاخرى،
فانها ستشعر بتهديد فعلي، مع استمرار
"الحروب الصغيرة" على حالها، وهذا
يعني عدم الاستقرار (أي عدم استقرار
اسرائيل في المنظور الاميركي) اذا
امتلكت ايران سلاحا" نوويا".
وهذا ما يشير اليه سلفان شالوم وزير
الخارجية الاسرائيلي في مؤتمر هرتسيليا
في معرض حديثه عن ايران بالقول: "
إن ايران هي التحدي الوجودي الذي
ينتصب أمام اسرائيل.فايران تزعزع
الاستقرار في المنطقة والعالم بأسره
، ..وهي صلب المشكلة ولب الخطر..
وفي معرض التحريض على الخطر ايراني
يضيف شالوم: " هناك اهمية لأن يرى
المجتمع الدولي أيضا" أن
التهديد الايراني ليس موجها" نحو
اسرائيل فحسب. إن اوروبا تدرك أن
ايران نووية قادرة على ضرب برلين
وباريس وجنوب روسيا ايضا" . لذلك
يقول شالوم علينا ان نعمل لتحويل
الموضوع الى مجلس الأمن لتترك ايران
خطط تسلحها النووي(النهار في 16/12/2004
). أما ما يجعل من المخاوف الاسرائيلية
مخاوف جدية فهو أن الدولة التي تتوصل
الى مرحلة القدرة على تخصيب اليورانيوم،(
مثل ايران) فستكون قادرة فعليا" على
انتاج السلاح النووي متى ارادت ذلك.
. اي ان المخاوف من ايران على هذا
الصعيد هي مخاوف جدية وليست تهويلاً
فقط. ويجب ان نعرف هنا ان الدولة
التي توقع على معاهدة حظر انتشار
الاسلحة النووية،(وايران من الدول
الموقعة منذ 1970) يحق لها الاستخدام
السلمي للطاقة النووية، والحصول على
مساعدات في هذا المجال، ولكن ايران
منعت من تلك المساعدات بسبب الحصار
طيلة العقدين الماضيين ، ولأنها دولة
ايديولوجية، اذا حصلت على القوة "
فانها ستعرّض امن المنطقة للخطر"
.كما تؤكد واشنطن
لقد برز الملف النووي الإيراني بقوة
كقضية شائكة بعد احتلال العراق مترافقاً
مع تهديدات اميركية بمن سيأتي عليه
الدور بعد العراق، سوريا اولاً ام
ايران اولاً . وتعرضت ايران لحملة
اعلامية منظمة من الولايات المتحدة،
ثم انتقلت الى اوروبا، وتركزت هذه
الحملة على التهديد الذي تشكله ايران
اذا استمرت في اخفاء نشاطاتها النووية.،
ومورست عليها في الوقت نفسه ضغوط
سياسية واقتصادية بدأتها المانيا
وفرنسا للتوقيع الفوري على ما يعرف
ب "البروتوكول الاضافي" الذي يتيح
تفتيش المنشآت النووية في اي وقت،
تحت التهديد برفع هذه القضية الى
مجلس الأمن، وتقول طهران بلسان مسؤول
الملف النووي فيها (أمين عام المجلس
الأعلى للأمن القومي حسن روحاني )
أن من أبرز الأمثلة على اتساع دائرة
تلك الضغوط ان اليابان ربطت التعاون
مع ايران في مشروع حقل النفط في "آزادجان"
بالتوقيع على ذلك البروتوكول.
لقد وجدت ايران نفسها أمام واحدا"
من الخيارات الثلاثة التالية: 1-
الامتناع عن التصديق على هذا البروتوكول.
وليس في ذلك أي مسؤولية دولية مفروضة
على ايران. الا أن هذا الخيار غير
مرغوب فيه من الناحية السياسية لأنه
سيؤدي الى عزلة ايران والى تصعيد
الاتهامات ضدها. والى تبرير المخاوف
الاميركية بأن ايران تخفي نشاطاتها
النووية. 2-
تاجيل التصديق على تلك المعاهدة .
وهذا ايضا" لا يخالف القانون الدولي
،و يفيد ايران من جهة كسب بعض الوقت
، الا انه يؤدي مثل الخيار الأول
الى الاتهامات نفسها .من دون اي نتائج
عملية لذلك التأجيل. 3-
التصديق المشروط على المعاهدة . والشروط
المقصودة تتعلق بالتعاون الاوروبي
مع ايران في مجال الوقود النووي،
وفي مجالات أخرى سياسية واقتصادية
وتجارية.
وقد برز نوعان من المواقف على الساحة
الايرانية الداخلية في التعامل مع
هذه القضية. الأول يمثله بعض الاصلاحيين
الذين دعوا الى عدم التأجيل في بت
هذا الملف والى المسارعة في الموافقة
على ما تطلبه الوكالة الدولية وعدم
إغضاب الولايات المتحدة لأن الوضع
الاقليمي بعد احتلال العراق لا يسمح
بمثل ذلك . ولأن مثل هذه الموافقه
كما يقول البعض الآخر قد تكون رسالة
مناسبة للولايات المتحدة لفتح قنوات
الحوار حول القضايا الأخرى المعلقة
بين البلدين منذ سنوات. والاتجاه
الثاني من بعض المحافظين ،دعا خلافا"
للاتجاه الأول الى رفض التوقيع على
اي اتفاق والى الخروج من معاهدة الحد
من انتشار السلاح النووي، والتمثل
بكوريا التي تحدت الولايات المتحدة
من دون ان تقدر هذه الأخيرة على ان
تفعل شيئا" ضدها سوى الدعوة الى التفاوض
والى الحلول الديبلوماسية.
وقد اختارت ايران وهي تدرك جيدا"
طبيعة الظروف الاقليمية والدولية
،فتح باب التفاوض مع الاوروبيين والتباحث
معهم لحل هذه القضية داخل الوكالة
الدولية للطاقة النووية وليس خارجها
في مقابل التعاون الاوروبي معها على
هذا الصعيد . وعلى اساس رفض الضغوط
أو تحديد المواعيد لوقف التخصيب .
وهكذا تتجنب ايران رفع ملفها الى
مجلس الأمن، أو فرض العقوبات، كما
تريد الولايات المتحدة. خصوصا" وان
التوقيع على البروتوكول الاضافي يسمح
لإيران قانونياً بالاستغلال السلمي
للطاقة وبالحصول على المساعدات (من
الدول الاوروبية) وهذا ما حصل في
نهاية مفاوضات شاقة وطويلة ومعقدة(تبنى
اعضاء الوكالة الاتفاق حولها بالاجماع)
. الا ان الولايات المتحدة لم تخف
امتعاضها من نتيجة المفاوضات . ومن
اعلان عدم ثقتها بالنظام في ايران
وبحقها في رفع القضية الى مجلس الأمن
متى ارادت ذلك . علما" بأن مدير عام
وكالة الطاقة محمد البرادعي، أصدر
تقريرا" ينفي فيه وجود أي دليل أو
اثبات على عدم سلمية البرنامج النووي
الايراني.
لقد تعرضت ايران في اثناء التفاوض
مع الاوروبيين الى تهديدات اسرائيلية
مباشرة بقصف منشآتها النووية والى
التلويح الاميركي بالتعامل معها مثل
ما عومل العراق.وعلى الرغم من الاختلاف
الواضح بين طبيعة النظام العراقي
والنظام الايراني وبين الظروف الدولية
لكل منهما(عزلة النظام العراقي داخليا"
وخارجيا") التي تمنع تكرار تجربة
الحرب على ايران بسهولة
فإن المقصود من تلك التهديدات اضعاف
عزيمة الايرانيين ودفعهم الى قبول
كل ما يطلب منهم،(في ظل المعادلة
الاقليمية الجديدة بعد احتلال العراق
والتي يفترض أن تضيق هامش المناورة
لدى الايرانيين) او دفعهم الى الانسحاب
من كل عملية التفاوض (كما بدأت بعض
الأصوات في الداخل الايراني تدعو
الى ذلك). الا ان ايران اعتمدت سياسة
مزدوجة في التعامل مع هذا الواقع
المعقد. فأظهرت من جهة استعدادها
القوي للرد العسكري على اي محاولة
اسرائيلية للاعتداء على منشآتها.
وقامت باستعراض صواريخ شهاب 2 وشهاب
3 التي باتت تصل بعد تطويرها الى
نحو 2000 كلم. اي الى عمق الاراضي
الاسرائيلية. واعتمدت من جهة ثانية
المرونة والديبلوماسية في التفاوض.
فلم تسمح بالتهويل الاسرائيلي، ولا
بالتهويل الاميركي وأظهرت انها تمتلك
القوة الرادعة والقرار باستخدام تلك
القوة، ولم تقاطع في الوقت نفسه الوكالة
الدولية ولم تقطع التفاوض مع الاوروبيين...
ويمكن ان نلاحظ بعد ذلك كيف تراجعت
التهديدات الاسرائيلية بقصف المنشآت
النووية الايرانية ، ولكن لم تتوقف
الحملة على مخاطر السلاح النووي الايراني
حتى بعد التوصل الى الاتفاق مع الاوروبيين
وبعد اجماع وكالة الطاقة على سلمية
البرنامج النووي الايراني الراهن..
كما تراجعت التهديدات الاميركية واستبدلت
بالتلويح بالعقوبات. وفي كل الاحوال
كانت الدولتان، اي اسرائيل واميركا،
تفضلان وصول المفاوضات بين ايران
ووكالة الطاقة الدولية ومع اوروبا
الى طريق مسدود يعزل ايران، ويثبت
الاتهامات النووية الموجهة اليها.
ويمهد لحصارها الدولي ولمضاعفات اخرى
سياسية وعسكرية... وهذا يفسر رد الفعل
الغاضب والسريع لكل من هاتين الدولتين
بعد الاتفاق الاوروبي -الايراني.
ينبغي لنا الاشارة هنا الى ان الموقف
الاوروبي الذي قبل بالتفاوض مع ايران
لا يعني سوى الخلاف مع واشنطن على
كيفية ادارة هذا الملف . فواشنطن
تريد اللجوء الى التهديد بالحل العسكري
لوضع حد للبرنامج النووي الايراني
.في حين أن اوروبا تسعى الى الهدف
نفسه ولكن من خلال التفاوض. ويبدو
أن واشنطن ايضا" وجدت في التدخل الاوروبي
على الرغم من انزعاجها من النتائج
التي توصل اليها، فرصة للتعرف على
حقيقة ما وصلت اليه القدرات النووية
الايرانية لأن الولايات المتحدة لم
تكن تملك معلومات دقيقة تماما" عن
تلك القدرات بسبب القطيعة الكاملة
للعلاقات بين البلدين. وهذا ما أشار
اليه تقرير مجلس العلاقات الخارجيه
الذي وضعته هيئة من الخبراء والمسؤولين
الاميركيين السابقين الذي اعتبر"أن
الافتقار الحالي الى اتصال مستمر
مع ايران يضر بالمصالح الاميركية
في منطقة حساسة من العالم..."واصفا"
طموحات ايران النووية بأنها واحدة
من أكثر القضايا التي تواجهها الولايات
المتحدة الحاحا"."
هذا التطابق في الاهداف بين أوروبا
وبين الولايات المتحدة حول مستقبل
البرنامج النووي الايراني له علاقة
بطبيعة النظام في ايران وبهويته السياسية
والدينية . إذ من غير المقبول أن
تمتلك دولة اسلامية لا تدور في الفلك
الاميركي ولا في الفلك الغربي ولديها
موقف سلبي من اسرائيل ومن وجودها
سلاحا" نوويا" يمكن ان يستخدم في
تقوية سياسات تلك الدولة أو في تعزيز
موقعها الاقليمي. في حين أن التبرير
الدولي للسلاح النووي الاسرائيلي
هو أن هذه الدولة مهددة ويجب أن تمتلك
مثل هذا السلاح !
وبالاضافة الى المخاوف الاميركية
الجدية من القدرات النووية الايرانية
فقد استخدمت واشنطن هذا الملف ورقة
من اوراق الضغط على ايران بعد احتلال
العراق (مثل ما استخدمت أيضا" أكثر
من ورقة من اوراق الضغط على سوريا
وآخرها القرار 1559) لأن الولايات
المتحدة تريد بحسب تصوراتها أن تعيد
تشكيل الشرق الأوسط من دون أي قوة
اعتراضية على سياساتها أو على اسرائيل.
وتريد أن تستبعد ايران من اي صيغة
لأمن اقليمي جماعي في منطقة الخليج(تفضله
واشنطن ثنائيأ مع كل دولة، بما فيها
الدول الصغيرة على حساب الدول الكبيرة)
. وتريد أن تمنع أي دولة من دول الجوار
العراقي وخصوصأ سوريا وايران من التأثير
في ما يجري سواء على المستوى السياسي
أو على مستوى المواجهات مع القوات
الاميركية (وهذا معنى الاتهامات التي
تتكرر من حين الى آخر عن مسؤولية
سوريا وايران عن عدم الاستقرار في
العراق، على الرغم من المرونة القصوى
في التعامل مع هذا الملف من جانب
البلدين سواء لجهة الاعتراف بالحكومة
الموقته أو لجهة دعم العملية السياسية
والانتخابات التي ستجري في الشهر
القادم.ولكن من دون التخلي عن مبدأ
رفض الاحتلال والدعوة الى خروجه من
العراق...) . لذلك كان للضغوط وظيفة
إضافية لابعاد ايران عن الساحة العراقية
وإشغالها بمواجهة من نوع آخر مع المجتمع
الدولي ، تؤدي الى عزلتها.خصوصا"
وأن لايران تأثير قوي في داخل العراق
،ليس فقط من خلال علاقاتها التاريخية
مع الشيعة ومع المرجعية في النجف
الأشرف ، بل وكذلك من خلال علاقاتها
الراهنة ايضا" مع كل الاوساط العراقية
من دون استثناء تقريبا".
لقد نجحت القيادة الايرانية من خلال
مفاوضات شاقة وطويلة ومعقدة، وباعتراف
المفاوضين الاوروبيين أنفسهم وباعتراف
مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية
الذي تنصتت الولايات المتحدة على
الاتصالات بينه وبين ايران ، نجحت
ايران ومن خلال خيارات صعبة في تخطي
الازمة وفي تخطي الايقاع بها من خلال
الملف النووي ، في ظروف دولية واقليمية
ضاغطة وغير مؤآتية. وقد استطاعت ايران
أن تعزل التهديد الاميركي من خلال
الحوار مع الاوروبيين، ومن خلال حركة
ديبلوماسة قوية لتوضيح وجهة نظرها
خصوصا"لدول الجوار العربية ( التي
يشعر معظمها بتلك الضغوط الاميركية)
وأن تغلق باب نقل القضية الى مجلس
الامن من خلال فتح التفاوض حولها
في داخل الوكالة الدولية نفسها. وتمكنت
من ازالة الشكوك الدولية حول غموض
برنامجها النووي بطلب المساعدة في
تطوير ذلك البرنامج من الأوروبيين
من دون التخلي عن حقها في استمرار
تخصيب اليورانيوم اذا لم يف الاوروبيون
بالتعهدات التي قطعوها. والتي كانت
كما اشرنا فرصة اضافية الى ايران
لتوسيع سلة التفاوض معهم حول قضايا
سياسية واقتصادية وتجارية وغيرها...
ان الملف النووي الايراني الذي أثار
الاهتمام والمخاوف والضغوط والتهديدات
لا يمكن عزله عن طبيعة العلاقات الاميركية
الايرانية .وهي علاقات مقطوعة ومتوترة
منذ انتصار الثورة الى اليوم .وهو
جزء من الاهتمام الاميركي الدولي
بأمن اسرائيل وبطبيعة تطورالقدرات
العربية والاسلامية. وهو اليوم بالاضافة
الى كل ذلك جزء من المشروع الاميركي
للمنطقة وللعراق ولفلسطين وللبنان
.
وهذا يعني أن نجاح القيادة الايرانية
في تخطي الأزمة الحالية ، لا يعني
ان الأزمة قد انتهت. ولا يعني أن
ايران اصبحت موضع ثقة الولايات المتحدة
أو اوروبا أو ما يسمى المجتمع الدولي.
لقد هدأت هذه الأزمة ، ويمكن إعادة
التوتر اليها في أي وقت. طالما ان
أمن اسرائيل هو في جوهر المصالح الاستراتيجية
الاميركية في الشرق الاوسط. وطالما
أن الولايات المتحدة تبشر منذ الحادي
عشر من ايلول وبعد احتلال العراق
بالحرب المفتوحة وتريد أن تجعل سيف
التهديد مسلطا" على دول هده المنطقه
للتخلي طوعأ أو كرها" عن ادوارها
الاقليمية .
اما ما يمكن أن يقال في تطويق أي
تداعيات مستقبلية سلبية لاثارةهذا
الملف فهو في تعزيز العلاقات العربية
الايرانية خصوصا" مع دول الخليج التي
تسعى الولايات المتحدة لابقائها متوترة.
وفي الاهتمام العربي الجدي بمبادرة
"جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من
اسلحة الدمار الشامل". لأن مثل هذه
المبادرة (التي نعلم صعوبة تحققها
في ظل الوضعين العربي والدولي) هي
التب تقلل المخاوف بين دول المنطقة
وتحقق الأمن الاقليمي، وتبعد الى
اقصى قدر ممكن التدخل الخارجي .
ومهما كانت التمنيات أو القراءات
لمستقبل الملف النووي الايراني أو
لسواه من الملفات الساخنة أو العالقة.
فإن منطقة الشرق الأوسط ستبقى (مهما
تغيرت الادارات الاميركية) منطقة
التوتر والاطماع الدولية ، بسبب انتمائها
العربي الاسلامي، وبسبب ثروتها النفطية
، وبسبب وجود اسرائيل فيها...