الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة حول الجبهة الوطنية التقدمية وآفاق تطويرها
محاضرة الأستاذ صفوان قدسي
الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي
 

أيها الأخوة البلاغة في الإيجاز ولكنه الإيجاز الذي لا ينبغي له أن يخلّ على الإطلاق بالمعنى الذي نقصده أو بالمعنى الذي نحاول أن نوصله إلى الآخر، ومع ذلك فإنه لا بد من الاختزال ولا بد من الإيجاز والحديث الذي نحن فيه الآن حديث تتسع له الكتب والمجلدات، فإذاً لا بد أن تضيق به دقائق معدودات مسموح لنا فيها أن نتناول قضايا أساسية قد تكون قضايا ذات طابع مستقبلي، وذات طابع استراتيجي، ولكن هذه طبيعة الندوات والملتقيات والنشاطات الفكرية.
أيها الأخوة: أنا أريد أن ألامس مسألة هي بكل تأكيد موضع اهتمامكم جميعاً وخاصة الذين يتولون مواقع قيادية في أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، هذه النقطة التي أود أن ألامسها دون أن أدخل في تفاصيلها هي أننا ما زلنا نعيش حالة مما يمكن أن نطلق عليه اسم غياب الثقافة الجبهوية، بعد أكثر من ثلاثين عاماً على قيام الجبهة الوطنية التقدمية، إن الجبهة كما تعلمون قامت في السابع من آذار عام 1972، بعد أكثر من ثلاثين عاماً ما زلنا نفتقد هذه الثقافة الجبهوية، والأمثلة على ذلك عديدة ووفيرة وأنا لا أخص حزباً بعينه في هذا المجال، وإنما هي بشكل عام ظاهرة ربما تتشارك فيها أحزاب عديدة ومن بينها حزب البعث العربي الاشتراكي، وتعلمنا من الرئيس بشار الأسد الشفافية وتعلمنا منه المصارحة والمكاشفة وعلينا أن نعترف بهذه الحقيقة وهي أن فريقاً من رفاقنا في حزب البعث العربي الاشتراكي لا يمتلك حتى الآن الثقافة الجبهوية الكافية التي تسمح له بأن يقوّم هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي التقويم الصائب والسديد، وأنا لا أقول هذا الكلام من فراغ، وأسمح لنفسي بأن أقول كلاماً قد لا يكون من الجائز أن أخوض فيه ولكن أعرضه بشكل سريع، نحن في لقاء المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي مع السيد الرئيس بشار الأسد في إطار اللقاءات التي بدأها السيد الرئيس في التاسع عشر من شهر تشرين الأول الماضي كان اللقاء الأول مع المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي، تحدثنا في هذه المسألة وقال الرئيس بشار الأسد في معرض وصفه لحالة عرضت أمامه قال: " لو كان هذا الرفيق الذي تتحدثون عنه يمتلك ثقافة بعثية لامتلك ثقافة جبهوية "، وفي هذا الكلام يكفي الإشارة إلى كم هو حجم المشكلة التي نشكو منها وقد عرضناها في مؤتمرات الجبهة وعرضناها في الجولات التي تقوم بها قيادة الجبهة، وهذه مسألة هامة أيضاً في إطار تطوير العمل الجبهوي بدأنا، تقليداً، أصبح من تقاليد عملنا الجبهوي الراسخة وهي أن تكون هناك جولات جبهوية على مستوى القيادة المركزية للجبهة على جميع المحافظات السورية نلتقي بقيادات فروع الجبهة بالمكاتب السياسية لأحزاب الجبهة في تلك المحافظات، وبالفعاليات الشعبية والنقابية والمهنية والقوى الوطنية الأخرى، هذا أيضاً جزء أساسي من التطور النوعي الذي حدث في السنوات الأخيرة ومع الرئيس بشار الأسد على وجه التحديد، وأنا أعتقد أن هذه اللقاءات لا تقل أهمية عن الاجتماع السنوي الدوري لقيادات فروع الجبهة الوطنية التقدمية في المحافظات والقيادات السياسية لأحزاب الجبهة.
أنا أعتقد أن علينا أن نولي مسألة الثقافة الجبهوية ما تستحقه من اهتمام، وليس الأمر عسيراً علينا على الإطلاق فهناك مساحات واسعة أمامنا نستطيع من خلالها أن نفعل الكثير في هذا المجال بحيث يصبح لدينا فكر جبهوي واضح وثقافة جبهوية معممة.
أيها الأخوة تحدث الأستاذ فائز وتحدث الأستاذ يوسف أيضاً حول ما كنا عليه قبل قيام القائد الخالد حافظ الأسد إلى حمل مسؤولياته الوطنية والقومية عام 1970، كنا في حالة مختلفة نوعياً عما صرنا إليه في وقت لاحق، كنا في حالة صدامية، كنا في حالة تناحرية، كان كل واحد منا يعتقد أن الحقيقة كل الحقيقة موجودة في قبضة يده وليست موجودة عند أحد غيره، كان كل واحد منا يحاول أن يحتكر الحقيقة وحده وكان كل واحد منا يحاول أن يحذف الآخر وأن يصدر عليه حكماً بالإعدام وأن يمسحه من ذاكرته السياسية، وكان ذلك خطأً كبيراً وقعنا فيه جميعاً، وكان في المقدمة مما قدمه القائد الخالد حافظ الأسد إلى حياتنا الفكرية والسياسية هي هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي صيغة الجبهة الوطنية التقدمية التي تقول دائماً عنها أنها الاكتشاف المبكر الذي سبق به حافظ الأسد عصره بأكثر من عقدين من الزمن.
انطلاقاً من أن الجبهة الوطنية التقدمية (وهذا كلام من المفيد أن نعيده ونكرره ففي الإعادة أحياناً فائدة ترجى) نقول دائماً أن الجبهة الوطنية التقدمية ذات معانٍ ثلاثة كبرى تندرج تحتها عناوين عديدة لا أقول إنها أقل أهمية لكنها ليست بالدرجة نفسها من الأهمية.
العنوان الأول الوحدة الوطنية: هذه الوحدة الوطنية التي أشار إليها الأستاذ إلياس مراد في تقديمي حين طلب مني أن أتحدث عن كيف نستطيع أن نواجه من التحديات، الوحدة الوطنية كانت هي الشعار الأول أو الهدف الأول الذي سعت الجبهة الوطنية إلى تحقيقه، ونحن نرى في هذه الصيغة الوعاء الملائم والمناسب لتجسيد هذه الوحدة الوطنية وهي الوحدة التي أثبتت أهليتها وجدارتها في مواجهة جميع التحديات، وخاصة التحدي الكبير الذي أصبح نسياً منسياً، لكن علينا أن نستحضره من ذاكرتنا لكي تكون لنا فيه عبرة وعظة ولكي نتعلم منه ما ينبغي أن نتعلمه ولكي نستخلص منه الدروس المستفادة وأعني به ظاهرة الثورة المضادة وهذا مصطلح قد يكون خلافياً لكن هكذا في الأدب السياسي جرى التعارف والتواضع والتفاهم على أن هذا هو المصطلح المناسب الثورة المضادة ورأس حربتها عصابة الإخوان المسلمين، الوحدة الوطنية هي التي مكنت سورية أن تصمد بوجه تلك الهجمة التي كان يراد منها إسقاط كل ما هو نبيل وشريف في حياتنا الوطنية والقومية.
العنوان الثاني هو التعددية الحزبية والسياسية: وهي تعددية أصبحت حقيقة راسخة على أرض الواقع لا أقول إنها لم تكن موجودة قبل حافظ الأسد لكنها كانت موجودة بقوة ثم تحولت إلى حقيقة موجودة بالفعل، تعلمون كلكم كيف أن الفلاسفة يميزون بين نوعين من الوجود، الوجود بالقوة أي الوجود الكامن، والوجود بالفعل أي الوجود المتحقق على أرض الواقع، على الأقل في إطار الجبهة الوطنية التقدمية أمكن بالاعتراف بوجود هذه القوى بل أمكن بالاعتراف بأنها قوى فاعلة ومؤثرة في الحياة السياسية السورية وبأنها تشكل تعبيراً عن تيارات سياسية واسعة وعريضة جنباً إلى جنب مع التيار الأساسي الذي يمثله حزب البعث العربي الاشتراكي.
العنوان الثالث هو ممارسة الديمقراطية السليمة: ونحن نلح دائماً على كلمة السليمة لكي لا نقع في التباس ما انطلاقاً من أننا نعتقد بأن الديمقراطية ليست سلعة تستورد من هذا البلد أو ذاك وإنما هي تعبير عن ضرورات وطنية وعن حالة سياسية، وهي تُستحضر من التاريخ، من تاريخ الأمة ومن حضارتها ومن ثقافتها، ومن تجاربها ومن خبراتها المتراكمة، وبمعنى من المعاني فإن الديمقراطية تعبير عن خصوصية الأمة، لكل أمة خصوصيتها القومية التي تعبر عن نفسها بأشكال شتى ومنها النظام السياسي والنظام الديمقراطي الذي اختارته لنفسها.
هناك أفكار كثيرة، وأنا أريد أن أختصر الأمر بعنوان بسيط جداً، نحن كنا في حالة تعرفونها حق المعرفة قبل عام 1970، وصرنا بعد ذلك إلى حالة ما زالت قائمة ومستمرة لكنها تتعمق يوماً بعد يوم وتتجذر أكثر فأكثر في حياتنا الوطنية وفي حياة البلاد السياسية، نحن لا ندّعي أننا نمثل كل الفعاليات السياسية والوطنية الموجودة في سورية لكننا نستطيع أن نقول وبكثير من التواضع إننا نمثل الشرائح الأوسع من هذه القوى الوطنية والسياسية دون أن نلغي حق الآخر في أن يعبر عن نفسه بالطريقة التي يراها ملائمة ومناسبة.
أنا أريد أن أميز هنا بين مصطلحين يبدو أننا نختلف أحياناً في تفسيرهما وقد حدث ذلك خلال هذه الندوة: مسألة الجبهة ومسألة التحالف، أنا أعتقد أن الجبهة هي شكل من أشكال التحالف لكن التحالف الذي يمكن أن يسمى بشكل أو بآخر تحالفاً استراتيجياً لأن التحالفات التي يشير إليها البعض، وأنا لا أعترض على هذه الإشارة كانت في كثرتها الكاثرة تحالفات تكتيكية أملتها ظروف عابرة وطارئة سرعان ما آلت إلى زوال بزوال هذه الظروف العابرة والطارئة والمؤقتة.
الجبهة ليست كذلك على الإطلاق، الجبهة قد تكون شكلاً من أشكال التحالف لكنه تحالف مستند إلى رؤى إستراتيجية ومستند أيضاً إلى قواسم مشتركة تجمع بين هذه الأحزاب وبالتالي فإنني هنا أريد أيضاً أن أشير إلى ما قاله الأخ العزيز يوسف الفيصل حول مسألة التطابق والتمايز. لا بد من قدر ما لا أقول من التطابق ولكن لابد من قدر ما من وجود قواسم مشتركة تجمع بين هذه الأحزاب وإلا لماذا نقيم جبهة وطنية تقدمية؟ أنا لا أقول أن علينا، أنا معه بأن الاندماج غير وارد على الإطلاق، فلكل حزب خصوصيته الفكرية، خصوصيته السياسية، خصوصيته التنظيمية، تجربته التي هي جزء لا يتجزأ من بنيته، ومن عمله السياسي، ولكن في الوقت نفسه لابد من أن نقر بأن هناك مسائل لا بد من أن نكون متوافقين عليها ومتفقين، وأنا أذكر كيف أن القائد الخالد حافظ الأسد قال ذات يوم في حديث له، قال تحدث عن اجتماعات القيادات المركزية للجبهة الوطنية التقدمية وأشار إلى أنه تحدث أحياناً خلافات أواختلافات على الأقل إن لم نقل خلافات فلنقل اختلافات بين وجهات نظر متعددة وقال بالحرف الواحد: " لقد كنا نختلف وكنا نأتلف " لكننا في نهاية المطاف كنا نبحث عن ما يجمعنا، كنا نبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع هذه الأحزاب وهذه القوى الوطنية.
أود أن أشير إلى مسألة تطرح كثيراً في حياتنا السياسية وفي حياتنا الجبهوية وأنا لاحظت ذلك في الفترة الأخيرة، البعض يحاول أن يقلل من شأن الفكر في حياتنا السياسية، أنا من الذين يعتقدون، أنا لست من الذين يلهثون وراء التنظيرات السياسية التي لا علاقة لها بالواقع ولكن في الوقت نفسه أنا من الذين يعتقدون أن الفكر هو تعبير عن الحياة، وأن الفكر يمكن أن يسبق الواقع في كثير من الأحيان، ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا مليء بالأمثلة التي تؤكد أن ما من فكرة، ما من عمل عظيم تم إنجازه، ما من ثورة كبرى تحققت إلا وسبقتها نظريات، سبقتها أفكار، سبقتها رؤى مستقبلية، ولدي العشرات من الأمثلة ولكن ليس هناك متسع للحديث عنها، ولكن إذا قرأنا الثورة الفرنسية فنجد كم من المفكرين هم الذين قدموا لهذه الثورة بمؤلفاتهم وكتاباتهم، وإذا عدنا إلى الثورة البلشفية في روسيا أيضاً نجد كيف أن الفكر الذي سبق الثورة هو الذي مهد الطريق وهيأ المسرح المناسب لقيام هذه الثورة.
الفكر لا يمكن أن يكون مجرد تنظير، الفكر جزء أساسي من عملنا السياسي، ما من عمل سياسي إلا ويهتدي بدليل نظري وبمرشد فكري لا بد من أن يتوافر لكي يكون عملنا قادراً على الوصول إلى غاياته المنشودة، أما إذا لم يكن هناك بوصلة فكرية نهتدي بها فسوف - ربما - نتخبط وربما لا نعرف إلى أين المصير، وإلى أين المآل.
أيها الأخوة: المشكلة أن الموضوعات كثيرة والعناوين عديدة والأفكار غزيرة، والوقت قصير لذلك اعذروني إذا اختزلت وربما قد أكون قد دخلت ببعض المعاني التي حاولت أن أعبر عنها ولكن يمكن من خلال النقاشات إيضاح بعض المسائل الأخرى وشكراً لكم جميعاً.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية