أولاً-
أسلحة التدمير الشامل
يشمل مصطلح " أسلحة التدمير الشامل
" الأسلحة الكيميائية والأسلحة البيولوجية
والأسلحة النووية بمختلف أنواعها،
والأسلحة الجيوفيزيائية، وما يمكن
أن يستجد من أسلحة خاضعة للتقانة.
والأسلحة النووية التكتيكية تعني
استخدام القوات التقليدية والنووية
التكتيكية في المعركة خلال الحرب
النووية. ومنذ أن اخترعت الأسلحة
النووية في العام 1945، أخذ كثير
من المفكرين يحاولون تصور الشكل التكتيكي
لمعارك الغد. ويقدر السلاح النووي
بـ (كيلو طن أي ألف طن من المادة
" ت. ن. ت " شديدة الانفجار). فقنبلة
نووية من نوع " 20 ك. طن " تعادل
في تأثيرها قدرة 400 ألف قذيفة عادية
ترميها مدفعية ذات عيار متوسط. ولكي
نحصل على النتيجة ذاتها في المدة
الزمنية ذاتها أيضاً، علينا أن نطلق
نيران 3500 مدفع ميدان متوسط العيار،
في حين أن مدفعاً نووياً واحداً يستطيع
في القياس السابق قذف ست من القنابل
النووية في الساعة الواحدة، يضاف
إلى ذلك أن المساحة التي يستطيع السلاح
النووي والأسلحة النارية العادية
أن تغطيها بضربها تختلف في الحالتين،
فالقذيفة النووية، من نوع 20 ك.ط
تؤثر في دائرة قطرها نحو 3275 م أي
ما يعادل مساحة قدرها 32.65 كم2،
في حين أن مثل هذه الدائرة يتطلب
أن نلقي عليها ما بين 8 آلاف و10
آلاف قذيفة عادية، عدا عن أن القذائف
النووية تخلف وراءها آثار خراب كامل
شامل، وتجعل منطقة الهدف غير قابلة
للاستعمال أو الاستفادة منها مدة
طويلة.
وتتناقص القوة التخريبية كلما تزايد
البعد عن تلك المنطقة، وتستطيع قنبلة
نووية من نوع 20 ك.ط في حالة إلقائها
في المكان المناسب، أن تبيد نظرياً
لواءً كاملاً من حيث أنه وحدة قائمة
بذاتها، وأن تنزل به خسائر تعادل
60% من إمكاناته، فتخرجه بذلك من
المعركة، وتخفف التحصينات الميدانية
كثيراً من حدة التأثير النووي.
ويخشى من التكاثر النووي، أي من ازدياد
الدول النووية، وبالتالي عدم زيادة
الاستقرار النووي، كمثل ما هو جارٍ
في إسرائيل، وكذلك ما بين الهند والباكستان،
وليس من المستغرب، أن تقترح الإدارة
الأمريكية الحالية نسب كل من إسرائيل
والهند والباكستان، إلى الدول مالكة
الأسلحة النووية، من أجل أن يسوغ
اقتراحها هذا نسب إسرائيل إلى الدول
مالكة الأسلحة النووية.
وتعني الحرب النووية Nuclear Warfare
استخدام الأسلحة النووية استراتيجياً
أو تكتيكياً بصورة مستقلة أو بالتنسيق
مع الأسلحة التقليدية الأخرى، وتختلف
الأشكال التي تتخذها الأسلحة النووية،
فقد تكون مقذوفات ترميها مدافع، أو
ألغاماً تطمر في الأرض، أو قنابل
تلقيها طائرة، أو صواريخ موجهة، أو
أقماراً صناعية، أو طائرات بدون طيارين،
أو غير ذلك من الأجهزة الاستراتيجية
لإيصال الأسلحة النووية إلى أهدافها.
وكانت هذه الأسلحة نظرية في العام
1943، حيث نشطت بعض الدول في تطوير
وسائل استخراج المواد الأولية اللازمة
لصنعها، وما أن حل ربيع 1945 حتى
دخلت صناعة هذه الأسلحة مرحلة الإنتاج
الفعلي في الولايات المتحدة. وفي
6 آب 1945، ألقت قاذفة تابعة لسلاح
الجو الأمريكي قنبلة ذرية من نوع
20 ك.ط (20 ألف طن من مادة ت.ن.ت
شديدة الانفجار) على مدينة هيروشيما
اليابانية، فقتلت 66 ألفاً وجرحت
69 ألفاً من مجموع سكان المدينة البالغ
عددهم 343 ألفاً، وألحقت التدمير
بحوالي 67% من مباني المدينة. وفي
9 آب 1945، ألقت الولايات المتحدة
قنبلة ذرية ثانية فوق مدينة ناغازاكي
اليابانية، وتسببت في قتل 39 ألفاً
وجرح 25 ألفاً وتدمير أكثر من 40%.
وبعد خمسة أيام من قنبلة ناغازاكي
أعلنت اليابان استسلامها دون قيد
أو شرط، وبذلك انتهت الحرب العالمية
الثانية.
شهد العالم سباقاً على التسلح الذري
بين الدول، وقد تميزت المرحلة الأولى
1945-1955 باحتكار الولايات المتحدة
الأمريكية لحيازة السلاح الذري، ثم
تبعها الاتحاد السوفييتي (السابق)
وإنكلترا وفرنسا والصين ومن المنتظر
أن تنضم إسرائيل - إلا إذا اعترضت
- والهند والباكستان إلى هذه الدول
الخمس.
استفادت الاستراتيجية عموماً من آثار
السلاح النووي، فأحدثت انقلاباً هاماً
في مفهوم استخدام القوى للحرب أو
للحفاظ على السلم، وأدى ظهور الأسلحة
النووية واحتمال استخدامها في أية
حرب مقبلة إلى تطبيق الاستراتيجية
التي قد تتضمن ثلاث طرائق:
أ- التدمير الوقائي للأسلحة المعادية،
وهذه الطريقة هجومية إذ تعني الهجوم
على مراكز أسلحة العدو النووية وتدميرها.
ب- ملاقاة الأسلحة النووية واعتراضها
وتدميرها في طريقها إلى أهدافها.
وتدخل في هذه الطريقة الصواريخ المضادة
للصواريخ، وهذه الطريقة وسيلة دفاعية.
ج- الوقاية المادية ضد آثار الانفجارات
النووية. وهذه الطريقة وسيلة دفاعية
أيضاً.
إن الخطر الدائم بالتصعيد يردع بتحويل
النزاع المحدد إلى مغامرة خطيرة النتائج،
ويحدث التوازن النووي من خوف الخصمين
من ارتكاب حماقة قد تؤدي إلى الانتحار
المتبادل، وحينذاك يصبح وجود السلاح
النووي كعدمه، فالتوازن النووي يؤدي
حينذاك إلى العدم النووي، وكأن هذا
السلاح غير موجود، ولا يتطلب التوازن
النووي المساواة العددية في مجموع
القنابل النووية التي يملكها كل من
الفريقين المتحاربين. فمجرد وجود
الأسلحة النووية كافٍ لشل إرادة المعسكر
الآخر، إلا إذا قرر هذا تحمل الخسائر.
والحرب النووية " الأعلى من المحدودة
" هي الشكل المتوسط للحرب النووية،
فهي تتضمن استخداماً ممكناً ضيقاً
جداً لأسلحة نووية. وهذا النوع من
الحروب النووية ذو أغراض نفسية.
وكان من المحتمل أن ينتقل الحوار
النووي إلى منطقة الشرق الأوسط، بصفتها
مسرحاً لحروب محدودة بين دول المواجهة
العربية ودولة الكيان الصهيوني ومسرحاً
لمقاومة فلسطينية ضد هذا الكيان،
ولكن هذا الحوار نحا نحواً آخر في
أثناء حرب تشرين الأول 1973، بعد
أن لاحت في الأفق احتمال قيام أحد
طرفي الصراع، وهو الكيان الصهيوني
باستخدام السلاح النووي، وبخاصة بعد
أن أدلى رئيس دولة الكيان " أفرايم
كاتزير " يوم 2/12/1973 بتصريح حول
مقدرة الكيان الصهيوني على امتلاك
السلاح النووي، ورغم أن هذا التصريح
لم يفاجئ الجانب العربي، لأن احتمال
أن يكون العدو قد امتلك السلاح النووي
مسألة واردة منذ العام 1956 ولم يمنع
هذا الاحتمال الجانب العربي من المجابهة
أو الثورة. وليس من جديد في هذا التصريح
سوى أن الكيان الصهيوني مستعد لإنتاج
السلاح النووي في حين أن التصريحات
الرسمية السابقة كانت تشير إلى أن
المفاعلات النووية التي يملكها هذا
الكيان أنشئت لأغراض علمية وسلمية.
وثمة دلائل كثيرة على امتلاك العدو
السلاح النووي.
ولقد جاء تصريح " كاتزير " في ظروف
خاصة أهمها: انهيار معنويات العدو
داخلياً، وفقدان الثقة بتفوقه العسكري
بعد حرب 1973، ومن هنا يمكن أن يخدم
هذا التصريح غرضاً داخلياً يتعلق
بمعنويات المستوطنين والجيش، وبإشعارهم
بأن الدولة قوية قادرة على حمايتهم.
ثم أن العدو يريد امتلاك قدرة ردع
في مواجهة بعض الجيوش العربية والرأي
العام العربي، بعد أن فقدت أسلحة
العدو التقليدية هذه القوة. يضاف
إلى ذلك أن العدو كان يحتاج إلى تقوية
ترسانته التقليدية، والضغط على الإدارة
الأمريكية لتقديم الأسلحة المطلوبة.
وذلك عن طريق التهديد بإنتاج واستخدام
السلاح النووي.
وكانت أهم الخطوات الفعالة وأخطرها
التي خطاها الكيان الصهيوني على طريق
صنع وإنتاج السلاح النووي، هي إنشاء
الكيان الصهيوني مفاعل " ديمونة "،
وهو مفاعل بني بمعاونة فرنسا بموجب
اتفاقية سرية عقدت في العام 1957
نتيجة المغامرة العسكرية الفرنسية
ـ الإنكليزية ـ الإسرائيلية ضد مصر
في عدوان 1956، ووضع ذلك المفاعل
تحت تصرف وزارة الدفاع، ولا تزال
هذه الاتفاقية سرية حتى الآن. وقد
صرح شمعون بيريز يوم 28/10/1996 إن
فرنسا أعطت في نهاية الأمر الضوء
الأخضر لبناء مفاعل " ديمونة " على
هامش مؤتمر سيفر وقبل قليل من عملية
سيناء وحملة السويس. وإثر افتضاح
أمر مفاعل " ديمونة " في كانون الأول
1960 أثير الموضوع في الكنيست، واعترف
بن غوريون، رئيس الوزراء السابق يومذاك،
إن مفاعلاً طاقته 24 ميغا واط يجري
إنشاؤه في النقب بمعرفة فرنسا، وأنه
أقيم لأغراض سلمية فقط، وأنه سبق
لإسرائيل أن اقترحت على الدول العربية
نزعاً شاملاً للسلاح من المنطقة كلها،
مع ضمانات تفتيش متبادلة.
وقد حصلت إسرائيل على اليورانيوم
اللازم لتشغيل المفاعل من مصادر مختلفة،
كما أن هناك تقارير مؤكدة تفيد أن
فرنسا زودت إسرائيل بكميات غير محددة
من البلوتونيوم 239 الصالح للاستعمال
العسكري، وبإقامة مفاعل " ديمونة
" وبذلك أنجزت إسرائيل خطوتين أساسيتين
على طريق إنتاج الأسلحة النووية.
وتبقى الآن الخطوتان الثالثة والرابعة،
وبعد ذلك تبدأ تجربة السلاح النووي
التي أجرتها إسرائيل في باطن صحراء
النقب على عمق 800 م في العام 1966.
وعندما جرى تمديد معاهدة حظر انتشار
الأسلحة النووية أبدياً في 12/5/1995
جددت إسرائيل امتناعها عن التوقيع
على المعاهدة، وأيدت الولايات المتحدة
موقفها في الامتناع عن توقيع المعاهدة،
ولم تقدم إسرائيل على هذه الخطوة
لعدة أسباب:
1- إن الصراع العربي ـ الصهيوني يدور
في منطقة حساسة من العالم.
2- من المتوقع أن إعلان إسرائيل عن
امتلاكها أسلحة نووية قد يؤدي إلى
إيجاد ميزان رعب نووي في المنطقة،
مما يدفع الدول العربية أو بعضها
إلى الحصول على ذلك السلاح.
3- لدى الدول العربية إمكانية لامتصاص
ضربات نووية، وترى إسرائيل أن قابلية
الطرفين لاحتمال ضربات نووية ليست
متشابهة.
إن إدراك بعض هذه الظروف يضع قول
" أفرايم كاتزير " في موقع الابتزاز
العسكري والسياسي والنفسي، ويراد
به تحطيم الإرادة العربية واستعادة
العدو لما فقده في حرب 1973، يضاف
إلى ذلك أن مصداقية استخدام العدو
للسلاح النووي ستظل مسألة ضعيفة لما
يقوم في وجهها من سلبيات بالنسبة
إليه وإلى الولايات المتحدة الأمريكية
التي تدعمه، ذلك لأن استخدام السلاح
النووي لن يمنع حالة العداء، بل يزيد
في تأجيجها كما أن استخدام العدو
هذا السلاح يحتم على الجانب العربي
أن يحصل عليه بأي ثمن ومن أي جهة
كانت.
والحروب الكيميائية هي نوع من الحروب
التي تستخدم فيها الأسلحة الكيميائية
في الهجوم والدفاع، وهو سلاح تدمير
شامل ويتمثل بالعوامل الكيميائية
السامة (كغازات القتال) والمواد الكيميائية
الحارقة (كالنابالم والترومايت) إضافة
إلى الأسلحة التقليدية الأخرى، وتهدف
الحروب الكيميائية إلى:
1- التأثير على قوى العدو البشرية
بإعاقتها ومنعها من إنشاء المواقع
العسكرية للهجوم أو الدفاع، وعرقلة
تقدمها.
2- ضرب أهداف في عمق العدو، ويعني
هذا عمليات الهجوم والدفاع.
3- التأثير النفسي، وإضعاف الروح
المعنوية في صفوف العدو
ويختلف تأثير العوامل الكيميائية
الفيزيولوجية على الإنسان باختلاف
نوعها ودرجة تركيزها ومدة التعرض
لها وكيفية الإصابة بها. وليس استخدام
المواد الكيميائية على هذا النحو
بجديد، فقد حاول الإنسان منذ عصوره
الأولى استخدام هذه المواد في الحروب،
وقد شهد القرن العشرون منذ بدايته
إتقان استخدام الغازات القتالية السامة،
بالرغم من أن مؤتمرين عقدا في مدينة
" لاهاي " في العام 1899 والعام 1907،
قررا منع استخدام القنابل التي تنشر
الغازات الخانقة، فقد استخدمت في
الحرب العالمية الأولى، وكانت فرنسا
هي البادئة باستخدام قنابل الغاز
المسيّل للدموع (آب 1914) كوسيلة
لإعاقة زحف القوات الألمانية، وقد
بلغت ضحاياه في اليوم الأول خمسة
آلاف قتيل من جنود المستعمرات الفرنسية،
وتكرر استعمال غاز الكلور في معارك
أخرى، إلا أن استخدامه لم يحقق الأثر
نفسه نظراً إلى استخدام الأقنعة الواقية،
وفي 19/12/1915 استعمل الألمان غاز
الفوسجين، ثم استعملوا في 12/7/1917
غاز الخردل وتبلغ حصيلة إصابات الحرب
العالمية الأولى 800 ألف إصابة، وهناك
إحصائية ترفع هذه الخسائر إلى مليون.
بعد الحرب العالمية الأولى قامت عصبة
الأمم ببحث استخدام العوامل الكيميائية
في الحروب، واتخذت قرارات بتحريمها،
وبالرغم من اتفاقية (جنيف 1925) ومؤتمر
نزع السلاح (1932-1934) استخدمت القوى
الكبرى الغازات في قتالها، وبخاصة
لدى استعمارها بلداناً أخرى، ولم
تشهد الحرب العالمية الثانية استعمال
الأسلحة الكيميائية. ولو أنها استعملت
في تلك الحرب، لكانت النتائج رهيبة
فاقت أثر غازات الحرب العالمية الأولى،
ولم تستخدم العوامل الكيميائية في
الحروب المناطقية، سوى إسرائيل التي
استخدمت النابالم الحارقة ضد أهداف
عسكرية ومدنية عربية.
وقد كتب " يوثانت " الأمين العام
الأسبق للأمم المتحدة مقدمة كتاب
" الأسلحة الكيميائية والجرثومية
" الذي أصدرته الأمم المتحدة في العام
1969، ما يلي: " كل الدول تقريباً
ـ بما فيها الدول النامية والبلدان
الصغيرة، بإمكانها الحصول على الأسلحة
الكيمائية والبيولوجية، نظراً إلى
سهولة تحضير بعضها بمصاريف زهيدة
وسرعة فائقة في مختبرات أو معامل
بسيطة، وهذه الحقيقة تجعل مسألة السيطرة
على هذه الأسلحة ومراقبتها شديدة
الصعوبة ". لذلك استخدمت القوات الأمريكية
الأسلحة الكيميائية في حربها العدوانية
ضد الشعب الفيتنامي بغية القيام بعمليات
إبادة جماعية، وضد الثوار الفيتناميين
بغية إخراجهم من مخابئهم وتسهيل أسرهم.
والأسلحة الكيميائية على أنواع، فمنها
السامة أو غازات القتال، ومنها المواد
المبيدة للنبات، والقنابل الحارقة
مثل قنابل النابالم والفوسفور والترمايت،
وتصل هذه الأسلحة إلى الطرف الأخر
بواسطة الأسلحة المختلفة كالمدفعية
والهاونات، والطيران, والقنابل اليدوية،
وقاذفات اللهب وتتنوع تدابير الوقاية
من هذه الأسلحة الكيميائية، فهي قد
تكون فردية، أو جماعية أو طبيعية.
والحرب البيولوجية Biological Warfare
أو الإحيائية، تعني في المفهوم العسكري
الحالي، بأنها الاستخدام العسكري
للكائنات الحية أو سمومها لقتل الإنسان
أو إنزال الخسائر به، بغية إضعاف
قدرته على شن الحرب، ويطلق البعض
على هذا النوع من الحروب مصطلح "
الحرب البكتيرية " أو " الحرب الجرثومية
" إلا أن لفظة " البيولوجية " هي
المفضلة بسبب شمولها البكتريا وغيرها
من أنواع الكائنات الدقيقة، وهذا
النوع من الحروب التي شنتها الطبيعة
ضد الإنسان منذ القديم، وغالباً ما
حسم مرض أو وباء نتيجة الكثير من
المنازعات والحروب.
ومن الطبيعة تعلّم الإنسان كيفية
استخدام الكائنات الحية أو سمومها.
لقد أصبح تسميم مياه الشرب والنبيذ
والمأكولات أمراً شائعاً في الحروب.
ولقد نشرت أمثلة وتفصيلات كثيرة عن
تقدم العوامل والأسلحة البيولوجية
وبخاصة بعد الحرب العالمية الأولى،
ومع ذلك بقيت الأسلحة البيولوجية
وراء ستار كثيف من السرية والكتمان،
وليست هناك تقارير أو معلومات عن
استخدام الأطراف المتحاربة الأسلحة
البيولوجية في الحرب العالمية الثانية،
وهناك تقرير أعدته لجنة دولية إثر
الحرب الكورية اتهمت فيه الولايات
المتحدة الأمريكية باستخدام أشياء
ملوثة بجراثيم الكوليرا والجمرة الخبيثة
والبراغيث المصابة بجراثيم الطاعون.
ويتضح مما سبق أن الحرب البيولوجية
لم تستخدم في الحروب الحديثة استخداماً
حقيقياً فعالاً، لذلك تتعذر معرفة
مدى فعاليتها كسلاح من أسلحة الحرب
بشكل دقيق، وهذا يعني أن القدرة على
تقويم استخداماتها التكتيكية والاستراتيجية
ضئيلة. ولكن لا ينبغي أن يقود هذا
الواقع إلى التقليل من خطر الحرب
البيولوجية.
ورغم أن علم البيولوجيا (الأحياء)
يتناول جميع الكائنات الحية، فإن
البيولوجيا العسكرية تتعلق فقط بتلك
الأحياء التي تؤذي الإنسان أو الحيوان
أو النبات.
وقعت معظم الدول الكبرى على بروتوكول
جنيف في حزيران 1925 بمنع استخدام
الغازات السامة والخانقة وغيرها،
وقد منع هذا البروتوكول اللجوء إلى
استخدام الوسائل البكتيريولوجية في
الحروب وقد وقعت 131 دولة على هذه
الاتفاقية ما عدا الولايات المتحدة
الأمريكية. وفي كانون الأول من العام
1966 اتخذت الجمعية العامة للأمم
المتحدة قراراً يقضي بضرورة الالتزام
ببروتوكول جنيف المذكور، بمعارضة
الولايات المتحدة.
وتختلف السياسات المعلنة وغير المعلنة
للدول بشأن الحرب البيولوجية، فقد
أعلنت الولايات المتحدة في العام
1960 بأنها لن تكون البادئة بشن حرب
بيولوجية أو كيميائية، وقدمت مذكرة
بهذا الشأن إلى الكونغرس للموافقة
على هذه السياسة، سوى أنها جوبهت
بمعارضة من وزارتي الدفاع والخارجية،
وفي 25/11/1969 أعلن الرئيس نيكسون
استنكار الولايات المتحدة لاستعمال
الأسلحة البيولوجية، وأمر بتدمير
كل ما ادخرته الولايات المتحدة منها،
وفي آب 1969 أثارت إنكلترا في مؤتمر
دولي بجنيف مسألة التقيد بأحكام بروتوكول
جنيف للعام 1925 وأعربت عن رغبتها
فيما بعد بتقديم مسودة معاهدة دولية
لحظر إنتاج واستخدام الأسلحة البيولوجية.
وفي آب 1969 اجتمع في جنيف ممثلو
12 دولة من دول عدم الانحياز، وطالبوا
بضرورة صدور قرار من الأمم المتحدة
يمنع استعمال الأسلحة البيولوجية
والكيميائية في المنازعات الدولية،
ويسود العالم في الوقت الراهن شعور
بالقلق وعدم الثقة، وبخاصة في منطقة
الشرق الأوسط، فقد سبق للكيان الصهيوني
أن هدد في 13/7/1969 باستعمال الأدوات
الحربية المتخصصة بحروب الغد، ومنها
أسلحة التدمير الشامل وبخاصة الأسلحة
البيولوجية، ومن المعروف أن الكيان
الصهيوني هو في الطليعة التي تقوم
بأبحاث سرية هادفة إلى إنتاج واستخدام
أسلحة بيولوجية، وهناك تعاون وثيق
بين الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة
وبين الإدارات الأمريكية المتتالية،
إضافة إلى أن الكيان الصهيوني لا
يزال حتى الآن غير منضم إلى معاهدة
جنيف 1925.
وأسلحة التدمير الشامل محرمة دولياً،
والأسلحة المحرمة دولياً هي نوع من
الأسلحة والذخائر التي تحرمها القوانين
والأعراف الدولية لاعتبارات إنسانية،
ويعود اهتمام القانون الدولي بتحريم
استعمال بعض أنواع الأسلحة والذخائر
إلى النصف الثاني من القرن التاسع
عشر، وقد ازداد هذا الاهتمام في القرن
العشرين تحت تأثير عدة عوامل منها:
1- ضخامة الخسائر البشرية، والمآسي
التي شهدتها البشرية في الحربين العالميتين
الأولى والثانية.
2- تنامي الحركات والتيارات الفكرية
والإنسانية المضادة للعنف والمعادية
لحسم النزاعات الدولية عن طريق الحرب.
3- تسارع تطور الأسلحة.
ولهذا جرى تحريم عدد من الأسلحة والذخائر
في بداية ظهورها، ثم سقط هذا التحريم
بعد فترة لأسباب متباينة، وكمثال
على ذلك استخدام قنابل متفجرة أو
حارقة بالرغم من إعلان " سان بطرسبورغ
" الذي حرم استخدامها.
وتشمل التحريمات النافذة حالياً الأسلحة
والذخائر التالية:
1- الرصاص دمدم.
2- الأسلحة البيولوجية، وفي 10/4/1972
وقعت 14 دولة على اتفاقية تقضي بتحريم
صنع وتخزين واستعمال الأسلحة البيولوجية.
3- الأسلحة الكيميائية: جاء تحريم
هذه الأسلحة في بروتوكول جنيف 17/6/1925
الذي وقعت عليه 131 دولة من دول منظمة
الأمم المتحدة.
4- الأسلحة الجيوفيزيائية: وقد تم
تحريم هذه الأسلحة قبل التوصل إلى
صنعها وتطويرها وذلك في معاهدة "
الحد من استخدام البيئة لأغراض عسكرية
أو لأي أغراض عدوانية "، وقد وقعت
هذه المعاهدة في مقر الأمم المتحدة
في جنيف في 18/5/1977.
والأسلحة الجيوفيزيائية Geophysical
Weapons هي القوى الناجمة عن تعديل
البيئة واستثارة القوى الكامنة في
الطبيعة وتطويعها والسيطرة عليها
واستخدامها في تدمير بلاد الخصم،
إذ لم يتوصل العلماء حتى الآن، إلى
فهم أسرار الطبيعة وتوظيفها لأغراض
عسكرية، كالمطر، والفيضانات والزلازل،
والأرصاد الجوية، والمياه وقد ظهرت
مخاطر هذه الأسلحة قبل صنعها واستخدامها،
فقد بينت دراسات الاحتمالات أنها
ستكون أسلحة فتاكة. وفي آب 1975 قدمت
كندا إلى مؤتمر جنيف لنزع السلاح
تقريراً حول " تقانات استخدام البيئة
لأغراض عسكرية أو لأي أغراض عدوانية
". فأقرت معاهدة 18/5/1977، وهذه
هي المرة الأولى في تاريخ البشرية
التي يتم فيها الاتفاق على عدم تطوير
أسلحة فتاكة قبل استخدامها وتجربتها،
بل قبل امتلاك التقانات التي تسمح
بتطوير تلك الأسلحة.
ثانياً ـ في إسرائيل
ذكر كتاب "الميزان العسكري 2004 -
2005" الذي يصدره سنوياً المعهد الدولي
للدراسات الاستراتيجية في شهر تشرين
الأول 2004 أن لدى إسرائيل ما يزيد
على 200 رأس نووي، وأن لديها طائرات
وصاروخ أريحا ـ 1 (ومداه يفوق 500
كم)، وصاروخ أريحا ـ 2 (ومداه يراوح
بين 1500 ـ 2000 كم)، في حين أن جريدة
السفير البيروئية نشرت في عددها الصادر
يوم 2/7/2002 أن لدى إسرائيل أكثر
من أربعمائة قنبلة نووية، بينها قنابل
هيدروجينية، وذلك وفق نشرة عسكرية
أمريكية صادرة عن "مركز مكافحة انتشار
الأسلحة النووية" التابع لسلاح الجو
الأمريكي، وهذه هي المرة الأولى التي
تعلن فيها مؤسسة عسكرية أمريكية عن
امتلاك إسرائيل قنابل نووية، وبحسب
النشرة فإن حجم الترسانة النووية
الإسرائيلية يبلغ ضعف حجم التقديرات
الاستخبارية الشائعة، وهي تتحدث عن
أكثر من 200 قنبلة نووية إسرائيلية.
وقد نشر المركز هذا التقرير في موقعه
على شبكة الإنترنت، وهو قد أعد في
أيلول 1999، ويعتبر جزءاً من أنشطة
المركز الذي يُعد الدراسات لصناع
القرار ذوي الصلة بالأمن القومي الأمريكي
ولقادة سلاح الجو الأمريكي لمساعدتهم
في مواجهة تسلح الآخرين بأسلحة التدمير
الشامل، ويتحدث التقرير عن أنه كان
لدى إسرائيل 15 قنبلة نووية في العام
1967، في حين أنها امتلكت حوالي 200
قنبلة في العام 1980، وأكثر من 400
قنبلة نووية في العام 1999، غير أن
أهمية التقرير تكمن في توصيف نوعية
هذه القنابل.
وحسب التقرير، كان لدى إسرائيل في
العام 1969 خمس إلى ست قنابل تبلغ
كل واحدة منها 19 ك.ط. وفي العام
1973 امتلكت إسرائيل 20 صاروخاً نووياً
وطورت القنبلة. وفي العام 1974 أقامت
إسرائيل 3 وحدات مدفعية نووية كل
منها بـ 10 فوهات من عيار 175 ملم
و230 ملم، وأوضح التقرير أنه في العام
1984 امتلكت إسرائيل 31 قنبلة بلوتونيوم،
وأنتجت 10 قنابل يورانيوم أخرى.
وفي العام 1986 كان لدى إسرائيل ما
بين 100 و200 قنبلة منشطرة وعدد من
القنابل المنصهرة، وفي العام 1994
صنعت إسرائيل ما بين 64 ـ 112 قنبلة
برأس حربي صغير، وكان لديها خمسون
صاروخاً نووياً من طراز أريحا.
وفي العام 1995 أنجزت إسرائيل كل
ما تبغيه من مشروعها النووي إذ أنجزت
قنابل نيوترونية وألغاماً نووية وقنابل
أتمت بها ترساناتها النووية، وصواريخ
تطلق من الغواصات.
وأشار التقرير إلى امتلاك إسرائيل:
50 ـ 100 صاروخ أريحا ـ 1، و30 ـ
50 صاروخ أريحا ـ 2.
وامتلاك إسرائيل للقنابل الهيدروجينية
يتضمن بعداً نوعياً، إذ أن كل قنبلة
هيدروجينية تزيد مئة إلى ألف مرة
عن القنبلة النووية العادية، وتعتبر
القنبلة الهيدروجينية قنبلة معقدة
الصنع وباهظة التكلفة.
وتملك مثل هذه القنبلة كل من الولايات
المتحدة وروسيا وإنكلترا وفرنسا والصين،
ويعتبر التقرير أن أخطر ما في الموضوع
النووي الإسرائيلي هو أن إسرائيل
طورت قنابل نيوترونية تكتيكية قادرة
على تدمير القوات المعادية، بأقل
قدر ممكن من الخسائر والأضرار في
الممتلكات.
وأشار التقرير أيضاً إلى وصول 3 غواصات
"دولفين" من ألمانيا، ما يسمح لإسرائيل
بتوجيه ما يسمى "الضربة النووية الثانية"،
وجاء في التقرير أن الطبيعة السرية
للمشروع النووي الإسرائيلي تخفي المشكلات
المتزايدة للمفاعل النووي العجوز
في ديمونة، وقد اتضحت هذه المشكلات
بعد الدعاوى التي قدمها العاملون
في المفاعل لأسباب صحية. وربط هذا
التقرير بين تلك الدعاوى وبين استمرار
المفاعل على إنتاج مادة التريتينيوم
لتعزيز قوة الرؤوس الحربية، وقال
التقرير أن إسرائيل تحاول الحصول
على مادة التريتينيوم من الهند. وتنوي
الولايات المتحدة أن لا يبقى الموضوع
النووي الإسرائيلي مثاراً، إذ ليس
لدى الولايات المتحدة ما يعني استمرار
تدفق الأسلحة الأمريكية التقليدية
إليها. وتشير النشرة إلى أن الولايات
المتحدة لم توافق ولم تشجع على مواصلة
مشروعها النووي، ولكنها لم تفعل شيئاً
لإيقافه.
وقد شكل إطلاق سراح مردخاي فعنونو
يوم 21/4/2004 تذكيراً للعالم بأن
إنشاء هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية
تم في العام 1952 ولما يمض على إنشاء
إسرائيل أربع سنوات، وقد شكل ذلك
مؤشراً مبكراً على المرتبة الأولى
التي أعطتها إسرائيل للعلم والتقانة،
وهما يشكلان حالياً أساس قوتها الحالية
وحين ذاك وضع بن غورين سلطته وراء
هدفه النووي، وبخاصة في الفترة من
1952 ـ 1958، ففي تلك الفترة قدمت
فرنسا إلى إسرائيل ما تحتاجه من مساعدة
حيوية لبناء منشأة " ديمونة " النووية
في صحراء النقب كما قدمت فرنسا إلى
إسرائيل التقانة اللازمة لمعالجة
البلوتونيوم لأغراض عسكرية وقد تولى
شمعون بيريز الذي كان المدير العام
لوزارة الدفاع الإسرائيلية معالجة
العلاقة الحساسة مع فرنسا، وقد رأت
فرنسا آنذاك غلب العرب في إثر تأميم
قناة السويس. وفي عشية حرب 1967 كانت
لدى إسرائيل مقدرة نووية كاملة، وقد
احتفظت إسرائيل منذ البداية بسياسة
الغموض والسرية المطلقة حول برنامجها
النووي. ولا تزال حتى الآن متمسكة
بهذه السياسة.
وقد عرف الفرنسيون بطبيعة الحال ما
كان يجري، أما الأمريكيون فقد خامرتهم
الشكوك، أما القوى النووية الكبرى
فقد كانت لديها معلومات متدرجة عن
الخطوط العامة للبرنامج النووي الإسرائيلي،
ويتجسد إنجاز فعنونو أنه أخبر العالم
كله عن القنبلة النووية الإسرائيلية
وذلك بتسريب تفصيلات وصور من داخل
منشأة ديمونة إلى صحيفة "صان داي
تايمز" البريطانية في العام 1986،
وقد أعقب ذلك إنزال إسرائيل العقاب
الشديد بفعنونو، إذ سلطت عليه امرأة
استدرجته في روما وحكمت عليه بـ 18
سنة قضى منها 11 سنة في زنزانة انفرادية.
وإذا كان فعنونو ساعياً إلى إنشاء
منطقة في الشرق الأوسط خالية من أسلحة
الدمار الشامل، مع العلم أنه لم يعبر
عن ذلك في تصريحاته قط كهدف، فإن
الجمعية العامة عرفت المناطق الخالية
من أسلحة التدمير الشامل منذ العام
1978 وبالرغم من أن تعريفها كان فضفاضاً.
وقد سبقت منطقة الشرق الأوسط منطقة
أمريكا اللاتينية (معاهدة تلايتلوكو)،
ومنطقة جنوبي المحيط الهادئ (معاهدة
رارو تونغا) ومنطقة أفريقيا (معاهدة
بليندايا).
لقد أصبح الواقع النووي في منطقة
الشرق الأوسط معقداً، فإيران تشكل
قلقاً "مستمراًَ"لواشنطن، بالرغم
من أهدافها السلمية المعلنة المكررة،
والعراق وما يصيبه من احتلال أمريكي
يشكل هدفاً للمصالح الأمريكية، وكذلك
سورية ولبنان وفلسطين التي تحتلها
القوات الإسرائيلية، أما باكستان
والهند فهما لم تخفيا قط سباقهما
النووي منذ العام 1994.
حيال كل ذلك، تخرق إسرائيل القرارات
الدولية بامتلاكها السلاح النووي،
ولا تزال الإدارة الأمريكية الحالية
تدعم إسرائيل بالأسلحة الهجومية المتطورة،
يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة
نفسها لم تصدق على معاهدة الحظر الشامل
للتجارب النووية بحجة أن مضمونها
يشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي،
ما أضعف عالمية معاهدة منع انتشار
التجارب النووية. فعلى الرغم من القبول
العام لدول المنطقة بإنشاء منطقة
خالية من أسلحة التدمير الشامل، فإن
اختلال التوازن في القدرات العسكرية
واختلاف الرؤية والترتيب للأولويات
بين الدول المعنية يؤديان إلى عرقلة
إنشاء المنطقة الخالية.
لقد أدرجت الجمعية العامة للأمم المتحدة
في العام 1974 اقتراحاً إيرانياً
بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من
أسلحة التدمير الشامل، وبخاصة السلاح
النووي. ومنذ العام 1974 ظلت الجمعية
العامة تعتبر هذا الموضوع بنداً رئيسياً
على جدول أعمالها، سوى أن إسرائيل
في العام 1980 تخلت عن تأييد ذلك
القرار بالتوافق.
وبذلك تتضح استراتيجية الكيان الصهيوني
للمرحلة القادمة، وهذه الاستراتيجية
تقوم على استمرار حالة " اللا سلم
واللا حرب ". وأهم مكونات هذه الاستراتيجية:
1- استمرار احتلال الأراضي العربية
التي احتلت في عدوان 1967، ومنها
الضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الجولان
ومزارع شبعا اللبنانية ومواصلة إجراءات
الضم الزاحف لهذه الأراضي، مخططات
تصفية القضية الفلسطينية.
2- محاولة العمل بكل الوسائل على
كبح عملية التغيير في المنطقة.
3- الحفاظ على التوازن العسكري المبني
على التفوق النوعي لمصلحة الكيان
الصهيوني.
4- محاولة حمل شعوب الدول العربية
على التسليم بالواقع الراهن، وردعهم
عن السعي لتغييره عن طريق الحرب وإجبارهم
على التسليم بمعالجة شؤون الصراع
العربي ـ الصهيوني عن طريق التفاوض
المباشر ومن خلال التفرد الأمريكي
بمعالجة هذا الصراع والوساطة لحله.
وعلى ضوء أخطر التهديدات الاستراتيجية
للأمن القومي العربي عبر العقدين
الماضيين من القرنين العشرين والحادي
والعشرين يبرز لنا دور القوة النووية
الإسرائيلية من خلال تصميمها على
الفعل القتالي، كما كانت الحال في
حرب 1973، وكأن القوة النووية الإسرائيلية
مارد من نار مستعد لحرق كل شيء من
أجل خدمة المجتمع الصهيوني وبقائه
ونموه على حساب الوجود العربي الإسلامي
في المنطقة، وذلك يتأتى من خلال انفراد
إسرائيل باحتكارها القدرة النووية
والمتمثلة بامتلاكها المتنوع من الأسلحة
النووية ووسائل إطلاقها، الأمر الذي
سيشكل تهديداً مستمراً وحقيقياً لدول
المواجهة وستبقى إسرائيل محتفظة بالقدرة
النووية العسكرية طالما أن دول المواجهة
العربية لم تستطع وقف الاحتكار الإسرائيلي
وسياسة المنع التي بدأت بتطبيقها
منذ العام 1981.
وتزداد خطورة القدرة النووية الإسرائيلية
سياسياً من خلال التوسع في الاستيطان
وفي استيعاب الهجرات اليهودية وفي
اقترابها من التقانات الأمريكية الحديثة.
ويتبنى الكيان الصهيوني سياسته هذه
في عمليات الردع النووي في العشر
الأول من القرن الحادي والعشرين،
وهي سياسة مخطط لها مسبقاً ضمن برنامج
السياسة العامة لها.
يمكن لنا أن نرصد التطورات التالية
في مجال التسليح وتقانة الدفاع في
الكيان الصهيوني:
استمرار برنامج الصاروخ الاعتراضي
حيتس (أرو) الذي دخل الخدمة في الجيش
الإسرائيلي منذ العام 1996، بغية
تحسين اعتراضه.
حل مشكلة الاتصالات الالكترونية
وبرامج الحاسب وفق تجربة حرب الخليج
ووفق تجربة القضاء على انتفاضة الشعب
الفلسطيني الثانية.
إنتاج طائرات موجهة بدون طيار
لأغراض عدة.
استمرار برنامج إنتاج رؤوس
نيوترونية من عيار 2 ك. ط للصواريخ
التكتيكية من طراز لانس.
إجراء بحوث لصنع قنبلة نووية
صغيرة ذات عيار أقل من 1 ك. ط، والتي
تشل أجهزة الرادار اللاسلكي في الساعة
الأولى من الانفجار.
الاستعداد لإطلاق القمر الصناعي
أرفيك - 4 لاستطلاع وتصوير الأهداف
المعادية.
تنوع مجالات التعاون في تقانات
الدفاع، والأسلحة والمعدات الحربية
مع الدول الصديقة.
لقد زار المدير العام للوكالة الدولية
للطاقة الذرية إسرائيل في أحد أسابيع
شهر تموز 2004، وهناك حذر من أن العالم
قد يكون متجهاً نحو التدمير ما لم
يتمكن المجتمع الدولي من وقف انتشار
تقانة الأسلحة النووية التي أصبح
الحصول عليها ممكناً على إطار واسع،
فقد أشار المدير العام إلى أن التقانة
النووية التي كان يستحيل في وقت من
الأوقات الحصول عليها أصبحت متيسرة
من خلال شبكة معقدة تنتشر في أنحاء
العالم لتزويد الراغبين في امتلاكها
بنظم إنتاج مواد تستخدم في صنع الأسلحة
النووية. ولهذا طالب المدير العام
بمراجعة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة
النووية حتى تتوافق مع متطلبات القرن
الحادي والعشرين، إضافة إلى عدم السماح
الانسحاب من المعاهدة التي ستراجع
في العام 2005.
وكشفت وثيقة بريطانية صدرت في العام
1968 تاريخها 16/12/1968 أن إسرائيل
خططت لقصف العراق وسورية بالقنابل
النووية، وكانت إسرائيل يومذاك أي
في العام 1968 قادرة على قصف سبعة
أهداف استراتيجية عربية بالقنابل
النووية وهي القاهرة، وسد أسوان،
والإسكندرية وبغداد، ودمشق، وبيروت،
وعمان.
ونشرت جريدة الحياة في 6/2/2004 مقالة
للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة
الذرية مع جوزيف روبتلات، وهو عالم
بريطاني فيزيائي نووي حاصل على جائرة
نوبل للسلام 1995 اعترفا في مقالهما
أن الغاية من وجود شرق أوسط خال من
الأسلحة النووية لا يزال حتى اليوم
أمراً بعيداً عن التحقيق لأن إسرائيل
ترفض مناقشة مسألة ترسانتها النووية
والانضمام إلى معاهدة منع انتشار
الأسلحة النووية (N.P.T) ويؤدي ذلك
الرفض إلى خلق إحساس عام بانعدام
الأمن، الأمر الذي يشجع بدوره الدول
العربية على تسليح نفسها بأسلحة مماثلة
سواء أكانت أسلحة نووية أم بيولوجية
أم كيميائية، ويستنتج الكاتبان أن
من غير الممكن أن يكون هناك سلام
حقيقي في الشرق الأوسط في غياب منهج
شامل لتحقيق الأمن، بما في ذلك فرض
حظر شامل على كل أسلحة التدمير الشامل.
وفي إشارة واضحة إلى " إسرائيل "
يعلن الكاتبان أن أية محاولة لتحقيق
الأمن لبلد ما على حساب أمن البلدان
الأخرى ستكون محكومة بالإخفاق، ولهذا
استدعت وزارة الخارجية الأمريكية
السفير الإسرائيلي في العام 1960،
وأبلغته أن البناء الضخم الذي يجري
بناؤه في " ديمونة " ليس مصنعاً للنسيج،
كما تدعي إسرائيل، بل هو مفاعل ذري
قد يلد القوة النووية الخامسة. وهكذا
ظلت إسرائيل تضلل المجتمع الدولي
على مدى أكثر من أربعة عقود، لقد
كانت إسرائيل تعمل في اتجاهين، أولهما:
العمل بسرعة تامة مطلقة لصنع وتطوير
سلاحها النووي بالاتفاق مع بعض الدول
وبعض شركات السوق السوداء، وثانيهما
تجنيد كل طاقات الكيان الصهيوني لحماية
العلماء والبعثات الإسرائيلية في
مقابل شلّ الطاقة العربية.
ولدى الكيان الصهيوني وسائل لإيصال
القنبلة النووية منها صواريخ أريحا
-1، وأريحا -2، ودليلة -1، والطائرة
الأمريكية إف -16 والطائرة الأمريكية
إف -15، والمدفعية ذات الفوهات المتعددة.
ويتذرع الكيان الصهيوني بأنه يتحجج
بضرورة توقيع الدول العربية على معاهدات
سلام مع ذلك الكيان، وأن الوكالة
الدولية للطاقة الذرية والجمعية العامة
للأمم المتحدة ومجلس الأمن تبنت منذ
العام 1987، ثلاثة عشر قراراً يدعو
إلى توقيع الكيان الصهيوني على معاهدة
منع انتشار السلاح النووي (N.P.T)
وما درت الوكالة الدولية بما حدث
في أيلول 1969 حينما اتفقت رئيسة
وزراء إسرائيل غولدا مائير مع الرئيس
الأمريكي ريتشارد نيكسون على كف الإدارة
الأمريكية، عن الضغط على إسرائيل
كي توقع على معاهدة (N.P.T). ومنذ
أن صنع الكيان الصهيوني السلاح النووي
وهو لا يزال محافظاً على سياسة الغموض
ومحمياً من قبل الإدارة الأمريكية
الحالية.
ويملك الكيان الصهيوني القدرة على
التصرف بتقانات الولايات المتحدة،
فقد أعلنت الإدارة الأمريكية في 21/9/2004
عزمها على بيع تل أبيب 500 قنبلة
ذكية، تطلق من الجو وتستطيع اختراق
المنشآت النووية السرية، وهي من زنة
طن واحد وبذلك تمنح الإدارة الأمريكية
الكيان الصهيوني أسلحة أكثر تطوراً.
ويسعى الكيان الصهيوني إلى أن يمتلك
كل ما هو حديث ومتطور على مستوى العالم,
وذلك لضمان تفوقه النوعي على دول
منطقة الشرق الأوسط مجتمعة، وبخاصة
في المجال العسكري، ومن هنا تأتي
حملتها الإعلامية على إيران باعتبارها
من دول المنطقة، ولذلك يمتلك الكيان
الصهيوني برنامجاً فضائياً ضخماً
تستغله في عمليات تجسس لمصلحتها ومصلحة
الإدارة الأمريكية. وفي العام 1983
تأسست " وكالة الفضاء الإسرائيلية
/سالا " وتشكل مجلس إدارتها من 24
عضواً من كبار العلماء والمهندسين،
كلفت بوضع برنامج فضائي وبالإشراف
على تنفيذه, ووقعت الوكالة اتفاقية
مع الولايات المتحدة الأمريكية للاشتراك
في مبادرة الدفاع الاستراتيجي.
وأطلقت الوكالة أقمار أفق -1، أفق
-2، أفق - 3، أفق - 4، أفق -5، وتكسات
وعاموس. وفي العام 1993 تعاقدت وزارة
الدفاع بعقد قيمته 100 مليون دولار
مع شركة فرنسية لإنتاج صاروخ أرض
- أرض (طراز أم ـ دي ـ 62) وهو أساس
الصاروخ أريحا -1. وتعمل وزارة الدفاع
الآن على إنتاج معدات توفر لها المعلومات
والقيادة والسيطرة. ومن هنا تبين
أن الكيان الصهيوني يمتلك أضخم برنامج
فضائي في المنطقة للسيطرة عليها ولضمان
أمنه وتفوقه حتى لا تتقدم أي دولة
بما يهدد أمنه وتفوقه. وإذا كان الكيان
الصهيوني حريصاً على فرض سياسة الغموض
على سلاحه النووي، فإن التقارير العالمية
تؤكد امتلاكه كميات من البلوتونيوم
تمكنه من صنع عشرات الرؤوس النووية،
إضافة إلى امتلاك الكيان الصهيوني
3 غواصات نووية وصواريخ كروز ما يجعل
الكيان الصهيوني سابقاً على كل من
الهند والباكستان، إضافة إلى امتلاك
الكيان الصهيوني الطائرات الأمريكية
إف 15، وإف 16، ما دعا أريئيل شارون
إلى أن يصرح بأن ما يتداول من أن
عدد الرؤوس النووية التي تملكها إسرائيل
يبلغ 200 رأساً نووياً، إنما هو مجرد
تخمينات صحفية.
وترى الإدارة الأمريكية أن السلاح
النووي يمثل " درعاً واقية لإسرائيل
"، وهذا الادعاء يشكل جزءاً من الرأي
العام الدولي للضغط على الكيان الصهيوني
للانضمام إلى معاهدة حظر انتشار السلاح
النووي منذ العام 1987. ورفعته 13
قراراً للوكالة الدولية للطاقة الذرية
بدعوته إلى التوقيع. ومن الجدير بالذكر
أن الوكالة الدولية عاجزة عن فرض
قراراتها على الكيان الصهيوني. يضاف
إلى ذلك أن الكيان الصهيوني يستغل
الفيتو الأمريكي لكي يحمي نفسه من
تنفيذ أي قرار صادر عن مجلس الأمن،
ويبقى حل هذه " المعضلة " منوطاً
بعاملين هما:
1- المؤتمر السادس لمعاهدة الانتشار
النووي الذي يعقد في العام 2005.
2- أن تقف الإدارة الأمريكية موقفاً
عادلاً وحازماً من أن تكيل بمكيالين،
وهذا موقف صعب على الإدارة الأمريكية
الحالية، إن لم يكن مستحيلاً. فهي
قد فرضت على نفسها حماية الكيان الصهيوني
من أي قرار يصدر في غير مصلحته من
مجلس الأمن، ولكن لمصلحة الأمن والسلام
الدوليين، وهما من منسيات ومهملات
الإدارة الأمريكية الحالية.
وكان مجلس الأمن في 28/4/2004 تبنى
بالإجماع مشروع قرار أمريكي يرمي
إلى الحيلولة دون حصول الإرهابيين
على أسلحة نووية أو كيميائية أو بيولوجية.
ثالثاً ـ المشروع السوري
قدمت سورية، إلى مجلس الأمن، حينما
كانت عضواً في ذلك المجلس، مشروع
قرار، لا يزال حتى الآن قيد الدراسة
في مجلس الأمن، جاء في فقراته التنفيذية:
1- يؤكد (مجلس الأمن) على دور مجلس
الأمن في إتباع نهج شامل لمكافحة
انتشار جميع أسلحة التدمير الشامل
في دول منطقة الشرق الأوسط دون استثناء.
2- يحث على تفعيل قراراته ذات الصلة
وبخاصة القرارين 487 (1981) ورقم
687 (1991) الرامية إلى إخلاء منطقة
الشرق الأوسط من جميع أسلحة التدمير
الشامل وفي مقدمتها الأسلحة النووية.
3- يدعو دول منطقة الشرق الأوسط كافة
إلى الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار
الأسلحة النووية الـ (NPT) المؤرخة
في 1 تموز /1968 بوصفها دولاً غير
حائزة للأسلحة النووية، وإلى معاهدات
الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)
وحظر الأسلحة البيولوجية (PWC) وحظر
الأسلحة الكيميائية (CWC).
4- يؤكد عزمه على منع التهديد الذي
يشكله امتلاك الجماعات الإرهابية
لأسلحة التدمير الشامل.
5- يدعو الأمين العام إلى تقديم تقرير
خلال شهر من تاريخه حول تنفيذ هذا
القرار.
6- يقرر إبقاء المسألة قيد النظر.
رابعاً ـ العلوم والتقنية في الدول
العربية
تبدي بعض الدول العربية اهتماماً
بالحصول على التقنية النووية، فقد
شاركت 12 دولة عربية في برنامج عربي
مشترك في مجال الطاقة النووية الخفيفة،
وذلك في (مركز الشرق الأوسط الإقليمي
للنظائر المشعة) بالقاهرة الذي تأسس
في العام 1963. وقد ساعد هذا المركز
في نشر التقنية النووية الخفيفة لدى
الدول الاثنتي عشر. كذلك يوجد في
عدد من هذه الدول مراكز ومؤسسات متخصصة
في الطاقة والتقنية النووية، مثل
(المجلس الأعلى لاستخدامات الطاقة
الذرية) " الملحق برئاسة الجمهورية
في مصر " ومؤسسة الطاقة الذرية في
سورية، ومركز للعلوم والتقنية النووية
في الجزائر)، إضافة إلى وكالات مماثلة
في العراق وليبيا وتونس والكويت،
وسبق أن أبدت دول مثل مصر والمغرب
والجزائر وليبيا اهتماماً بإقامة
محطات كهربائية عاملة على الطاقة
النووية، ففي أوائل الثمانينيات نشأ
نحو 16 مشروعاً عربياً (قيد البحث
أو التخطيط أو الاتفاق أو التنفيذ)
لإنشاء محطات نووية قبل العام2000
في ست دول عربية هي مصر وليبيا والعراق
وسورية والكويت وتونس.
والحديث عن السلاح النووي العربي
أو الإسلامي بات أمراً ملحاً في ظل
التهديد النووي الإسرائيلي في المنطقة،
وإذا كان الحديث عن ثمة سلام في الشرق
الأوسط، فإن السلام العادل والشامل
تأتي به جيوش قوية، وفوهات المدافع.
هذا هو المنطق الحقيقي للسلام، فإلى
جانب إعادة احتلال إسرائيل للأراضي
الفلسطينية، وإلى جانب احتلال القوات
الأمريكية العراق ظلماً وعدوناً،
يعاني الإسلام هجمة عاتية تشنها الصهيونية
وكيانها والإدارة الأمريكية الحالية.
وعليه، فإن الردع النووي العربي أو
الإسلامي هو السبيل الوحيد للضغط
على القرار الإسرائيلي برفضه عدم
التوقيع على معاهدة حظر انتشار السلاح
النووي وعدم فتح منشآت إسرائيل النووية
أمام المفتشين الدوليين وإشهار لغة
التهديد، وذلك كي يعيد العدو حساباته
باستخدام هذه الأسلحة الفتاكة والمعادية
للبشرية، وقد أصبح من الضروري تعديل
الخطاب العربي أو الإسلامي الذي يسعى
إلى امتلاك هذه الأسلحة بديلاً لسعي
إسرائيل المستمر في تطوير قدراتها
النووية وعدم إخضاع منشآتها للرقابة
الدولية وتشكيلها خطراً على رقعة
جغرافية واسعة. ولا يخطئ من يظن أن
المنطقة العربية تعد، مقارنة مع المناطق
الأخرى في العالم، الأكثر تدويلاً
نظراً إلى ضخامة المشكلات المنطقية
وتداخلها. وقد كان من جراء ذلك أن
تعرض الأمن القومي العربي لتناحر
فكري وتباين عملياتي، فزادت معدلات
الانتشار النووي لدى الكيان الصهيوني.
وقد تبينت حقيقة ارتباط الانتشار
النووي بحقيقة الأوضاع السائدة في
النظام الإقليمي العربي الذي لم تكن
مساحاته حاوية على الصراعات فحسب،
وإنما امتدت إلى حوافه. ويشهد التاريخ
المعاصر أن التقنية والعلوم التي
كانت أسلحة الدول الاستعمارية المتقدمة
التي مكنتها من السيطرة على دول العالم
الثالث هما الثمن الذي يجب أن تدفعه
تلك الدول من أجل أن تلحق بالثورة
التقنية وتطويرها. ويشهد العالم عدم
التوازن في توزيع التقنية فتبلغ قيمة
النفقات على تنمية العلوم والتقنية
في الولايات المتحدة بمفردها 2.8
% من إجمالي الدخل القومي أو ما يعادل
134 مليار دولار في حين لا يتعدى
ما تنفقه الدول العربية 0.3 %- 0.5
% من إجمالي الدخل القومي، ويبلغ
الإنفاق على البحث والتطوير في البلاد
المتقدمة 97 % مما يصرف على هذا النشاط
في العالم، في حين أن الدول النامية
في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية
تنفق أقل من 3% مما ينفق على البحث
والتطوير في العالم كله.
ويضع بعض الناس اللوم على الاستعمارين
القديم والجديد والدور الهدام للشركات
عابرة القارات وعلى وجود النظام الاقتصادي
الدولي غير العادل والمتحيز للدول
المتقدمة. وهناك بعض الحقيقة في ذلك،
ولا يقود ترديد مثل هذه الأقوال إلى
أكثر من دائرة مفرغة. ولقد تعودنا
على هذه الإنجازات المذهلة التي غيرت
المجتمعات، وجميع هذه الأنشطة التي
غيرت نوعية الحياة هي ما نسميها التقنية،
أما العلم فيهدف إلى اكتشاف الطبيعة
من خلال اكتشاف بعض الحقائق الهادفة،
أما التقنية فهي تهدف إلى التعامل
مع الطبيعة والسيطرة عليها من أجل
تحقيق أغراض علمية، ومن خلال إيجاد
أداة أو تصميم أشياء ملموسة، والجديد
في العلوم يسمى اكتشافات، في حين
أن الجديد في التقنية يسمى اختراعات.
ولقد أكد وزراء الدول العربية المسؤولون
عن تطبيق العلم والتقنية في خدمة
التنمية في بيان الرباط (آب 1976)
على تصميم الأمة العربية على الاعتماد
على العلم والتقنية في التنمية الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية من أجل تحسين
ظروف الحياة في المجتمع العربي بما
يتفق مع تاريخه الحضاري.
ولا يزال الدعم المالي لأنشطة العلوم
والتقنية في المنطقة العربية دون
المستوى المطلوب وهو يقدر بـ 0.3%
من الناتج القومي الإجمالي مقارنة
بنسبة 0.6% في المنطقة الإفريقية
بـ 2.5% في الدول المتقدمة تقنياً،
والفارق بين 0.3%و1.00% من الناتج
القومي الإجمالي يبلغ 960 مليون دولار
سنوياً. ومن جهة أخرى فإن الإنفاق
على الأبحاث في المنطقة العربية يقدر
بحوالي 3 دولارات للفرد سنوياً، في
حين أن هذا المبلغ يصل إلى حد 160
دولاراً للفرد الواحد في الولايات
المتحدة على سبيل المثال. وبجانب
النقص الكمي في الإنفاق يعاني العمل
العلمي والتقني في المنطقة من أوجه
القصور النوعي المتمثل في تعقيد الإجراءات
المالية، وفي توزيع الإنفاق العام
على البرامج.
ويقدر عدد المشتغلين بالبحث العلمي
والتقني في المنطقة العربية بحوالي
120 شخصاً لكل مليون نسمة، في حين
أن هذا العدد يصل إلى حوالي 1400
في بريطانيا، وإلى حوالي 1600 في
ألمانيا، و3500 في اليابان،و160 في
الهند. وفي هذا الصدد أوصى المؤتمر
(كاستعرب) بأن يصل عدد العاملين في
العلوم والتقنية إلى حد أدنى قدره
500 لكل مليون مواطن علاوة على الوصول
بأعداد الفنيين المساعدين في هذا
المضمار إلى حد أدنى قدره 1500 لكل
مليون مواطن. وبالرغم من مضاعفة عدد
الجامعات والمعاهد في المنطقة العربية
خلال العقود الأخيرة، فإن التوقعات
تشير إلى أنه لن يكون ممكناً إعداد
سوى 25-50% من احتياجات المنطقة من
العلميين والتقنيين في العامين 2000
و2001. ونستطيع اعتبار العقود الأربعة
الأخيرة من القرن الماضي عصر بناء
البنية التحتية لمؤسسات العلوم والتقنية
العربية، فقد تضاعف عدد المؤسسات
التي أنشئت خلال هذه المدة حوالي
12 مرة، إذ بلغ عددها 1285 في العام
1996 مقابل 102 فقط في العام 1960،
واهتمت الدول العربية بالمعاهد الفنية،
إذ بلغ عددها 611 في العام 1996 مقابل
28 في العام 1960. أما وحدات البحث
والتطوير فقد بلغ عددها 322 في العام
1996مقابل 26 فقط في العام 1960.
وتعاني الدول العربية من المؤشرات
الكمية والنوعية لمؤسسات التعليم
العالي والبحث والتطوير وذلك من جراء
النقص الكبير في إعداد الخريجين من
حملة الماجستير والدكتوراه بصورة
عامة، ومن حملة الدكتوراه بصورة خاصة.
وقد بلغ في العام 1995 عدد حملة الدكتوراه
7300 خريج، كان نصيب مصر وحدها منهم
47%. ويوضح هذا مدى حاجة بقية الدول
العربية إلى زيادة أعداد خريجي الدكتوراه
مع تقنيين التخرج بما ينسجم واحتياجات
كل دولة وفق ظروفها الخاصة. وهذا
يعني زيادة معدل عدد الخريجين السنوي
من حملة الدكتوراه بنسبة 64% عن مستواه
في العام 1995. وإن نسبة الإنفاق
على البحث والتطوير وقد بلغت 0.13
% تضع الدول العربية في أدنى مرتبة
بين مناطق العالم بعد إفريقيا، وتشكل
هذه النسبة إحدى القضايا الهامة التي
تحتاج إلى معالجة.
ولقد ظل التعاون في مجالات البحث
والتطوير هدفاً معلناً سعت إلى تحقيقه
جميع الدول العربية، إلا أن مستوى
الإنجاز ظل دون مستوى الطموحات والإمكانيات
بكثير، ويبدو أننا في المجتمعات العربية
في حاجة ماسة إلى بناء فلسفة عربية
للعلوم والتقنية.